الوسائل البديلة لفض النزاعات :
التحكيم أنموذجا
منصف الكشو
رئيس دائرة بمحكمة التعقيب / تونس

مقدّمة: مفهوم التحكيم وخصائصه
يعتبر شرّاح القانون أنّ التحكيم وسيلة طبيعية من وسائل فض النزاعات ظهرت منذ القديم فهو ” طريق العدل الأول للإنسان ” . ويمكن تعريفه بأنه ” الطريقة التي يختارها الأطراف لفض المنازعات التي تنشأ عن العقد عن طريق طرح النزاع والبت فيه أمام شخص أو أكثر يُطلق عليهم إسم “المحكم أو المحكمون” دون اللجوء إلى القضاء ” . وعلى المستوى الإصطلاح الفقهي فهو يعني “توليّة الخصمين حاكما يحكم بينهما” .

وقد جاء بالمادة 1790 من المجلة العثمانية – المجلة العدلية – أنّ “التحكيم هو إتخاذ الخصمين برضاهما حاكما يفصل خصومتهما ودعواهما ويقال له حكم بفتحتين ومحكم بفتح الميم وضم الحاء وتشديد الكاف المفتوحة “.

ويعتبر التحكيم من ضرورات العصر لأنه الطريقة المثلى لفصل النزاعات وخاصة منها المتعلقة بالعلاقات التجارية الدولية، بما حدى بلجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية إلى إقرار قانون نموذجي للتحكيم في 21 جوان 1985.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

ونظرا لقناعة المشرع التونسي وغيره من مختلف المشرّعين بأهمية التحكيم، فقد خُصّصت له أحكاما تُنظمه. ففي تونس صدرت منذ 26 أفريل 1993 وبموجب القانون عدد 42 لسنة 1993 مجلة التحكيم لتنظم إجراءات التحكيم الداخلي والدولي بعد كانت تُنظمه الفصول من 258 إلى 284 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية. أما في الجزائر وفي إطار تكريس مفهوم الطرق البديلة لتسوية النزاعات، اعتبر المشرع أنّ من ضمن تلك الطرق، التحكيم. وقد تولى تقسيمه إلى تحكيم داخلي وتحكيم دولي وذلك بموجب أحكام الباب الخامس من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد .
ويتميّز التحكيم بعدّة مزايا منها:
*السرعة في فصل النزاعات، ذلك أنّ أجل البت في النزاع التحكيمي محدّد بأجل لا يجوز تجاوزه تحت طائلة الإبطال.
*السريّة، وذلك على خلاف قضاء الدولة العلني الذي قد يتعارض مع حرص الأطراف المتنازعة على إبقاء الخلاف بينهما في السرية التامة .
*القضاء المفصّل، ويعني أنّ للأطراف حرية إختيار المحكمين من ذوي الخبرة والكفاءة والتخصّص، بما يضمن إصدار أحكام يرتاح لها الأطراف.
ورغم صعوبة ضبط تعريف التحكيم من الناحية النظرية ، فقد عرّفه المشرع التونسي بالفصل الأول من مجلة التحكيم بأنه ” طريقة خاصة لفصل بعض أصناف النزاعات من قبل هيئة تحكيم يُسند لها الأطراف مهمّة البتّ فيها بموجب إتفاقية تحكيم “.

ويبقى التحكيم مهما إختلفت تعاريفه إرادي المصدر ، فمهمّة التحكيم لا تقوم إلا إذا استندت إلى إرادة الأطراف، وهي خاصية الإرادية. ومن خصائصه أيضا أنّ عمل المُحكم يتطابق مع مهمّة القاضي، فمهمّته البتّ في النزاع وإصدار حكم فيه، وهي السلطة القضائية للمُحكم.

وإنطلاقا من خاصيّة الإرادية، إختلف الفقه حول الطبيعة القانونية للتحكيم، فقد ركّز البعض على طبيعته التقنية والتعاقدية، فهو عقد يُبرمه الأطراف لفض الخلاف بينهما بواسطة الغير” المّحكم ” يرتضيان مسبّقا بما سيقرّره. ويقوم هذا التحليل على الربط بين التحكيم والصلح، على إعتبار أنّ التحكيم هو من قبيل الصلح، ونجد صدى لهذه الفكرة في القانون التونسي، فهو يمنع التحكيم فيما لا يجوز فيه الصلح.

في حين يعتبره البعض الآخر من الآليات القضائية لحسم النزاعات، لأنّ المُحكم يأخذ من سلطة القاضي في فضّ النزاع ويُصدر حكما يخضع في موجباته وبياناته إلى البيانات المستوجبة في الحكم القضائي وفقا للفصل 30 من مجلة التحكيم التونسية الذي يُخضع حكم التحكيم لمقتضيات الفصل 123 من م.م.م.ت. حول البيانات الوجوبيّة للحكم القضائي. وقد أصبحت الصبغة القضائية تطغى عليه، إذ أصبح المُحكم يستمع لمقالات الخصوم ويتلقى ما لهم من المؤيدات ويطبق القانون على الإجراءات التحكيمية وعلى أصل النزاع، إلاّ إذا سمح له الأطراف بخلاف ذلك.

ومن الملاحظ أنّ التحكيم بحسب طبيعته يكون إمّا:
*داخليا: أي الذي يتمّ تنظيمه داخل تراب الدولة ويمسّ بمصالح مدنية تجارية داخلية ويتمّ بين أطراف لهم محل عمل بتونس مثلا . ويعني ذلك أنّ التحكيم يعدّ في هذه الصورة تحكيما وطنيا لأنّ إجراءاته مأخوذة من القانون الداخلي، وهو ما يعني أنّ المشرع يعتمد المعيار الترابي في تحديد طبيعة التحكيم.

*دوليا: ويعتبر دوليا إذا كان محل عمل طرفي إتفاقية التحكيم يوجد بدولتين مختلفتين أو بالرجوع إلى إرادة الطرفين أو إستنادا إلى مكان التحكيم. ويعني ذلك أنّ الإجراءات مأخوذة من قانون دولي أو إتفاقيات دولية أو أجنبية.

كما يمكن الحديث كذلك عن معيار آخر للتمييز بينهما، وقد ورد في الفقه الحديث، وأخذ به خاصة القضاء الفرنسي، وهذا المعيار يتعلق بطبيعة النزاع، ومنه يستند النزاع التحكيمي الدولي إلى الطبيعة الدولية للنزاع، فإذا كان ناشئا عن معاملات تجارية دولية فإنه يعتبر دوليا.

ويكون التحكيم بحسب شكله التنظيمي إمّا حرّا أي الذي يتمّ تنظيم إجراءاته من طرف هيئة التحكيم، وإمّا مؤسساتيّا أو نظاميّا أي الذي يتمّ تنظيمه وفق نظام خاضع لمؤسّسة تحكيم.

ويكون التحكيم أيضا بحسب سلطة المُحكم تحكيما قانونيا يلتزم بموجبه المُحكم بتطبيق القانون، أو تحكيما مُصالحا يُطبّق فيه المُحكم ما يراه صالحا من قواعد العدل والإنصاف دون أن يمنعه ذلك من تطبيق القواعد القانونية وذلك بحسب التنظيم القانوني للتحكيم (الجزء الأول).

