دراسة قانونية وبحث في الضوابط السوسيولوجية والقانونية للحضانة بمدونة الأسرة المغربية

بقلم: عبد النور إدريس

المطلب الأول: التعريف بالحضانة والسند الشرعي والقانوني

□ عرفت المادة 163 من مدونة الأسرة الحضانة بقولها ” الحضانة حفظ الولد مما قد يضره، والقيام بتربيته ومصالحه”، إن الحضانة تثار كإشكالية عندما تنفصم الرابطة الزوجية وهي باعتبارها نتيجة طبيعية لتلك الرابطة يكون الأبوان ملزمان بها قانونيا واجتماعيا، ولا تظهر المشاكل المرتبطة بالحضانة بقوة إلا مع انحلال تلك الرابطة عن طريق الطلاق حيث يستلزم الأمر تعيين من له الحق في الحضانة وتحديد مشمولاتها وقد جمع ذ. محمد الكشبور بين أثر الحضانة بما هي من آثار الزواج والطلاق على السواء يقول: ” إن الحضانة أثر من آثار الزواج لكنها أثر من آثار الطلاق أيضا” (1).

وقد أشارت المادة 163 للواجبات المتوفرة في الحاضن حيث نصت أنه ” على الحاضن، أن يقوم قدر المستطاع بكل الإجراءات اللازمة لحفظ المحضون وسلامته في جسمه ونفسه، والقيام بمصالحه في حالة غيبة النائب الشرعي وفي حالة الضرورة إذا خيف ضياع مصالح المحضون”

وقد روي عن الرسول (ص) أن امرأة جاءته وقالت: يا رسول الله هذا ابني، كان له بطني وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء، وأن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال رسول (ص) أنت أحق به ما لم تتزوجي” أخرجه أحمد وأبو داوود والبيهقي.
وعند الرجوع إلى الكتب الفقهية نجد أن مفهوم الحضانة قد أخذ أشكالا متعددة تبتدئ، أولا: العناية بإعداد طعام الصغير وتنظيف جسمه وثيابه وفراشه، مع السهر على حمايته من تعريض نفسه للأخطار الجسدية والصحية التي يمكن أن يقع فيها، وهذا ما تتطلبه السنوات الأولى من ولادته.

ثانيا: العناية بالصغير في تربيته وإعداده للحياة المستقبلية عن طريق التعليم ومعرفة أسباب الكسب المختلفة.
ثالثا: الحماية الخاصة بالفتاة من الاعتداء عليها جنسيا وصيانتها.
إن ما يطرحه التعريف الفقهي للحضانة هو مجمل اقتصاره على العناية المادية لما يحتاج إليه الصغير، وقد اتفق عموم الفقهاء عند إسناد الحضانة للام وما يليها من النساء، يقول ابن عاصم الغرناطي:

وصرفها للنساء أليق * لأنهن في الأمور أشفق
وقد أعادت مدونة الأسرة ترتيب مستحقي الحضانة بالمادة 171 التي ” تخول الحضانة للام ثم للأب ثم للام الأم” وقد أعطت المدونة لعنصر ا لولاية الشرعية أهمية جعلتها موازية لعنصر الحضانة بحيث جعلت الأب في المرتبة الثانية كحاضن بدل المرتبة السادسة بمدونة الأحوال الشخصية، وذلك راجع إلى أن الحضانة تفترض قرينة نفسية كالشفقة من الواجب توفرها في الحاضن يقول ذ.محمد الكشبور” والوصي مقدم على سائر العصبات وهم الحاضنون الذكور باستثناء الأب الذي له الولاية على المحضون وهي نيابة شرعية أقوى من الوصاية” (2).

ولهذا نتساءل من جديد عن المقاييس التي جعلت الفصل 99 من م.أ ش.يعتبر” الحضانة من واجبات الأبوين ما دامت الزوجية قائمة بينهما ..” وحرمان الأب من الحضانة إذا ما انفكت الزوجية وقد تنفك بالطلاق أو بوفاة الزوجة ليبقى مصير الأطفال مجهولا وهم ينتقلون إلى موطن آخر تنعدم فيه شروط التمدرس .و.. خاصة وأن الحضانة تخرج من بين يدي الأب لتستقر حسب الفصل المذكور إلى «…فإذا انفكت فالأم أولى من حضانة ولدها من غيرها ثم أمها ثم أم أمها ثم أخت أمها الشقيقة ثم التي للام ثم للأب…” .

المطلب الثاني: شروط الحضانة .

