إبطال عريضة الدعوى وفق أحكام المادة (56)/2 مرافعات مدنية ؟ بحث موجز

بقلم: القاضي باعث عدنان البلداوي.

تنص المادة (16) مـــن قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969م المعدل على: ( يجب أن تشتمل الورقة المراد تبليغها على البيانات الآتية: …. الخ ), وكلمـــــــــــة ( يجب ) تفيد الوجوب والإلزام وبالتالي يقع باطلا كل ما يخالف ذلك, بمعنى إنه في حال تخلف أو عدم تحقق أحد البيانات المذكورة في المادة أعلاه, فإن ورقة التبليغ تعتبر باطلة استنادا لنص المادة (27) من قانون المرافعات المدنية أعلاه والتي نصت على: ( يعتبر التبليغ باطلا إذا شابه عيب أو نقص جوهري يخل بصحته أو يفوت الغاية منه ) مع ضرورة مراعاة المادة (50)من القانون ذاته.

المادة (16) في فقرتها الــ (7) نصت على: ( المحكمة التي يجب الحضور إليها واليوم والساعة الواجب الحضور فيهما ), وما يهمنا في هذا النص ( الساعة الواجب الحضور فيها ) والتي تعتبر المدخل للبحث الموجز الذي نقدمه لكم.

استنادا لما تقدم أعلاه, فإن ( الساعة الواجب الحضور فيها أمام المحكمة ) يعتبر وفقاً لنص المادة (16) من البيانات الإلزامية التي لا تجوز مخالفتها ويقع باطلا كل إجراء لاحق صادر بناء عليها, وبالتالي ووفقاً للتفسير المتقدم ذكره لا يجوز للمحكمة السير في المرافعة قبل التأكد من هذه الناحية, كما لا يجوز لهــــــــا تأجيل المرافعة دون تحديد ( الساعة الواجب الحضور فيها ) وهو ما يؤكد كذلك عدم جواز ترك المرافعة مفتوحة الوقت !!! لأن هذا الإجراء ليس له سند من القانون من ناحية وكذلك مخالفه صريحة لأحكام القانون وخرق يوجب محاسبة القاضي عنه من ناحية أخرى, مثلما لا يمكن القول بأن وقت المرافعة أو الموعد المقرر لها يمتد إلى نهاية الدوام الرسمي للمحكمة !!!.

بعد هذه المقدمة التوضيحية الموجزة, نلاحظ أن قانون المرافعات المدنية المشار له أعلاه عالج في الباب الثالث ( حضور الخصوم وغيابهم ) منه وتحديدا في الفصل الثاني ( الغياب ), وبحثنا الموجز سوف يتناول من ذلك الفصل نص المادة (56) وتحديدا الفقرة (2) منها والتي نصت على: ( إذا لم يحضر المدعي وحضر المدعى عليه فله أن يطلب إبطال عريضة الدعوى أو يطلب النظر في دفعه للدعوى غيابياً, وعندئذ تبت المحكمة بما تراه موافقاً للقانون ).

من خلال الاطلاع على النص المتقدم أعلاه نجد أن الغاية التشريعية في منح المدعى عليه حـــــق إبطال عريضة الدعوى في حال عــــــدم حضور المدعي هي ( العقوبة ) أي معاقبة المدعي على عدم حضوره والالتزام منه بالوقت الذي حددته المحكمة للترافع أمامها خاصة وإنه هو من أقام الدعوى وبالتالي يجب عليه أن يكون الأكثر التزاما من المدعى عليه, وما يؤكد صحة ما نذهب له أن المشرع في الفقرة (1) من ذات المادة نص على: ( إذا حضر المدعي ولم يحضر المدعى عليه رغم تبلغه فتجري المرافعة بحقه غيابياً ….. الخ ) أي أنه عاقب المدعى عليه في إجراء المرافعة بحقه غيابياً لعدم حضوره والعقوبة هنا لا تقل شدة عن عقوبة الإبطال, وإن السبب في الاختلاف يكمن في كون المدعى عليه ليس هو من أقام الدعوى وبالتالي فإن عبء الالتزام بالحضور يقل عن عب الالتزام بالحضور من قبل المدعي وبإمكان المدعى عليه الحضور لاحقاً وتقديم دفوعه أو عند الاعتراض عند تبليغه بالحكم الغيابي في حال إن صدر ضده.