ومن الملاحظ أيضا أنه ولئن كانت للتحكيم مزايا بيّنة وليست محل نزاع، فإنه لا يخلو من بعض المساوئ كالتنازل عن بعض الضمانات الشكلية، وعن الطعون، وطول المناقشات بشأن إتفاقية التحكيم ومداها ونطاقها، إلى حدّ قد يُعيق تفعيل إجراءات التحكيم. ولعل هذه التخوّفات هي التي جعلت التشريع التونسي ينصّ على الطعن في القرار التحكيمي بالإبطال أمام القضاء العدلي ليمارس هذا الأخير الرقابة على الحكم التحكيمي (الجزء الثاني).
الجزء الأول:
التنظيم القانوني للتحكيم
يقتضي الإلمام بالتنظيم القانوني للتحكيم دراسة جذوره التاريخية عند العرب (الفرع الأول) ومقارنته بالوسائل الأخرى لفض النزاعات (الفرع الثاني).

الفرع الأول :
الجذور التاريخية للتحكيم عند العرب
كانت للتحكيم جذوره تاريخية هامة سواء قبل ظهور الإسلام (1) أو عند ظهوره (2) قبل أن تسعى الدول لتنظيمه (3).
1/ قبل ظهور الإسلام
كانت مهمة حسم النزاعات في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام لا يقوم بها القضاء، إذ كان العرب يرضون بأحد عقلائهم ليكون حكما في مشاكلهم . ولذلك فقد ظهر التحكيم عند العرب منذ القديم، ولكنه في شكله البدائي، فالقرار الصادر عن المحكم غير ملزم للأطراف وليست له القوة التنفيذية .
2/ عند ظهور الإسلام
بظهور الإسلام أصبح التحكيم من الوسائل العادية لفض النزاعات في سائر الحقوق. ذلك أنه ولئن نزلت الآية فيما يتعلق بالشقاق العائلي لقوله تعالى في سورة النساء الآية 35 ” وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ” ، فإنها تقرّ التحكيم في مفهومه القضائي الحقيقي ، سيّما وأنّ آليّة التحكيم معروفة عند العرب وقد مارسها الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى بسورة النساء الآية 65 ” فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت ويسلّموا تسليما “.

ومن أشهر وقائع التحكيم، واقعة الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان بعد مقتل عثمان بن عفان، واقعة الفتنة الكبرى، حيث ولّى أهل المدينة عليّا بن أبي طالب للخلافة وهو ما رفضه معاوية وإمتنع عن مبايعة علي. وقد إتفق الطرفان على التحكيم في المسألة بعد أن عرض معاوية الصلح ورفع جنوده المصاحف على أسنّة الرماح، وتمّ تحرير”وثيقة الإتفاق على التحكيم” وإلتقى المُحكمان وهما أبو موسى الأشعري عن علي وعمرو بن العاص عن معاوية ، وإتفقا على تنحيّة كل من علي ومعاوية ودعوة المسلمين لتوليّة من يرونه. وحصل أن أعلن أبو موسى الأشعري عن خلع علي، ولكن عمرو بن العاص لم يخلع صاحبه وقال أنا أثبّت صاحبي معاوية .

وتجيز المذاهب الفقهية اللجوء إلى التحكيم ، أي إمكانية تولّي أحد الخصوم للتحكيم في نزاع له مع الغير إن رضي الخصم بتحكيمه وكان على بيّنة من أمره.

3/ السعي في إيجاد التنظيم القانوني للتحكيم
بدأ التقنين على المستوى الدولي (أ) ثمّ على مستوى الدول العربية (ب).
أ/ بداية التقين على المستوى الدولي
يمكن القول من الناحية التاريخية بأنّ البحث في الوسائل البديلة لفض النزاعات، وخاصة منها التجارية كان بسبب ” تأخر القضاء عن القيام بمهامه. وعلى المستوى الدولي فإنّ اللجوء إلى التحكيم وخاصة في التجارة الدولية يرجع لعدّة أسباب منها:
– تجنّب المتعاقدين عرض خلافاتهم على محاكم الدولة لما في ذلك من إستغراق لزمن طويل للحسم في النزاع.
– تذرّع المتعاقدين بعدم معرفتهما للنظام القانوني والقضائي لدولة أخرى.
– عدم الثقة في النظام القانوني والقضائي لدولة الطرف الآخر.
– سلطة الطرفين في التحكيم، فلهما إختيار مكان التحكيم، والقواعد الواجبة التطبيق في إجراءات التحكيم وموضوعه، بما يجعل الأطراف المتنازعة على ثقة في فصل النزاع وحسمه بشكل عادل وقانوني.
– إنّ التوافق وفقا لما ذكر يحقق تنفيذ الحكم التحكيمي بصفة طوعيّة دون إتباع إجراءات التنفيذ الجبري، وهو ما يضمن إستمرار العلاقات التجارية بين الطرفين.
وقد بدأت المحاولات منذ القرن السادس عشر بفرنسا، فقد تمّ حينها سنّ قانون يجعل التحكيم إجباريّا بين التجار في نزاعاتهم التجارية. كما تدخّل المشرع الإنكليزي منذ سنة 1697 لسنّ أول قانون ينظم التحكيم. وقد كان للدول الآسيوية مجالا في تنظيم التحكيم، فهو يعود في كوريا الجنوبية إلى عصر مملكة عائلة “بي” التي حكمت البلاد من سنة 1392 إلى 1910، وتطوّر في العصر الحديث ليبرز في الإتفاقيّات التجاريّة فصدر قانون التحكيم في سنة 1966.
ويعتبر قانون التحكيم الصيني نموذجا لقوانين جنوب شرق آسيا. إذ تتميّز الحضارة الصينيّة بميلها إلى الحلول السلميّة والصلحيّة وعدم الرغبة في التشدّد في النزاع. وهذا الطابع التحرّري جعل التحكيم متحرّرا أيضا، فيُجيز قانون التحكيم الجديد اللجوء إلى التحكيم الحرّ أو المؤسّساتي سواء بإختيار مؤسّسة تحكيم صينية أو حتى أجنبية.

ولا بدّ من التذكير في هذا الإطار بما ورد من أحكام تنظم التحكيم بالمجلة العثمانية لسنة 1876. فقد تضمّنت المجلة عشرة فصول تمتدّ من الفصل 1841 إلى 1851 تتعلق بمسائل التحكيم. وقد نصّت المادة 1841 أنه ” يجوز التحكيم في دعاوى المال المتعلقة بحقوق الناس “.

إثر هذه المحاولات، ومنذ أواخر القرن العشرين تسارعت الدول لتبنّي قوانين جديدة للتحكيم أو تعديل ما هو موجود .
ب/ التقنين في الدول العربية
تحفّظت بعض الدول العربية في تنظيم التحكيم، وخاصة الدولي منه لمساسه بالسيادة، فالقانون الجزائري لسنة 1996 كان متحفّظا في الأخذ بنظام التحكيم ومنع اللجوء إليه من طرف المؤسّسات الوطنية عدى في بعض النزاعات التجارية . ثم بموجب قانون المرافعات المدنية والإدارية الجديد كرّس الطرق البديلة لتسوية النزاعات وذلك بالكتاب الخامس الذي يحمل عنوان “في الطرق البديلة لحل النزاعات” وأدخل ضمنها التحكيم بالباب الثاني تحت عنوان “في التحكيم ” ، كإحدى الطرق البديلة لفض النزاعات.

