الوكالـة:

الوكالة شرعًا إقامة الغير مقام نفسه في تصرف معلوم ودليل جوازها قوله تعالي (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) لأن ذلك كان توكيلاً، وما روي من أن رسول الله صلي الله عليه وسلم وَكَّل حكيم بن حزام بشراء الأضحية، كما أجمعت الأمة على جوازها من لدن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وسببها حاجة الناس إليها لترفهم أو عجزهم.

وأحكام الوكالة في القانون الكويتي الحالي موزعة بين مصادر مختلفة: فقد عرضت المجلة للوكالة في الكتاب الحادي عشر منها (المواد 1449 – 1530) فتكلمت على ركنها وتقسيمها وبينت شروطها وأحكامها وعرض لها أيضًا قانون التجارة في الباب الرابع من الكتاب الثالث (المواد 543 – 558)، كما تضمن قانون التسجيل العقاري بعضًا من أحكامها.

وقد أعاد المشروع تنظيم هذه الأحكام بعد تعديلها التعديلات المناسبة، مراعيًا في ذلك عدم تكرار النصوص التي أوردها في القواعد العامة للالتزامات عند الكلام عن النيابة، فعرض في عقد الوكالة، أساسًا للأحكام المتعلقة بعلاقة الموكل بالوكيل، مع الإحالة على أحكام النيابة في الأحكام الأخرى المتعلقة بالعلاقة مع الغير الذي يتعاقد معه الوكيل.

وتبدأ نصوص المشروع بتعريف الوكالة، فتعرفها المادة (698)، بأنها عقد يقيم به الموكل شخصًا آخر مقام نفسه في مباشرة تصرف قانوني.

ويخلص من هذا التعريف أن محل الوكالة الأصلي يكون دائمًا تصرفًا قانونيًا، حتى لو استتبع هذا التصرف القيام بأعمال مادية تعتبر ملحقة به وتابعة له، وهذا ما يميز الوكالة عن غيرها من العقود، وبخاصة عقدي العمل والمقاولة، أما إذا كان العمل المعهود به قد تمحض عملاً ماديًا، فإن العقد لا يكون وكالة، بل قد يكون عقد عمل أو عقد مقاولة.

والتصرف القانوني محل الوكالة يجب أن يكون جائزًا، أي مشروعًا، فإذا كان غير مشروع لمخالفته للقانون أو للنظام العام أو للآداب، كان باطلاً وكان التوكيل فيه أيضًا باطلاً، ومع ذلك فقد تحدد نصوص القانون من يجوز توكيله في أمر من الأمور المشروعة، ومن ثم يكون توكيل غير من حددته هذه النصوص غير جائز لمخالفته للقانون، ومن ذلك التوكيل في الخصومة، فهو وإن كان في الأصل جائزًا، لأنه توكيل في أمر مشروع، غير أن نصوص قانون المرافعات تحدد من يجوز توكيله في الحضور أمام القضاء.

وغني عن البيان أن التصرف القانوني محل الوكالة، يجب أن يكون أيضًا ممكنًا وهو ما تقضي به القواعد العامة، فإذا كان مستحيلاً، كانت الوكالة باطلة تبعًا لذلك، ومع هذا قد يكون التصرف القانوني ممكنًا، ولكن طبيعته لا تقبل التوكيل فيه إذ يكون عملاً يقتضي أن يقوم به صاحبه شخصيًا، ومن ذلك حضور الخصم أمام القضاء للاستجواب أو لحلف اليمين.

أولاً: أركان الوكالة:

يعرض المشروع في المادة (699) منه لأهلية الموكل، أي الأصيل، فالتصرف القانوني الذي يبرمه النائب لحساب الأصيل وباسمه ينصرف أثره إلى الأصيل مباشرة (المادة 57 من المشروع) ولذلك وجب أن يكون الموكل أهلاً أن يؤدي بنفسه التصرف الذي وكل به غيره، والعبرة في توافر الأهلية في الموكل هي بوقت الوكالة بالوقت الذي يباشر فيه الوكيل التصرف أيضًا، أما الوكيل فإن أهليته تخضع للقواعد العامة.