كما إن المشرع منح بموجب الفقرة (2) مــــــن المادة (56) الحـــــــق في العقوبة ( الإبطال ) للمدعى عليه وذلك من خلال القول ( …. فله أن يطلب …. الخ ), ومنح الخيار للمدعى عليه بين الإبطال أو النظر في دفعه للدعوى غيابياً هو تنازل من قبل المشرع في إيقاع العقوبة من قبله وبالتالي يكون حق الإبطال هنا حق شخصي للمدعى عليه حصرا, وهو هنا يوازن بين حق المدعي بالإبطال بموجب المادة (88)/1مرافعات ( للمدعي أن يطلب إبطال عريضة الدعوى إلا إذا كانت قد تهيأت للحكم فيها ) وهو حق شخصي ايضاً وحق المدعى عليه بالإبطال بموجب المادة (56)/2 مرافعات, وهذا يؤكد لنا بشكل دقيق مدى عدالة النصوص القانونية التي باتت مفقودة في قوانين هذا الزمان مع الأسف.

إن دور المحكمة في حال عدم حضور المدعي ينحصر في سؤال المدعى عليه أو وكيله ( قبــــــل ) تشكيل المرافعة فيما إذا كان يطلب إبطال عريضة الدعوى أم النظر في دفعــه للدعوى غيابياً ؟ وبالتالي يكـــــون ســـــؤال المدعى عليه بذلك ( بعــــــد ) تشكيل المرافعة خطأ فادح وغير مغتفر, لأن تشكيل المرافعة يسلب المدعى عليه حق الإبطال ( هو إقرار غير مباشر بأن المدعى عليه أختار الخيار الثاني من الخيارات الممنوحة له في المادة (56)/2 مرافعات !!! ) ويوقع القاضي في مطب مخالفة القانون, إذ لا يجوز بعد تشكيل المرافعة إبطال الدعوى وفقاً لنص المادة (56)/2 مرافعات مطلقاً.

الآن نصل إلى بيت القصيد في بحثنا الموجز ( إبطال عريضة الدعوى وفق أحكام المادة (56)/2 مرافعات مدنية ؟ ), بعد أن ثبت لنا من خلال ما تقدم أن ( الساعة الواجب الحضور فيها أمام المحكمة ) بيان واجب الالتزام به ويقع باطلا كل ما يخالف ذلك, وبعد أن ثبت لنا أن حق المدعى عليه بالإبطال حق شخصي ممنوح له بموجب القانون, هنالك عدد من الأسئلة التي تم أرسالها لي من قبل بعض من رجال القانون عن طريق البريد الالكتروني أو الفيس بوك بغية الإجابة عليها وهي:

السؤال الأول: هل يجوز للقاضي عند نظر دعوى مدنية أو شرعية كان قد حددت الساعة التاسعة صباحاً موعدا للنظر فيها ولم يحضر المدعي أو وكيله المحامي أن يطلب من المدعى عليه أو وكيله المحامي الانتظار لوقت معين للسماح للمدعي أو وكيله من الحضور ؟.