وقد تحفّظت عديد الدول العربية إزاء التحكيم لما عرفته من خيبات في عقود إستغلال آبار النفط ، فقد طبّق المحكمون قوانين غير قانون الدولة المعنيّة بدعوى تفضيل قانون التجارlex mercatoria أو السعي إلى إحداث توازن بين الخصوم بعدم تطبيق قوانين صادرة عن أحدهم، وهو ما جعل الدول العربية تتحفّظ إزاء التحكيم وتضيّق من مجال إنطباقه.

ولكن وتبعا لما يوفره التحكيم من مزايا، بدأت العودة التدريجية إلى التعامل بمرونة مع التحكيم من طرف الدول العربية فظهر القانون السعودي الحديث، والتشريع الجزائري كما أشير إليه، والقانون المغربي، والقانون الأردني الجديد، والقانون التونسي بمجلة التحكيم لسنة 1993.

ونظرا لأهمية التحكيم وخاصة على المستوى الدولي، فقد إنتشر في مجال التجارة الدولية وبرزت المؤسّسات المتخصّصة في التحكيم، وساهمت المنظمات الدولية في وضع إجراءات خاصة بسير عمليات التحكيم. ونتيجة لأهمية التحكيم في المجتمع الدولي، وضعت لجنة القانون التجاري الدولي التابعة للأمم المتحدة قواعد خاصة بالتحكيم، تُعرف “بالقانون النموذجي للتحكيم”.
وتكمن أهمية التحكيم في أنّ التحكيم في التجارة الدولية أصبح من المسائل الرئيسية التي تُعقد من أجلها المؤتمرات والندوات العلمية الدولية لأنه أصبح في الوقت الحاضر الطريقة الشائعة لفض النزاعات.

أما في علاقات الدول العربية فيما بينها، فإنّ إتفاقيات التحكيم تجد مكانها في التعامل الجاري العربي، ولهذا تمّ عقد عدّة إتفاقيّات عربيّة عديدة تعالج التحكيم وتنفيذ قراراته فيما بين الدول العربية. ونصّت عديد الإتفاقيّات على إتخاذ التحكيم وسيلة لحل الخلافات التي تنشأ بين الدول المتعاقدة، ومنها إتفاقية تنفيذ الأحكام لجامعة الدول العربية لعام 1956، وإتفاقية صندوق النقد العربي -الفصل 25-، وإتفاقية المؤسّسة العربية لضمان الإستثمار لسنة 1974، والإتفاقية الموحّدة لإستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية لسنة 1981، والإتفاقية العربية للتحكيم التجاري لعام 1987.

وإلى جانب الإتفاقيات توجد مواثيق الإتحاد العربي ومنها ميثاق إتحاد البريد العربي، وميثاق الإتحاد العربي للمواصلات السلكية واللاسلكية.
الفرع الثاني:
التحكيم والوسائل الأخرى لفض النزاعات
يختلف التحكيم عن وسائل أخرى شبيهة لحسم النزاعات كالصلح (1) والوسائل الأخرى البديلة (2).
1/ الصلح والتحكيم
يمثل الصلح عقدا يقطع به الطرفان الخصومة بتنازل كل من المتصالحين عن جزء من مطلبه ، فهو يرفع الخصومة ويقطع النزاع وذلك على خلاف التحكيم الذي يرمي الطرفان المتنازعان من وراءه إلى إبراز حق كل منهما دون أي تنازل والحصول على حكم يمثل سندا تنفيذيا. فالتحكيم يقطع الخصومة بصدور حكم من المحكم أو المحكمين، وبذلك يكون مفهوم الصلح مغايرا عن مفهوم التحكيم. فالصلح يرمي إلى البحث عن صيغة توافقية يقبل بها الأطراف وتؤدّي إلى إنهاء النزاع القائم أمام القضاء.
وعند التوصّل إلى الصلح، يتمّ تضمينه من طرف القاضي بمحضر يعدّ بمثابة السند التنفيذي الذي ينفذ طبق ما يقتضيه تنفيذ الأحكام.
2/ الوسائل الأخرى البديلة
نتعرّض هنا إلى الوسائل البديلة المتعلقة بالصلح والتوفيق(أ) والوساطة(ب).
أ/ المصالحة والتوفيق والتحكيم: Arbitrage et conciliation :
يتميّز التحكيم عن غيره من التقنيات الشبيهة، فهو يتمثل في إسناد مهمة قضائية(Mission juridictionnelle) إلى شخص خاص. ومن هذه الوجهة، فهو يختلف عن آليتي المصالحة والتوفيق، ويبرز الإختلاف من خلال معيار طبيعة المهمّة وهي الصبغة القضائية للمهمّة التحكيمية، على خلاف المصالحة والتوفيق التي تفترض وجود الغير لتقريب وجهات نظر الأطراف وإعداد مشروع في المصالحة وفق إجراءات بسيطة مقارنة بإجراءات التحكيم، كما أنّ الموفّق يحاول أن يقرّب وجهات النظر بين الطرفين للتوصّل إلى إتفاق لتسوية النزاع دون أن يلتزم الموفّق بتطبيق قانون معيّن. ولا تثبت لدى هذا الغير سلطة فضّ النزاع أي السلطة القضائية، فالقرار الذي يتوصّل إليه الموفّق ليست له صفة الإلزام، على خلاف التحكيم، إذ يتميّز التحكيم بأنه يُعطي للمحكم سلطة القاضي. فمعيار التفرقة بين المصالحة والتحكيم يتمثل في طبيعة المهمة في كليهما، وطبيعة الصلاحيات المسندة للمحكم وللمصالح أو الموفق. فإذا أسند الأطراف للغير مهمّة الفصل بقرار مُلزم، فإنّ الأمر يتعلق بالتحكيم، وإن إقتصرت المهمّة على السعي في إيقاع الصلح بين الأطراف دون إصدار قرارات ملزمة، فهي مهمة مصالحة وتوفيق.
ب/ الوساطة والتحكيم
يمكن أن نتحدّث هنا أيضا عن الوساطة كطريقة بديلة لحل النزاعات (médiation). وهي تختلف عن التحكيم الذي يقوم به المُحكم بناءا على إتفاق مسبّق بين الأطراف، كما تختلف عن الصلح، فالوساطة تتوقف على إرادة الخصوم بمفردهم.

وقد تعددت التعريفات المقدمة للوساطة. فهي لغة مشتقة من وسط يوسط وساطة، وهي عمل الوسيط. والوسيط هو المتوسط بين المتخاصمين، والوساطة بين القوم هي الدخول بينهم لإصلاح ذات البين. أمّا إصطلاحا فالوساطة تعتبر آلية ترمي إلى الصلح بين طرفي النزاع، وتستوجب لذلك تدخّل طرف ثالث هو الوسيط الذي يقوم بمهمّة تقريب وجهات النظر والتوفيق بين المتخاصمين للوصول إلى إتفاق يحسم به النزاع القائم.

كما تمّ تعريفها بأنها طريقة جديدة لفضّ النزاعات تقتضي تعيين طرف مُحايد عن النزاع برضاء الطرفين لتقريب وجهات النظر بينهما ومساعدتهما على إيجاد حل للنزاع القائم بينهما .

