الفصل الأول: الإيجار:

نظمت المجلة عقد الإيجار في الكتاب الثاني منها (المواد 404 إلى 611). وظلت هذه الأحكام وحدها تحكم عقد الإيجار في الكويت، حتى صدر في 27 سبتمبر 1954 قانون للإيجار (عُدل بعد ذلك بالقانون رقم 32 لسنة 1962) متضمنًا بعض الأحكام المتعلقة بإيجار العقارات المخصصة للسكن أو لأعمال تجارية أو صناعية أو لمهن حرة، دون الأراضي الزراعية التي أُخرجت من نطاقه بنص صريح، ومتضمنًا عدة أحكام تتعلق بتحديد أجرة العقارات وامتداد عقود الإيجار بقوة القانون وحصر الأسباب التي يجوز للمؤجر عند توافرها إنهاء الإيجار، ثم أُلغي هذا القانون وحل محله القانون رقم (39) لسنة 1964 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقات بين المؤجرين والمستأجرين ونص في المادة منه على سريان أحكامه على الأماكن وأجزاء الأماكن على اختلاف أنواعها، المؤجرة للسكن أو لغير ذلك من الأغراض، مستأجر من المالك أو من مستأجر لها، سواء مسورة أو غير مسورة.

وقد أُلغي هذا القانون بالقانون رقم (25) لسنة 1971، الذي حل محله أخيرًا القانون رقم (35) لسنة 1978، في شأن إيجار العقارات ويختلف هذان القانونان عن القانونين السابقين، في عدم اقتصارهما على أحكام خاصة تتعلق بالامتداد القانوني لعقد الإيجار أو بالتحديد القانوني للأجرة، بل إنهما تضمنا علاوة على ذلك قواعد أخرى موضوعية وإجرائية.

وتنص المادة الأولى من القانون الأخير على سريان أحكامه على العقارات بما في ذلك الأراضي الفضاء، والمؤجرة للسكن أو لغير ذلك من الأغراض، مع استثناء الأراضي الزراعية من نطاق تطبيقه (لما لها من وضع خاص ليس مجاله هذا القانون)، وهو استثناء لم يكن واضحًا من نصوص القانون الذي سبقه.

وبذلك يخرج عن نطاق هذا القانون على الأخص إيجار المحل التجاري الذي يخضع لأحكام قانون التجارة، كما يخرج عن نطاقه إيجار المنقولات والأراضي الزراعية الذي يظل خاضعًا لأحكام المجلة، بالإضافة إلى إيجار الوقف الذي يظل خاضعًا لأحكام الفقه المالكي، فيما عدا ما يمكن تطبيقه عليه من الأحكام الخاصة الواردة في ذلك القانون.

على أن القانون رقم (35) لسنة 1978، وإن تضمن كثيرًا من القواعد الموضوعية في عقد الإيجار، فإنه لم يضع تنظيمًا كاملاً لهذا العقد يغني عن الرجوع إلى أحكام المجلة، التي ما زالت تعتبر، تبعًا لذلك، القانون العام لعقد الإيجار ويتعين تطبيق أحكامها على ما لم يرد بشأنه نص تشريعي كما أفصح القانون في المادة الثالثة منه.

ولذلك فقد آثر المشروع أن ينظم الأحكام الموضوعية في عقد الإيجار تنظيمًا شاملاً مفصلاً، يغني عن الرجوع إلى تلك المصادر المتعددة، وبعد أن أورد الأحكام العامة للإيجار، أفرد بالذكر أنواعًا خاصة من الإيجارات – هي إيجار الأراضي الزراعية والمزارعة وإيجار الوقف – نظرًا لأهميتها، ولكن هذا التنظيم الجديد لا يمس ما ورد في القانون رقم (35) لسنة 1978 من أحكام خاصة في حدود نطاق سريانه وذلك اعتبارًا بأن القانون العام لا يلغي قانونًا خاصًا ما لم يرد نص صريح بذلك.

الفرع الأول – الإيجار بوجه عام:

الإيجار عند الحنفية عقد يفيد تمليك منفعة معلومة مقصودة من العين المستأجر بعوض، وفي المجلة، هو بيع المنفعة المعلومة في مقابلة عوض معلوم، وقد جرى التقنينان العراقي والأردني على نهج الفقه الإسلامي في تعريفه بأنه تمليك منفعة معلومة لقاء عوض معلوم، (722 عراقي و658 أردني)، كما عرفه القانون الكويتي (قانون رقم 35 لسنة 1978) نقلاً عن التقنين المصري والتقنينات العربية الأخرى بأنه (عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه أن يمكن المستأجر من الانتفاع بعين معينة، مدة محددة لقاء أجر معلوم) ويعرفه المشروع في المادة (561) تعريفًا لا يخرج عن ذلك مع تعديل في الصياغة اقتضته الملاءمة.

أولاً: أركان الإيجار:

عرض المشروع في المواد (من 562 إلى 568) للمؤجر والأجرة والمدة، أما عن المؤجر، فمن شروط نفاذ الإيجار عند الحنفية، الملك والولاية، وهو ما قننته المجلة في المادة (246) بقولها: (يلزم أن يكون الآجر متصرفًا بما يؤجره، أو وكيل المتصرف، أو وليه أو وصيه) وإلا كانت الإجارة موقوفة على إجازة المالك أو وكيله أو وليه أو وصيه.

فالأصل أن مالك الشيء هو الذي له الحق في إدارته وتأجيره، ولكن قد يثبت حق الإدارة لغير المالك، فيكون نائبًا عن المالك في استعمال هذا الحق، سواء كانت نيابته نيابة اتفاقية – كالوكيل – أو قانونية، كالولي والوصي وناظر الوقف. فهؤلاء جميعًا لا يملكون الشيء المؤجر وليس لهم إلا حق إدارته ولذلك قيد المشروع في المادة (562) من سلطتهم في الإيجار. فمن يدير الشيء لا يملك إيجار لمدة تزيد على ثلاث سنوات، فإذا زاد على هذه المدة، فإن كان ذلك بإذن ممن يملك الإذن – كالأصيل في حالة الوكيل والمحكمة في حالة الوصي وناظر الوقف – جاز، وإلا أُنقصت المدة إلى ثلاث سنين، وكل هذا ما لم يوجد نص يقضي بغيره، كما هو الحال بالنسبة لناظر الوقف فإن له أن يؤجر لأكثر من ثلاث سنين إذا كان هو الواقف أو المستحق الوحيد (المادة 646 من المشروع).

كذلك فإنه، يجوز للمنتفع أن يؤجر الشيء، لأن الإيجار هو الوسيلة الطبيعية للاستغلال، ولكن المنتفع لا يتقيد في إيجاره بالمدة المنصوص عليها في المادة السابقة، لأنه عندما يؤجر الشيء لا يفعل ذلك بموجب حق الإدارة، وإنما يستعمل حقه الأصيل في الانتفاع، فلا حد لمدة الإيجار إلا المدة التي يبقى فيها حق الانتفاع قائمًا، لأنه بطبيعته حق موقوت، فلا يسري الإيجار بعد انتهاء حق الانتفاع، إلا إذا أقره مالك الرقبة بالنسبة للمدة التالية، وذلك دون إخلال بمواعيد التنبيه بالإخلاء والمواعيد اللازمة لنضج المحصول القائم ونضجه، وهو ما نص عليه المشروع في المادة (563/ 1). أما من ليس له إلا حق الاستعمال، أو السكنى، فليس له أن يؤجر الشيء إلا بإذن خاص أو لمبرر قوي (المادة 563/ 2).

أما الأجرة فهي المال الذي يلتزم المستأجر بإعطائه للمؤجر في مقابل الانتفاع بالمأجور. والأصل أنها تستحق باستيفاء المنفعة أو بإمكان استيفائها فإن زالت المنفعة أو اختلت، سقطت الأجرة أو أنقصت.

والأجرة في عقد الإيجار تقابل في الفقه الإسلامي، الثمن في عقد البيع، فما يصلح ثمنًا في البياعات يصلح أجرة في الإيجارات ومن ثم وجب أن تكون الأجرة مالاً متقومًا معلومًا (قارن المادتين 463 و450 من المجلة). ومع ذلك (يجوز أن يكون بدلاً في الإجارة الشيء الذي لم يصلح أن يكون ثمنًا في البيع) (463). كمنفعة شيء معين فالمنفعة وإن كانت لا تصلح ثمنًا، يجوز أن تكون أجرة.
وإذا كان المشروع قد أوجب في البيع أن يكون الثمن من النقود لأسباب سبق بيانها، غير أنه آثر في الإيجار أن يأخذ بأحكام الفقه الإسلامي فأجاز في المادة (564) أن تكون الأجرة شيئًا آخر غير النقود، كجزء من المحصول أو الانتفاع بشيء آخر مقابل الانتفاع بالمأجور.

وتستلزم قواعد المجلة تعيين الأجرة وإلا وقع الإيجار فاسدًا غير أنها تفرض أجر المثل بالغًا ما بلغ إذا كان فساد الإجارة بسبب كون البدل مجهولاً (المادة 462). ولذا لم يجد المشروع حرجًا في أن يأخذ في المادة (565) بالحكم الوارد في قانون الإيجارات الكويتي نقلاً عن التقنين المصري والذي يقرر أنه إذا لم يحدد المتعاقدان الأجرة ولا الأساس الذي يقوم عليه تقديرها، وكذلك إذا تعذر على أيهما إثبات الأجرة التي اتفقا عليها، فإن أجرة المثل وقت إبرام العقد تكون هي الواجبة ويحددها القاضي بمراعاة جميع العناصر اللازمة لذلك، ويبقى عقد الإيجار صحيحًا، وغني عن البيان أن مجال الأخذ بهذا الحكم هو إغفال الاتفاق على الأجرة أو أسس تقديرها، أو تعذر إثبات مقدار الأجرة المتفق عليها، أما إذا حاول المتعاقدان الاتفاق على الأجرة فلم يستطيعا، فإن الإيجار يكون باطلاً لأن المتعاقدين قد تعذر عليهما الاتفاق على ركن من أركان العقد.

بقيت المدة، وهي ركن لا يتم الإيجار إلا به، فإذا عرض المتعاقدان للمدة اختلفا في تحديدها، كان الإيجار باطلاً لعدم توفر الرضاء وإذا كان المتعاقدان يتفقان عادة على المدة وعلى تاريخ بدئها، غير أنه يقع في بعض الأحيان أنهما لا يعرضان إطلاقًا لشيء من ذلك ولكن هذا الإغفال لا يجعل الإيجار باطلاً، بل يظل صحيحًا ويتكفل المشروع في هذه الحالة بتحديد المدة وتاريخ بدئها كذلك قد يتفق المتعاقدان على أن يكون الإيجار لمدة معينة، أو يتفقان على مدة معينة ولكن لا يستطيع أي منها أن يثبت ما اتفقا عليه في ذلك، ففي هاتين الحالتين أيضًا لا يكون الإيجار باطلاً، بل يكون صحيحًا، ويتكفل المشروع بتحديد المدة على نفس الوجه الذي يحدد به المدة في الحالة الأولى.

أما بالنسبة لبدء المدة، فإنه إذا لم يعين المتعاقدان تاريخ بدء الإيجار، فإنه يبدأ من تاريخ العقد (المادة 566 من المشروع وقارن المادتين 485 و486 من المجلة)، وأما بالنسبة لتحديد المدة، فإنه إذا عقد الإيجار دون اتفاق عليها فإن الإيجار يعتبر نافذًا منعقدًا للمدة التي حُددت عنها الأجرة، وكذلك يكون الحال لو عقد الإيجار لمدة غير معينه أو تعذر إثبات مدته (المادة 567/ 1 من المشروع).

وينتهي الإيجار بانقضاء هذه المدة بناءً على طلب أحد المتعاقدين إذا هو نبه على المتعاقد الآخر بالإخلاء قبل نصفها الأخير على ألا يزيد ميعاد الإخلاء على ثلاثة أشهر (المادة 567/ 2) وغني عن البيان أنه إذا لم يحصل التنبيه في ميعاده يمتد الإيجار لفترة أخرى تبدأ من انتهاء الفترة السابقة وهكذا حتى يصدر التنبيه في ميعاده. وإذا اتفق المتعاقدان على تحديد مدة معينة، صح اتفاقهما والتزما به، ما دامت هذه المدة لا تجعل الإيجار مؤبدًا أو في حكم المؤبد، وكل ذلك مع مراعاة النصوص الأخرى التي تحدد المدة في بعض الأحوال، كمن له حق الإدارة لا يجوز أن يؤجر لمدة تزيد على ثلاث سنين.

أما إذا اتفق المتعاقدان على أن يكون الإيجار مؤبدًا وكذلك إذا اتفقا على مدة طويلة تجعل الإيجار في حكم العقد المؤبد. فإن المشروع ينص في المادة (568) منه على أن المدة ترد إلى خمس وعشرين سنة ولكن المشروع أجاز أن يكون الإيجار لمدة حياة المستأجر أو المؤجر، حتى لو امتد لمدة تزيد على خمس وعشرين سنة.

ثانيًا: آثار الإيجار:

1 – التزامات المؤجر:

تعرض المواد (569 – 585) لالتزامات المؤجر، وهي التزامات إيجابية ويؤدي مجموعها إلى التزام المؤجر بأن يمكن المستأجر من الانتفاع بالمأجور، فإلى جانب التزامه بالتسليم، يلتزم المؤجر بتعهد المأجور بالصيانة، كما يلتزم بضمان التعرض وضمان العيب.
ويلاحظ أن مجلة الأحكام العدلية تضع على عاتق المؤجر التزامين أساسيين: أولهما بتسليم المأجور والثاني بترك المستأجر ينتفع به طوال مدة الإجارة. فإذا انعقدت الإجارة الصحيحة لزم تسليم المأجور للمستأجر (م 583). ويكون ذلك بإجازة الآجر ورخصته للمستأجر بأن ينتفع به بلا مانع (م 582). ومن ثم يلتزم بأن يسلم المأجور للمستأجر خاليًا من العوائق التي تحول دون انتفاعه به.

أما قانون إيجار العقارات والأماكن – رقم (35) لسنة 1978 – فقد قامت أحكامه (في حدود ومجال تطبيقه) على أساس أن المؤجر ملزم بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، فهو ملزم بتسليم العين ذاتها وملحقاتها وكل ما أُعد بصفة دائمة لاستعمالها على أن يكون ما يسلمه في حالة يصلح معها لأن يفي بما أُعدت له العين من المنفعة وذلك طبقًا لما تم عليه الاتفاق أو لما يقضي به العرف وطبيعة الأشياء، فإذا سُلمت العين في حالة لا تكون معها صالحة لاستيفاء المنفعة المقصودة، أو كانت في حالة ينقص معها الانتفاع نقصًا كبيرًا، فإن المستأجر يكون بالخيار بين فسخ العقد أو التعويض إن كان له مقتض (المادة 7 من القانون).
وطبقًا لنصوص المشروع، يلتزم المؤجر بتسليم المأجور تسليمًا صحيحًا والتسليم الصحيح لا يكون إلا بتسليم الشيء وملحقاته في حالة صالحة للانتفاع به كل الانتفاع المقصود من إيجاره (المادة 569). ويرجع في معرفة ذلك إلى اتفاق المتعاقدين، فإن لم يوجد وجب الرجوع إلى العرف وطبيعة الشيء ذاته، وتفريعًا على ذلك يلتزم المؤجر قبل التسليم بإجراء جميع الإصلاحات اللازمة لتهيئة المأجور للانتفاع به، على النحو المقصود، ولو كانت من قبيل الإصلاحات التي يلتزم بها المستأجر بعد تسلم المأجور وأثناء مدة الإيجار.