الجواب: قانوناً لا يجوز ذلك, ويعتبر القاضي عند عدم نظر الدعوى قد خالف نص المادة (56)/2 مرافعات مدنية وممتنع عن إحقاق الحق وفق أحكام المادة (286)/3 مرافعات مدنية التي وردت في الباب الرابع من قانون المرافعات المدنية تحت عنوان ( الشكوى من القضاة ) والتي نص فيها على: ( ….. إذا أمتنع القاضي عن إحقاق الحق, ويعتبر من هذا القبيل أن …… يمتنع عن رؤية دعوى مهيأة للمرافعة وإصدار القرار فيها بعـــــد أن حان دورها دون عــــــذر مقبول …. الخ ) والمقصود بـــ ( حان وقتها ) الساعة المحددة للنظر فيها والتبرير بأن عدم نظرها للسماح للمدعي بالحضور أو وكيله لأي سبب كان لا يعد عذرا مقبول مطلقاً بل أنه عذر يؤكد الانحياز لجانب المدعي على حساب حق المدعى عليه بالإبطال ودليلنا على ذلك عدم اتخاذ ذات الإجراء عند تأخر المدعى عليه عن الحضور !!! وإن التبرير في ذلك بكون القانون سمح بموجب المادة (56)/1 مرافعات مدنية بالسير غيابياً تبرير غير منطقي لأن الالتزام بالقانون هنا يتوجب الالتزام بالقانون وفق المواد (16)/7, (56)/2, (286)/3 مرافعات مدنية أليس كذلك ؟ علماً أن المدعى عليه أو وكيله أن أبدى موافقة شفوية على عدم الإبطال ونظر الدعوى تنظر الدعوى من قبل القاضي دون أن يكون هنالك تبرير منه للانتظار وفي ذلك قمة من التناقض والتعجب !!!, وهذا كله يؤكد عدم جواز تأجيل النظر بالدعوى لحين انتهاء المرافعات أو نهاية الدوام الرسمي للمحكمة.

السؤال الثاني: هل يجوز لنقابة المحامين إصدار اعمام لغرف المحامين في العراق تطلب فيه عدم إبطال عريضة الدعوى قبل انتهاء الدوام الرسمي ويعتبر عدم الالتزام بذلك مخالفة لقاعدة سلوكيه وإخلال بواجب يفرضه القانون ويكون ذلك موجب للمسؤولية التأديبية ؟

الجواب: لا يجوز ذلك مطلقاً, وأي اعمام بهذا الشأن مخالف لقانون المرافعات المدنية والنصوص المشار لها في هذا البحث الموجز أولاً, ومخالف لقانون المحاماة ثانياً لأنه يحث المحامين على سلب حق من حقوق المدعى عليه ممنوح له بموجب القانون !!! والعمل وفق ذلك يعرض المحامي للوقوع في مطب الخطأ الجسيم الذي يوجب المحاسبة التأديبية في حال تحريك الشكوى من قبل الادعاء العام, كما إن إبطال عريضة الدعوى وفق الشكل الذي رسمه القانون لا يعد مخالفاً لسلوك مهنة المحاماة !!! بل أن صدور مثل هكذا اعمام يعد مخالفاً للقانون من جهة ومخالفاً لسلوك المهنة من جهة ثانية.

السؤال الثالث: هل يجوز لمحكمة التمييز الاتحادية أو محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية توجيه القضاة عن طريق قرار تمييزي أو اعمام أو تعليمات بضرورة فسح المجال للمدعي أو وكيله بالحضور من خلال الانتظار لنهاية المرافعات الرسمية للمحكمة أو نهاية الدوام الرسمي نتيجة للظرف السائد في البلد من الناحية الأمنية مثلا ؟

الجواب: من الناحية القانونية لا يجوز ذلك مطلقاً, لأن ذلك ووفقاً لما ورد في هــــذا البحث الموجز يشكل مخالفة صريحة لنصوص المواد (16)/7, (56)/2, (286)/3 من قانون المرافعات المدنية ويسلب من المدعى عليه حق شخصي ممنوح له بموجب القانون كما تطرقنا في هذا البحث, ولا صلاحية لهذه المحاكم مع تقديري العالي لها في إصدار قرارات تخالف نصوص قانونية غير قابلة للاجتهاد والتفسير, مع ضرورة التذكير بأن القرارات التمييزية ملزمة فقط في الدعوى التي تصــــدر فيها ( رغم أن الواقع غير ذلك ) ؟!!.
علماً أن محكمة التمييز الاتحادية ومحاكم الاستئناف الاتحادية تمثل جهات رقابة لتطبيق القانون لا لمخالفة القانون وبالتالي لا يمكن القول بإمكانية صدور مثل تلك القرارات عنها, وإن وجدت مثل تلك القرارات فهي مخالفة للقانون.

أتمنى في النهاية أن أكون قد وفقت في طرح الموضوع بطريقة مبسطة وموجزة تكون مفهومة للقارئ قانونياً كان أم غير ذلك

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : إبطال عريضة الدعوى في قانون المرافعات العراقي