من الملاحظ أنّ الوساطة تهدف إلى وصول الأطراف إلى أحسن الحلول لفضّ النزاع، بمساعدة شخص مُحايد له كفاءة ودراية ودون أن تكون له سلطة الفصل فيه.

ومهما يكن من أمر وعلى فرض تباين المصطلحات بين الوساطة والصلح والتوفيق – لوجود فسيفساء إصطلاحية – فإنّ المهام والصلاحيات لا تختلف، ذلك أنّ أي منها لا يتمتع بصلاحيات فرض الحل الذي يراه مقبولا وملائما، بل هو يسعى إلى جعل الأطراف يتفقون على طريقة حل النزاع. ولا يمكن أن يعتبر الإتفاق حول الحل الذي يراه الموفق أو المصالح أو الوسيط حكما أو قرارا ينسب الى الموفق او الوسيط أو المصالح، وذلك خلافا للقرار الذي يصدر عن المحكم فهو ينسب إليه الحل الذي يقبله الأطراف ويرضون به ويلتزمون بالعمل بمقتضاه، لأنّ رأي المحكم ملزم.

غير أنّ الملاحظ أنّ إتفاق الأطراف على اللجوء للتحكيم، ومهما كانت الحرية التي يتمتعون بها في تنظيم إجراءات التحكيم، فإنّ ذلك لا يمنع من طلب تدخل قضاء الدولة لمراقبة أعمال التحكيم والتصريح بإبطال الحكم التحكيمي عند الإقتضاء .
الجزء الثاني:
مراقبة الحكم التحكيمي من طرف قضاء الدولة: إبطال الحكم التحكيمي
يعدّ الطعن بالإبطال طعنا خاصا في مادة التحكيم (الفرع الأول) ينتج آثارا على التنفيذ (الفرع الثاني).
الفرع الأول:
الإبطال طريقة طعن خاصة في حكم التحكيم
يثير الطعن بالإبطال عدّة مسائل تتعلق بطبيعته القانونية(1) وبتكريسه(2).
1/ طبيعة الطعن بالإبطال
أصبح الطعن بالإبطال سمة تميّز طرق الطعن في مادة التحكيم ومظهر من مظاهر إستقلاليته عن القضاء العدلي. فلا يجوز لقضاء الدولة التدخل في مادة التحكيم إلاّ في المسائل ذات الطابع الشكلي. إذ يؤكد فقه القضاء على أنّ تعهّد القضاء العدلي بالإبطال لا يُجيز له مراقبة صحّة الحكم التحكيمي في النواحي الموضوعية الأصلية، وإنّما تقتصر مهمته على مراقبة صحّة حكم التحكيم من الناحية الشكلية على أساس إحترام القضاء الخاص والإعتراف بإستقلاليته.

وقبل الخوض في شروط الطعن بالإبطال وآثاره يكون من المتجه التطرّق إلى طبيعة طلب الابطال. فهل هو دعوى أم طعن؟
تهدف الدعوى إلى حماية حق تمّ التعدّي عليه وترمي إلى إسترجاع ذلك الحق ممّن إغتصبه أو التعويض عنه أو طلب رفع التعدّي عنه وكفّه. فهي مواجهة بين طرفين أوّلهما المدّعي وثانيهما المدّعى عليه لغاية إستصدار حكم في قول ذلك الحق. ومهما كان مصدر الحق فإنه من المفترض أن ينتفع به صاحبه ويجبر غيره على إحترامه، وذلك بالرجوع إلى القضاء كسلطة شرعية تحمي الحق من الإعتداء عليه والعبث به، إذ لا قيمة قانونية للحق طالما لم يقع إنتزاعه من غاصبه لإعادته إلى صاحبه الحقيقي. ويتمّ ذلك بإتباع مسلك التقاضي برفع الدعاوى اللازمة للحصول على حكم يُصرّح بوجود الحق وبحصول الإعتداء عليه وبوجوب ردّه إلى صاحبه. وبصدور الحكم في الدعوى يمكن القول بأنّ الحق المرتبط بها قد تمّت حمايته بصورة مبدئية، لأنّ الحكم هو الخاتمة الطبيعية لكل خصومة قضائية وهو يبيّن حقوق كل طرف ويضع حدا للنزاع.

أمّا الطعن فيهدف إلى إستصدار حكم لنقض حكم سابق يعتبره الطاعن قد أضرّ بحقوقه. فهو” تظلّم من حكم سابق الصدور، بخلاف الدعوى التي يفترض أن يتمّ القيام بها في غياب حكم قضائي سابق الصدور ” .

ويُعدّ تدخل القضاء تدخّلا رقابيّا إذا تمّ تعهيده بطلب في الطعن بالإبطال. وقد نظم المشرع التونسي الإبطال بالفصول 42و43و44 من مجلة التحكيم فيما يتعلق بالتحكيم الداخلي وبالفصل 78 والفقرة الثالثة من الفصل 61 فيما يخصّ التحكيم الدولي.

ويتميّز هذا الطعن في التحكيم -الذي يستهدف إصدار حكم لنقض وإلغاء حكم سابق أضرّ بحقوق الطاعن أو أنه لم يحترم تلك الحقوق بالشكل الكامل- عن ذلك المنصوص عليه بالقانون المدني، إذ ينصّ الفصل 484 من م.إ.ع. أنه يجوز نقض الأحكام التي لا رجوع فيها إذا ثبت زور الرسوم أو البيّنات التي تأسّس عيها الحكم أو إذا بُني على غلط حسّي كان السبب الأصلي والوحيد في صدوره أو إذا ثبت من الوقائع ما يقتضي القيام بالدعوى على الحاكم. ويكون القاضي تبعا لذلك مدعو إلى التحقيق في الدعوى والتثبت من صحّة الوقائع وما إنبنى عليه الحكم المطعون فيه بالإبطال.

أما في مادة التحكيم فإنه لا يجوز للقاضي النظر في المسائل الأصلية المتصلة بالحكم التحكيمي، فليس للقاضي مراجعة الوقائع أو الإجتهاد، فلا ولاية له في ذلك لأنّ الغاية من التحكيم هو إستبعاد القضاء العدلي من النظر في الأصل. ولا يجوز أن تؤدّي الرقابة التي خوّلها له القانون إلى مراجعة الحكم التحكيمي. وعلى هذا الأساس، تقتصر دعوى إبطال الحكم التحكيمي على إثارة المسائل الشكلية كمسألة التمثيل والإستدعاء والحضور ومدى إحترام حق الدفاع ومبدأ المواجهة وغيرها من المسائل الإجرائية الشكلية.

وقد كان المشرع حريصا على هذه المسألة، فجعل الطعن بالإبطال في مادة التحكيم الداخلي منحصرا في صور مخصوصة عدّدها من 1 إلى 6 بالفصل 42 من مجلة التحكيم، وحصرها في صورتين بالفصل 78 فيما يخص التحكيم الدولي، إلى جانب الفقرة 3 من الفصل 61 حول الطعن في الأحكام التحكيميّة التي تفصل في إختصاص هيئة التحكيم.