ولكن للمتعاقدين أن يتفقا على خلاف ذلك فيشترط المؤجر أن يسلم الشيء في الحالة التي هو عليها وقت التسليم، أو يشترط المستأجر تسليمه في حالة معينة، بعد القيام بأعمال كمالية لزخرفته وتجميله على سبيل المثال، فإذا لم يقم المؤجر بتسليم المأجور تسليمًا صحيحًا، بأن سلمه غير كامل أو بغير ملحقاته، أو سلمه في حاله لا يكون فيها صالحًا للانتفاع الذي أُجر من أجله أو إذا نقص هذا الانتفاع نقصًا كبيرًا، أو كان الشيء في حالة من شأنها أن تعرض المستأجر أو من يعيشون معه أو يعملون لديه لخطر جسيم، أو لم يقم بما تعهد به من إصلاحات أو إضافات للشيء المؤجر قبل تسليمه، فإنه يكون للمستأجر في جميع هذه الأحوال أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة بقدر ما نقص من الانتفاع مع التعويض في الحالين إن كان له مقتض، (المادة 570) وكل ذلك دون إخلال بحقه في طلب التنفيذ العيني وفقًا لما يقضي به القانون.

وفيما عدا ما تقدم، فإنه يسري على الالتزام بتسليم المأجور ما يسري على الالتزام بتسليم المبيع من أحكام (المادة 571). وعلى الأخص ما يتعلق منها بزمان التسليم ومكانه وتحديد المأجور وملحقاته والعجز والزيادة فيه، وكل هذه أحكام مستوحاة من القانون المصري والقوانين التي أخذت عنه.

أما عن التزام المؤجر بتعهد المأجور بالصيانة، فيُلاحظ بادئ ذي بدء أنه في الفقه الحنفي – وفي المجلة أيضًا – لا يلتزم المؤجر إلا بترك المستأجر ينتفع بالمأجور مدة الإجارة، وليس للمستأجر أن يلزمه بإجراء أي إصلاح فيه وقت بدء الإجارة ولا في أثناء سريانها، لأن الإنسان لا يُجبر على إصلاح ملكه ولا على إزالة العيب عنه، فالتزام المؤجر فيما يتعلق بانتفاع المستأجر بالمأجور، التزام سلبي بحت.

ولكن التقنينات العربية جميعها، حتى تلك التي لم تلزم المؤجر بتسليم المأجور إلا بالحالة التي يكون عليها وقت العقد، كالتقنين العراقي، (قارن المادتين 742 و750 منه) تلزم المؤجر بتعهد المأجور بالصيانة طوال مدة الإيجار، وكذلك فعل قانون إيجار العقارات الحالي فألزم المؤجر بتعهد العين المؤجرة بالصيانة وبالقيام في أثناء الإجارة بالترميمات الضرورية (المادة 8 فقرة أولى)، وقد ساير المشروع هذا النظر، فألزم المؤجر بتعهد المأجور بالصيانة حتى بعد تسليمه إلى المستأجر، ويستمر التزامه بذلك طوال سريان مدة الإيجار، حتى يظل المأجور في حالة يصلح معها للانتفاع به المقصود (المادة 572 من المشروع) – وعلى ذلك يلتزم المؤجر بتجصيص الأسطح وبإصلاح المصعد أو السلم، وبنزح المراحيض وبإجراء الإصلاحات الهامة (الكبيرة) في دورات المياه وأجهزة الكهرباء والتكييف ومواسير المياه وبكل ما يقضي العرف بجعله على المؤجر ما دامت حاجة المأجور إلى هذه الإصلاحات أو الترميمات غير راجعة إلى فعل المستأجر أو أحد من ذويه، كما يلحق بهذه الإصلاحات تكاليف المأجور من رسوم أو ضرائب، – كرسم السيارة المؤجرة – وغير ذلك مما لا ينص القانون على تحمل المستأجر به.

ولكن المؤجر لا يلتزم بثمن المياه والكهرباء التي يستهلكها المستأجر ولا بنفقات تشغيل الشيء المأجور – كثمن البنزين والزيت وأجرة التشحيم كما لا يلتزم بعمل التصليحات التي لا تكون ضرورية للانتفاع بالمأجور فهو لا يلتزم مثلاً بأعمال الزخرفة والتجميل ولا بإجراء الإصلاحات العادية التي يقتضيها استعمال المأجور استعمالاً مألوفًا. ومع ذلك فهذه الأحكام ليست من النظام العام ويجوز الاتفاق على خلافها.

فإذا لم يقم المؤجر بالتزامه من إجراء الإصلاحات والترميمات الضرورية إعمالاً لما تقضي به المادتان (570 و572) يكون للمستأجر أن يطلب إما التنفيذ العيني، وإما فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة على حسب الأحوال، مع التعويض إن كان له مقتض، ولكن بشرط أن يقوم أولاً بإعذار المؤجر.

فطبقًا للقواعد العامة يجوز للمستأجر أن يلجأ إلى القضاء لمطالبة المؤجر بإجراء الإصلاحات أو الترميمات الضرورية التي تقع على عاتقه، ويحكم القضاء بإلزام المؤجر بإجراء هذه الإصلاحات ويحدد له ميعادًا للقيام بها، ولكن طبقًا للمادة (573) من المشروع يجوز للمستأجر عند إخلال المؤجر بالتزامه بإجراء الإصلاحات أن يحصل على إذن من القضاء بإجرائها بنفسه وفي استيفاء ما أنفقه خصمًا من الأجرة كما يجوز له، دون حاجة إلى هذا الإذن، أن يقوم بإجراء هذه الإصلاحات بنفسه على أن يستوفي ما ينفقه خصمًا من الأجرة، وذلك بعد إعذار المؤجر طبقًا للقواعد العامة، بشرط أن تكون الإصلاحات بسيطة لا تبرر اللجوء إلى القضاء، أو مستعجلة لا تحتمل الإبطاء حتى ولا الالتجاء إلى القضاء المستعجل. ويستوي أن تكون الحاجة إلى الإصلاح قائمة وقت بدء الانتفاع أو طرأت بعد ذلك بغير خطأ من المستأجر.

وغني عن البيان أن المستأجر إذا أجرى الإصلاح بغير ترخيص من القضاء فإنما يقوم بذلك على مسؤوليته، وللقضاء أن يستوثق بعد ذلك – إذا رفع المؤجر إليه الأمر – من توافر الشروط السابقة حتى يقر خصم النفقات من الأجرة.

كذلك يجوز للمستأجر أن يطلب فسخ الإيجار – بدلاً من التنفيذ العيني – إذا كان حرمانه من الانتفاع بالمأجور بسبب حاجته إلى الإصلاح، حرمانًا جسيمًا يبرر الفسخ، ويخضع هذا الطلب لتقدير القضاء، فله أن يجيب المستأجر إلى الفسخ أو أن يمهل المؤجر ليقوم بالإصلاح.

وأخيرًا يجوز للمستأجر أن يطلب من القضاء إنقاص الأجرة – بدلاً من التنفيذ العيني ومن الفسخ – وذلك على أساس أن نقص الانتفاع بالمأجور بسبب عدم إجراء الإصلاحات، يقابله نقص مناسب في الأجرة، وللقضاء أن يجيبه إلى طلبه إن كان ثمة مبرر لذلك.

وسواء اختار المستأجر التنفيذ العيني أو الفسخ أو إنقاص الأجرة، فإن له الحق في جميع الأحوال أن يطلب تعويضه عما أصابه من ضرر في شخصه أو ماله وكذلك تعويضه عن الضرر الذي أصابه بسبب نقص الانتفاع بالمأجور سواء كان هناك خطأ في جانب المؤجر أو كانت الحاجة إلى الإصلاح أو الترميم ناشئة عن سبب أجنبي.

وهناك نوع آخر من الإصلاحات أو الترميمات الضرورية عرض له المشروع في المادة (574) وهي الإصلاحات اللازمة، لا للانتفاع بالمأجور بل لحفظه من الهلاك وهذه تكون على المؤجر ولكنها أيضًا من حقه، ولذلك فلا يجوز للمستأجر أن يمنعه من إجرائها ولو أخلت بانتفاعه، لأن حفظ المأجور من الهلاك مقدم على انتفاع المستأجر به. ولكن يشترط في هذه الإصلاحات أن تكون ضرورية لحفظ المأجور، فإن لم تكن، بأن كانت لإدخال تحسينات أو زيادات على المأجور أو كانت لإعداده لمستأجر آخر يخلف المستأجر بعد انتهاء عقده، فإنه لا يكون للمؤجر حق في إجرائها إلا إذا اشترط هذا الحق على المستأجر أو حصل على إذن منه بإجرائها، أما إذا كانت هذه الإصلاحات ضرورية لحفظ المأجور فإنه يكون للمأجور الحق في القيام بها ولو عارض المستأجر بل حتى لو اقتضى الأمر تخليه عن المأجور المدة اللازمة للقيام بها.

ويشترط أيضًا في هذه الإصلاحات أن تكون مستعجلة وعبء إثبات استعجالها يقع على المؤجر، فإذا لم تكن كذلك، وكان من الممكن إرجاؤها حتى تنتهي مدة الإيجار – لم يكن للمؤجر حق في إجرائها إذا عارض المستأجر، بل يجب أن يتربص حتى ينتهي الإيجار ليقوم بها، ويجب على المؤجر أن يخطر المستأجر بعزمه على إجراء الإصلاحات قبل بدئها بمدة مناسبة حسب حالة الاستعجال، حتى يأخذ المستأجر أهبته لذلك، كما يجب على المؤجر أن يبذل العناية الواجبة في القيام بهذه الإصلاحات فيختار أيسر السبل لإجرائها حتى لا يُجشم المستأجر إلا أقل ضرر ممكن، وحتى لا يستغرق إلا المدة اللازمة لإجرائها دون إبطاء، فإذا ترتب على قيام المؤجر بهذه الإصلاحات إخلال كلي أو إخلال جسيم بالانتفاع بالمأجور، جاز للمستأجر أن يطلب فسخ الإيجار، أما إذا ترتب على إجراء الإصلاحات إخلال جزئي غير جسيم بالانتفاع بالمأجور فإنه يكون للمستأجر أن يطلب إنقاص الأجرة أثناء مدة الإصلاح وذلك بنسبة النقص في الانتفاع.

وغني عن البيان أنه لا يجوز للمستأجر أن يفسخ الإيجار بنفسه أو أن ينقص الأجرة دون حكم أو اتفاق مع المؤجر ولكن حق المستأجر في فسخ الإيجار يسقط إذا ظل محتفظًا بالمأجور حتى تمام الإصلاحات. وعندئذٍ لا يكون له إلا طلب إنقاص الأجرة. ومع ذلك فإنه يجوز الاتفاق على خلاف هذه الأحكام، كأن يشترط المؤجر على المستأجر ألا يرجع عليه بشيء مهما طالت مدة الإصلاح.

وقد يهلك المأجور هلاكًا كليًا أو جزئيًا، سواء من جراء عدم القيام بالترميمات اللازمة لحفظ العين أو بخطأ من المؤجر أو المستأجر أو بقوة قاهرة، وفي الفقه الحنفي، إذا كان المأجور منقولاً وهلك، انفسخت الإجارة بهلاكه، ولكنهم اختلفوا في حكم هلاك العقار (الدار)، فذهب بعضهم إلى انفساخ الإجارة بهلاكه، وذهب رأي إلى بقاء الإجارة رغم هلاكه ولكن تسقط الأجرة فلا يلتزم المستأجر بدفعها، لعدم تمكنه من الانتفاع بالمأجور، وهو شرط لوجوب الأجرة (قارن المادة 478 من المجلة والمادة 697/ 1 من التقنين الأردني)، فإذا أعاد المؤجر بناء الدار، يجوز للمستأجر أن يسكنها في بقية المدة، وعند المالكية ينفسخ عقد الإيجار بتلف العين المتعلقة بها المنفعة المطلوبة، بحيث لا يمكن للمستأجر أن يستوفيها، كما إذا استأجر شخص دارًا فانهدمت أو اكترى دابة فنفقت، والرأي كذلك عند الشافعية والحنابلة، ولكن الشافعية يشترطون للفسخ أن يكون التلف تامًا، أما إذا تلف بعض العين مع إمكان الانتفاع بما بقي منها، فإن الإجارة لا تنفسخ بذلك ويكون للمستأجر الخيار في هذه الحالة بين أن يسكن أو يخرج.
وقد فرق المشروع بين الهلاك الكلي والهلاك الجزئي للمأجور، ففي حالة الهلاك الكلي، ينفسخ العقد من تلقاء نفسه، إذا كان الهلاك راجعًا لسبب أجنبي لا يد لأحد المتعاقدين فيه (المادة 575/ 1).

أما في حالة الهلاك الجزئي – وكذلك إذا أصبح المأجور في حالة لا يصلح معها لاستيفاء المنفعة المقصودة كاملة – فإنه يكون للمستأجر، إذا لم يكن له يد في ذلك، أن يختار بين التنفيذ العيني وبين فسخ أو إنقاص الأجرة مع التعويض في جميع الأحوال إن كان له مقتض.

فيستطيع المستأجر طبقًا للمادة 575/ 2 من المشروع أن يطالب المؤجر بإصلاح المأجور وإعادته إلى أصله ليتمكن من الانتفاع به انتفاعًا كاملاً، وأن يحدد للمؤجر ميعادًا مناسبًا للقيام بذلك. ويستوي في ذلك أن يكون الهلاك الجزئي – أو الخلل في الانتفاع – بخطأ المؤجر أو بفعل الغير أو بقوة قاهرة – فإذا لم يقم المؤجر إلى أصله في الميعاد المحدد، الذي يخضع تقديره لرقابة القضاء، جاز للمستأجر أن يقوم بنفسه بإصلاح المأجور وإعادته إلى أصله وفقًا للأحكام الواردة في المادة (573) من المشروع.
ولكن يشترط في ذلك ألا تكون نفقات إعادة المأجور إلى أصله باهظة لا تتناسب مع الأجرة التي يتقاضاها المؤجر، وذلك إذا لم يكن الهلاك الجزئي أو الخلل في الانتفاع ناجمًا عن خطأ المؤجر، وإلا فعليه أن يصلح خطأه طبقًا للقواعد العامة، أما إذا لم يكن هناك خطأ في جانبه، فلا يصح إرهاقه بتحميله نفقات باهظة لا تتناسب مع الأجرة التي يتقاضاها، ولا يكون للمستأجر عندئذٍ إلا أن يطلب الفسخ أو إنقاص الأجرة.

ويجوز للمستأجر، إذا لم يختر التنفيذ العيني على الوجه المتقدم أن يطلب: إما فسخ الإيجار، إذا كان الهلاك الجزئي أو الخلل في الانتفاع جسيمًا بحيث يفوت عليه الانتفاع بالمأجور الانتفاع المقصود. وإما إنقاص الأجرة إذا كان الهلاك الجزئي أو الخلل في الانتفاع غير جسيم وإنما يؤثر في الانتفاع المأجور تأثيرًا لا يتمكن معه من استيفاء المنفعة المقصودة كاملة.

وعلى عكس الهلاك الكلي، لا ينفسخ الإيجار من تلقاء نفسه أو تنقص الأجرة بحكم القانون. بل يجب، إذا لم يحصل اتفاق بين المتعاقدين أن يصدر حكم بذلك. والمحكمة هي التي تقدر ما إذا كان هناك محل للفسخ أو إنه يُكتفى بإنقاص الأجرة.

وغني عن البيان أنه سواء انفسخ الإيجار من تلقاء نفسه – في حالة الهلاك الكلي – أو طلب المستأجر التنفيذ العيني أو الفسخ أو إنقاص الأجرة – في حالة الهلاك الجزئي – فإنه يكون له أيضًا الحق في طلب التعويض، ما لم يكن الهلاك أو التلف راجعًا إلى سبب لا يد للمؤجر فيه. وتعرض المواد من (576 إلى 579) لأحكام ضمان التعرض.

