أختلف الفقه في تقييمه لمبدأ المعاملة بالمثل ، ولعل اشد واجرح الانتقادات التي واجهت الاخذ بمبدأ المعاملة بالمثل هي في مجال تنفيذ الاحكام الاجنبية(1). ومع ذلك ، فأن مبدأ المعاملة بالمثل في مجال مركز الاجانب لم تكن بمنأى عن سهام النقد التي وجهها اليه الفقه في هذا الخصوص . ويمكن تلخيص اهم هذه الانتقادات ، في النقاط الاتية :-

الانتقاد الاول :- ان مبدأ المعاملة بالمثل يثير عدة صعوبات من حيث عدم امكانية تحديد اساسها، وهل يكون بالتطابق بين الحقوق المقررة في كلتا الدولتين ام بالتعادل بين مجموع الحقوق المقررة في كلتا الدولتين؟ وهل يكون ذلك بتشريع تصدره الدولة ام بمعاهدة تنضم اليها ام بما يجري عليه العمل فيها؟(2) :

نعتقد هنا ، أن هذا الانتقاد مردود ، وذلك لان التعرف او بالاحرى تحديد اساس المعاملة بالمثل ، وفيما اذا كانت بالتطابق ام بالتماثل؟ دبلوماسي ام تشريعي؟ ليس بذلك الامر الصعب ، وكما يصوره هذا الانتقاد . فبالنسبة لكيفية التعرف على مضمون المعاملة بالمثل ، وفيما اذا كانت بالتطابق بين الحقوق ام بالتعادل فيما بينها ، فأنه يكفي الرجوع الى النص الذي يقرر مبدأ المعاملة بالمثل لمعرفة ما اذا كانت المعاملة بالمثل تستوجب التطابق بين الحقوق التي وردت عليها ام تكتفي بالتعادل بين الحقوق دون ان تستلزم تطابقها . فالمسألة لا تخرج بدورها عن كونها مسألة تفسير للنص للتحديد نوع المعاملة ، اما بالنسبة لتحديد ما اذا كانت المعاملة بالمثل دبلوماسية ام تشريعية ام فعلية ، فذلك بالامر اليسير ، فمن المعلوم ان المعاملة بالمثل اذا كانت مقررة بنص في تشريع داخلي في الدولتين ، كانت حينئذٍ (معاملة تشريعية بالمثل)(3) ، اما اذا تم الاتفاق بين دولتين ، بموجب (معاهدة) على تنظيم نشاط رعايا كل منهما في اقليم الاخرى على وجه التبادل، فكانت المعاملة عندئذٍ (دبلوماسية) ، أما لو تم اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل دون الاعتداد بما تنص عليه التشريعات او ما تقرهُ المعاهدات ، بل تأسيساً على ظروف التعامل الفعلي للأجانب ، أي بما يجري عليه العمل بصورة واقعية في الدولة حيال الافراد الاجانب ، فتكون المعاملة بالمثل حينئذٍ (واقعية او فعلية). كذلك فأننا نتفق مع البعض(4) في هذا الخصوص ، بأن ما قيل عن هذه الصعوبات التي تواجه الاخذ بمبدأ المعاملة بالمثل في مجال مركز الاجانب ، ليست في حقيقة الامر ، سوى خيارات متعددة مطروحة امام الدولة ، تتيح لها بانتقاء ما يلائمها من مختلف الصور لمبدأ المعاملة بالمثل ، حسب ظروفها ومصالحها ، فهي قد تشدد مع الاجانب ، فتستوجب المعاملة الدبلوماسية او التشريعية او تشترط المعاملة بالمثل على وجه التطابق او تتساهل مع الاجانب ، فتكتفي بالمعاملة الواقعية بالمثل او تأخذ بالمعاملة بالمثل على وجه التعادل ، وهذا الامر يعتبر ميزة لمبدأ المعاملة بالمثل وليس انتقاداً لها.