ويعتبر الإبطال من الدعاوى الهادفة إلى إلغاء حكم، ويُرفع كدعوى مدنية أمام محكمة الأصل وفق مجلة المرافعات المدنية والتجارية، كطلب التصريح بإبطال كتب أو إتفاق أو إجراء، وينطبق ذلك على الحكم التحكيمي. فلو إعتبرنا الإبطال طعنا – كبقية الطعون – فإنّ حكم التحكيم يكون خاضعا لمبدأ التقاضي على درجتين، ويقع النظر فيه من طرف محكمتي الأصل – إبتدائيّا وإستئنافيّا – ومن طرف محكمة التعقيب، ولكن المشرع كان حاسما في هذه المسألة واعتبر طلب الإبطال من الطعون، فقد نصّ بالفصل 42 من م.ت. على أنّه يجوز طلب إبطال حكم التحكيم الداخلي أمام محكمة الإستئناف التي صدر بدائرتها الحكم التحكيمي (الفصل 39 من م.ت.). وتُعدّ محكمة الإستئناف محكمة طعن، فهي لا تنتصب كمحكمة درجة ثانية لتُعيد النظر في الحكم المطعون فيه تطبيقا للمفعول الإنتقالي للإستئناف، وإنّما تتعهّد بطعن لمراقبة بعض الجوانب الشكلية والإجرائية لحكم التحكيم . وقد كان المشرع صريحا في التحكيم الدولي، إذ إستعمل مصطلح الطعن ونصّ عليه بالفصل 78 من م.ت.

2/ تكريس دعوى الإبطال في حكم التحكيم
يعتبر الطعن بالإستئناف والإعتراض من الغير وإلتماس إعادة النظر والتعقيب في الأحكام القضائية من الطعون المخوّلة في النظام الإجرائي التونسي نظمها المشرع بمجلة المرافعات المدنية والتجارية. غير أنّ المشرع في مادة التحكيم الداخلي لم يأخذ إلا بالطعن بالإستئناف والإعتراض كطعن تقليدي في الحكم التحكيمي، وأقصى صراحة التعقيب بقوله بالفصل 45 ” أحكام هيئة التحكيم لا تقبل الطعن بالتعقيب”. ولكنه في نفس الوقت كرّس بالفصل 42 طلب إبطال حكم هيئة التحكيم الصادر نهائيا، بما يجعله طعنا مُضافا للطعون التقليدية في التحكيم الداخلي (أ) ولكنه كطريقة طعن وحيدة في التحكيم الدولي (ب).
أ/ طريقة طعن مضافة في التحكيم الداخلي
ورد تنظيم الطعن بالإبطال من المشرع بالفصل 42 من م.ت. أي بعد أن كرّس الطعن بالإستئناف بالفصلين 39 و40 والطعن بالإعتراض بالفصل 41 من م.ت. فهو مُضاف إلى تلك الطعون العادية وغير العادية. ويخضع هذا الطعن إلى قيود هامّة من جهة الحكم القابل للطعن بقطع النظر عن صوره. فلا يقبل الطعن بالإبطال الحكم التحكيمي الذي تمّ إخضاعه للإستئناف. فإذا اتفق الأطراف على تخويل الطعن بالإستنناف في الحكم التحكيمي، فإنّ القرار الصادر عن محكمة الإستئناف لا يقبل الطعن بالإبطال. وينصّ في ذلك الفصل 40 من م.ت. على أنّ ” أحكام هيئة التحكيم القابلة للإستئناف لا يجوز الطعن فيها بالإبطال”. فهو طعن مُقصى بموجب القانون بقطع النظر عن إرادة الأطراف.

ويعدّ هذا الموقف من الآثار التي تتولد عن الطعن بالإستئناف التي لها سبب قانوني يتمثل في أنّ الحكم الواحد “لا يكون محل طعنين تفاديا لتناقض الأحكام “ . إضافة إلى أنه يهدف إلى تكريس غاية التشريع من التحكيم الذي يرمي إلى الحدّ من طرق الطعن، كي يحافظ التحكيم على مزاياه المتمثلة أساسا في السرعة في فض النزاعات والمحافظة على استقلالية التحكيم عن القضاء العدلي.

ولا يقبل الطعن بالإبطال أيضا إلا الحكم النهائي، فالحكم التحكيمي الذي صدر إبتدائيّا بين الطرفين لا يقبل الطعن بالإبطال. ولا يجوز إستعمال هذه الوسيلة إلا في الأحكام النهائية. فقد نصّ الفصل 42 من م.ت. أنه ” يجوز إبطال حكم هيئة التحكيم الصادر نهائيا…”. ويعني بذلك الحكم الذي نصّ فيه الطرفان على عدم قابليته للطعن بالإستئناف، فهو الحكم التحكيمي النهائي. ويتكامل هذا الفصل 42 مع الفصل 40 من م.ت.

والجدير بالملاحظة أنه إذا كان الطعن بالإستئناف يخضع في تفعيله لإرادة الأطراف، فإنّ ما يمكن ملاحظته هو أنّ الطعن بالإبطال يهمّ النظام العام، إذ يُجيز الفصل 42 من م.ت. طلب إبطال حكم هيئة التحكيم الصادر نهائيا ولو إشترط الأطراف خلاف ذلك. وعلى هذا الأساس لا يمكن للأطراف في التحكيم الداخلي الإتفاق على إستبعاد الطعن بالإبطال.

أما بخصوص صوره، فقد عدّد المشرع بالفصل 42 من م.ت. صور الإبطال من 1 إلى 6 وإعتبرها من الحالات التي تُجيز طلب إبطال حكم هيئة التحكيم. وتتصل هذه الحالات ب:
1/ إذا كان قد صدر دون إعتماد على إتفاقية تحكيم أو خارج نطاقها: وهي مسألة منطقية لغياب الإرادة. ولا يمكن الحديث عن إتفاقية تحكيم في غياب كل إرادة. وقد نصّ الفصل 6 من م.ت. في ذلك أنه “لا تثبت إتفاقية التحكيم إلا بكتب سواء كان رسميّا أوخط يد أو محضر محرّر لدى هيئة التحكيم التي وقع إختيارها …”.
2/ إذا صدر بناءا على إتفاقية تحكيم باطلة أو خارج آجال التحكيم : تمثل هذه الحالة في الحقيقة خرقا لإرادة الأطراف وتجاوزا في تطبيق إتفاقية التحكيم. كما تمثل خروجا عن المهمة وإفراط في السلطة في رأي محكمة التعقيب .
وتثير هذه الحالة إشكالية الموافقة الضمنيّة على توسيع نطاق التحكيم. فهل يمكن الأخذ بالإتفاق الضمني على توسيع نطاق التحكيم؟
يمكن القول بأنه لا مانع من إعتماد الموافقة الضمنيّة، فالتمادي على التحكيم دون أي إحتراز بخصوص شموله لفرع غير مشمول صراحة بالإتفاق يُعدّ قبولا بتوسيع نطاق التحكيم. وينصّ الفصل 42 من مجلة الإلتزامات والعقود في هذا الإطار على أنه ” يُعدّ السكوت رضاء أو تصديقا من شخص إذا وقع التصرّف في حقوقه بمحضره أو أعلم به على الصورة المطلوبة ولم يُعارض بشئ ولم يكن له في سكوته عذر معتبر”. وبالإضافة لذلك، فإنّ المبادئ الأصولية في مادة التحكيم تقتضي أنه لا يمكن لطرف أن يُناقض نفسه للإضرار بغيره .
3/ إذا شمل أمور لم يقع طلبها: تُحيل هذه الصورة إلى مقتضيات الفصل 175 من م.م.م.ت. حول أسباب الطعن بالتعقيب التي من بينها الصورة 6 المتمثلة في ” إذا صدر الحكم بما لم يطلبه الخصوم أو بأكثر ممّا طلبوه…”. وتجد هذه القاعدة أساسها في أنّ النزاع المدني ملك لأطرافه تتقيّد فيه المحكمة بطلبات الخصوم، فهم الذين يسيطرون على النزاع المدني.