تتحدث المادة 173 من المدونة عن شروط استحقاق الحضانة وأسباب سقوطها في الشروط التالية”1- الرشد القانوني لغير الأبوين، 2- الاستقامة والأمانة 3- القدرة على تربية المحضون وصيانته ورعايته دينا وصحة وخلقا وعلى مراقبة تمدرسه، 4- عدم زواج طالبة الحضانة إلا في الحالات المنصوص عليها في المادتين 174 و175 بعده” وبذلك تخلصت المدونة من التصور الذي يجعل الحضانة مُناطة بشخص فاقد الإدراك والتمييز أو بصبي (أخت الأم الشقيقة) يحتاج هو نفسه إلى الرعاية والتربية والصيانة.
وقد جاء في المغني لابن قدامى المقدسي ” لا تثبت الحضانة لطفل ولا معتوه لأنه لا يقدر عليها وهو يحتاج إلى من يكفله فكيف يكفل غيره” (3).

ويلحق بالشرط الثالث من المادة 173 أن يكون الحاضن متدينا بدين أبي المحضون وبالتالي إذا كان الأب مسلما لا يجوز أن يكون الحاضن غير مسلم وقد قال عن ذلك ابن قدامى المقدسي ” …إنها ولاية فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى لان ضرره أكثر فإنه مجتهد في إخراجه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته له وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما تثبت لحفظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه” (4).
وعندما أسقطت المادة 173 الشرط الخامس الذي جاء به الفصل 99 من مدونة أ.ش. ” السلامة من كل مرض معدي أو مانع من قيام الحاضن بالواجب ”
– فهل اعتبرت المدونة الأعمى (مثلا) أو المريض بالسرطان قادرا على تربية المحضون وصيانته؟

المطلب الثالث: أسباب سقوط الحضانة

نصت المدونة في المادة 175 على سقوط الحضانة عن الأم التي يصعب على مستوى التطبيقي تنفيذه وقد تطرق ذ.محمد الكشبور لذلك عندما قال :” نجد أن المشرع أدخل على مضمون النص تعديلات يصعب معها – إن لم نقل يستحيل- من الناحية القانونية إسقاط الحضانة عن الأم رغم زواجها” (5)
تنص هذه المادة على أن زواج الحاضنة الأم، لا يسقط حضانتها إلا في الأحوال الآتية:
1- إذا كان المحضون صغيرا لم يتجاوز سبع سنوات ، أو يلحقه ضرر من فراقها .
2- إذا كانت بالمحضون علة أو عاهة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم.
3- إذا كان زوجها محرما أو نائبا شرعيا للمحضون.
4- إذا كانت نائبا شرعيا للمحضون “.

ومن ضمن المستجدات التي أتت بها المدونة الجديدة هي التنصيص على عدم سقوط الحضانة بانتقال الحاضنة إلى بلدة أخرى داخل المغرب مع مراعاة مصلحة المحضون، بعكس الانتقال خارج المغرب الذي يسقط الحضانة إلا إذا وافق نائبه الشرعي.
ويأتي بمدونة الأسرة عرضا ما يستفاد من عدم تجزيء موضوع الحضانة إذ مع تعدد الأطفا ل لا يحق لطالب الحضانة أن يطلب حضانة البعض دون الآخر ، وقد تكون – في حالات غير قليلة معروضة على المحاكم- الحاضنة غير قادرة على حضانة كل الأطفال عند تعددهم لسبب من الأسباب المادية أو المعنوية التي تتطلب التوجيه والمراقبة.
وقد أثار ذ.احمد الخمليشي موضوعا مهما جديرا بالمناقشة تتعلق بتوزيع الحضانة بين الأبوين مثلا في حالة تعدد الأولاد يقول ” يرضي عاطفتهما الأبوية معا ويحول دون التجاء كل واحد منهما إلى الطعن في سلوك وأخلاق الآخر للوصول إلى حرمانه من الحضانة” (6).

وإسناد مدونة الأسرة على قاعدة عدم تجزيء موضوع الحضانة غير مبني على نص في كتاب أو سنة وإنما يستند في ذلك إلى القياس يقول الفقيه الرهوني ” أخذ الأئمة مسائل من الحضانة من مسائل من الشفعة” وقال الوانوغي ” وشفيع ذلك كله واحد وليس له إلا أن يأخذ الجميع أو يسلم ..أخذ منها أن من له حضانة متعدد انه ليس له اخذ البعض دون البعض” (7).
وقد أضم رأيي إلى تساؤل ذ.الخمليشي الذي استفسر فيه عن العلاقة بين حضانة الطفل من احد أبويه وبين رغبة الشريك في ضم الجزء الذي باعه شريكه من المال المشترك.