الانتقاد الثاني :- الصعوبة في تحقيق توازن حقيقي وفعلي في معاملة الاجانب عن طريق تبني مبدأ المعاملة بالمثل(5) :

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

رغم وجاهة هذا الانتقاد من الناحية الموضوعية ، الا اننا نعتقد أنه قد بالغ في تصوير الصعوبة ، ونتفق مع البعض(6) أن المشرع يجد دائماً في شرط المعاملة بالمثل وتنوع صياغته مرونة كافية لتذليل هذه الصعوبة ، وهو يستطيع ان يلجأ الى تبني شرط المعاملة بالمثل على اساس التعادل في الحقوق دون تطابقها ، والتي تعتبر كفيلة ومجدية لتذليل هذه الصعوبة . هذا حتى وان لم يلجأ المشرع الى المعاملة بالمثل على اساس التعادل ، بل فضل الاخذ بالمعاملة على اساس التطابق ، فانه ليست بالنتيجة الحتمية دائماً تحقق حالة اللا توازن في مقدار الحقوق الممنوحة للأجانب من رعايا الدولتين المشترطتين للمعاملة بالمثل ، وقد تلافت بعض الاتفاقيات والمعاهدات هذه النتيجة ، وذلك بأن نصت على تعديد للحقوق التي يجب للدول منحها لرعايا الدول المشترطة لمبدأ المعاملة بالمثل(7) وبذلك يمكن فعلاً تلافي الوقوع في مثل هذه النتيجة عن طريق اللجوء الى هذه الوسيلة في الاتفاقيات المنظمة لمركز الاجانب .

الانتقاد الثالث :- ان اللجوء لمبدأ المعاملة بالمثل كشرط لتمتع الاجنبي بالحقوق في الدولة ، يتنافى مع الاصول المثالية التي تقضي بمعاملة الاجانب معاملة الوطنيين ، بصرف النظر عن المعاملة التي يلقاها الوطنيون في الخارج(8) . وكذلك فان الاخذ بها كشرط للاعتراف للاجانب بالحقوق يعتبر مناقضاً لما ورد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان من وجوب الاعتراف لكافة البشر بكل ما اورده الاعلان من حقوق(9) : 

يرى البعض(10) – ونحن نتفق معه – أن هذا الانتقاد قد تجاهل الاسس الواقعية التي تقوم عليها تنظيم مركز الاجانب في الدولة ، وهي أسس تقوم قبل كل شيء على مراعاة المصالح الوطنية المختلفة للدولة ومصالح رعاياها الموجودين في الخارج ، وما دامت الدولة قد كفلت للأجانب الحد الادنى من الحقوق التي يفرضها العرف الدولي ، اصبحت تملك الحرية الكاملة في تنظيم مركز الاجانب في اقليمها ، وهي تستطيع ان ترفض منح الاجانب اية حقوق تزيد عن مقدار الحد الادنى دون ان تتعرض لأية مسؤولية مباشرة .ولا شك ان ربط تمتع الاجانب بالحقوق التي تجاوز الحد الادنى ، بمبدأ المعاملة بالمثل افضل من مجرد الرفض المطلق لتمتع هؤلاء بالحقوق السابقة(11). ومن جهة ثانية ، – فأننا نعتقد – بأن الامر على عكس ما يصوره هذا الانتقاد تماماً ، ففي حقيقة الامر ، ان المعاملة بالمثل ليست عائقاً امام اخذ الدول بالاصول المثالية التي تقضي بالتسوية الكاملة بين الاجانب والوطنيين وبغض النظر عن المعاملة التي يلقاها في الخارج . فمن الدول اليوم ، من تأخذ ” بالاصول المثالية ” حتى تقف المعاملة بالمثل عائقاً أمامها ! ثم انه ، اذا كانت الاصول المثالية تقضي بمعاملة الاجانب معاملة المواطنين في الدولة ، فلا شك ، ان مبدأ المعاملة بالمثل هي اقرب الوسائل لتحقيق هذا الغرض . فأية دولة في الوقت الحاضر ، تقبل ان تمنح الاجانب في اقليمها نفس الموقع الذي يتمتع به مواطنيها انفسهم من حيث الاستفادة من المزايا التي تمنحها الدولة لمواطنيها اذا كانت الدول التي ينتمي اليها الاجانب لا تمنح نفس هذا الامتياز لرعايا الدولة الاولى؟ لذا نعتقد ، أن المعاملة بالمثل هي الوسيلة المناسبة لتحقيق هذا الغرض ، فعن طريقها تعرف الدولة مقدار ما تمنح ومقدار ما تستلم ، وهي بذلك تعد موقفاً وسطاً بين الاتجاه المثالي الذي يقضي بوجوب معاملة الاجانب معاملة الوطنيين في جميع الاحوال وبين الاتجاه الذي يقضي بالرفض المطلق بالاعتراف للأجانب لكافة الحقوق التي تجاوز الحد الادنى المقرر بمقتضى العرف الدولي ، لا بل انها تعّد خطوة مهمة نحو التوصل الى تحقيق التسوية الكاملة بين الاجانب والوطنيين ، وذلك عن طريق الزام معظم الدول الى اقرار هذه التسوية ، عن طريق التمسك بهذا المبدأ تجاه الدولة التي ترفض هذا الاقرار ، حينئذٍ يمكن التوصل الى تحقيق ” الاصول المثالية ” .