وتعرض المادة (700) من المشروع لشكل الوكالة فتنص على أنه يجب أن يتوافر فيها الشكل الواجب توافره في التصرف القانوني محل الوكالة، فلما كان الأصل في التصرفات القانونية أن تكون رضائية لا تستوجب شكلاً خاصًا، فكذلك الأصل في الوكالة أن تكون هي أيضًا رضائية، ولكن هناك عقودًا شكلية تقتضي لانعقادها شكلاً خاصًا، ورقة رسمية أو ورقة مكتوبة مثلاً، فهذه يجب أن تكون الوكالة فيها أيضًا شكلية، وهو استثناء من الأصل العام الذي قررته المادة (55) من المشروع.

ويعرض المشروع في المواد من (701 إلى 703) لنطاق الوكالة، فالوكالة تنقسم من ناحية التصرفات القانونية التي تكون محلاً لها، إلى قسمين رئيسيين: وكالة عامة ووكالة خاصة.

أما الوكالة العامة فهي التي ترد في ألفاظ عامة، فلا يعين فيها الموكل محل التصرف القانوني المعهود به إلى الوكيل بل ولا يعين نوع هذا التصرف ذاته فيقول للوكيل مثلاً: وكلتك في إدارة أعمالي، أو في مباشرة ما تراه صالحًا لي، أو جعلتك وكيلاً مفوضًا عني، أو نحو ذلك من العبارات التي تشير إلى الإدارة أو لا تشير إليها، ولكنها حتى لو أشارت إلى الإدارة تكون في ألفاظ عامة لا تخصيص فيها. وسواء أشارت الوكالة العامة إلى الإدارة أو لم تشر، فإنها لا تخول الوكيل صفة إلا في أعمال الإدارة (مادة 701/ 1) وقد أورد المشروع في الفقرة الثانية من المادة (701) طائفة من أعمال الإدارة التي تشملها الوكالة العامة، ولكن هذه الأعمال لم ترد على سبيل الحصر، بل ذُكرت على أنها من أبرز أعمال الإدارة، فهناك أعمال إدارة أخرى لم يذكرها النص ويمكن أن يقوم بها الوكيل ومن ذلك التنفيذ على أموال مديني الموكل لاستخلاص حقوقه، ورفع دعاوى الحيازة دون دعاوى الملكية ودعاوى القسمة فهذه وتلك تقتضي توكيلاً خاصًا وكذلك يكون للوكيل أن يرفع جميع الدعاوى التي تنشأ من أعمال الإدارة التي يقوم بها، وأن يشطب الرهن بعد استيفاء الحق، كما يكون له قبل ذلك أن يقيد الرهن وأن يجدد قيده.

وأما الوكالة الخاصة فهي التي تتحدد بتصرف أو تصرفات قانونية معينة، سواء كانت من أعمال الإدارة كالتوكيل بالإيجار أو بأعمال الحفظ والصيانة، أو كانت من أعمال التصرف، كالتوكيل بالبيع والشراء والصلح والتحكيم، فأعمال الإدارة تحتمل الوكالة العامة كما تحتمل الوكالة الخاصة، ولكن التصرفات التي لا تدخل في أعمال الإدارة لا يصح أن تكون محلاً إلا لوكالة خاصة (مادة 702/ 1) لخطورتها، وفي ذلك يجوز أن تقتصر الوكالة الخاصة على تصرف واحد من هذه التصرفات، كبيع منزل معين أو رهنه، كما يجوز أن تشمل نوعًا معينًا منها، كالتوكيل في البيع أو التوكيل في الرهن، دون تعيين للمحل الذي يقع عليه التصرف، ومع ذلك فإنه إذا كان التصرف من التبرعات كالهبة وكالإبراء، فإن التوكيل فيه يجب أيضًا أن يعين المحل الذي يرد عليه التصرف. فلا يكفي أن يوكل شخص شخصًا آخر في الهبة أو في الإبراء دون تعيين للمحل وذلك لخطورة هذه التصرفات، بل يجب أن يعين المال الذي وكله أو الدين الذي وكله في هبته أو الدين الذي وكله في الإبراء منه (مادة 702/ 2) والأصل أن الوكالة – سواء كانت عامة أو خاصة – لا تجعل للوكيل صفة إلا في مباشرة الأمور المحددة فيها، فالتوكيل بالإبراء من دين لا يشمل التوكيل بحوالته، والتوكيل ببيع منزل لا يشمل التوكيل بإيجاره والتوكيل بالصلح لا يشمل التوكيل بالتحكيم. ولكن الوكالة مع ذلك تشمل كل ما يقتضيه تنفيذها من تصرفات أو أعمال ضرورية، ويرجع في ذلك إلى طبيعة التصرف محل الوكالة وإلى ما جرى به العرف وقبل ذلك إلى ما انصرفت إليه إرادة المتعاقدين (مادة 703).