وطبقًا للمجلة، يلتزم المؤجر بضمان تعرضه الشخصي، فلا يجوز له أن يأتي عملاً يؤدي إلى حرمان المستأجر من الانتفاع بالمأجور أو الإخلال بانتفاعه به، فيجب أن يبقى المأجور في حيازة المستأجر للانتفاع به طوال مدة الإيجار، مثلاً لو استأجر أحد مركبة لكذا مدة، أو على أن يذهب إلى المحل الفلاني، فله أن يستعمل المركبة الذكورة في ظرف تلك المدة أو إلى أن يصل ذلك المحل، وليس لصاحبها أن يستعملها في تلك الأثناء في أموره (المادة 583 من المجلة). والجزاء على الإخلال بهذا الالتزام، سقوط الأجر بقدر ما يترتب على التعرض من نقص في المنفعة، وكذلك إذا غُصب المأجور من المستأجر أثناء مدة الإيجار سقطت الأجرة مدة الغصب لزوال التسليم.

ويلاحظ أن المشروع سبق أن عرض لأحكام التعرض والاستحقاق في الفصل الخاص بالبيع، ولكنه عاد ووضع نصوصًا خاصة بذلك فيما يتعلق بالإيجار، لما له من خصائص يتميز بها عن البيع، مع اعتبار الأحكام الواردة في البيع هي الأصل الذي يُرجع إليه فيما لم يرد في شأنه نص خاص وبالقدر الذي يتفق مع طبيعة العقد.

وطبقًا لهذه النصوص يضمن المؤجر تعرضه الشخصي مطلقًا، كما يضمن تعرض الغير إذا كان مبنيًا على سبب قانوني، ولكنه لا يضمن التعرض المادي من الغير.

فالمؤجر يلتزم أولاً بعدم التعرض للمستأجر، في استيفائه المنفعة المعقودة عليها طوال مدة الإيجار، سواء كان التعرض ماديًا، أو كان مبنيًا على سبب قانوني، ويعتبر تعرضًا ماديًا يجب على المؤجر الامتناع عنه، أن يحدث في المأجور أو في ملحقاته تغييرًا يمنع من الانتفاع به أو يخل بالمنفعة المقصودة (الفقرة الأولى من المادة 576) وهي صورة خصها النص بالذكر تنويهًا بأهميتها.

والمؤجر يضمن للمستأجر أيضًا التعرض الصادر من أتباعه، (الفقرة الثانية من المادة 576)، والمقصود بأتباع المؤجر هنا، الأشخاص الذين تقوم بينهم وبين المؤجر صلة تكون هي التي مكنت لهم من التعرض للمستأجر فيعتبر من أتباع المؤجر خدمه ومستخدموه، وعماله وأهل بيته، وكل من يحل محله في مباشرة حقوقه أو تنفيذ التزاماته الناشئة من عقد الإيجار: كالمقاول والمهندس عند قيامهما بإجراء إصلاحات وترميمات لازمة للمأجور بتكليف من المؤجر. فإذا وقع من أحد هؤلاء تعرض للمستأجر، ولو كان تعرضًا ماديًا، اعتُبر هذا التعرض كأنه صادر من المؤجر نفسه، فيصبح مسؤولاً عنه ويجب عليه الضمان.

فإذا صدر تعرض مادي أو تعرض مبني على سبب قانوني من المؤجر للمستأجر، كان للمستأجر طبقًا للقواعد العامة أن يطلب بعد إعذار المؤجر، التنفيذ العيني، إذا كان ممكنًا، فيُقضى له بوقف التعرض، بل يجوز للمستأجر، حتى يدفع المؤجر إلى التنفيذ العيني أن يحبس الأجرة عنه إلى أن يقوم بوقف تعرضه، وللمستأجر بدلاً من طلب التنفيذ العيني أن يطلب فسخ الإيجار إذا اختل انتفاعه اختلالاً جسيمًا، أو أن يطلب إنقاص الأجرة إذا لم يكن اختلال الانتفاع بالجسامة التي تبرر الفسخ، وسواء طلب المستأجر التنفيذ العيني، أو الفسخ، أو إنقاص الأجرة، فإن له أن يطلب أيضًا التعويض عما أصابه من الضرر بسبب إخلال المؤجر بالتزامه.

وغني عن البيان أنه يجوز الاتفاق على تعديل هذه الأحكام بزيادة الضمان أو إنقاصه أو إعفاء المؤجر من المسؤولية في حدود ما يقضي به القانون.

أما تعرض الغير المبني على سبب قانوني، فيتحقق بادعاء الغير حقًا يتعارض مع حق المستأجر، يستوي في ذلك أن يكون الحق الذي يدعيه الغير حقًا عينيًا أو حقًا شخصيًا: كأن يدعي الغير أنه اشترى المأجور من المؤجر وأن الإيجار لا يسري في حقه. أو يدعي أنه أستأجر المأجور من نفس المؤجر وأنه مفضل في إيجاره على المستأجر الأول، أو يدعي على المأجور حقًا يتعارض مع حق المستأجر كحق انتفاع أو حق رهن حيازة أو حق ارتفاق، ويستوي في ذلك أيضًا أن يكون الحق الذي يدعيه الغير مستمدًا من المؤجر نفسه أو غير مستمد منه، وأن يكون سابقًا على عقد الإيجار أو تاليًا له. وفي هذا يختلف ضمان تعرض الغير في الإيجار عنه في البيع، فضمان تعرض الغير يتحقق في الإيجار إذ ادعى الغير حقًا ثبت له بعد الإيجار، ولو كان هذا الحق مستمدًا من غير المؤجر. أما في البيع فلا يتحقق ضمان البائع لتعرض الغير إذا ادعى هذا حقًا مستمدًا من غير البائع بعد عقد البيع.

فإذا حصل التعرض على الوجه المتقدم، وجب على المستأجر أن يبادر إلى إخطار المؤجر بذلك (المادة 577 فقرة أولى) حتى يتمكن من دفع التعرض في الوقت المناسب وإلا تحمل المستأجر مسؤولية عدم الأخطار طبقًا للقواعد العامة.

فإذا نجح المتعرض في تعرضه، رجع المستأجر على المؤجر بضمان الاستحقاق وجاز له – بحسب الأحوال – أن يطلب الفسخ أو إنقاص الأجرة مع التعويض إن كان له مقتض (المادة 577 فقرة ثانية)، ولكن المؤجر لا يضمن للمستأجر التعرض الصادر من الغير إلا إذا كان مبنيًا على سبب قانوني فما دام المتعرض لا يدعي حقًا على المأجور، فلا ضمان على المؤجر (المادة 578) ما لم يُتفق على غير ذلك – وللمستأجر أن يواجه الاعتداء بما خوله القانون من الوسائل، فيكون له أن يحمي حيازته ضد المتعرض بجميع دعاوى الحيازة (وضع اليد) إذا كان المأجور عقارًا.

ويكون له أن يرجع على المتعرض بالتعويض طبقًا لقواعد المسؤولية التقصيرية، كما يكون له أن يلجأ إلى القضاء الجنائي إذا انطوت أعمال المتعرض على جريمة يعاقب عليها القانون.

ومع ذلك إذا وقع تعرض مادي من الغير ولم يكن للمستأجر قِبل بدفعه، وكان هذا التعرض من الجسامة بحيث يحرم المستأجر من الانتفاع بالمأجور أو ينقص انتفاعه به إنقاصًا كبيرًا، جاز له – بحسب الأحوال – أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة (المادة 579). والحق الذي يعطيه هذا النص للمستأجر في طلب الفسخ أو إنقاص الأجرة لا يتأسس على ضمان التعرض، لأن المؤجر غير مسؤول عن التعرض المادي من الغير إلا إذا اشترط عليه المستأجر ذلك، وإنما يتأسس على تحمل المؤجر لتبعة حرمان المستأجر من الانتفاع بالمأجور، ويتمثل تحمله لهذه التبعة في حق المستأجر في طلب فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة، دون أن يكون له الحق في مطالبة المؤجر بالتعويض لأن التعويض جزاء للمسؤولية عن الضمان ولا محل لهذا الجزاء في تحمل تبعة حرمان المستأجر من الانتفاع بالمأجور، على أنه يشترط لتطبيق هذا النص أن يكون التعرض قد وقع، لا على المأجور ذاته، بل على انتفاع المستأجر به، كأن تقع حرب أو تقوم ثورة ترغم المستأجر على ترك المأجور وتحرمه من الانتفاع به. أما إذا كان التعرض قد وقع على المأجور ذاته، فأدى إلى هلاكه هلاكًا كليًا أو جزئيًا، فإنه تسري في هذه الحالة الأحكام المتعلقة بهلاك المأجور التي تضمنتها المادة (575) من المشروع.

ويعرض المشروع في المادة (580) لصورة مألوفة من صور تعرض الغير المبني على سبب قانوني، وهي التنازع بين المستأجرين لمأجور واحد، ذلك أنه إذا استأجر أكثر من شخص نفس المأجور ممن يملك حق تأجيره، وكانت مدة الإيجار واحدة أو بالقليل متداخلة، جاز أن يتعرض كل منهم للآخرين مستندًا إلى حق يتعارض مع حقوقهم، فإذا فضل أحدهم طبقًا للقاعدة الواردة في النص، كان لباقيهم أن يرجع بضمان الاستحقاق على المؤجر.

وقد عرضت المجلة لهذه الصورة في المادة (589) منها، وفضلت المستأجر السابق بإجارة لازمة، أما الإجازة اللاحقة (في التاريخ) فتكون غير نافذة وغير معتبرة، فلو أجر أحد مالاً له، عقارًا أو منقولاً على مدة معلومة ببدل معلومة إجارة لازمة. ثم أجر أيضًا المال تلك المدة نفسها مرة ثانية من غير المستأجر، فلا يطرأ خلل على الإجارة الأولى ولا تكون الإجارة الثانية نافذة لا في حق الآجر ولا المستأجر الأول، وفرع شراح المجلة على عدم نفاذ الإجارة الثانية في حق المستأجر الأول، أن تكون موقوفة بالنسبة له، فله إذا شاء أن يجيزها والأجرة تكون له، وإذا شاء فسخها وأبطلها، كما فرعوا على عدم نفاذها في حق الآجر، أنه إذا سقط حق المستأجر بانفساخ إجارته بالإقالة أو بغيرها، لا يلزم الآجر تسليم المأجور للمستأجر الثاني.

ولم تعرض التقنينات الأجنبية لهذه الصور (كما لم يعرض لها أيضًا كثير من التقنينات العربية: كالعراقي واللبناني والأردني والتونسي والمغربي) ولكن محكمة النقض الفرنسية، استقرت في أحكامها الحديثة على أن المفاضلة بين المستأجرين المتعاقبين، تكون على أساس الأسبقية في تاريخ عقد الإيجار. فمن كان من المستأجرين عقده أسبق في ثبوت التاريخ كان هو الذي يتقدم، حتى ولو سبقه مستأجر آخر في وضع يده. فبالرغم من اعتبار حق المستأجر حقًا شخصيًا، فإنه يسري في مواجهة الغير. سواء كان هذا الغير متلقيًا لملكية المأجور (م 1743 مدني فرنسي) أو كان مستأجرًا لاحقًا.

وقد وضع التقنين المصري قاعدة أخرى للمفاضلة بين المستأجرين المتنازعين، تخالف ما ورد في المجلة وما استقر عليه القضاء الفرنسي. فمن وضع يده أولاً دون غش، أو من سجل عقده أولاً (إذا كان المأجور عقارًا) وهو حسن النية، قبل أن يضع مستأجر آخر يده أو قبل أن يتجدد عقد إيجاره، يكون هو المفضل. وحذا كل من التقنين السوري (م 541)، والتقنين الليبي (م 572) والصومالي (م 535)، حذو التقنين المصري في ذلك وأقام التقنين السوداني التفضيل بين المستأجرين، على أساس الأسبقية في وضع اليد مع حسن النية، ثم على أساس الأسبقية في التعاقد (م 466)، كما أعطى التقنين الجزائري الأولوية لمن سبق من المستأجرين إلى وضع اليد بغير غش (م 585).

أما قانون إيجار العقارات الحالي – رقم (35) لسنة 1978 – فأخذ بقاعدة مماثلة للقاعدة التي وضعها التقنين المصري، فيفضل من وضع يده أولاً دون غش أو من أثبت تاريخ عقده وهو حسن النية، قبل أن يضع مستأجر آخر يده على العين المؤجرة (المادة 10 من القانون). ولما كان هذا القانون لا ينطبق إلا على العقارات (م 1)، فإن المفاضلة بين المستأجرين للمنقول تظل على أساس الأسبقية في التعاقد طبقًا لأحكام المجلة.

وقد وضع المشروع في ذلك قاعدة مقتضاها أنه إذا سبق أحد المستأجرين إلى وضع يده على المأجور وهو حسن النية، فإنه يكون حينئذٍ أولى بالتفضيل على غيره من المستأجرين ولو كانت عقودهم أسبق في التاريخ، وهو حكم يتفق مع القواعد العامة، لأن وضع المستأجر يده على المأجور، هو استيفاء لحقه كدائن شخصي للمؤجر. ومن معنى الاستيفاء للحق يجيء التفضيل. ولا يبقى للمستأجرين الآخرين، سوى الرجوع على المؤجر بالتعويض على أساس ضمان الاستحقاق.

والمقصود بحسن النية في وضع اليد أن يكون المستأجر وقت وضع يده على المأجور لا يعلم بوجود عقد سابق على عقد إيجاره، فإن كان يعلم بأن هناك مستأجرًا استأجر المأجور قبله، فإنه لا يكون حسن النية ولا يكون أولى بالتفضيل.

فإن لم يكن أحد المستأجرين قد وضع يده على المأجور بحسن نية فإن الأسبق منهم في التعاقد، هو الذي يفضل وهو نفس الحكم الذي يأخذ به التقنين السوداني.

وقد أغفل المشروع ما نص عليه القانون الكويتي (في الفقرة الأخيرة من المادة السادسة) وبعض القوانين الأخرى – من أنه إذا لم يوجد سبب لتفضيل أحد المستأجرين، فليس لهم فيما تعارضت فيه حقوقهم إلا طلب التعويض، لأن ذلك غير مقصود.

ويعرض المشروع في المادة (581) للأعمال الصادرة من السلطات العامة، والتي يترتب عليها حرمان المستأجر من انتفاعه بالمأجور أو الإخلال بالانتفاع به، والعمل الصادر من السلطة العامة قد يكون قرارًا من جهة الإدارة، كما هو الغالب، كقرار يصدر بنزع الملكية أو الاستيلاء المؤقت على العقار المأجور. أو قرار بمنع عرض فيلم سينمائي استأجرته إحدى دور العرض. ولكنه يجوز أيضًا أن يكون عملاً صادرًا من الهيئة التشريعية أو الهيئة القضائية، كقانون بتحديد الانتفاع بالمأجور (تحديد زراعة معينة)، أو حكم من القضاء بغلق المأجور أو سحب ترخيصه أو مصادرته، هذه الأعمال تعتبر من قبيل القوة القاهرة التي لا يكون المؤجر ملتزمًا بضمانها، ولكنه يتحمل تبعتها. فيكون للمستأجر تبعًا لجسامة الإخلال بالانتفاع أن يطلب فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة.

والمحكمة هي التي تقدر هذه الجسامة، فلها أن تجيب المستأجر إلى طلب الفسخ أو تكتفي بإنقاص الأجرة، ولكن يشترط، في كل ذلك ألا يكون عمل السلطة ناجمًا عن عمل يعزى إلى المستأجر كما يشترط أن يكون هناك نقص كبير في الانتفاع، يسوغ الفسخ أو الإنقاص. أما إذا كان النقص في الانتفاع يسيرًا فإنه لا يكون ثمة مبرر لا للفسخ ولا لإنقاص الأجرة.

على أنه إذا كان عمل السلطة العامة قد صدر لسبب يكون المؤجر مسؤولاً عنه فإن المؤجر يكون ملتزمًا بالضمان، ويكون مسؤولاً ليس فحسب عن فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة، بل أيضًا عن التعويض إن كان له مقتض.

وكل هذا ما لم يتم الاتفاق بين المؤجر والمستأجر على غيره فيجوز أن يشترط المؤجر أن يكون مسؤولاً عن أي عمل يصدر من السلطات العامة، كما يجوز أن يشترط المؤجر على المستأجر عدم مسؤوليته عن هذه الأعمال أو التخفيف من مسؤوليته عنها.
وغني عن البيان أنه إذا كانت أعمال السلطة العامة قد صدرت مخالفة للقانون، ومن باب أولى إذا كانت من قبيل الأعمال المادية، فإنها تكون من قبيل التعرض المادي الذي لا يضمنه المؤجر، وتسري في شأنه أحكام المادة (578) من المشروع.