الانتقاد الرابع :- ان اشتراط المعاملة بالمثل كشرط لتمتع الاجانب بالحقوق في الدولة ، يلقي على عاتق القاضي الوطني او الجهة المعنية ، عبء التعرف على موقف القوانين الاجنبية ، وفيما اذا كانت تلك القوانين تمنح الحق ذاته لرعايا دولته ام لا(12) :

نتفق مع البعض(13) ، أن هذا الانتقاد مردود أيضاً ، لأن هذه الصعوبة (أي التعرف على مضمون القانون الاجنبي) ، تثور أيضاً في كل مرة ينص فيها المشرع على تطبيق قانون اجنبي بمقتضى قواعد الاسناد الوطنية ، في تنازع القوانين . ولا يمكن تصور الامر ، بأن القاضي او أية جهة اخرى معنية بالتحقق من الامر ، سوف يقوم بنفسه بالبحث في قوانين جميع الدول الاجنبية لمعرفة الاحكام التي جاءت بها تجاه الاجانب ، بل يستعان في ذلك بوسائل عديدة تتيح التعرف على مضامين القوانين الاجنبية بسهولة ويسر بالغ ، ولعل اهم الوسائل في الوقت الحاضر هي طلب مساعدة وزارة الخارجية التي تقوم عن طريق السفارات والقنصليات الاجنبية باستعلام مواقف تلك الدول تجاه الاجانب لديها في حالة مماثلة . بعد ان تعرفنا على الانتقادات التي وجهها الفقه لمبدأ المعاملة بالمثل في مجال مركز الاجانب ، نعتقد بأن أياً من هذه الانتقادات السابقة لم تكن – بحق – بذلك الانتقاد الحاسم او الجارح لمبدأ المعاملة بالمثل في مجال مركز الاجانب . بل على العكس تماماً ، فأننا نتفق مع بعض الفقه(14) بأن مبدأ المعاملة بالمثل تعّد أساساً او جوهر القانون الاتفاقي في مسائل تمتع الاجانب بالحقوق ، أنه نادراً ما تخلو معاهدة منظمة لمركز الاجانب او نص تشريعي خاص بمركز الاجانب ، من شرط المعاملة بالمثل . فاذا كانت تلك الانتقادات السابقة التي عرضناها تمس بحق مبدأ المعاملة بالمثل في مركز الاجانب ، فلماذا لا تستطيع الدول ان تستغني عنها كنظام خاص في معاملة الاجانب ؟ أليس اشتراط مبدأ المعاملة بالمثل ، كشرط لتمتع الاجانب بالحقوق في داخل الدولة ، أفضل في جميع الاحوال من الرفض المطلق لهؤلاء في التمتع بأدنى قدر من الحقوق تجاوز الحد الادنى به دولياً ! فأين العدالة من وراء منح دولة ما لرعايا دولة ثانية ، جميع الحقوق في اقليمها أسوة بمواطنيها ، مقابل رفض تلك الدولة منح الحقوق ذاتها لرعايا الدولة الاولى في إقليمها ؟ فأين التساوي بين الحقوق والالتزامات في هذه الحالة ؟ بل على العكس ، فأن من شأن تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل في معاملة الاجانب ان تحمل الدول الاخرى على اقرار الحقوق للاجانب في اقليمها بغية ان يتمتع رعاياها بنفس هذه الحقوق في الخارج، وبذلك تكون المعاملة بالمثل خطوة باتجاه الاقرار الكامل من قبل جميع الدول للأجانب لديها بجميع الحقوق التي يتمتع بها مواطنيها انفسهم . ووفقاً لذلك ، ان الدولة من وراء اشتراطها لمبدأ المعاملة بالمثل كشرط لاقرارها الحقوق للأجانب لديها ، تكون قد ضمنت لرعاياها في الخارج – وهذا هو الامر الاهم – التمتع بالقدر الكافي من الحقوق ، وفي الوقت نفسه تكون قد شجعت الدول الاخرى على السير في المنحى نفسه ، بغية التوصل الى التسوية الكاملة بين الاجانب والوطنيين في جميع دول العالم .