فالوكالة العامة يمكن أن تمتد أيضًا إلى أعمال التصرف، إذا كانت أعمال الإدارة تقتضيها، ومن ذلك بيع المحصول وقبض ثمنه، وبيع المنقول الذي يسرع إليه التلف، وشراء ما يستلزمه المال الذي يديره الوكيل من أدوات لحفظه واستغلاله. والوكالة بالبيع تشمل تسليم البيع، والوكالة بالشراء تشمل تسلم الشيء المشترى، والوكالة بالإيجار تشمل تسليم المأجور، والوكالة بالاقتراض تشمل تسلم مبلغ القرض كما تشمل الوكالة بقبض الدين إعطاء المخالصة بدفعه وشطب الرهن الذي يضمنه وقبض الدين قبل ميعاد حلوله، واستيفاء جزء من الدين إذ جرى العرف بذلك أو انصرفت إليه نية المتعاقدين وهكذا.

ثانيًا: آثار الوكالة:

1 – التزامات الوكيل:

تعرض نصوص المواد من (704 إلى 707) لالتزامات الوكيل: ( أ ) وأول هذه الالتزامات تنفيذ الوكالة في حدودها المرسومة وعدم مجاوزتها، ولكن للوكيل أن يخرج في تصرفه عن هذه الحدود متى كان من المستحيل عليه إخطار الموكل سلفًا إذا كانت الظروف يغلب معها الظن بأن الموكل ما كان إلا ليوافق على هذا التصرف، وعلى الوكيل في هذه الحالة أن يبادر بإبلاغ الموكل بخروجه عن حدود الوكالة ليتبين موقفه (مادة 704).

(ب) كذلك يجب أن يبذل الوكيل في تنفيذ الوكالة القدر الواجب من العناية، فإذا كانت الوكالة بأجر، وجب على الوكيل أن يبذل في تنفيذها عناية الشخص العادي (مادة 705 / 2) أما إذا كانت بغير أجر، فإن على الوكيل أن يبذل في تنفيذها العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة، دون أن يكلف في ذلك أزيد من عناية الشخص العادي (705/ 1).

(ج) ويلتزم الوكيل باطلاع موكله عن الحالة التي وصل إليها في تنفيذ الوكالة أثناء سريانها، من تلقاء نفسه أو كلما طلب منه الموكل ذلك في أوقات معقولة، وأن له حسابًا عن وكالته عند انتهائها ويجب أن يكون الحساب مفصلاً شاملاً لجميع أعمال الوكالة ومؤيدًا بالمستندات، حتى يتمكن الموكل من أن يستوثق من سلامة تصرفات الوكيل وإذا تعدد الوكلاء قدموا حسابًا واحدًا إلا إذا كانت أعمال الوكالة موزعة بينهم فيقدم كل وكيل حسابًا مستقلاً عن أعماله، ومع ذلك لا يكون الوكيل ملتزمًا بتقديم حساب عن وكالته إذا قضت طبيعة المعاملة أو الظروف أو الاتفاق بذلك، فقد تقضي طبيعة المعاملة بعدم تقديم حساب، إذا كان التصرف محل الوكالة لا يحتمل تقديم حساب عنه، كالوكالة في الإقرار أو في الزواج أو في الطلاق. وقد تقضي الظروف بالإعفاء عن تقديم الحساب نظرًا للصلة القائمة بين الموكل والوكيل. وكذلك قد يتفق الموكل مع الوكيل على عدم تقديم حساب فيكون هذا الاتفاق صحيحًا (مادة 706).

(د) وأخيرًا، يلتزم الوكيل، إذا وقع في يده مال للموكل، ألا يستعمل هذا المال لصالح نفسه بدون إذن وإلا كان ملزمًا بتعويض الموكل تعويضًا عادلاً يقدره القاضي بمراعاة ظروف الحال (مادة 707).

ويعرض المشروع بعد ذلك في المادتين (708 و709) لتعدد الوكلاء ومسؤوليتهم فيفرق في ذلك بين فرضين:

الأول: أن يعين الوكلاء بعقود متفرقة، وفي هذه الحالة يجوز لأي وكيل منهم أن ينفرد بالعمل، إلا إذا اشترط الموكل عليهم أن يعملوا مجتمعين، فعندئذٍ لا يجوز لأحد منهم أن ينفرد بالعمل (مادة 708/ 1).