مواد تدخل النيابة العامة فيما يتعلق بالنفقة والحضانة لتقوية الطابع ا لإجرائي لأحكام لمدونة الأسرة.

المواد الاختصاصات
المادة 3 تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في القضايا المتعلقة بمدونة الأسرة
المادة 53 إذا قام أحد الزوجين بإخراج الآخر من بيت الزوجية دون مبرر تدخلت النيابة العامة من اجل إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية حالا، مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بأمنه وحمايته.
المادة54 تسهر النيابة العامة على تنفيذ الأحكام المتعلقة بحقوق الأطفال
المادة 103 عند التطليق لعدم الأنفاق، إذا كان محل غيبة الزوج مجهولا، تأكدت المحكمة بمساعدة النيابة العامة من ذلك، ومن صحة دعوى الزوجة، ثم تبت في الدعوى على ضوء نتيجة البحث ومستندات الملف.
المادة 165 إذا لم يوجد بين مستحقي الحضانة من يقبلها، أو وجد ولم تتوفر فيه الشروط، رفع من يعنيه الأمر أو النيابة العامة الآمر إلى المحكمة، لتقرير اختيار من تراه صالحا من أقارب المحضون أو غيرهم، وإلا اختارت إحدى المؤسسات المؤهلة لذلك
المادة 177 يجب على الشاب وأم المحضون والأقارب وغيرهم، إخطار النيابة العامة بكل الأضرار التي يتعرض لها المحضون لتقوم بواجبها للحفظ على حقوقه،بما فيها المطالبة بإسقاط الحضانة.
المادة 179 يمكن للمحكمة بناء على طل ب من النيابة العامة، أو النائب الشرعي للمحضون، أن تضمن في قرار إسناد الحضانة، أو في قرار لاحق، منع السفر بالمحضون إلى خارج المغرب، دون موافقة نائبه الشرعي.
تتولى النيابة العامة تبليغ الجهات المختصة مقرر المنع، قصد اتخاذ الاجراءات اللازمة لضمان تنفيذ ذلك.

خاتمة:

□إن ضرورة تغيير مدونة الأحوال الشخصية جاء ليؤكد على دلالة حدة الجدل القائم بين الواقع والقانون وإبراز دور القانون في التأثير على الواقع الاجتماعي باعتباره كذلك يماشي الواقع ، وقد تطرق ذ.إدريس اجويلل لما اتسمت به مدونة الأسرة الجديدة من انفتاح على محيطها العالمي والجهوي والمحلي عندما قال ” هكذا إذن جاءت مدونة الأسرة الجديدة في سياقها الواقعي والتاريخي والمجتمعي لتؤسس لثقافة جديدة داخل الأسرة المغربية دون إغفال هويتنا وثقافتنا وخصوصياتنا التاريخية” (8).
كما أن اعتبار قضايا الأسرة قانونا وضعيا بدخولها كنص قانوني قبة البرلمان قد رفع عنها القدسية حيث استلهمت العمق الحضاري للمحيط العالمي والواقع المعيشي الذي يمس كل مكونات الأسرة المغربية بسبب الاحتكام إلى الإطار العالمي الذي أصبح المغرب إثره مُلزما باحترام الاتفاقيات الدولية دون إ غفال أن المدونة ما تزال ترفل بتألقها من داخل المرجعية الإسلامية.
* باحث من المغرب

هوامش الدراسة:

1 – منبر الجامعة ، د.محمد الكشبور، ” الحضانة في مشروع مدونة الأسرة” نفس المرجع السابق ص: 52.
2- د. محمد الكشبور ” الوسيط في قانون الأحوال الشخصية” مرجع سابق ص: 468.
3- المغني لابن قدامى المقدسي، الجزء التاسع الطبعة الثالثة ،القاهرة، سنة 1367هـ ص: 173
4 – ابن قدامى المقدسي، المرجع السابق، ص: 138.
5- منبر الجامعة ، ذ.محمد الكشبور ، ص: 54.
6 – ذ.احمد الخمليشي ” التعليق على قانون الأحوال الشخصية” مرجع سابق ،ص: 148.
7- حاشية الرهوني على الزر قاني ، الجزء الرابع ص: 263
8 – منبر الجامعة، ذ.إدريس اجويلل ، مستجدات مدونة الأسرة في مجال مسطرة الشقاق بين الزوجين، نفس المرجع السابق ص: 75.