4/ إذا خرق قاعدة من قواعد النظام العام: تُعدّ القواعد القانونية متصلة بالنظام العام إذا كانت تحقق الأهداف التشريعية العامة وترمي إلى ضمان العدالة وتحقيق الإستقرار والأمن العام. ومن الملاحظ أنه يعسر تحديد مفهوم ثابت للنظام العام، ذلك أنّ إرتباط القاعدة القانونية بالنظام العام يخضع لتكييف القاعدة، وهي مسألة موكولة لإجتهاد القاضي ومن صميم عمله. ولذلك لا يمكن حصر قائمة في القواعد التي تهمّ النظام العام التي لا يجوز التحكيم في شأنها.

5/ إذا لم تكن هيئة التحكيم متركبة بصفة قانونية: يتعلق الأمر هنا بتركيبة هيئة التحكيم والإخلال بقواعد تعيين المحكمين. فإذا حصل خلل في التعيين أو في الشروط المستوجبة في المُحكم المنصوص عليها بالفقرة الأولى من الفصل 10 التي تنص على أنه ” يجب أن يكون المُحكم شخصا طبيعيّا رشيدا كفءا ومتمتعا بكامل حقوقه المدنية وبالإستقلاليّة والحياد إزاء الأطراف ” أو إذا صدر عن هيئة غير متكوّنة بصفة قانونية، فإنه يجوز المطالبة بإبطال الحكم التحكيمي. ويهمّ الإشكال بصفة خاصة في القانون التونسي المحكم الذي له صفة العون العمومي. فمن المعلوم أنّ القاضي أو العون العمومي لا يجوز له مباشرة التحكيم إلا بعد الحصول على ترخيص في ذلك، إذ تنصّ الفقرة الثالثة من الفصل 10 من مجلة التحكيم أنه ” يجوز للقاضي أو للعون العمومي أن يكون محكما بشرط عدم الإخلال بالوظائف الأصلية والحصول على ترخيص مسبّق من السلطة المختصة قبل القيام بأية مهمة “.

فمتى يعتبر القاضي أو العون مُخلا بوظائفه؟ وما هو الجزاء عند مباشرة التحكيم دون الحصول على ترخيص؟ فهل يبطل الحكم التحكيمي؟
إعتبرت محكمة التعقيب أنّ إشتراط الترخيص المسبّق من السلطة المختصّة للعون العموم قبل مباشرة مهمة التحكيم لا يبطل القرار التحكيمي، فلا أثر له إلا بين العون وإدارته، مع ما يترتب على ذلك من آثار لها طابع تأديبي بحت .

أما بخصوص القاضي الذي يباشر مهمة التحكيم دون ترخيص مسبّق، فقد اعتبرت محكمة التعقيب أنّ الترخيص الإداري شرط ضروري لصحة تركيبة هيئة التحكيم وأنّ الإخلال به لا يبرّر طلب إبطال القرار الصادر عن هيئة التحكيم .

6/ إذا لم تُراع القواعد الأساسيّة للإجراءات: من الواجب أن يُراعي الحكم التحكيمي القواعد الأساسيّة لسير الخصومة ومنه بالأساس إحترام حق الدفاع ومبدأ المواجهة.
ولكن ما هو المقصود بالإجراءات الأساسيّة في مادة التحكيم؟
لا بدّ من التفريق في البداية بين الإجراءات التي تهمّ النظام العام والتي يترتب عن مخالفتها بطلان الإجراء بموجب النصّ طبقا لما هو منصوص عليه بالفصل 14 من م.م.م.ت. وبين الإجراءات الأساسيّة التي يظل تقديرها من صلاحيات إجتهاد القاضي بحسب طبيعة النزاع وبين الإجراءات التي لها إتّصال بمصالح الخصوم. وقد رتب المشرع التونسي مختلف هذه الإجراءات وما يترتب عن الإخلال بها بالفصل 14 من م.م.م.ت. ويمكن القول بأنّ الإجراءات الأساسيّة هي الإجراءات المتصلة بحق التقاضي والتي تضمّ حد أدنى من العدالة بإحترام المساواة بين المتقاضين وإحترام حق الدفاع ومبدأ المواجهة. وفي التطبيق القضائي يجوز القول بأنّ فقه القضاء يتّجه نحو إعتبار أنّ من أهم الإجراءات الأساسيّة إحترام حق الدفاع.
ب / طريقة وحيدة للطعن في الحكم التحكيمي الدولي
ينصّ الفصل 78 من م.ت. – في الباب المتعلق بالتحكيم الدولي – أنه ” لا يجوز الطعن في حكم التحكيم إلا بطريق الإبطال…”. وبموجب هذا النص يقصي المشرع كل طرق الطعن الأخرى مهما كان نوعها(1ب). غير أنّ الإشكال يطرح حول الدفع ببطلان حكم التحكيم(2ب).
ب1 / الإبطال كطريقة أصلية للطعن
نصّ المشرع بفصل وحيد وهو الفصل 78 من م.ت. على الطعن بالإبطال في حكم التحكيم. وتظهر من ذلك رغبة المشرع في ” إظهار أنّ الطعن هو أمر إستثنائي، وأنه ليس الأصل في الأمور، بخلاف الإكساء بالصيغة التنفيذية ” . وقد نصّ فيه على أنّ الطعن بالإبطال هو الطريقة الوحيدة للطعن في حكم التحكيم الدولي. فلا تقبل في شأنه طرق الطعن القانونية الأخرى سواء كانت عادية أم غير عادية. ومن المعلوم أنّ وصف التحكيم بأنه دولى له تأثير على تحديد طرق الطعن المخوّلة قانونا. ولذلك تكون الهيئة التحكيمية مُلزمة بصفة تلقائية بتكييف التحكيم، وذلك رغم إتفاق الأطراف على تكييف معيّن. ومن صلاحياتها تصحيح التكييف الخاطئ للتحكيم، وعليها أن تصرّح بإبطال الحكم التحكيمي الذي وُصف بأنه داخلي والحال أنه دولي، بناءا على المعايير الموضوعية الثابتة لديها. وقد أكدت محكمة التعقيب أنّ تكييف التحكيم بين الطرفين بأنّ له صبغة داخلية من خلال اللجوء إلى رئيس المحكمة الإبتدائية لتعيين رئيس الهيئة التحكيمية عند تعذر تسميته من الأطراف، ومن خلال إكساء القرار التحكيمي بالصيغة التنفيذية من طرف رئيس المحكمة الإبتدائية لا يعتدّ به، لأنّ تكييف التحكيم هي مسألة إجرائية بحتة تتعلق بالإختصاص أولا وبتحديد القواعد المنطبقة ثانيا. وهي مسائل لا تؤخذ بالظن والإجتهاد، وإنما هي مسألة تنبني على اليقين من خلال تطبيق القواعد الإجرائية بحسب المعايير والمعطيات الموضوعية المتوفرة بملف القضية. وتضيف المحكمة بأنّ مسألة تكييف النزاع هي مسألة قانونية تختصّ بها الهيئة القضائية والحكمية ولا تتقيّد فيها بالوصف الذي يصبغه الأطراف على النزاع القائم بينهم. وبإعتبار أنّ تكييف التحكيم له إرتباط بالنظام العام، فإنّ قاضي الإبطال مُلزم بإثارة طبيعة التحكيم إن كان دوليا أم داخليا، ولو من تلقاء نفسه، لأنّ التكييف محدّد بضوابط إجرائية، ولأنّ حرية الأطراف تكون في إختيار التحكيم كوسيلة لفض الخلاف ولا تمضي فيما يتعلق بمسائل الإختصاص، ولأنّ المعايير التي إختارها المشرع تظل ملزمة وعلى الهيئة التحكيمية إثارتها من تلقاء نفسها بمناسبة نظرها في النزاع لأنه يهمّ النظام العام الإجرائي ولأنه يمكن إثارة مثل هذه الطعون الإجرائية بأي طور حتى أمام التعقيب.
ومن الجدير بالملاحظة أنه على خلاف مقتضيات الفصل 42 من م.ت. التي تمنع كل إتفاق على إستبعاد الطعن بالإبطال في التحكيم الداخلي، فإنّ الفصل 78/6 من م.ت. في مجال التحكيم الدولي يُجيز للأطراف الإتفاق على إستبعاد الطعن بالإبطال كليا أو جزئيا، ولكن في إطار مشروط، وهو أن لا يكون للأطراف مقرّا أو محل إقامة أصلي أو محل عمل بالبلاد التونسية.