الثاني: أن يعين الوكلاء بعقد واحد وفي هذه الحالة يجب عليهم أن يعملوا مجتمعين إلا إذا رخص الموكل لهم، صراحةً أو ضمنًا، في الانفراد بالعمل.

على أنه يستثنى مما تقدم أن يكون التصرف محل الوكالة مما لا يحتاج فيه إلى تبادل الرأي، فيجوز لأي من الوكلاء أن يباشره منفردًا (مادة 708 / 2)، لانتفاء الحكمة من وجوب اجتماعهم، ومثال ذلك أن يكون التصرف هو قبض دين معين أو الوفاء به أو الإبراء منه.

والأصل أنه إذا تعدد الوكلاء، فإنهم لا يكونون متضامنين في التزاماتهم قبل الموكل باعتبارهم مدينين، لان التزاماتهم ناشئة عن العقد، ولا تضامن في الالتزامات العقدية إلا باتفاق أو بنص في القانون، على أن المشروع قد نص في المادة (709) على تضامن الوكلاء في حالتين:

( أ ) إذا كانت الوكالة غير قابلة للانقسام، كأن يكون العمل الموكل به هو بيع منزل معين وقبض ثمنه، فلا يتصور في هذه الحالة أن ينفرد كل وكيل بالعمل إذ أن صفقة البيع لا تتجزأ، ومن ثم يجب على الوكيلين أن يعملا مجتمعين ويكونان مسؤولين في ذلك بالتضامن قبل الموكل.

(ب) إذا كانت الوكالة قابلة للانقسام ولكن الضرر الذي أصاب الموكل كان نتيجة خطأ مشترك من الوكلاء جميعهم، ففي هذه الحالة يكون الوكلاء مسؤولين بالتضامن قبل الموكل، وفي غير هاتين الحالتين، لا يكون الوكلاء المتعددون متضامنين فيما بينهم إلا إذا اشترط التضامن.

على أن الوكلاء لا يسألون – ولو كانوا متضامنين – عما فعله أحدهم مجاوزًا حدود الوكالة. فإذا انفرد أحدهم بمجاوزة حدود الوكالة فإنه يكون مسؤولاً وحده قبل الغير الذي تعامل معه إذا كان الموكل قد رفض إقرار عمل الوكيل.

وأخيرًا يتفق نص المادة (710) من المشروع مع المجلة في أنه لا يجيز للوكيل أن يقيم نائبًا عنه إلا بإذن الموكل، فإذا رخص الموكل للوكيل في إقامة نائب عنه دون تعيين لشخصه، فإن الوكيل لا يكون مسؤولاً إلا عن خطئه في اختيار نائبه أو عن خطئه فيما أصدره له من تعليمات، ويجوز في هذه الحالة للموكل ونائب الوكيل أن يرجع كل منهما مباشرة على الآخر.

2 – التزامات الموكل:

تعرض المواد (711 – 714) لالتزامات الموكل قبل الوكيل، فهو يلتزم بأن يدفع له الأجر وأن يرد له ما أنفقه وأن يعوضه عما يصيبه من ضرر بسبب تنفيذ الوكالة.

( أ ) أما عن الالتزام بدفع الأجر:

فالشائع في غالبية التقنينات أن الوكالة تكون تبرعية ما لم يتفق على غير ذلك، وهو حكم موروث عن تقاليد القانون الروماني حيث كانت بعض المهن الحرة، وبخاصة مهنة المحامي ومهنة الطبيب، من المكانة الرفيعة في نظر الرومان بحيث تترفع عن الأجر ولكنه مع تطور الظروف الاقتصادية وما تقتضيه من أن يعيش أصحاب المهن الحرة من ممارسة مهنهم، أجيز لهم، لا أن يأخذوا أجرًا، بل أن يتقاضوا أتعابًا تحمل معنى التقدير، وانتقلت هذه التقاليد إلى مدونة نابليون عبر القانون الفرنسي القديم فجعلت الوكالة تبرعًا في الأصل، ولا يكون للوكيل أجر إلا إذا اتفق عليه مع الموكل، وتأثر القضاء الفرنسي بأن أجر الوكيل لا يكون إلا باتفاق فذهب إلى أنه حتى مع وجود هذا الاتفاق يجوز للقضاء تخفيض أجر الوكيل. ثم انتقلت هذه الأحكام إلى التقنين المصري كما انتقلت إلى غيره من التقنينات.