وتعرض المادتان (582 و583) من المشروع لضمان العيوب الخفية. وهو آخر التزام من الالتزامات الإيجابية التي قررها المشروع في ذمة المؤجر. ويلاحظ أنه في المجلة – وفي الفقه الحنفي أيضًا – يكون العيب موجبًا للخيار، إذا كان سببًا لفوات المنافع المقصودة بالكلية، أو الإخلال بها، أما النواقص التي لا تخل بالمنافع فليست موجبة للخيار في الإجارة (م 514) ولو أُنقصت العين، لأن المعقود عليه في الإيجار هو المنفعة لا العين. ويثبت الخيار للمستأجر، سواء كان العيب موجودًا وقت العقد أو طرأ بعد ذلك في مدة الإيجار (م 515) ولكن يجب لثبوت الخيار، إذا كان العيب موجودًا وقت القبض، ألا يعلم به المستأجر، فإذا علم به، وقبض مع ذلك المأجور كان راضيًا به وسقط خياره، ويترتب على العيب ثبوت الخيار للمستأجر، إن شاء استوفى المنفعة مع العيب وأعطى تمام الأجرة، وإن شاء فسخ الإجارة (م 516) وليس له المطالبة بإنقاص الأجرة، فإذا أزال المؤجر العيب الحادث قبل فسخ الإجارة لا يبقى للمستأجر حق الفسخ (م 517).

وتفرق المجلة في الفسخ – مقننة في ذلك الفقه الحنفي – بين العيب الذي يخل بالمنفعة والعيب الذي يفوت المنافع المقصودة بالكلية، كانهدام الدار المؤجرة كلها. ففي الحالة الأولى، لا يجوز للمستأجر فسخ العقد إلا في حضور المؤجر ” وإن فسخها في غيابه دون أن يخبره لم يعتبر فسخه وكراء المأجور يستمر كما كان “. وفي الحالة الثانية يكون له فسخها في غياب المؤجر (م 518)، ذلك أنه إذا فات الانتفاع بالمأجور بالكلية سقطت الأجرة (م 478)، والمقصود بالفسخ في حضور المؤجر – كما تفيد عبارة المادة (518) – هو مجرد إخطاره به، بحيث لا يترتب أثر الفسخ، إذا وقع في غيبة المؤجر، إلا منذ اتصاله بعلمه، لأنه يجب أن يلحق علم المؤجر بالفسخ حتى يكون على علم به، ولكن الفسخ في الحالتين لا حاجة فيه إلى رضاء المؤجر أو قضاء الحاكم.
أما قانون إيجار العقارات الحالي – رقم (35) لسنة 1978 – فلم ترد فيه نصوص تتعلق بأثر العيب على الإيجار، وإذا كانت المادة السابعة من هذا القانون تلزم المؤجر بتسليم العين المؤجر وملحقاتها، في حالة تصلح معها لأن تفي بما أُعدت له من المنفعة، غير أنها لم ترتب على إخلال المؤجر بهذا الالتزام سوى حق المستأجر في فسخ العقد أو التعويض إن كان له مقتض، متفقة في ذلك مع المجلة في أثر خيار العيب.

وطبقًا لنصوص المشروع، يلتزم المؤجر بضمان العيوب الخفية في المأجور – ولكن العيب الخفي في الإيجار لا يُشترط فيه أن يكون قديمًا، أي موجودًا وقت العقد كما في البيع، فالمؤجر يضمن العيب الحادث أيضًا أثناء تنفيذ العقد لأن عقد الإيجار عقد زمني مستمر، فإذا طرأ على المأجور عيب في مدة الإيجار ضمنه المؤجر. وفي ذلك يتفق المشروع مع الفقه الحنفي والمجلة.

ويقتصر الضمان على العيب المؤثر، ولكن بينما يُعتبر العيب مؤثرًا – وفقًا للمجلة والفقه الحنفي – متى فوت المنفعة المقصودة من الإيجار، أو أخل بها سواء كان الإخلال بالمنفعة كثيرًا أو قليلاً، فإن العيب لا يعتبر مؤثرًا طبقًا لنصوص المشروع إلا إذا حال دون الانتفاع بالمأجور أو انقص من هذا الانتفاع إنقاصًا كبيرًا (المادة 582/ 1) ويرجع في تقدير ذلك إلى قصد المتعاقدين كما هو مبين في العقد، وإلى طبيعة المأجور والغرض الذي أُجر من أجله، كما لا يُعتبر العيب مؤثرًا إذا جرى العرف على التسامح فيه، وكذلك يجب أن يكون العيب خفيًا، بأن يكون المستأجر غير عالم به وغير مستطيع أن يتبينه بنفسه، لو أنه فحص المأجور بما ينبغي من العناية، وهو يكون كذلك أيضًا إذا أثبت المستأجر أن المؤجر قد أكد له خلو المأجور من هذا العيب أو انه قد تعمد إخفاءه غشًا منه، أما إذا كان المستأجر عالمًا بالعيب وقت التعاقد، أو علم به وقت التسليم ولم يعترض فإن المؤجر لا يكون ضامنًا (المادة 582/ 2).

فإذا ظهر بالمأجور عيب يتحقق معه الضمان، كان للمستأجر أن يطلب إما التنفيذ العيني، وإما فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة، مع التعويض في جميع الأحوال إن كان له مقتض، فيجوز للمستأجر أن يطلب إصلاح العيب، أو يقوم هو بإصلاحه على نفقة المؤجر، بترخيص من القضاء أو دون ترخيص وفقًا للأحكام المبينة بالمادة (573) من المشروع، ما لم يكن إصلاح العيب من شأنه أن يرهق المؤجر (المادة 583) كما إذا كان هذا الإصلاح يقتضي إعادة بناء المأجور من جديد أو القيام بأعمال تتكلف مصروفات باهظة لا تتناسب مع الأجرة التي يحصل عليها المؤجر.

وللمستأجر أن يطلب فسخ الإيجار، ويكون للمحكمة حق التقدير، فلها أن تجيب المستأجر إلى ذلك، إذا كان حرمان المستأجر من الانتفاع بسبب العيب على درجة من الجسامة تبرر الفسخ، ولها أن تكتفي بإنقاص الأجرة بما يقابل النقص في الانتفاع.
وسواء طلب المستأجر التنفيذ العيني أو الفسخ أو إنقاص الأجرة فإنه يكون له الحق أيضًا في التعويض عن الضرر الذي أصابه، سواء بسبب الحرمان من الانتفاع بالمأجور، أو بسبب العيب ذاته، وسواء كان المؤجر يعلم وجود العيب، أو لا يعلمه. فمجرد وجود العيب يعتبر إخلالاً بالالتزام بضمان العيب يوجب التعويض، ولو كان المؤجر حسن النية لا علم له بالعيب، وهو ما يأخذ به التقنين الفرنسي بنص صريح (م 1721 مدني فرنسي، وقارن المادة 687 أردني)، أما التقنين المصري (م 577) والتقنينات التي تابعته، فتلزم المؤجر بالتعويض ما لم يثبت أنه كان يجهل وجود العيب.

ولما كانت أحكام ضمان التعرض والعيب ليست من النظام العام، فإنه يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على ما يخالفها بالتشديد أو بالتخفيف أو بالإعفاء ولكن شرط الإعفاء من الضمان أو التخفيف منه، يقع باطلاً طبقًا لنص المادة (584) من المشروع، إذا كان المؤجر قد تعمد إخفاء سبب الضمان غشًا منه، أما إذا كان المؤجر يعلم سبب الضمان ولكنه لم يتعمد إخفاءه عن المستأجر، واشترط عليه عدم الضمان أو تخفيف مسؤوليته عنه، فإن الشرط يكون صحيحًا.

ويلاحظ أن التقنين المصري قد ألحق بالعيب، حالة خلو المأجور من صفة كفل المؤجر للمستأجر وجودها فيه، كما فعل ذلك في البيع. وسايرته في ذلك التقنينات العربية الأخرى – فيما عدا التقنين الأردني – ولكن المشروع آثر الفصل بينهما أيضًا كما فعل في البيع (انظر المادة 498 من المشروع)، وأفرد لفوات الوصف نصًا خاصًا هو نص المادة (585) فالمؤجر يلتزم بتسليم المأجور بالوصف المتفق عليه في العقد، فإن فات هذا الوصف، كان للمستأجر أن يطلب الفسخ أو إنقاص الأجرة، وذلك دون إخلال بحقه في التعويض إن كان له مقتض.

2 – التزامات المستأجر:

عرض المشروع في المواد (586 إلى 598) لالتزامات المستأجر الرئيسية، وهي الالتزام بدفع الأجرة، والالتزام باستعمال المأجور بحسب ما أُعد له والالتزام بالمحافظة على المأجور، وأخيرًا الالتزام برده عند انتهاء الإيجار.

( أ ) أما الالتزام بدفع الأجرة فهو الالتزام الرئيسي الذي يواجهه المستأجر منذ البداية. والغالب أن ينص عقد الإيجار على المواعيد التي تدفع فيها الأجرة، كأن ينص على تعجيل الأجرة بأكملها أو على تأجيلها، أو على تقسيطها إلى أقساط تؤدى في أوقات معينة، فيلتزم المستأجر بهذه المواعيد، وإذا لم ينص عقد الإيجار على مواعيد دفع الأجرة اتبع العرف في تعيينها (المادة 586/ 1)، أما مكان دفع الأجرة فهو موطن المستأجر لأنه هو المدين بها، وليس هذا إلا تطبيقًا للقواعد العامة، فإذا وجد اتفاق أو عرف بغيره وجب اتباعه (المادة 586/ 2). وغني عن البيان أنه إذا لم يقم المستأجر بهذا الالتزام، فللمؤجر أن يلزمه القيام به طبقًا للقواعد العامة، وله في ذلك أما أن يطلب تنفيذ الالتزام عينًا، أو أن يفسخ الإيجار، مع طلب التعويض في الحالتين إن كان له محل.
وتنص المادة (587) من المشروع على أن الوفاء بالأجرة عن وحدة زمنية معينة يعتبر قرينة على الوفاء بالأجرة عن المدة السابقة، حتى يقوم الدليل على العكس، لأن المعتاد ألا يقبل المؤجر قبض قسط من الأجرة إلا إذا قبض القسط الذي قبله. وبفضل هذه القرينة لا يضطر المستأجر إلى الاحتفاظ بمخالصات الوفاء بالأجرة طوال المدة التي لا تسمع بعدها الدعوى، ويكفيه أن يحتفظ بالمخالصة الأخيرة، ولكنها قرينة قابلة لإثبات العكس، ويكون عبء هذا الإثبات على عاتق المؤجر.

هذا ولم يُلزم المشروع مستأجر العقار بأن يضع في العقار المأجور، منقولات تضمن الوفاء بالأجرة عن مدة معينة كما فعل القانون المصري في المادة (588)، وهو مسلك اتبعته غالبية القوانين العربية الأخرى (السوري والعراقي والسوداني والأردني واللبناني والتونسي والمغربي) غير أن المشروع آثر أن يعطي للمؤجر بمقتضي المادة (588) حق حبس المنقولات الموجودة في المأجور ولو لم تكن مملوكة للمستأجر، ما دامت مثقلة بامتياز المؤجر، كما أعطاه الحق في الممانعة في نقلها وفي استردادها إذا نُقلت رغم معارضته أو دون علمه، إلا إذا كان النقل أمرًا اقتضته حرفة المستأجر أو المألوف في شؤون الحياة أو كانت المنقولات التي تركت في المأجور تفي بضمان الأجرة وفاءً تامًا.

(ب) وتنص المادة (589) من المشروع على التزام المستأجر بأن يستعمل المأجور على النحو المتفق عليه، فإذا لم يكن هناك اتفاق التزم باستعماله بحسب ما أُعد له ووفقًا لما يقتضيه العرف، وفي ذلك يتفق المشروع مع الفقه الحنفي وأحكام المجلة (قارن المواد 426 و427 و527 من المجلة).

ويتفرع عن هذا الالتزام، أنه لا يجوز للمستأجر بغير إذن المؤجر أن يُحدث في المأجور تغييرًا ينشأ عنه ضرر للمؤجر (مادة 590 من المشروع) فإن فعل، كان ملزمًا بإعادة المأجور إلى الحالة التي كان عليها وبالتعويض إن كان له مقتض، كما يكون للمؤجر الحق في طلب فسخ الإيجار إن كان سمة مبرر لذلك، وكل هذا تطبيق محض للقواعد العامة. ويتفق نص المشروع مع الفقه الحنفي الذي لا يجيز للمستأجر أن يُحدث في المأجور تغييرًا بغير إذن المؤجر.

على أنه يجوز للمستأجر أن يضع في المأجور أجهزة أو تركيبات تكفل له الانتفاع المقصود، كتركيب أجهزة الهاتف والتبريد والاستقبال الإذاعي، وما إلى ذلك من الوسائل الحديثة التي شاع استعمالها، بشرط مراعاة الأصول السلمية في وضعها وذلك ما لم يكن في وضع هذه الأجهزة أو التركيبات إضرار بالمأجور أو إنقاص من قيمته. فإذا كان تدخل المؤجر لازمًا لإتمام شيء من ذلك، كان للمستأجر أن يقتضي منه هذا التدخل، على أن يتحمل بنفقاته (المادة 591 من المشروع).

(جـ) وتعرض المواد (592 – 594) لالتزام المستأجر بالمحافظة على المأجور، فتقتضي منه أن يبذل من العناية في استعماله وفي المحافظة عليه ما يبذله الشخص العادي، وتوجب عليه أن يخطر المؤجر بكل أمر يستوجب تدخله، كما تحمله بإجراء الإصلاحات البسيطة التي يقتضيها الاستعمال المألوف وإذا كانت المجلة لم تورد نصًا صريحًا يقرر هذا الالتزام، إلا أنه يستخلص ضمنًا من بعض نصوصها (قارن المواد 601 – 605) التي تُلزم المستأجر بالضمان إذا تلف المأجور أو طرأ على قيمته نقصان بتقصير منه في أمر المحافظة أو بتعديه، أو مخالفته لمأذونيته، ولكن المجلة لم تحدد قدر العناية المطلوبة من المستأجر في قيامه بهذا الالتزام.
فبالنسبة للعناية الواجبة في المحافظة على المأجور، حدد المشروع في المادة (592) هذه العناية بأنها عناية الشخص العادي، وليس هذا الحكم إلا تطبيقًا محضًا للقواعد العامة التي تقضي بأنه في الالتزام بعمل، إذا كان المطلوب من المدين هو أن يحافظ على الشيء أو أن يقوم بإدارته أو أن يتوخى الحيطة في تنفيذ التزامه، فإن المدين يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي، ولو لم يتحقق الغرض المقصود (قارن المادة 209 من قانون التجارة الحالي) فالمعيار هنا موضوعي، والمطلوب من المستأجر هو عناية الشخص العادي، لا عنايته هو في شؤون نفسه والتزامه هذا هو التزام ببذل عناية، ومن ثم يكون قد وفى بالتزامه متى بذل العناية المطلوبة منه ولو لم يتحقق الغرض المقصود من هذه العناية، وهو سلامة المأجور.

ولا يلتزم المستأجر بعناية الشخص العادي في المحافظة على المأجور فحسب، بل يلتزم بهذه العناية أيضًا في استعماله فيجب عليه أن يستعمل المأجور استعمالاً مألوفًا، فإن استعمله استعمالاً غير مألوف، وترتب على ذلك هلاك المأجور أو تلفه أو أصابته بأي ضرر كان مسؤولاً عن تعويض المؤجر.