_____________________

[1]- راجع في الانتقادات التي وجهت لمبدأ المعاملة بالمثل في مجال تنفيذ الاحكام الاجنبية : الدكتور هشام علي صادق ، تنازع الاختصاص القضائي الدولي ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، 1972 ، ص205؛ وراجع أيضاً: الدكتور عكاشة محمد عبد العال ، الاجراءات المدنية والتجارية الدولية ، الدار الجامعية ، بيروت ، 1986 ، ص340 ؛ وكذلك انظر أيضاً :

Henri Batiffol، Droit international Prive، Tom II ، Op. Cit.، p. 498.

2- د. ابراهيم احمد ابراهيم ، مصدر سابق ، ص76 ؛ وفي نفس المعنى انظر : د. ممدوح عبد الكريم حافظ، القانون الدولي الخاص وفق القانونين العراقي والمقارن ، مصدر سابق ، ص207 .

3- على سبيل المثال ، الفقرة (أ) من المادة (22) من القانون المدني العراقي .

4- د. ابراهيم احمد ابراهيم ، مصدر سابق ، ص77.

5- راجع : د. هشام علي صادق ود. حفيظة السيد حداد ، مصدر سابق ، ص 235.

6- د. شمس الدين الوكيل ، الموجز في الجنسية ومركز الاجانب ، ط (1) ، مصدر سابق ، ص363 .

7- على سبيل المثال : المادة الثانية من الاتفاقية العربية للمعاملة بالمثل في نضم التأمينات الاجتماعية ، راجع الصفحة ( ) من هذه الرسالة .

8- راجع : د. هشام علي صادق ود. حفيظة السيد حداد ، مصدر سابق ، ص335.

9- راجع : د. ابراهيم احمد ابراهيم ، مصدر سابق ، ص77.

0[1]- د. هشام علي صادق ود. حفيظة السيد حداد ، مصدر سابق ، ص335.

1[1]- المصدر نفسه ، ص336.

2[1]- د. عز الدين عبد الله ، القانون الدولي الخاص المصري ، ج2 ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1986 ، ص173 ؛ وفي نفس المعنى ايضاً . انظر : د. محمد عبد الله محمد المؤيد ، القانون الدولي الخاص ، ط1 ، بدون مكان نشر ، 1999 ، ص105 .

3[1]- د. هشام علي صادق ، تنازع الاختصاص القضائي الدولي ، مصدر سابق ، ص206.

4[1]- الدكتور ابراهيم احمد ابراهيم ، مصدر سابق ، ص67 .

المؤلف : : مراد صائب محمود البياتي
الكتاب أو المصدر : مبدأ المعاملة بالمثل في مجال المركز القانوني للأجانب
الجزء والصفحة : ص120-125

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : أهم الانتقادات الموجهة لمبدأ المعاملة بالمثل في مجال مركز الأجانب – مقال قانوني