وقد آثر المشروع ألا يغير من هذه الأحكام، فالوكالة تكون في الأصل تبرعية ما لم يشترط أو يتبين من الظروف خلاف ذلك، وتقدير ذلك متروك لقاضي الموضوع. فإذا اتفق الطرفان على مقدار الأجر، كان هذا المقدار خاضعًا لتقدير القاضي، إلا إذا دُفع طوعًا بعد تنفيذ الوكالة.

(ب) وقد يقتضي تنفيذ الوكالة نفقات يصرفها الوكيل، فيلتزم الموكل بردها إليه طبقًا لنص المادة (712) من المشروع. ولكنه يجب أن تكون هذه النفقات قد استلزمها تنفيذ الوكالة التنفيذ المعتاد، فلا يسترد الوكيل نفقات يجاوز بها حدود الوكالة أو تكون غير لازمة لتنفيذ الوكالة، أو تكون نفقات غير معقولة كان يمكن تفاديها لو نفذت الوكالة التنفيذ المعتاد بأن بذل الوكيل في تنفيذها العناية الواجبة ولم يرتكب خطأ في ذلك، وغني عن البيان أن هذه النفقات يجب أن تكون مشروعة، فلو دفع الوكيل رشوة لم يجز له استردادها.

والوكيل يسترد هذه النفقات مهما كان حظه من النجاح في مهمته، وحتى ولو فشل فيها لأن التزامه التزام ببذل عناية لا التزام بتحقيق غاية. كذلك يلتزم الموكل أن يقدم للوكيل المبالغ اللازمة للإنفاق منها في تنفيذ الوكالة ما لم يتفق على خلاف ذلك (712/ 2).

(جـ) وإذا أصاب الوكيل ضرر من تنفيذ الوكالة التنفيذ المعتاد ولم يكن قد ارتكب خطأ تسبب عنه هذا الضرر، فإن له أن يرجع على الموكل بتعويض هذا الضرر (مادة 713) يستوي في ذلك أن يكون الوكيل قد نجح في مهمته أو لم ينجح.

وتنص المادة (714) من المشروع على أنه إذا تعدد الموكلون في تصرف واحد، كانوا متضامنين في التزاماتهم قبل الوكيل دون حاجة إلى شرط خاص في ذلك، فلو وكل عدة أشخاص محاميًا في قضية مشتركة بينهم كانوا متضامنين في دفع الأجر للمحامي ورد المصروفات وتحمل الالتزامات الأخرى.

ويستوي بعد ذلك أن تكون الوكالة بأجر أو أن تكون بغير أجر، كما يستوي أن يكون الوكيل قد نجح في مهمته أو لم ينجح. ففي كل هذه الأحوال يكون الموكلون المتعددون متضامنين نحو الوكيل في جميع التزاماتهم الناشئة عن عقد الوكالة ويستطيع الوكيل الرجوع على أي منهم بأي التزام من هذه الالتزامات كاملاً.

على أن تضامن الموكلين على النحو السالف ليس من النظام العام، ومن ثم يجوز الاتفاق على استبعاد التضامن، ويصبح كل موكل مسؤولاً عن الالتزامات بالنسبة التي يتفق عليها، فإن لم يتفق على نسبة معينة، كان مسؤولاً بنسبة ما له من مصالح.
وكل ما تقدم خاص بالعلاقة بين الموكل والوكيل، أما في علاقة كل من الموكل والوكيل بالغير، فإن أحكام الوكالة تتفق مع أحكام النيابة بوجه عام والتي نظمها المشروع في المواد من (56 إلى 61) وقد اقتضى ذلك عدم تكرار هذه الأحكام والإحالة في شأنها إلى الأحكام الخاصة بالنيابة في التعاقد (مادة 715 من المشروع).

ثالثًا: انتهاء الوكالة:

تعرض نصوص المواد من (716 إلى 719) لانتهاء الوكالة:

1 – فالوكالة تنتهي انتهاءً عاديًا، بإتمام العمل الموكل فيه وبانقضاء الأجل المعين لها، كما تنتهي أيضًا بموت الموكل أو موت الوكيل أو بفقد أحدهما أهليته (مادة 716)، لأن لشخصية كل متعاقد اعتبارًا في نظر الآخر، على أن انتهاء الوكالة بموت أحد طرفيها ليس من النظام العام، ومن ثم يجوز الاتفاق على ما يخالف ذلك.

