إن من يفاجأ بزوجته أو إحدى محارمه في حالة التلبس بالزنى، فأنه يكون قد فوجئ بما يؤذيه بأعز ما يملك وهو عرضه وشرفه واعتباره، لذلك فهو يصاب بأقسى ما يصاب به الرجل الشريف الذي يعتز بخلقه ودينه وشرفه. وأمام هذا المنظر البشع يشعر هذا الزوج (أو المحرم) بفداحة المساس الذي نال شرف أسرته فتكون نتيجة ذلك ان تنتابه ثورة نفسية تفقده السيطرة على نفسه فيندفع إلى فعله غير مقدر مخاطره على النحو الذي كان يقدرها به لو كان في حالته العادية(1)، إذ تثور كرامته ويستولي عليه الغضب لدرجة لا يدع له المجال إلى التفكير أو التروي فيفقد السيطرة على أعصابه ويقدم على ارتكاب جريمة القتل أو الاعتداء على زوجته أو إحدى محارمه وشريكها وهو واقع تحت تأثير هذا المشهد المؤلم ليثأر لشرفه، ولا ريب أن الاستفزاز(2) العنيف هو العامل الأساس والسبب الرئيس لذلك(3). فالاستفزاز الخطير(4) يولد حالة الغضب الذي يضع الشخص الواقع تحت تأثيره خارج نطاق نفسه ويقلل من محاكمته للأمور إذ لم يعد سيد نفسه حين ارتكاب الجريمة(5).

والاستفزاز في هذه الحالة خاص بحالة معينة وليس عاماً(6)، وإن لم ينص على ذلك صراحة(7). ويمكن القول إن القانون قد قدر الظرف الخاص للزوج أو المحرم وحالته النفسية التي كان عليها نتيجة هذا الاستفزاز، أي أنه من الأعذار الخاصة التي لا يجعل لها الشارع اعتباراً الا بالنسبة إلى جرائم معينة محصورة بحيث لا تنتج اثرها في التخفيف الا بالنسبة إلى هذه الجرائم دون غيرها ومن أجل هذا كان الموضع الطبيعي لبحث هذه الأعذار هو القسم الخاص من قانون العقوبات إذ تفصل أحكام كل جريمة على حدة، والمثل الواضح لهذه الأعذار المخففة الخاصة في القانون المصري هو العذر المقرر في المادة (237) عقوبات(8)، وفي القانون العراقي هو في المادة (409) عقوبات. فقانون العقوبات المصري يعرف الاستفزاز كعذر قانوني مخفف في حالة المفاجأة بالزنى دون غيرها، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه (الغضب لا يعتبر عذراً مخففاً الا في حالة الزوج الذي يفاجئ زوجته حال تلبسها بالزنى فقتلها هي ومن يزني بها)(9).

كما أن بعض قوانين العقوبات العربية ايضاً لا تجعل من الاستفزاز عذرا مخففاً الا في هذه الحالة، كقانون العقوبات الليبي (المادة/375) منه وقانون الجزاء الكويتي (المادة/153) منه. والحقيقة أنه لما كانت المفاجأة بالتلبس بالزنى تستفز الزوج أو المحرم وتغضبه لذلك فهي لا تعطيه فرصة للتفكير الهادئ، إذ أن هول المنظر وبشاعة الجريمة تضيق كثيراً من حرية اختياره وقابليته على الإدراك والتمييز(10) مما يدفعه إلى ارتكابه الجريمة. وتطبيقاً لذلك قضت المحكمة العليا في ليبيا بأنه (نحا القانون الليبي منحا كثير من التشريعات فعّد من الاعذار القانونية المخففة للعقاب من يفاجئ زوجته بجريمة الزنى فيقتلها هي أو شريكها. وراعى لذلك عذر ما يكون للاستفزاز من الأثر في الحد من إرادة الجاني وقدرته على التحكم فيما يصدر عنه من أعمال…)(11). وهناك اتجاه في الفقه يرى إن المفاجأة المفجعة والمشهد المروع الذين من شأنهما أن يقللا عن المرء قوة الإدراك والتمييز وأن يلقيا الاضطراب في عقله وحكمته(12).