أما عن صور الطعن في الحكم التحكيمي الدولي، فإنه لا يمكن التوسّع في حالات الإبطال التي هي محدودة وضبطها المشرع بالفصل 78من م.ت. ويمكن أن تُصنّف إلى صنفين أوّلهما صنف الإبطال الذي يتأسّس على ما يثبته الأطراف (أ) وثانيهما الإبطال الذي تثيره المحكمة(ب).

أ/ الإبطال الذي يتأسّس على أسباب يثبتها الأطراف
تتعلق أسباب الإبطال بمباشرة التحكيم دون وجود إتفاقية أو الخروج عنها (أ/1) والمساس بالضمانات المخوّلة لأطراف التحكيم (أ/2) .

أ/1: مباشرة التحكيم دون وجود إتفاقية أو الخروج عنها
يشترط في التحكيم وجود إتفاقية تحكيم لكي يصدر الحكم التحكيمي صحيحا. وعلى القاضي كلما ثبت لديه عدم وجود اتفاقية تحكيم، أن يقضي ببطلان حكم التحكيم دوليا كان أم داخليا.

وغالبا ما يُطرح في التطبيق النزاع حول نطاق إتفاقية التحكيم ومداها. فقد يتمسّك أحد الأطراف في الدعوى التحكيمية بخروج بعض المسائل الخلافية عن إتفاقية التحكيم ويدفع بذلك أمام هيئة التحكيم، وعند الإقتضاء أمام قاضي الإبطال. وهنا يُطرح الإشكال في كيفية التعامل مع هذا الدفع. فهل تعتمد المرونة وفقا للفصل 6 من م.ت. الذي يقتضي أنه إذا إدّعى أحد أطراف الدعوى وجود اتفاقية تحكيم ولم ينكر الطرف الآخر ذلك، اعتبر الإدعاء الذي يقابله سكوت إثبات لوجود اتفاقية تحكيم كتابية، ووفقا كذلك للفصل 50 من م.ت. الذي يقتضي أنه إذا لم يبادر الطرف المعني بالأمر إلى إثارة الدفع الإجرائي عُدّ ذلك تنازلا منه عن التمسك بالخلل أمام قاضي الإبطال؟

ومن الملاحظ أن إثارة البطلان يكون بالدفع، إذ يجوز للمطلوب في الدعوى الذي توجّه ضده، أن يدفع ببطلان الإجراءات وببطلان الدعوى وذلك في إطار دعوى معارضة سواء لردّ الدعوى الأصلية أو لطلب الغرم أو لإجراء المقاصة . وهو ما يسمّى بنظرية الدفوع. ولئن كانت المسألة في الإجراءات المدنية لا تثير إشكالا، فإنها على مستوى التحكيم الدولي تثير صعوبة. ويبرز ذلك من خلال طلب المحكوم لفائدته إكساء الحكم التحكيمي الدولي الصيغة التنفيذية. فهل يجوز للمحكوم ضده أن يردّ طلب الإعتراف بالحكم التحكيمي وإكساءه الصيغة التنفيذية بأنه باطل لخلل في الإجراءات أو المساس بالنظام العام؟

للجواب عن السؤال يجدر تحديد صلاحيات قاضي الاكساء ومجال إختصاصه وهل يمكنه إجراء رقابة على الحكم التحكيمي.
لقد تناولت محكمة التعقيب المسألة ، فقد إعتبرت أنّ الحكم الذي تصدره المحكمة في الخصومة أو ما تصدره الهيئة التحكيمية وفقا للقواعد المقررة قانونا يظل قائما ويرتب آثاره وأهمها حجية الأمر المقضي ما لم يتمّ إلغاؤه بأحد الطرق المقرّرة قانونا، ومع هذا فمن الحاصل أن تشوب الحكم القضائي أو التحكيمي بعض العيوب التي تمنع من اعتباره نافذا والتي يجوز التمسّك بها سواء في دعوى أصلية بالإبطال كما هو منصوص على ذلك بصفة صريحة في مادة التحكيم، أو بالطلب العارض أو بالمنازعة في تنفيذه. ويكمن للقاضي أن يقرّر إلغاؤه بناءا على العيوب الجسيمة التي تشوبه، وهو العيب الذي يفقد الحكم مقوّماته وأركانه الأساسية التي ترمي أساسا لرد الحقوق لأصحابها بما يجعله غير نافذ ولا مفعول له.

وقد اقتضى الفصل 81 من مجلة التحكيم أنّ الأصل أن يكتسب حكم التحكيم قوة تنفيذية بمجرد صدوره طبقا للفصل 32 من مجلة التحكيم سيما وأنّ حكم التحكيم الدولي بطبيعته خارج عن النظام القانوني الوطني بما يقتضي أن اندماجه في النظام الوطني يقتضي توفر شروط تعاينها السلطة القضائية المخول لها الاعتراف بحكم التحكيم الدولي والإذن بتنفيذه لتمنحه تأشيرة الإذن بتنفيذه كبقية الأحكام القضائية.

وقد أجازت المحكمة لقاضي الاكساء النظر في اختلالات الحكم التحكيمي الشكلية بقولها “ حيث يمكن ان يكون الحكم التحكيمي موضوع طلب مباشر في طلب الابطال كما يمكن ان يقع الدفع بعدم احترامه للشروط القانونية التي تخول الاعتراف به والإذن بتنفيذه وذلك عندما يتقدم المحكوم له بطلب اكسائه بالصيغة التنفيذية لأنه لا مانع من ازدواجية الرقابة برقابة الابطال من طرف البلد الذي صدر فيه ورقابة الاكساء من طرف البلد مكان التنفيذ ” .
أ/2 المساس بالضمانات المخولة لأطراف التحكيم
تتمثل الضمانات الأساسية في احترام مبدأ المساواة في تشكيل هيئة التحكيم واحترام مبدأ حق الدفاع ومبدأ المساواة ومختلف الاجراءات الاساسية .وبالرجوع الى الفصل 78 من م ت يتبين أن هناك حالات للإبطال واضحة لا يقتضي الأمر سو ى إثباتها وهي تتعلق بعدم صحة تشكيل هيئة التحكيم ومدى مخالفة الفصل 10 من م ت الذي اعتبره البعض – إضافة الى ما تم التعرض اليه في التحكيم الداخلي – من الفقه امتداد لقانون الوظيفة العمومية الذي يتسم بطابعه الشخصي ولا ينطبق إلا على العون العمومي

وقد حمل الفصل 78 من م ت طالب الإبطال بواجب إثبات خرق حق الدفاع . وقد اعتبر فقه القضاء أن حكم التحكيم الذي يعتمد أعمال اختبار لم يتمكن الطاعن من الاطلاع عليه وإبداء الرأي فيه يعتبر قد خرق حق الدفاع لأنه من حق كل خصم الحق في الاطلاع على أوراق القضية التي أدلى بها الأطراف أو التي توصلت بها الهيئة التحكيمية سواء كانت أعمال استقرائية أو استقصائية . ويعد هذا المبدأ ذو بعد دولي، فعلى أساسه أبطلت محكمة الاستئناف بباريس القرار التحكيمي الصادر بين طرفيه الألماني والتونسي لأن المحكمين بغرفة التجارة الدولية أسّسوا جزءا من القرار التحكيمي الصادر بين الطرفين على أعمال اختبار لم يحضرها الطرف التونسي .

2/ الابطال الذي تثيره المحكمة لخرق النظام العام على معنى القانون الدولي الخاص
أجاز الفصل 78 من م ت لمحكمة الاستناف أن تبطل كل قرار تحكيمي يخرق النظام العام على معنى القانون الدولي الخاص ولو دون أن يتمسك به الاطراف، على أساس أن مخالفة النظام العام مسألة يمكن أن يثيرها القاضي من تلقاء نفسه.

ولكن ما هو النظام العام في مفهوم القانون الدولي الخاص؟ بالرجوع الى الفصل 36 من مجلة القانون الدولي الخاص يتبين لنا أن المشرع نص أنه ” لا يثير القاضي الدفع بالنظام العام إلاّ إذا كانت أحكام القانون الأجنبي المعين تتعارض مع الإختيارات الأساسية للنظام القانوني الخاص. ويثير القاضي الدفع بالنظام العام مهما كانت جنسية أطراف النزاع …”.

ويمكن أن نعرّف النظام العام بمعناه في القانون الدولي الخاص بأنه “ القواعد القانونية التي تتعلق بالركائز الأساسية لكيان البلاد الإجتماعي أو السياسي أو الإقتصادي والتي يحدث خرقها خللا في هذه الركائز” أو أنه ” القواعد العليا التي يقصد بها تحقيق مصلحة عامة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على مصلحة الأفراد” . ومهما كان التعريف فانه يظل غير دقيق ويمكن للمقاربة ربطه بالفصل 36 المذكور في أن الامر يتعلق بالخيارات الاساسية للنظام القانوني التونسي. ويرجع للقاضي الربط بين الحكم التحكيمي الدولي ومدى تلائمه مع اختيارات القانون التونسي الاساسية. ويكون مدعوا الى التصريح باثارة مخالفة النظام العام والحكم من تلقاء نفسه بإبطال الحكم التحكيمي المخالف.
الفرع الثاني:
أثر الطعن بالابطال على تنفيذ الحكم التحكيمي
أ/ الإبطال الكلي
إن صدور حكم في الابطال ببلد المصدر يمحو كل أثر للحكم التحكيمي وفق ما تبناه المشرع التونسي ونص عليه بالفصل81 من م ت الذي أوجب رفض الاكساء إذا أثبت المطلوب التنفيذ ضده أن حكم التحكيم قد تم ابطاله. ولا مانع عند رفض طلب الابطال من طرف القاضي ببلد المصدر أن يرفض قاضي مكان التنفيذ الاعتراف بالحكم التحكيمي الدولي ويرد طلب الاذن بتنفيذه على أساس فك ارتباط حكم التحكيم عن البلد الذي صدر فيه، بما يجوز معه لقاضي التنفيذ أن يتجاهل ما قد يكون قضى به القاضي الرسمي في بلد المصدر. وبخصوص رفض طلب الابطال، فان كان قاضي التنفيذ يتقيد بالإبطال الكلي وفقا للفصل 81 فقرة “ه” فإنه لا يتقيد برفض طلب الإبطال إن كان كليا أو جزئيا، وهي مسألة منطقية لاختلاف الصلاحيات والأدوار بين قاضي مكان التحكيم وقاضي مكان التنفيذ فالتنفيذ يهم السلطة العامة بمكان التنفيذ وفقا للفصل 253 من م.م.م.ت. وهو يؤكد الارتباط بين تنفيذ الاحكام والنظام العام وصلاحيات قاضي الاكساء في التثبت إن كان الحكم التحكيمي موضوع طلب الإكساء يتطابق مع مقتضيات النظام العام وهي مهمة لا يمكن أن توكل لغير القاضي الموكول اليه الاعتراف بحكم التحكيم والاذن بتنفيذه .
ب/ الابطال الجزئي
من الثابت أن الابطال سواء كان جزئيا أو كليا، فانه يؤدى إلى محو الحكم التحكيمي فيما صدر فيه الابطال، وهو الأثر الأساسي في ذلك، فالمعدوم لا يمكن تصحيحه والاعتراف به والإذن بتنفيذه، فحكم الإبطال له الحجية المعتمدة أمام محكمة الاكساء، وأنه زيادة عن ذلك فإن هذه المحكمة لا تتقيد بما انتهى اليه الإبطال الجزئي، بل يحق لها تجاوز نطاقه كي تتثبت في امكانية الاعتراف بباقي اجزاء الحكم التحكيمي من عدمه، وذلك في نطاق الفصل الفقرة “ه” من الفصل 81، لأن الحكم هو في الحقيقة وحدة إجرائية ولا تقبل التجزئة في خصوصها، خلافا للطلبات الموضوعية التي يمكن أن تتجزأ وتتفرع. كما لها أن تعاين الاضطراب الذي شاب الحكم التحكيمي في التعامل مع الإجراءات.
الخاتمة
كانت النزعة السائدة لدى القضاء العدلي تتجه نحو قبول مطالب إبطال القرارات التحكيمية، ربما لسوء فهم علاقة التحكيم بقضاء الدولة، وأضحى التوجه الجديد نحو تضييق مجال إبطال القرارات التحكيمية خاصة منها الصادرة في مادة التحكيم الدولي، بحيث سوف لن يكون هناك للقضاء إلا تدخل محدود ذي طابع شكلي لترسخ القناعة بذاتية التحكيم واستقلاليته./
.
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : التحكيم كنموذج بديل لحل المنازعات – بحث قانوني