كذلك لا تقتصر مسؤولية المستأجر في المحافظة على المأجور وفي استعماله الاستعمال المألوف، على أفعاله الشخصية، بل تمتد أيضًا إلى أعمال تابعيه ويقصد بهم الأشخاص الذين تكون صلتهم بالمستأجر هي التي مكنت لهم من الإضرار بالمأجور، كأهل بيته وخدمه وعماله والمستأجرين من الباطن، فإذا أصاب المأجور تلف أو هلاك، وقع على المستأجر عبء الإثبات، فيكون عليه أن يثبت أنه بذل عناية الشخص العادي، بأن استعمل المأجور استعمالاً مألوفًا، وبأنه اتخذ الاحتياطات المعتادة في المحافظة عليه. فإن أثبت ذلك، يكون قد أثبت أنه نفذ التزامه في المحافظة على المأجور، فلا يكون مسؤولاً عما أصابه من تلف أو هلاك، أما إذا لم يستطع إثبات ذلك، أو أثبت المؤجر أن المستأجر لم يبذل عناية الشخص العادي بل قصر في اتخاذ الاحتياطات المعتادة، فإنه يبقى على المستأجر للتخلص من المسؤولية، أن يثبت أنه بالرغم من عدم بذله عناية الشخص العادي، فإن تلف المأجور أو هلاكه إنما يرجع إلى سبب أجنبي.

وفي سبيل العناية بالمحافظة على المأجور، أوجب المشروع في المادة (593) على المستأجر أن يبادر إلى إخطار المؤجر بكل ما يهدد سلامة المأجور مما لا يستطيع أن يعلمه من تلقاء نفسه كأن يحتاج المأجور إلى إصلاحات مستعجلة أو ينكشف فيه عيب، أو يقع عليه غصب، فإذا لم يقم المستأجر بهذا الواجب وأصيب المؤجر بضرر من جراء ذلك، كان المستأجر مسؤولاً عن تعويضه.
كذلك أوجب المشروع في المادة (594) على المستأجر إجراء الإصلاحات البسيطة – أو التأجيرية – التي يقتضيها استعمال المأجور استعمالاً مألوفًا، فهي تدخل في العناية الواجب بذلها في استعمال المأجور، فإذا كان المأجور منزلاً مثلاً: كان على المستأجر إصلاح النوافذ والأبواب وصنابير المياه والأقفال والمفاتيح والأجراس الكهربائية وغير ذلك من الإصلاحات البسيطة التي يقتضيها الاستعمال المألوف بالنسبة للمنازل – وإذا كان المأجور سيارة تحمل المستأجر بالإصلاحات البسيطة اللازمة لأبوابها وعجلاتها وأجهزتها الميكانيكية والكهربائية مما يقتضيه الاستعمال المألوف للسيارة. أما الإصلاحات الكبيرة لشيء مما تقدم فهي على المؤجر. ما لم يثبت أنها مترتبة على خطأ المستأجر أو أحد تابعيه.

(د) وتعرض المواد من (595 – 598) لالتزام المستأجر برد المأجور عند انتهاء الإيجار، وهي تقابل المواد (531 و591 – 595 و606) من المجلة، والمادة (23) من قانون إيجار العقارات رقم (35) لسنة 1978، مع ملاحظة ما يأتي:

1 – يضع المشروع في المادة (595) منه على عاتق المستأجر الالتزام برد المأجور وملحقاته عند انتهاء الإيجار، أما في المجلة فإن المستأجر لا يلتزم إلا برفع يده عن المأجور عند انقضاء الإجارة (م 591)، فلا يكون له بعد انقضائها أن يستعمل المأجور، لأن الثابت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية، ولكن المستأجر لا يلزمه رد المأجور وإعادته، بل يلزم الآجر أن يأخذه عند انقضاء الإجارة ولا يلزم المستأجر إلا تسليمه إياه (م 593 و594).

2 – طبقًا للقواعد العامة ولنصوص المشروع (المادة 597) يتحمل المستأجر مصروفات رد المأجور إن وجدت، وكل ذلك ما لم يقضِ الاتفاق أو العرف بغيره. أما في المجلة، فإن مصروفات رد المأجور تكون على المؤجر (م 595)، لأن المستأجر لا ينال منافع المأجور مجانًا فلا يلزمه أن يتحمل مؤونة الرد ومضرته، ففي الإجارة تجب مؤونة الرد على رب المال على عكس العارية، ففيها تجب مؤونة الرد على المستعير، هذا إذا كان الإخراج بإذن رب المال، أما إذا حصل الإخراج بغير إذنه فمؤونة الرد على الذي أخرجه مستعيرًا كان أو مستأجرًا (هندية).

3 – يبين المشروع أن المستأجر إذا أخل بالتزامه بالتسليم يجب عليه تعويض المؤجر عما يلحقه من ضرر وذلك دون إخلال بحق المؤجر في تسلم المأجور (المادة 595) وهو ما يتفق مع أحكام المجلة والفقه الحنفي فالمأجور عندهم يكون أمانة في يد المستأجر فإذا استمر في استعماله بعد انقضاء الإجارة دون إذن المؤجر يكون غاصبًا ويكون ضامنًا لتلف المأجور ولا تلزمه الأجرة، أما قانون إيجار العقارات الحالي، فيلزم المستأجر بأن يدفع عن المدة الزائدة تعويضًا يعادل ضعف الأجرة (م 23/ 1).

4 – يقرر المشروع أن على المستأجر أن يرد المأجور بالحالة التي تسلمه عليه إلا ما يكون قد أصاب المأجور من هلاك أو تلف بغير خطأ يسأل عنه المستأجر، وإذا كان تسليم المأجور قد تم دون بيان لحالته، افترض أن المستأجر قد تسلمه في حالة حسنة حتى يقوم الدليل على العكس (المادة 596 من المشروع) وقارن (المادة 23/ 2 و3 من قانون إيجار العقارات الحالي) أما المجلة فلم يرد فيها نص عن الحالة التي يجب أن يكون عليها المأجور عند تسليمه ومع ذلك فإنه يترتب على اعتبار المأجور أمانة في يد المستأجر أن يلتزم هذا الأخير برده بالحالة التي يكون عليها عند انقضاء الإجارة إلا إذا كان ما لحق المأجور من عيب أو تلف يرجع إلى تقصير المستأجر في حفظه أو تعديه عليه، أو مخالفة مأذونيته بشأنه.

5 – وفيما يتعلق بالزيادات التي يكون المستأجر قد أضافها إلى المأجور أثناء الإجارة، فعند الحنفية إذا أقام المستأجر في المأجور بناءً أو غرس أشجارًا، لزمه عند انقضاء مدة الإيجار أن يهدم البناء أو يقلع الأشجار وأن يسلم المأجور فراغًا من البناء والغرس ونحوهما لعدم نهايتها، فإذا كان في الإزالة ضرر بالمأجور كان للمؤجر إبقاء البناء أو الغرس مقابل دفع قيمته مستحقًا للهدم أو القلع دفعًا للضرر عنه أما إذا لم يكن في ذلك ضرر بالمأجور فلا يكون للمؤجر إبقاء البناء أو الغرس إلا برضاء المستأجر. ولكن المجلة تعطي الخيار للمؤجر في جميع الأحوال، فإن شاء قلع البناء والشجر، وإن شاء أبقاه وأعطي قيمته كثيرة كانت أو قليلة (م 531).
أما التقنينات العربية، فقد اختلفت في ذلك اختلافًا بينًا. فالتقنين الأردني يأخذ بأحكام الفقه الحنفي كاملة (المادة 70/ 1) وقانون إيجار العقارات الكويتي، يخير المستأجر بين ترك التحسينات أو إزالتها على نفقته دون إضرار بالعقار ما لم يكن هناك اتفاق يقضي بغير ذلك (م 23/ 4) فليس للمؤجر أن يطلب إبقاء ما زاده المستأجر إلا برضائه وليس للمستأجر إذا اختار إبقاء هذه التحسينات، أن يطلب من المؤجر عوضًا عنها.

ولكن غالبية هذه التقنينات تستقي أحكامها من المشروع الفرنسي الإيطالي (المادة 435)، فتفرق بوجه عام، بين ما إذا كانت هذه الزيادات قد أحدثها المستأجر بإذن المؤجر، أو على الأقل بعلمه، ودون معارضته، أو إحداثها بغير علمه أو رغم معارضته ففي الحالة الأولى، يستبقي المؤجر هذه الزيادات، ويلتزم بأن يرد للمستأجر أدنى القيمتين، ما أنفقه في هذه التحسينات أو ما زاد في قيمة العقار، وفي الحالة الثانية يجوز له أن يطلب إزالتها (إذا أثبت أنها لا تعود عليه بفائدة) وأن يطلب أيضًا تعويضًا عن الضرر الذي يصيب العقار من الإزالة، وله أن يحتفظ بها على أن يرد أدنى القيمتين المتقدمتين، ويجوز أن ينظره القاضي إلى أجل للوفاء بها (قارن المواد 592 مصري، 559 سوري، 591 ليبي، 483 سوداني، 583 لبناني، 553 صومالي، 504 جزائري).

أما التقنين العراقي فقد سلك مسلكًا وسطًا، وميز بين فروض ثلاثة:

الأول: استحداث الزيادات رغم معارضة المؤجر أو دون علمه فيلزم المستأجر بالإزالة إلا إذا كان ذلك يضر بالمأجور فيستبقي المؤجر ما استحدثه المستأجر بقيمته مستحقًا للقلع وفي هذا اتفقت أحكام التقنين العراقي مع أحكام الفقه الحنفي.

الثاني: استحداث الزيادات بعلم المؤجر ودون معارضته، فيرد المؤجر للمستأجر الأقل مما أنفقه أو ما زاد في قيمة المأجور، وهو ما يتفق مع أحكام المشروع الفرنسي الإيطالي والتقنينات العربية التي أخذت عنه.

الثالث: استحداث الزيادات بأمر المؤجر، فيرد المؤجر للمستأجر ما أنفقه بالقدر المعروف، أي بما لا يزيد على المألوف.

وقد آثر المشروع أن يأخذ في ذلك بأحكام الفقه الحنفي مع بعض التعديل فإذا أحدث المستأجر في المأجور بناءً أو غرسًا أو أية تحسينات أخرى تزيد في قيمته، كان له عند انقضاء الإيجار أن يتركها أو أن يزيلها على نفقته إذا لم يكن في ذلك إضرار بالمأجور فإن لم يقم المستأجر بإزالة هذه الزيادات فإن للمؤجر أن يطالبه بإزالتها، كما أن له أن يستبقيها بقيمتها مستحقة الإزالة، دون إخلال بحقه في التعويض عما تسببه الإزالة من ضرر إذا كانت الزيادات قد أضيفت بغير إذن منه وكل ذلك ما لم يوجد اتفاق يقضي بغيره (المادة 598 من المشروع).

ثالثًا: التنازل عن الإيجار والتأجير من الباطن:

لم تعرض المجلة أو الفقه الحنفي للتنازل عن الإيجار، ولكنهم عرضوا للتأجير من الباطن، فأجازوا للمستأجر أن يتصرف في منفعة العين المؤجرة معاوضة عن طريق الإجارة، أو تبرعًا عن طريق الإعارة، إذا كان المأجور مما لا يتفاوت استعماله والانتفاع به باختلاف الناس، حتى ولو شرط المؤجر أن يستعمل المستأجر المأجور بنفسه وأن ليس له إيجاره من غيره. لأن كل ما لم يختلف باختلاف المستعملين فالتقييد فيه لغو لأنه غير مقيد، فلو استأجر أحد دارًا على أن يسكنها كان له أن يسكن غيره فيها (المجلة 428)، لأن السكنى لا تتفاوت فيها الناس. ولكن كل ما اختلف باختلاف المستعملين يُعتبر فيه التقييد، فلو استكرى أحد دابة لركوبه ليس له أن يركبها غيره (المجلة 427) ومن استأجر ثيابًا على أن يلبسها بنفسه، فليس له أن يلبسها غيره.

والإجارة من الباطن تجوز عند الحنفية بمثل الأجرة الأصلية أو بأقل أو بأكثر، فإن كانت الأجرة الثانية من جنس الأجرة الأولى، فإن الزيادة لا تطيب للمستأجر ويتصدق بها إلا إذا كان قد زاد في المأجور زيادة، كما لو حفر في الدار بئرًا أو أصلح أبوابها أو شيئًا من حوائطها، وإن كانت الأجرة من خلاف جنس الأجرة الأولى طابت له الزيادة.

وقد اختلفت التقنينات الأجنبية في شأن التنازل عن الإيجار أو الإيجار من الباطن، فبعضها يجيزه ما لم يوجد شرط مانع (1717 فرنسي و419 مشروع فرنسي إيطالي) وبعضها لا يجيزه إلا بإذن المؤجر (549/ 1 ألماني) وبعض آخر يجيزه بشرط ألا ينتج منه ضرر للمؤجر (264/ 1 التزامات سويسري).

أما التقنينات العربية فتجيز غالبيتها التنازل والإيجار ما لم يقضِ الاتفاق (أو العرف) بغير ذلك (593 مصري، 560 سوري، 775 عراقي، 554 صومالي، 584 لبناني، 772 تونسي، 668 مغربي) وشذ بعض منها فمنع التنازل والإيجار إلا بموافقة المؤجر أو بإذنه (484 سوداني، 505 جزائري، 703 أردني)، وكذلك فعل قانون إيجار العقارات الكويتي الذي علق جواز التنازل والتأجير على إذن كتابي صريح من المؤجر (المادة 14).

ويقرر المشروع للمستأجر حق التنازل عن الإيجار والإيجار من الباطن، ما لم يوجد شرط يمنع من ذلك أو يتبين أن شخصية المستأجر كانت محل اعتبار عند التعاقد (مادة 599).

فإذا وجد الشرط المانع من التنازل فإنه يقتضي المنع من الإيجار من الباطن، وكذلك العكس (مادة 600 من الشروع) وهو حكم يبرره أن المتعاقدين لا يدركان عادةً ما بين التنازل والإيجار من الباطن من الفروق الدقيقة، ومع هذا فليس ثمة ما يمنع من ظهور نية في منع أحد العملين دون الآخر وقاضي الموضوع هو الذي يستظهر هذه النية دون معقب علية في ذلك.

ويعرض المشروع بعد ذلك لحكم التنازل عن الإيجار والإيجار من الباطن، ففي حالة التنازل عن الإيجار، يحل المتنازل له محل المستأجر الأصلي في جميع حقوقه والتزاماته الناشئة عن عقد الإيجار. ويكون للمؤجر أن يطالبه بجميع الالتزامات التي تقع على عاتق المستأجر الأصلي بطريق الدعوى المباشرة كما يكون للمتنازل له أن يطالب المؤجر، وبطريق الدعوى المباشرة أيضًا، بجميع حقوق المستأجر الأصلي، ومع ذلك يبقى المستأجر الأصلي ضامنًا للمتنازل له في تنفيذ التزاماته (مادة 601 من المشروع).
وفي حالة الإيجار من الباطن، تبقى العلاقة ما بين المؤجر والمستأجر الأصلي خاضعة لأحكام عقد الإيجار الأصلي المبرم بينهما، أما العلاقة بين المستأجر والمستأجر من الباطن، فتسري عليها أحكام عقد الإيجار من الباطن. ومع ذلك يكون المستأجر من الباطن ملزمًا بأن يؤدي للمؤجر مباشرة ما يكون ثابتًا في ذمته للمستأجر الأصلي وقت أن ينذره المؤجر، دون أن يكون للمستأجر من الباطن أن يتمسك قِبل المؤجر بما يكون قد عجله من الأجرة للمستأجر الأصلي ما لم يكن ذلك قد تم قبل الإنذار وبسند ثابت التاريخ (مادة 602 من المشروع).

وفي الحالتين – حالة التنازل وحالة التأجير – تبرأ ذمة المستأجر الأصلي قبل المؤجر، فيما يتعلق بضمانه للمتنازل له في حالة التنازل عن الإيجار وفيما يتعلق بما يفرضه عقد الإيجار الأصلي من التزامات في حالة الإيجار من الباطن، إذا صدر من المؤجر قبول صريح أو ضمني بالتنازل عن الإيجار أو بالإيجار من الباطن بعد حصول أيهما، ويعتبر قبولاً ضمنيًا استيفاء المؤجر الأجرة مباشرة من المتنازل له أو من المستأجر من الباطن دون أن يبدي أي تحفظ في شأن حقوقه قبل المستأجر الأصلي (مادة 603 من المشروع).

رابعًا: انتهاء الإيجار:

تعرض المواد من (604 إلى 606) لانتهاء الإيجار بانقضاء مدته، وللتجديد الضمني للإيجار هي تقابل المادة (19) من قانون إيجار العقارات رقم (35) لسنة 1978 مع ملاحظة ما يأتي:

1 – يميز المشروع بين تجديد الإيجار تجديدًا ضمنيًا وبين امتداد الإيجار فإذا كان الإيجار لمدة محددة وانقضت، انتهى الإيجار بانقضائها دون حاجة إلى تنبيه (مادة 604)، فإن بقي المستأجر مع ذلك منتفعًا بالمأجور دون رضاء المؤجر فإنه يكون مغتصبًا ويجوز الحكم عليه بالرد وبالتعويض، أما إن بقي المستأجر منتفعًا بالمأجور بعلم المؤجر ودون اعتراض منه، فإن هذا يكون تجديدًا للإيجار السابق أي إيجارًا جديدًا بشروط الإيجار الأول ولكن لمدة غير محددة تسري في شأن تحديدها أحكام المادة (567) من المشروع (مادة 605/ 1).

وإذا اشترط في الإيجار أنه لا ينتهي إلا بعد حصول التنبيه في ميعاد معين، فإن الإيجار ينتهي بحصول هذا التنبيه في الميعاد، فإذا لم يصدر هذا الإخطار في الميعاد، امتد الإيجار الأول إلى مدة أخرى ولا يُعتبر ذلك تجديدًا (مادة 604).

هذا ويلاحظ أن انتهاء الإيجار بانقضاء المدة، إنما يكون حيث لا يتعارض مع الأحكام الاستثنائية الواردة في بعض التشريعات والتي تقضي بامتداد الإيجار بحكم القانون بعد انقضاء مدته، ومن ثم يجب تطبيق هذه الأحكام الاستثنائية ما دامت سارية.

2 – وقد كان من مقتضى اعتبار التجديد الضمني إيجارًا جديدًا، ألا تنتقل إليه تأمينات الإيجار السابق من تلقاء نفسها – سواء كانت هذه التأمينات مقدمة من المستأجر أو مقدمة من الغير – بل كان لا بد في انتقالها من اتفاق جديد تطبيقًا للقواعد العامة. ولكن المشروع رأى الخروج على هذه القواعد فنص صراحةً في الفقرة الثانية من المادة (605) على انتقال التأمينات التي قدمها المستأجر ضمانًا للإيجار السابق إلى الإيجار الجديد، مع مراعاة القواعد المتعلقة بشهر الحقوق. ومن ثم فلا يشترط في انتقال الرهن الذي يكون المستأجر قد قدمه في الإيجار السابق ورقة رسمية جديدة، بل ينتقل هذا الرهن بسنده الأصلي إلى الإيجار الجديد، ولكن مع مراعاة قيده قيدًا جديدًا يأخذ مرتبته من وقت هذا القيد حتى لا يضر ذلك بحقوق الغير.

أما التأمينات المقدمة من غير المستأجر فلم يرَ المشروع الخروج فيها على القواعد العامة، ولذا فإنها لا تنتقل إلى الإيجار الجديد إلا برضاء من قدمها، سواء كانت هذه التأمينات شخصية أو عينية ومن ثم فإنه يشترط في انتقال الرهن الذي يكون الكفيل قد قدمه في الإيجار الأول ورقة رسمية جديدة غير ورقة الرهن السابق.

3 – اعتبر المشروع التنبيه بالإخلاء – سواء كان ضروريًا أو غير ضروري – قرينه على أن نية المتعاقد الذي وجه التنبيه لا تنصرف إلى التجديد الضمني، ولكنها قرينة قابلة لإثبات العكس بصريح نص المادة (606/ 1) إذ يجوز أن يكون من صدر عنه التنبيه قد عدل بعد ذلك، وانصرفت نيته في وضوح إلى التجديد الضمني، وقبل المتعاقد الآخر ذلك منه. وفي هذه الحالة ينعقد التجديد الضمني بالرغم من هذا الإخطار ويقع عبء إثبات ذلك على عاتق من يدعيه.

وقد يكون القصد من الإخطار أن المؤجر يقبل تجديد الإيجار على أن ترفع الأجرة إلى مبلغ معين يذكر في الإخطار، أو على أن تعدل بعض شروط العقد بطريقة توضح في الإخطار. فإذا سكت المستأجر وبقي منتفعًا بالمأجور بعد انقضاء مدة الإيجار، فإن سكوته يُعتبر رضاء وقبولاً للتجديد بالشروط الجديدة (مادة 606/ 2).

وتعرض المواد من (607 إلى 609) لأثر بيع المأجور على عقد الإيجار، ويلاحظ أنه في الفقه الحنفي وفي المجلة، لا أثر لبيع المأجور على عقد الإيجار بل إن حق المستأجر يكون عندهم مفضلاً باعتباره حقًا للغير يتعلق بالمبيع، فلو باع الآجر المأجور بدون أذن المستأجر، يكون البيع نافذًا بين البائع والمشتري فقط ولكنه لا يكون نافذًا في حق المستأجر ولا تنفسخ به الإجارة، أي أن البيع يكون موقوفًا على إجازة المستأجر، فإن أجازه نفذ في مواجهته وانقضت الإجارة، وإن لم يجزه ظل موقوفًا إلى حين انقضاء مدة الإجارة، وهو ما أخذ به التقنين الأردني في المادة (691).

أما قانون إيجار العقارات الحالي، فإن مقتضى القاعدة التي أوردتها المادة (16) منه، أنه إذا انتقلت ملكية العين المؤجرة إلى شخص آخر بأي تصرف قانوني ناقل لها، فإن الإيجار لا ينتهي لكنه يظل قائمًا وتنتقل الحقوق والالتزامات الناشئة عنه إلى المالك الجديد حتى ولو لم يكن للإيجار تاريخ ثابت قبل انتقال الملكية وكل ما يشترط لذلك هو أن يكون المستأجر شاغلاً للعين المؤجرة في تاريخ انتقال الملكية، ولكن الإيجار لا ينفذ في حق المالك الجديد إذا هو أثبت صوريته أو أثبت غشًا يبطله، وهذا الحكم ورد تطبيقًا للقواعد العامة التي طبقها القانون أيضًا في المادة (18) منه، على وفاء المستأجر معجلاً بالأجرة إلى المؤجر ومن مقتضاها أنه لا يجوز للمستأجر أن يتمسك (بما عجله من الأجرة قبل من انتقلت إليه الملكية إذ أثبت هذا أن المستأجر كان يعلم وقت الدفع بانتقال الملكية، أو كان من المفروض حتمًا أن يعلم بذلك، ومتى ثبت العلم الفعلي أو العلم الافتراضي كان دفع الأجرة عن المدة التي تلت العلم غير سارٍ في حق المالك الجديد الذي يحق له استيفاء الأجرة من المستأجر، ولهذا أن يرجع على المؤجر بما دفعه له طبقًا لقواعد الإثراء بلا سبب، أما إذا عجز المالك الجديد عن الإثبات فإن دفع الأجرة للمؤجر يكون قد تم صحيحًا ويستطيع المالك الجديد أن يرجع على المؤجر بما استوفاه من الأجرة عن المدة التالية للتصرف الناقل للملكية (المذكرة الإيضاحية للقانون).

ويلاحظ فيما يتعلق بنصوص المشروع ما يأتي:

1 – أن الإيجار لا يكون نافذًا في حق من انتقلت إليه ملكية المأجور ما لم يثبت أنه كان يعلم به أو كان له تاريخ ثابت سابق على السبب الذي ترتب عليه انتقال الملكية (مادة 607) ومع ذلك يجوز لمن انتقلت إليه الملكية أن يتمسك بعقد الإيجار حتى لو كان غير نافذ في حقه على هذا الوجه. فقد يكون له مصلحة في ذلك كأن يرى أن الإيجار بشروطه التي يتضمنها صفقة رابحة وأنه لن يجد مستأجرًا بشروط أفضل. وقد تكون المدة الباقية لانتهاء الإيجار أقل من مدة الإخطار الذي يتعين توجيهه للمستأجر حتى يرد المأجور.

2 – أنه يستوي أن يكون المأجور الذي انتقلت ملكيته عقارًا أو منقولاً.

3 – أنه لا عبرة بالسبب الذي تنتقل به ملكية المأجور، فيستوي أن تنتقل الملكية جبرًا، كما يقع في نزع ملكية العقار وفي التنفيذ بالحجز على المنقول، أو اختيارًا بأي تصرف مثل البيع أو المقايضة أو الهبة أو بأي سبب أخر كالشفعة، ولكن يشترط أن يكون من انتقلت إليه الملكية خلفًا خاصًا للمؤجر.

4 – حدد المشروع العلاقة ما بين المستأجر وبين كل من متلقي الملكية والمؤجر الأصلي سواء في حالة عدم نفاذ الإيجار في حق متلقي الملكية أو في حالة نفاذه في حقه: ففي الحالة الأولى، لا يجوز لمتلقي الملكية بالرغم من عدم نفاذ الإيجار في حقه أن يجبر المستأجر على رد المأجور دون إخطاره في الميعاد المبين بالمادة (567) أما المؤجر فإنه يلتزم بتعويض المستأجر عن حرمانه من الانتفاع بالمأجور فيما بقي من مدة الإيجار. ويكون للمستأجر أن يحبس المأجور ولا يرده حتى يستوفي هذا التعويض أو يحصل على تأمين كافٍ للوفاء به (مادة 608) سواء من المؤجر أو ممن انتقلت إليه الملكية ويكون لهذا الأخير أن يرجع على المؤجر بما دفعه للمستأجر وفقًا لقواعد الإثراء بلا سبب، أما في حالة بقاء الإيجار قائمًا سواء لنفاذه في حق الخلف أو لتمسك الخلف به رغم عدم نفاذه، فإن من انتقلت إليه الملكية يحل محل المؤجر في جميع ما يرتبه عقد الإيجار من حقوق والتزامات (مادة 609/ 1) ويلتزم المستأجر بسداد الأجرة إليه من وقت علمه بانتقال الملكية إليه، ويقع عبء إثبات العلم على الخلف الخاص فإذا أثبت أن المستأجر كان يعلم وقت الدفع بانتقال الملكية، أو كان من الفروض حتمًا أن يعلم ذلك، كان دفع الأجرة عن المدة التي تلت هذا العلم غير سارٍ في حقه (المادة 609/ 2)، وله أن يستوفي الأجرة مرة ثانية من المستأجر، ولهذا أن يرجع على المؤجر بما دفعه له طبقًا لقواعد الإثراء بلا سبب، أما إذا عجز متلقي الملكية عن الإثبات المتقدم، فإن دفع المستأجر الأجرة للمؤجر يكون صحيحًا ساريًا في حق متلقي الملكية، ولهذا أن يرجع على المؤجر بما استوفاه من المستأجر من وقت التصرف الناقل للملكية.

وغني عن البيان أن الأحكام المتقدمة تسري على ما عجله المستأجر دون غش أو تواطؤ مع المؤجر، من الأجرة عن مدة لاحقة، حتى لو كانت هذه المدة تالية للوقت الذي علم فيه بانتقال الملكية، ما دام تعجيل الأجرة كان سابقًا على هذا العلم.
وأخيرًا يعرض المشروع في المواد من (610 إلى 615) لانتهاء الإيجار بالعذر، وهو مبدأ مأخوذ عن الفقه الإسلامي. فقد أجاز الحنفية فسخ الإجارة بالعذر إذا استلزمت ضررًا ليس من مقتضى عقد الإجارة، إذ لا يجوز تحميل أحد العاقدين ضررًا لا يقتضيه العقد. فإذا كان باستيفاء المعقود عليه ضرر بالنفس أو المال، تنفسخ الإجارة، لأنه لما كانت المنافع – وهي المعقود عليه – غير مقبوضة (فصار العذر في الإجارة كالعيب قبل القبض في البيع، تنفسخ به، إذ المعنى يجمعها وهو عجز العاقد عن المضي في موجبه ألا يتحمل ضررًا زائدًا لم يستحق به). وإذا كان العذر ظاهرًا فسخت الإجارة بلا حكم حاكم، وإن كان غير ظاهر فلا تنفسخ إلا بحكم الحاكم أو برضاء الطرفين. وهذا الفقه قننته المجلة بالنص في المادة (443) منها على أنه (لو حدث عذر مانع لإجراء موجب العقد تنفسخ الإجارة) ومن أمثلة العذر الطارئ في الفقه الإسلامي أن يلحق المؤجر دين فادح لا يجد قضاءه إلا من ثمن العين المؤجرة فيكون هذا الدين عذرًا له يجيز فسخ الإجارة لأن في بقائها ضررًا يصيبه في نفسه وهو الحبس في دينه، أو أن يفلس المستأجر، فإذا استأجر شخص من آخر حانوتًا ليتجر فيه ثم أفلس، فإن له أن يفسخ الإجارة. وأما إذا كسدت سوق الحانوت فليس له أن يفسخ بذلك. ومن أمثلته أيضًا أن يغير المستأجر من حرفته أو ينتقل من التجارة إلى الزراعة أو أن يصاب مستأجر الأرض الزراعية بمرض يقعده عن زراعتها أو أن يترك الزراعة أصلاً، أو أن ينتقل المستأجر إلى بلدة أخرى والحاصل أن كل عذر لا يمكن معه استبقاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه في نفسه أو ماله يثبت له حق الفسخ). أما ابتغاء الربح فليس عذرًا يجيز فسخ الإجارة فلا يُعتبر العثور على حانوت أجرته أقل أو مساحته أوسع عذرًا للمستأجر يجيز له فسخ الإجارة، كما لا يُعتبر عذرًا للمؤجر أن يجد مستأجرًا بأجرة أعلى، كذلك لا يُعتبر انهدام الدار التي يسكنها المؤجر عذرًا يجيز له فسخ الإجارة ليسكن بدل المستأجر ولو كان لا يملك دارًا أخرى، لأنه لا ضرر عليه فوق ما التزمه بالعقد.

وقد أخذ التقنين المصري هذا المبدأ عن الفقه الإسلامي، فأجاز لكل من المتعاقدين أن يطلب إنهاء العقد – إذا كان محدد المدة – قبل انقضاء مدته، إذا جدت ظروف خطيرة غير متوقعة من شأنها أن تجعل تنفيذ الإيجار مرهقًا سواء تحقق الإرهاق من مبدأ تنفيذ العقد أو أثناء تنفيذه، على أن يراعي من يطلب إنهاء العقد مواعيد التنبيه بالإخلاء، وأن يعوض الطرف الأخر تعويضًا عادلاً تراعى فيه الظروف، فإذا كان المؤجر هو الذي يطلب الإنهاء فلا يجبر المستأجر على رد المأجور حتى يستوفي التعويض أو حتى يحصل على تأمين كافٍ (المادة 608 ومذكراتها الإيضاحية)، ونحت كثير من التقنيات العربية منحى التقنين المصري في الأخذ بهذا المبدأ (المواد 575 سوري و792 عراقي و607 ليبي و496 سوداني و710 أردني) ورأى المشروع بدوره أن يأخذ به، فأجاز في المادة (610) للمستأجر وللمؤجر على السواء إنهاء العقد قبل انقضاء مدته للعذر الطارئ، سواء كان المأجور عقارًا أو منقولاً، مع مراعاة ما يأتي:

1 – لم يشترط المشروع – كما اشترطت غالبية التقنينات الأخرى التي أخذت بهذا لمبدأ – أن يكون الإيجار محدد المدة، وذلك حتى لا يكون الطرف المرهق في الإيجار محدد المدة في حالة أفضل منه في الإيجار غير محدد المدة، وهو ما فعله التقنين الأردني أيضًا.

2 – لم يشترط المشروع، في الظروف التي تجد لأحد المتعاقدين بعد إبرام الإيجار، سوى أن تكون ظروفًا غير متوقعة، تجعل استمرار الإيجار مرهقًا له، ومن ثم يعتد بالعذر الطارئ حتى لو كان عذرًا شخصيًا مقصورًا على طرف العقد دون غيره من الناس ولا يشترط أن تكون هذه الظروف عامة، فيكفي أن يجعل العذر الطارئ تنفيذ الإيجار مرهقًا لا مستحيلاً. والإرهاق الذي يقع فيه أحد الطرفين معناه أن تقع به خسارة فادحة لو أنه استمر في تنفيذ الإيجار إلى نهاية مدته. ولكنه يجب أن تكون هذه الظروف غير متوقعة ولا يستطاع دفعها، فإن كانت متوقعة أو كان يمكن توقعها أو في الاستطاعة دفعها فلا يعتد بها كعذر طارئ، كل ذلك متروك تقديره لقاضي الموضوع بعد الموازنة بين مصالح طرفي العقد.

ولم يقتصر المشروع على تقرير المبدأ القاضي بانتهاء الإيجار بالعذر الطارئ على النحو السابق، بل عمد إلى إيراد تطبيقات تشريعية مختلفة لهذا المبدأ، فعرض في المواد التالية لجواز إنهاء الإيجار بسبب موت المستأجر وبسبب تغييره لمحل إقامته، أما إفلاس المستأجر فقد ترك المشروع حكمه لنصوص قانون التجارة.

موت المستأجر – والإجارة عند الأئمة الثلاثة لا تنفسخ بوفاة أحد المتعاقدين، كما لا تنفسخ بوفاتهما، لأنها عقد كالبيع لا ينفسخ بعد الانعقاد فيما لو توفي البائع أو المشتري أو الاثنان معًا، وعليه فإذا توفي المؤجر قام ورثته مقامه في أخذ الأجرة، كما يقوم ورثة المستأجر مقامه في استيفاء المنعة من المأجور.

أما عند الحنفية، فإن موت أحد المتعاقدين يوجب فسخ عقد الإجارة بشرط أن يكون عقد الإجارة لنفسه لا لغيره، ولم يرد في المجلة نص في هذا الشأن فكان يجب الحكم فيه طبقًا للمذهب الحنفي، ولكن قانون إيجار العقارات الحالي أورد نصًا (المادة 22) يقضي بأن الإيجار لا ينتهي بموت المؤجر ولا بموت المستأجر، وإن جاز في حالة وفاة المستأجر لورثته أن يطلبوا إنهاء العقد دون أن يشترط لذلك أي شرط.

وقد نص المشروع في المادة (611) على أن الإيجار لا ينتهي بموت المؤجر ولا بموت المستأجر، ولكنه في حالة موت المستأجر أجاز لورثته أن يطلبوا إنهاء العقد إذا أثبتوا أنه بسبب موت مورثهم أصبحت أعباء العقد أثقل من أن تتحملها مواردهم، أو أصبح الإيجار مجاوزًا حدود حاجتهم.

كما أجاز المشروع في المادة (612) لورثة المستأجر – وللمؤجر أيضًا – أن يطلبوا إنهاء العقد إذا لم يكن الإيجار معقودًا إلا بسبب حرفة المستأجر أو لاعتبارات أخرى تتعلق بشخصه، كما في المزارعة.

تغيير المستأجر محل إقامته:

وتغيير محل الإقامة من الأعذار التي تسوغ إنهاء الإيجار في الفقه الحنفي. ولكن المشروع يشترط لذلك أن يكون النقل قد اقتضاه عمل المستأجر حتى يكون عذرًا طارئًا، (مادة 613) وغني عن البيان أن هذا النص ليس من النظام العام، فيجوز الاتفاق على خلافه، وفي جميع الحالات التي يجوز فيها إنهاء الإيجار بالعذر الطارئ أوجب المشروع على من يطلب الإنهاء – أن يراعي ميعاد التنبيه المنصوص عليه في المادة (567) (مادة 614 من المشروع).

ومن ناحية أخرى، احتاط المشروع في حالة معينة لم يعتد فيها بالعذر، وهى حالة عدم تمكن المستأجر من الانتفاع بالمأجور انتفاعًا كاملاً، إذا كان ذلك راجعًا إلى خطئه أو إلى سبب يتعلق بشخصه، ففي هذه الحالة يبقى ملزمًا بالإيجار وبما يفرضه عليه العقد من التزامات، ما دام المؤجر قد وضع المأجور تحت تصرفه في حالة صالحه لاستيفاء المنفعة المقصودة. وهو ما يتفق مع أحكام الفقه الحنفي من أن الأجر يكون واجبًا بتمكن المستأجر من استيفاء المنفعة وإن لم يستوفها فعلاً، غير أنه يجب على المؤجر في هذه الحالة، أن يخصم من الأجرة قيمة ما اقتصده من نفقات بسبب عدم انتفاع المستأجر بالمأجور، وكذلك قيمة ما حققه من نفع إذا استعمل المأجور في أغراض أخرى (مادة 615 من المشروع).

الفرع الثاني – بعض أنواع الإيجار:

تهتم الدولة اهتمامًا بالغًا بزيادة الإنتاج الزراعي، وتحسينه، وحمايته من الآفات، وفي هذا السبيل لم تأل جهدًا في عمل الدراسات وتنفيذ المشروعات التي تحقق هذه الأغراض، كما انضمت إلى كثير من الاتفاقيات المتعلقة بالتنمية والاستثمار الزراعي، حتى أخذت المساحات المزروعة في الكويت تزداد عامًا بعد عام رغم ما يعترض هذه الزيادة من صعوبات.

وفي إطار هذه التوقعات، حرص المشروع على تنظيم طريقتين لاستغلال الأراضي الزراعية: الأولى: هي طريقة الإيجار العادي وتسري في شأنها في الأصل الأحكام العامة في عقد الإيجار، ولكن المشروع خصها ببعض الأحكام التي تتلاءم مع طبيعتها، والثانية: هي طريقة المزارعة، ولها خصائصها التي تتميز بها عن الإيجار العادي، وقد عني المشروع بإيراد النصوص التي تتضمن هذه الخصائص.

كذلك فإن للوقف نظامًا خاصًا روعيت فيه مصلحته، مما يبرر إفراد إيجاره بأحكام خاصة تكفل رعاية هذه المصلحة، ولا شك في أن أحكام الفقه الإسلامي هي الخليقة وحدها بأن تكون مرجعًا لتقنين هذه الأحكام لصدورها عن إدراك دقيق لحاجات الوقف وما ينبغي له من حماية. لكل هذا رأى المشروع أن يختص هذه الأنواع من الإيجار بنصوص خاصة، لما لها من أهمية تبرر مثل هذا الإفراد.

أولاً: إيجار الأراضي الزراعية:

لم تفرد المجلة بابًا خاصًا لإيجار الأراضي الزراعية، وإنما اقتصرت على إيراد بعض نصوص متفرقة تتعلق بالصحة والفساد، وحكم انتهاء الإجارة قبل إدراك الزرع، ولكن الفقه الإسلامي عامة – والفقه الحنفي بوجه خاص – عرض بكثير من التفصيل لأحكام إيجار الأراضي الزراعية ضمن مباحث الإيجار.

وعندهم أن استئجار الأرض للزرع يكون صحيحًا إذا بين المستأجر ما يزرع أو لم يبين، وقال على أن يزرع فيها ما شاء، لأن ما يزرع في الأرض يتفاوت فلا بد من بيانه كيلا يفضي إلى المنازعة، فلو لم يبين ما يزرع فيها أو لم يقل على أن يزرع فيها ما يشاء فسدت الإجارة للجهالة، ولو زرعها بعد ذلك لا تعود صحيحة في القياس، وفي الاستحسان يجب المسمى وينقلب العقد صحيحًا (قارن المادتين 454 و524 من المجلة) ولا تصح إجارة الأرض المشغولة بالزراعة إلا إذا كانت تلك الزراعة بغير حق، حتى يصح قلعها وتسليم الأرض للمستأجر، أما إذا كانت بحق كأن كانت الأرض مستأجرة لشخص فزرعها ولم يحصد زرعها فإنه لا يصح إجارتها لآخر، ولكن يجوز تأجير الأرض المشغولة بالزرع إذا أدرك الزرع لأن صاحبه يؤمر بحصاده وتسليم الأرض، وكذلك يصح تأجيرها وهي مشغولة، إذا كان العقد مؤجلاً إلى زمن يدرك فيه الزرع أوان حصاده، وللمستأجر الشرب والطريق بغير نص، فله الانتفاع بالمساقي الموجودة في الأرض وسقيها منها وله الانتفاع بالطريق الموصلة إليها المملوكة للمؤجر وإن لم ينص عليها في العقد، وإذا استأجرها مدة تسع أن يزرعها مرتين، فإن له أن يزرعها مرتين وفي القنية استأجر أرضًا سنة على أن يزرع فيها ما شاء، فله أن يزرع زرعين ربيعًا وخريفًا.

وبمراعاة هذه الأحكام أورد المشروع في المواد من (616 إلى 625) بعض الأحكام الخاصة بإيجار الأراضي الزراعية تتعلق بالأدوات الزراعية التي توجد في الأرض، وبالسنة الزراعية، وبكيفية استغلال المستأجر للأرض والإصلاحات التي يقوم بها، ويتعذر انتفاع المستأجر بالأرض إما لتعذر تهيئتها للزراعة أو لهلاك الزرع وبحق المستأجر عند انتهاء الإيجار أن يبقى في الأرض حتى تنضج الغلة، وبواجبه في أن يسمح لخلفه بتهيئة الأرض وبذرها.

وقد بدأ المشروع بالنص في المادة (616) منه على سريان أحكام الإيجار على إيجار الأراضي الزراعية مع مراعاة أحكام المواد التالية، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يخالفها، فالأصل هو أن تسري في شأن إيجار الأراضي الزراعية، الأحكام العامة في عقد الإيجار، ولكن المشروع خص إيجار هذه الأراضي ببعض الأحكام التي تتلاءم مع طبيعتها، ما لم يوجد اتفاق يخالف حكمًا منها، وإلى جانب هذه الأحكام يجب اتباع العرف الزراعي أيضًا، لأن له هنا أهمية خاصة، فهو كثيرًا ما يكمل الأحكام التي ينص عليها القانون بل كثيرًا ما ينسخها ويحل محلها إذا لم تكن من النصوص الآمرة.

وتعرض المادتان (617 و618) من المشروع لخصائص إيجار الأراضي الزراعية، فهذا الإيجار، وإن كان يشمل الشرب والطريق بغير نص – كما هو في الفقه الإسلامي، غير أنه لا يشمل الأدوات الموجودة في الأراضي، إلا إذا اتفق على ذلك، فإذا تناولها الإيجار التزم المستأجر أن يرعاها ويتعهدها بالصيانة بحسب المألوف في استعمالها (مادة 623).

أما مدة الإيجار، فتحسب بالسنين الزراعية، فإذا ذكر في العقد أن الإيجار قد عقد لسنة أو لعدة سنوات، كان المقصود من ذلك أنه عقد لدورة زراعية سنوية أو لعدة دورات (مادة 618)، ويتبع في ذلك العرف الزراعي، ولكن المهم أن تكون السنة الزراعية دورة زراعية كاملة وهي المدة التي تستغرقها الزراعة الشتوية والزراعة الصيفية، فإذا لم تحدد المدة، اعتُبر الإيجار منعقدًا للمدة الكافية لحصد محصول السنة، أي لسنة زراعية كاملة، مع مراعاة وجوب الإخطار في الميعاد المقرر لإنهاء الإيجار.

ويعرض المشروع في المادتين (619 و620) لتطبيق التزامات المستأجر والمؤجر فيما هو من خصائص الأرض الزراعية:

فالمستأجر – طبقًا للأحكام العامة في الإيجار – يلتزم بأن يستعمل المأجور على النحو المتفق عليه، فإن لم يكن هناك اتفاق، التزم بأن يستعمله بحسب ما أُعد له ووفقًا لما يقتضيه العرف (مادة 589 من المشروع)، كما لا يجوز له بدون إذن المؤجر أن يحدث في المأجور تغييرًا يضر به (مادة 590) فإذا كان المأجور أرضًا زراعية، واشترط عليه المؤجر نظامًا خاصًا في زراعة الأرض يكون المستأجر ملتزمًا باتباع هذا النظام أما إذا كان الاستعمال غير مبين في العقد، فإنه يلتزم طبقًا للمادة (619/ 1) بأن يستغل الأرض المؤجرة وفقًا لمقتضيات الاستغلال المألوف بحسب طبيعتها وما يجري عليه العرف الزراعي.

كذلك لا يجوز له أن يدخل على الطريقة المتبعة في استغلال الأرض، تغييرًا يبقى إلى ما بعد انتهاء الإيجار (مادة 619/ 2)، كأن يحولها وهي تستغل لزراعات الخضراوات إلى زراعة محصولات أخرى، فإذا أخل المستأجر بالتزامه، جاز للمؤجر طبقًا للقواعد العامة، أن يطالبه بالتنفيذ عينًا أو يطلب الفسخ، مع طلب التعويض في الحالين إن كان له مقتض.

وطبقًا للأحكام العامة في الإيجار كذلك، يلتزم المؤجر بتعهد المأجور بالصيانة ليبقى في حالة يصلح معها للانتفاع المقصود، فيقوم بالإصلاحات الضرورية لذلك (المادة 572)، أما الإصلاحات البسيطة التي يقتضيها استعمال المأجور استعمالاً مألوفًا فتكون على عاتق المستأجر (المادة 594) والإصلاحات التي يجوز أن تتطلبها الأراضي الزراعية هي بدورها، إما أن تكون إصلاحات بسيطة – أو تأجيرية – وهذه على المستأجر، وإما أن تكون إصلاحات كبيرة – أو غير تأجيرية – وهذه على المؤجر، وقد تكلفت المادة (620) من المشروع ببيان كل من النوعين: فالمستأجر يلتزم بالإصلاحات التي يقتضيها الانتفاع المألوف بالأرض المؤجرة، ومن ذلك أعمال الصيانة المعتادة للآبار ومجاري المياه والمباني المعدة لسكن العمال أو للاستغلال كزرابي المواشي والمخازن، وعمومًا كل ما يقتضيه الانتفاع المألوف كجز الحشائش ونزع الأعشاب الضارة، والترميمات البسيطة التي يقتضيها استعمال الأدوات الزراعية …
أما الإصلاحات غير التأجيرية – أو الكبيرة – التي يتوقف عليها استيفاء المنفعة المقصودة، فيلتزم بها المؤجر، وكل هذا ما لم يقضِ الاتفاق أو العرف بغيره.

وتعرض المواد من (621 إلى 623) لحرمان المستأجر من الانتفاع بالأرض الزراعية لقوة قاهرة، إما لأنه لم يتمكن من تهيئة الأرض للزراعة أو لأن المحصول قد هلك قبل حصاده، كما تعرض لهلاك المحصول بعد ذلك:

وفي الفقه الإسلامي، يفرقون بوجه عام بين عدم تمكن المستأجر من زرع الأرض، وبين تلف الزرع بجائحة أو آفة، ففي الحالة الأولى لا يلزمه الأجر لأنه لم يتمكن من زرعها، أما في الحالة الثانية، فعند الحنفية أنه إذا أصاب الزرع آفة فهلك أو غرق وجب أجر ما قبل الإصابة وسقط ما بعدها، لكن هذا إذا بقي بعد هلاك الزرع مدة لا يتمكن من إعادة الزراعة، فإن يتمكن من إعادة المثل الأول أو دونه في الضرر يجب الأجر، وعند المالكية تلزم الأجرة بتمكن المستأجر من زرع الأرض ولو تلف الزرع بجائحة غير ناشئة من الأرض كتلفه بجراد أو جليد أو صقيع، لأنه لا دخل للأرض في تلفه فيستحق ربها أجرتها ولا تلزم الأجرة فيما إذا تلف الزرع بجائحة ناشئة من الأرض كتلفه بدودها أو فأرها أو عطشها لعدم نزول المطر عليها أو عدم وصول الماء لها أو نحو ذلك من آفات الأرض لأن تلفه راجع إلى الأرض فلا أجرة لها.