ويلاحظ على هذا الاتجاه إن هول المفاجأة إذ يؤثر في الإدراك والتمييز بوصفهما مصطلحان مترادفان لأمر واحد وليس أمرين، فأنه يؤثر في حرية الاختيار بنحو أكثر فاعلية إذ يفقد المرء السيطرة على نفسه فيقدم على ارتكاب الجريمة(13). ونعتقد إن المفاجأة بزنى الزوجة أو إحدى المحارم التي تغضب الجاني وتجعله في حالة من الهياج النفسي والعصبي مما يؤثر في حرية اختياره في تلك اللحظة إذ يفقد قدرته على ضبط نفسه وتوجيه ارادته فتضيق كثيراً لديه حرية الاختيار فهو لا يرى الا القضاء على الزانيين. وتجدر الاشارة إلى أن قوانين العقوبات قد اختلفت في موقفها من الاستفزاز الناتج عن المفاجأة حال التلبس بالزنى عند ارتكاب جريمة القتل أو الايذاء. ويمكن القول أنها أصبحت في مجموعتين :

المجموعة الأولى من القوانين عدتّه مجرد عذر مخفف للعقاب، كقانون العقوبات العراقي (المادة/409) منه والمصري(المادة /237) منه والجزاء الكويتي (المادة /153)منه والاردني (المادة /340) منه واللبناني (المادة /562) منه.

والمجموعة الثانية عّدته عذراً معفياً من العقاب مع بعض الاختلاف في الأحكام، كقانون العقوبات السوري (المادة/548) منه وسلطنة عمان (المادة/252) منه والجزاء العثماني الملغى (المادة/188) منه.

وهناك اتجاه في الفقه العراقي(14)، يدعو إلى عّد التلبس بالزنى عذراً معفياً من العقاب – وهو ما ذهبت إليه المجموعة الثانية من قوانين العقوبات- لأن الجاني يندفع إلى فعله تحت تأثير ثورة النفس ونار الغضب الذي يلهب في نفسه الغيرة الشديدة على شرفه المثلوم، وحتى لا يقال لمثله ديوثاً(15). وتجدر الاشارة إلى إن الزوج أو المحرم قد يقدم على ارتكاب جريمته في مثل هذه الأحوال وهو هادئ البال دون أن يغضب او أن ينفعل، أي أنه تمكن من ضبط نفسه رغم حالة الاستفزاز الخطير الذي يصاب بها أي شخص يكون في مثل هذا الموقف، فهل يمكن القول باستفادته من العذر المخفف مع ان الغضب لم يعتريه! نعتقد أن الجاني في هذه الحالة يستفيد من العذر المخفف بموجب النص القانوني للمادة (409) عقوبات الذي خوله أو فوض له الأمر بالانتقام من المجنى عليها وشريكها أو احدهما عند ضبطه لهما في حالة التلبس بالزنى عندما لا يكون عالما أو راضيا مسبقا بذلك وفرض عليه عقاباً مخففاً في هذه الحالة. فالنص لم يلزم اثبات حالة الانفعال لدى الجاني. كما يمكن القول أن الزوج أو المحرم قد يكون سيئ الأخلاق ومع ذلك يرتكب جريمة القتل أو الاعتداء حال المفاجأة بتلبس زوجته أو إحدى محارمه بالزنى. لذلك نعتقد أنه يستفيد من العذر المخفف ايضاً بعّد إن الاساس القانوني لعذر المفاجأة بالزنى متوفراً وقد استفزه منظر الخيانه، إذ لا شأن لأخلاق الجاني أو ماضيه بذلك، وهذا لا يمنع من الاستفادة من العذر المخفف عند توفر شروطه.