2 – والوكالة عقد غير لازم، فللموكل أن يعزل الوكيل في أي وقت قبل إتمام العمل محل الوكالة، فتنتهي الوكالة بعزله وله من باب أولى أن يقيد من وكالته (مادة 717/ 1) كأن يوكله في البيع وقبض الثمن ثم يقيد الوكالة بالبيع دون قبض الثمن، فيكون هذا عزلاً جزئيًا من الوكالة، وتعتبر هذه القاعدة من النظام العام فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفها، على أنه يرد على حق الموكل في عزل الوكيل أو تقييد وكالته قيدان، (الأول) أنه إذا عزل الموكل الوكيل بغير مبرر معقول أو في وقت غير مناسب. فإنه على الرغم من صحة العزل وانعزال الوكيل به. فإنه يكون للوكيل أن يرجع على الموكل بالتعويض عما لحقه من ضرر من جراء هذا العزل (مادة 717/ 3)، (الثاني) أنه إذا كانت الوكالة صادرة لصالح الوكيل أو لصالح شخص من الغير، فإنه لا يجوز في هذه الحالة عزل الوكيل أو تقييد الوكالة دون رضاء من صدرت الوكالة لصالحه (مادة 717/ 2)، ومثل أن تكون الوكالة في صالح الوكيل، أن يوكل الشركاء في الشيوع شريكًا منهم في إدارة المال الشائع، وأن يوكل المؤمن له شركة التأمين في الدعوى التي ترفع منه أو عليه حسب الخطر المؤمن منه، ومثل أن تكون الوكالة في صالح الغير أن يوكل شخص شخصًا آخر في بيع منزل له وقبض الثمن ووفاء دين في ذمته للغير من هذا الثمن، فهذه وكالة في صالح الغير وهو الدائن.

كذلك يجوز للوكيل أن يتنحى عن الوكالة في أي وقت قبل إتمام العمل الموكول إليه، ويتم التنحي بإعلانه للموكل (مادة 718) فلا ينتج التنحي أثره إلا بوصوله إلى علم الموكل، وجواز تنحي الوكيل كجواز عزله، قاعدة من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفها ولكنه يرد على جواز تنحي الوكيل عن الوكالة قيدان (الأول) أنه إذا تنحى عنها في وقت غير مناسب أو بغير عذر مقبول صح تنحيه، ولكنه يكون مسؤولاً عن تعويض الموكل عما يلحقه من ضرر (مادة 718/ 1)، (الثاني) أنه إذا كانت الوكالة لصالح شخص من الغير، فلا يجوز التنحي عن الوكالة إلا إذا وجدت أسباب جدية تبرر هذا التنحي مع إخطار الغير وإعطائه وقتًا كافيًا ليتخذ ما يراه مناسبًا لرعاية مصالحه (مادة 718/ 2)، أما إذا كانت الوكالة لصالح الوكيل نفسه فإنه يجوز له التنحي دون شرط لأنه هو الذي يقدر مصلحته، وقد طبق القانون رقم (42) لسنة 1964 في شأن تنظيم مهنة المحاماة، هذه القواعد على تنحي المحامي عن وكالته، فأوجب عليه أن يخطر موكله بتنحيه بكتاب موصى عليه وأن يستمر في مباشرة إجراءات الدعوى شهرًا على الأكثر، ولا يجوز له التنحي إذا كان منتدبًا للدفاع عن الفقير إلا لأسباب تقبلها لجنة المعونة القضائية أو المحكمة المنظورة أمامها الدعوى (المادتان 26 و29 من القانون المذكور).

3 – وإذا انتهت الوكالة قبل انتهاء العمل الموكل فيه، فإنه يجب على الوكيل بالرغم من انتهاء وكالته بالعزل أو التنحي أو موت الموكل أو غير ذلك من الأسباب أن يستمر في الأعمال التي بدأها حتى يصل بها إلى مرحلة لا يخشى معها ضرر على الموكل. أما إذا كانت الوكالة قد انتهت بموت الوكيل، فإنه يكون على ورثته إذا توافرت فيهم الأهلية وكانوا على علم بالوكالة، أن يتخذوا من التدابير ما تقتضيه الحال لصالح الموكل، وأن يبادروا بأخطاره بموت مورثهم حتى يتدبر أموره (المادة 719). وغني عن البيان أنه إذا لم تتوافر في الورثة الأهلية اللازمة للقيام بهذه الأعمال التحفظية، فلا التزام عليهم حتى لو كان لهم نائب يمثلهم يستطيع أن يقوم عنهم بهذه الأعمال.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

ارسل استشارة