وقد أخذ المشروع بهذه التفرقة مع بعض التعديل، فإذا استحال على المستأجر تهيئة الأرض للزراعة أو بذرها، أو هلك البذر كله أو أكثره، وكان ذلك بسبب أجنبي لا يد له فيه، سقطت الأجرة عنه كلها أو بعضها بحسب الأحوال ما لم يوجد اتفاق يقضي بغير ذلك (مادة 621/ 1 من المشروع).

أما إذا تمكن المستأجر من تهيئة الأرض للزراعة ومن بذرها، ثم هلك الزرع كله قبل حصاده، بسبب أجنبي لا يد للمستأجر فيه، فإنه يجوز له أن يطلب إسقاط الأجرة كلها (مادة 621/ 2)، وإذا هلك بعض الزرع وترتب على هلاكه نقص كبير في ريع الأرض – ويترك تقدير ذلك لقاضي الموضوع – فإنه يكون للمستأجر أن يطلب إنقاص الأجرة بما يتناسب مع ما نقص من ريع الأرض (621/ 3).

وفي جميع الحالات لا يكون للمستأجر أن يطلب إسقاط الأجرة أو إنقاصها، إلا في حدود ما أصابه من ضرر (مادة 622) فإذا كان ما عاد عليه من ربح في مدة الإجارة كلها يعوضه عما أصابه من ضرر، أو إذا كان قد عوض عن ذلك من أي طريق آخر كالحصول على تعويض من الحكومة، فإنه لا يكون له أن يطلب إسقاط الأجرة أو إنقاصها.

وغني عن البيان، أن هلاك المحصول كله أو بعضه بعد حصاده – أي بعد استيفاء المستأجر لمنفعة الأرض – لا يسقط شيئًا من الأجرة في مقابل ما يهلك من المحصول، بل يتحمل المستأجر تبعة الهلاك، لأن المحصول هلك على ملكه بعد أن استوفى منفعة الأرض بالكامل، وكل ذلك ما لم يكن متفقًا على أن يكون للمؤجر جزء معلوم من المحصول، إذ يتحمل المؤجر عندئذٍ نصيبه فيما هلك، على ألا يكون الهلاك قد وقع بخطأ المستأجر أو بعد إعذاره بالتسليم (مادة 623).

ويعرض المشروع في المادة (624) لحالة انقضاء مدة الإيجار قبل أن يدرك الزرع أوان حصاده. وفي ذلك تنص المجلة في المادة (526) على أنه (لو انقضت مدة الإجارة قبل إدراك الزرع فللمستأجر أن يُبقي الزرع في الأرض إلى إدراكه ويعطي أجر المثل). وقد أخذ المشروع بهذا الحكم مع اشتراط أن يكون عدم إدراك الزرع راجعًا إلى سبب لا يد للمستأجر فيه. فإذا كان ذلك راجعًا إلى خطأ المستأجر، كأن يكون قد تأخر في الزرع كان هو المسؤول عن ذلك، أما إذا كان عدم إدراك الزرع لا يرجع إلى خطأ المستأجر، فإن الإيجار يمتد بحكم القانون ولكن للمدة اللازمة لإدراك الزرع أو أن حصاده، ويدفع المستأجر للمؤجر أجر المثل عن المدة التي بقي فيها الزرع بالأرض.

وطبقًا للمادة (625) من المشروع يلتزم المستأجر بتمكين المستأجر اللاحق له من تهيئة الأرض للزراعة ومن بذرها، وذلك حتى لو كانت مدة الإيجار السابق لم تنقضِ، بل حتى لو كان المستأجر السابق لم ينتهي من جني محصوله، فيترك المستأجر اللاحق يدخل في الأرض ليهيئها للزراعة ويبذرها، ما دام لا يعود عليه ضرر من ذلك وهو حكم يمليه التعاون الواجب بين المستأجر السابق للأراضي الزراعية والمستأجر اللاحق له.

ثانيًا: المزارعة:

المزارعة عقد على الشركة في الزرع، ولذلك عرضت المجلة لها في أحد أبواب كتاب الشركات (الباب الثامن من الكتاب العاشر).
وقد عرفها المشروع – وفقًا لتعريف الحنفية لها، بأنها عقد على زرع الأرض ببعض ما يخرج منها (مادة 626)، ثم أورد بعد ذلك الأحكام الخاصة بها مأخوذة بحسب الأصل من الفقه الحنفي وخصوصًا ما تعلق منها بمصروفات الزراعة وتوزيع الغلة بين المزارع وصاحب الأرض، فالأحكام التي تنظم المزارعة هي في الأصل أحكام الإيجار مع مراعاة الأحكام الخاصة التي وضعها المشروع في شأنها، إلا إذا وُجد اتفاق أو عرف يخالف هذه الأحكام، (مادة 627 من المشروع)، والأحكام الخاصة التي أوردها المشروع هي كالآتي:

1 – إذا لم تُحدد للمزارعة مدة، تكون مدتها هي تلك اللازمة لجمع المحصول المتفق عليه (مادة 628).

2 – تختص المزارعة – خلافًا لإيجار الأراضي الزراعية – بأنها تشمل الآلات والأدوات الزراعية التي توجد في الأرض وقت التعاقد، إذا كانت مملوكة لصاحب الأرض، فهي تدخل دون اتفاق ولا تخرج إلا باتفاق على خروجها، ويرجع ذلك إلى أن المزارعة شركة بين صاحب الأرض والمزارع وصاحب الأرض يكون شريكًا بالأرض وما عليها من آلات وأدوات (مادة 629).

3 – العناية المطلوبة من المزارع في زراعة الأرض هي العناية التي يبذلها الشخص العادي (مادة 630).

4 – ليس للمزارع أن يحل غيره في المزارعة أو يشركه فيها إلا برضاء صاحب الأرض (مادة 631)، وذلك على أساس أن شخصية المزارع ملحوظة في هذا العقد.

5 – أما مصروفات الزراعة، فإن الأصل فيها، طبقًا للفقه الحنفي، أن ما كان منها قبل القسمة يكون على الاشتراك بين المزارع وصاحب الأرض، وما كان منها بعد القسمة يكون على كل واحد في نصيبه خاصة لتميز ملك كل واحد منهما عن ملك الآخر. فإذا كانت الأرض والبقر (الماشية) لأحدهما والبذر والعمل للآخر بطلت المزارعة لأن رب البذر يصير مستأجرًا بالبذر وأنه لا يجوز لكون الانتفاع بالاستهلاك، أو يصير مستأجرًا للبقر مع الأرض ببعض الخارج وأنه لا يجوز لعدم التعامل وهو ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه يجوز لما فيه من العادة، وكذلك قال بعض شيوخ المالكية الأندلسيين، أنه لا يشترط في صحة المزارعة سلامتها من كراء الأرض بما يخرج منها.

وفي ضوء ذلك قسم المشروع في المادة (632) نفقات الزراعة، على أساس أن ما يخدم المحصول يتحمله المزارع، وأن ما يخدم الأرض ذاتها يكون على صاحب الأرض، ويتحمل الطرفان – كل بنسبة حصته في الغلة – نفقات البذر والتسميد وثمن المبيدات ومصروفات الحصاد وما يتلوه حتى القسمة لأنه في صالحهما معًا، وهو ما أخذ به أيضًا التقنين الأردني في المادة (730) منه.

6 – وتوزع الغلة بين الطرفين على أساس وجود الشركة بالنسبة المتفق عليها أو بالنسبة التي يعينها العرف، فإذا لم يوجد اتفاق ولا عرف كان لكل منهما نصف الغلة (مادة 633/ 1)، وحصة كل من الطرفين يجب أن تكون جزءًا شائعًا من الحاصلات، وهذا شرط من شروط صحة المزارعة في الفقه الحنفي، فلا يجوز الاتفاق على أن تكون حصة أحد الطرفين مقدارًا محددًا من المحصول، أو محصول جزء معين من الأرض (مادة 633/ 2)، لاحتمال ألا يخرج إلا هذا المقدار المحدد، أو ألا يخرج إلا من هذه الأرض المعينة فيؤدي ذلك إلى قطع الشركة، وبناءً على ذلك، فإنه إذا هلكت الغلة كلها أو بعضها بسبب أجنبي لا يد لأحد الطرفين فيه، هلكت عليهما معًا ولا يرجع أحد منهما على الآخر (مادة 634).

7 – وتعرض النصوص الباقية (635 – 638) لانتهاء عقد المزارعة، على أساس أن شخصية المزارع ملحوظة في هذا العقد، فهي تنتهي بانقضاء مدتها، وبعجز المزارع عن زراعة الأرض، كما تنتهي بموته، ولكنها لا تنتهي بموت صاحب الأرض. فإذا انتهت المزارعة بانقضاء مدتها، قبل أن يدرك الزرع أوان حصاده، يبقى الزرع حتى يتم إدراكه (مادة 635).

وإذا عجز المزارع عن زراعة الأرض لمرضه أو لأي سبب آخر يقعده عن زراعتها، فلا يحل محله إلا أحد من أفراد أسرته، إذا كان ذلك مستطاعًا بحيث يتحقق استغلال الأرض استغلالاً مرضيًا. فإن لم يكن ذلك مستطاعًا، جاز لكل من الطرفين فسخ العقد (مادة 636). أما إذا مات المزارع، فإن الأصل أن المزارعة تنتهي بموته (مادة 637) إلا إذا رغب الورثة في الحلول محله كما سيجيئ.

وفي جميع الأحوال التي تنتهي فيها المزارعة قبل انقضاء مدتها يجب على صاحب الأرض أن يرد للمزارع أو لورثته ما أنفقه المزارع على الزرع الذي لم يدرك مع تعويض يعادل أجر المثل عن عمله، على ألا يجاوز جميع ذلك قيمة حصة المزارع من المحصول، ومع ذلك إذا انتهت المزارعة بموت المزارع، فإنه يكون لورثته الخيار بين تقاضي ما تقدم ذكره، أو الحلول محل مورثهم في العمل حتى يدرك الزرع ما داموا يستطيعون القيام بذلك على الوجه المرضي (مادة 638) وكل هذه الأحكام تتفق مع ما يقول به الفقه الحنفي.

ثالثًا: إيجار الوقف:

عرض المشروع لإيجار الوقف في عشر مواد، أخذها – كما فعل التقنين المصري – عن الفقه الإسلامي، (مرشد الحيران)، وهو مصدر النظام القانوني للوقف وما يتعلق به من أصل وإدارة، ولا يوجد لهذه النصوص مقابل في المجلة فهي لم تعرض لإيجار الوقف على أهميته العملية، فترك الأمر للمحاكم تقضي فيه طبقًا لمذهب الأمام مالك، على ما أشارت إليه المذكرة التفسيرية لقانون تنظيم القضاء وما ورد في الأمر السامي الصادر في 29 جماد الثاني 1370هـ (5 إبريل 1951م)، بتطبيق أحكام شرعية خاصة بالأوقاف.

وتعرض النصوص التي أوردها المشروع في شأن إيجار الوقف للمسائل الآتية: من له الحق في إيجار الوقف. ومن له الحق في استئجاره، وكيف تحدد أجرة الوقف، ومدة إيجاره.

1 – فللناظر وحده ولاية إيجار الوقف، أما الموقوف عليه فلا يملك الإيجار ولو انحصر فيه الاستحقاق إلا إذا أذن له في ذلك الواقف أو الناظر أو القاضي (مادة 639) كذلك فإن الناظر هو الذي يقبض الأجرة، إلا إذا أذن لغيره في قبضها (مادة 640)، والإيجار لا ينتهي بموت الناظر ولا بعزله، بل يسري إيجاره الصحيح على الناظر الذي يأتي بعده (مادة 647).

2- ولا يجوز للناظر أن يستأجر الوقف ولو بأجر المثل، كما لا يجوز له أن يؤجره لزوجه أو لأحد من أصوله أو فروعه (مادة 641).

3 – وأجرة الوقف يجب ألا يكون فيها غبن فاحش، فلا يجوز أن تقل عن أربعة أخماس أجرة المثل، إلا إذا كان المؤجر هو المستحق الوحيد الذي له ولاية التصرف في الوقف، فيجوز إجارته بالغبن الفاحش في حق نفسه لا في حق من يليه من المستحقين، والعبرة في تقدير أجر المثل بالوقت الذي أُبرم فيه عقد الإيجار ولا يعتد بالتغيير الحاصل بعد ذلك (المادتان 642 و643). وإذا أجر الناظر الوقف بالغبن الفاحش سرت في ذلك الأحكام العامة المتعلقة بالغبن (المواد 163 وما بعدها).

4 – أما مدة الإيجار، فيراعى فيها شرط الوقف، فإن عين مدة وجب التقيد بها، إلا إذا كان الناظر مأذونًا بالتأجير بما هو أنفع للوقف، فإذا لم يوجد من يرغب في استئجار الوقف المدة التي عينها الواقف أو كانت الإجارة لأكثر من تلك المدة أنفع للوقف، جاز للناظر – بعد استئذان القاضي – أن يؤجر لمدة أطول (مادة 644) وكل هذا قدر متفق عليه عند الأئمة الأربعة.

وإذا لم يعين الواقف مدة الإيجار، فالمباني لا يزيد إيجارها عن سنة والأراضي لا يزيد إيجارها على ثلاث سنين، إلا إذا قدر الناظر أن المصلحة تقتضي الزيادة في إيجار المباني أو النقص في إيجار الأرض (مادة 645)، وفي كل حال يجب ألا تزيد مدة الإيجار على ثلاث سنين ولو تم ذلك بعقود مترادفة، فإذا زادت المدة أُنقصت إلى ثلاث سنين، ومع ذلك يجوز الإيجار لمدة أطول إذا أذن القاضي في ذلك ويأذن للضرورة، أو إذا كان الناظر هو الواقف أو المستحق الوحيد، وحينئذٍ يسري الإيجار ما دامت نظارته باقية، فإذا انتهت كان للناظر الذي يخلفه أن ينقص المدة إلى ثلاث سنين (مادة 646) وهذه الأحكام تتفق مع ما يقول به الحنفية.

أما المالكية، فقد ذهبوا إلى التفصيل وقالوا لا يصح التأجير في الدور ونحوها أكثر من سنة سواء كانت موقوفة على معين كفلان وأولاده أو لا، كالفقراء، وكالمساجد، وأما الأرض فإنه لا يصح تأجيرها أكثر من ثلاث سنين سواء كان المؤجر الناظر الأجنبي أو المستحق إن كانت على معين، أما إن كانت موقوفة على غير معين كالفقراء، فإنه يصح تأجيرها إلى أربع سنين بدون زيادة، فإن كان المستأجر ممن يؤول الوقف له فإنه يصح أن يؤجرها له زمنًا طويلاً كعشر سنين ونحوها لأن الوقف يرجع إليه، إذا وجدت ضرورة تقتضي مد زمن الإجارة أكثر من المدة التي تقدمت كما إذا تهدم الوقف وليس له ريع يُبنى منه فإنه يصح للناظر أن يؤجر ليبني بها ولو طال الزمن كأربعين عامًا. وقد فضل المشروع أن يتجنب هذا التفصيل فأخذ بما قالت به الحنفية.

5 – وأخيرًا، فإن الأحكام التي أوردها المشروع في إيجار الوقف يقتصر تطبيقها على حالة ما إذا كان المأجور عينًا موقوفة، وفي المسائل التي عرضت لها هذه الأحكام، فإذا وجدت مسألة في إيجار الوقف لم يعرض لها نص من النصوص الواردة في هذا الصدد، سرت على هذه المسألة أحكام عقد الإيجار في كل ما لا يتعرض معها (مادة 648) وكل ذلك مع عدم الإخلال بالأحكام الاستثنائية الواردة في قانون إيجار الأماكن فيما إذا كانت العين الموقوفة من المباني.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

ارسل استشارة