____________________

1- ينظر د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات- القسم الخاص، مرجع سابق، ص132.

2- يعرف الاستفزاز الخطير بأنه صورة من الانفعال العنيف يعاني الشخص اثناءها من فقدان السيطرة على نفسه فيرتكب الجريمة تحت ضغط هذا الانفعال، وكل ذلك نتيجة لصدور عمل جائر وغير محق من جانب المجنى عليه. ينظر سعدية محمد كاظم، الاستفزاز، ط1، مطبعة العاني، بغداد، 1984، ص15. وتجدر الاشارة إلى ان الاستفزاز في القانون الأنكليزي يغير وصف القتل العمد (Murder) إلى قتل بغير عمد (Manslaughter).

3- ينظر علي السماك، مرجع سابق، ج3، ص359.

4- عدّ قانون العقوبات العراقي الاستفزاز الخطير، من قبيل الاعذار القانونية المخففة العامة، إذ نصت المادة (128/1) منه على أنه (… يعتبر عذراً مخففاً ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة أو بناءً على استفزاز خطير من المجنى عليه بغير حق). والاعذار القانونية المخففة العامة هي تلك التي تشمل بالتخفيف جميع الجرائم حال توفرها فعلاً. ينظر د. ضاري خليل محمود، الوجيز في شرح قانون العقوبات- القسم العام، ط1، دار القادسية للطباعة، بغداد، 1982، ص112.

5- ينظر فخري عبد الرزاق الحديثي، الاعذار القانونية المخففة، مرجع سابق، ص138.

6- ينظر المحامي محسن ناجي، مرجع سابق، ص495.

7- ينظر أحمد أمين بك، شرح قانون العقوبات الأهلي، المجلد الثاني، ط3، الدار العربية للموسوعات، بيروت-لبنان، 1982، ص567.

8- ينظر د. رؤوف عبيد، جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال، دار الفكر العربي، القاهرة، 1974، ص87. حسن الفكهاني، موسوعة القضاء والفقه للدول العربية، ج20، الدار العربية للموسوعات القانونية، القاهرة، 1977-1978، ص558.

9- طعن رقم 1502 جلسة 25/10/1943. اشار إليه حسن الفكهاني وعبد المنعم حسني، الموسوعة الذهبية للقواعد القانونية، الاصدار الجنائي، ج10، الدار العربية للموسوعات، القاهرة، 1981، ص151.

10- يراد بحرية الاختيار قدرة الشخص على توجيه ارادته إلى عمل معين أو الامتناع عنه. ويراد بالإدراك والتمييز استعداد الشخص أو قدرته على فهم طبيعة أو صفة افعاله وتقدير نتائجها. ينظر د. ضاري خليل محمود، البسيط في شرح قانون العقوبات- القسم العام، ط1، مكتبة عدنان، بغداد، 2002، ص66.

11- جلسة 8/يونية /1955. اشار إليه د. محمد سامي النبراوي، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات الليبي، مطابع دار الكتب، بيروت-لبنان، 1972، ص537.

12- ينظر د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، ج1، مطبعة دار السلام، بغداد، 1972، ص394.

13- ينظر د. ضاري خليل محمود، تفاوت الحماية الجنائية، مرجع سابق، ص42 هامش رقم4.

14- ينظر د. ماهر عبد شويش، شرح قانون العقوبات-القسم الخاص، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، العراق، 1988، ص207. سعدية محمد كاظم، الاستفزاز، مرجع سابق، ص159.

15- الديوث: القواد على أهله، والذي لا يغار على أهله. وفي الحديث (تحرم الجنة على الديوث). ينظر أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي، لسان العرب المجلد الثاني، مصدر سابق، ص150.

المؤلف : قاسم تركي عواد الجنابي
الكتاب أو المصدر : المفاجأة بالزنى عنصر استفزاز في القتل والايذاء

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .