أحكام الشفعة في الفقه الإسلامي والقانون المصرى

دراسة و تجميع بقلم المحامي مؤمن صابر هشام

تجميع / مؤمن صابر هشام – اعادة نشر استشارات قانونية – المصدر فيسبوك

بسم الله الرحمن الرحيم

افتتاحية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونتوب إليه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد النبي الأمي المصطفى الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين… وبعد:
فإنه ما من معاملة شرعها الله تبارك وتعالى لعباده إلا وأحيطت بسياج قوي ومتين من الضمانات والقيود والشروط العديدة حماية للعباد من الغبن والوقوع في الظلم واستئصالاً للنزاع الذي من الممكن أن ينجم بين الناس نتيجة لتعاملاتهم وإنارة للطريق أمام كل المتعاقدين في الحاضر والمآل.
ولما كانت الشفعة من الموضوعات الحيوية المهمة التي قد يحتاج إليها البعض من الناس، آثرت أن تكون هي موضوع البحث الذي شرعت في الكتابة فيه بعون الله وحسن توفيقه لكي أبين لمن أراد أن يسأل عن الشفعة وعن بعض أحكامها.

أولاً: مقدار ما أحاطها به الشارع الحكيم جل في علاه من ضمانات وشروط وقيود حتى يقضي على كل نزاع يمكن أن يحدث من جراء التعامل الذي يقوم به البعض مع البعض.

ثانياً: ليعلم طلاب العلم الذين يبحثون عن أحوال الشفعة وعن مدى ما جاءت به الشريعة الإسلامية الغراء من تعاليم سمحة في هذا الخصوص بينت للناس طريق الهدى وأنار لهم طريق الرشاد فأرشدتهم إلى ما فيه سعادتهم في الدارين دار الدنيا ودار الآخرة خاصة إذا ما التزموا بها وساروا في درسها ومشوا في طريقها واهتدوا بهداها.

ثالثاً: ليفهم كل ذي عقل سليم كيف أن الشارع الحكيم راعى في تشريعه للشفعة ما ينفع الناس بأن جعلها طريقاً من طرق التملك في الشريعة الإسلامية وفي ذلك ما يجلب المنافع ويدرأ المفاسد حيث أن من الأهداف والمقاصد التي توختها الشريعة الإسلامية الغراء جلب المنافع ودرء المفاسد.. وبذلك يتحقق الغرض الأسمى والأمل المنشود من الشريعة الإسلامية الغراء التي تعتبر غرة في جبين الدهر لما جاء فيها من تعاليم سمحة ولما أمرت به من هداية ورشاد ورحمة وإصلاح.
لذلك وجدت نفسي راغباً في الكتابة في هذه الجزئية من فروع الفقه الإسلامي سائلاً المولى –جل في علاه- أن يرزقني التوفيق والسداد والقبول والرشاد فيما شرعت فيه من بحث فهو خير مأمول وأكرم مسئول وهو حسبي وعليه فليتوكل المتوكلون وهو نعم المولى ونعم النصير.

وعليه فإنه يلزمني أن أبين خطة بحثي التي سرت عليها وانتهجها في البحث وهي على النحو التالي:

الافتتاحية
المقدمة
ثم قسمت البحث إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في التعريف بالشفعة وفيه مطالب:
المطلب الأول: في تعريف الشفعة لغة واصطلاحاً.
المطلب الثاني: في سبب تشريع الفقه وحكمة مشروعيتها.
المطلب الثالث: في الأدلة على ثبوت الشفعة.
المبحث الثاني: في بيان أركان الشفعة وبيان حكمها.. وفيه مطالب:
المطلب الأول: في أركان الشفعة.
المطلب الثاني: حكمها.
المطلب الثالث: ترتيب الشفعاء.
المبحث الثالث: محل الشفعة وبيان شروطها.. وفيه مطالب:
المطلب الأول: في أي شيء تكون الشفعة.
المطلب الثاني: شروط الشفعة.
المطلب الثالث: إجراءات الشفعة.
المطلب الرابع: مسقطات الشفعة.
***

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن الناظر المدقق في أحكام الشريعة الإسلامية الغراء يكاد يوقن بأن أحكامها إنما شرعت رعاية لمصالح الناس وهداية لهم وإصلاحاً لشأنهم ورفعاً للحرج عنهم كما أنها شرعت لجلب المنافع ودرأ المفاسد.
ومن ثم فمن يمعن النظر ويبذل الوسع ويقدح زناد الفكر فيما جاء به الإسلام من تشريعات وأحكام ومبادئ ليرى رأي العين أنها إنما شرعت لحاجة الناس الماسة إليها.
ولسنا في هذا البيان الموجز نحاول أن نتلمس لشرعية الموضوع الذي نحن بصدد الكلام عنه دليلاً أو سنداً أو شاهداً.. إنما أردنا من وراء ذلك أن نظهر جمال شريعتنا الغراء ومقدار ما جاء فيها من بعض الأحكام النافعة والصالحة لكل زمان ومكان ونذكر بها كل ذي بصر مع يقيننا الكامل وعلمنا الأكيد أن هناك العديد والعديد من آلاف الدرر لدفيئة وكذلك الجواهر الغوالي التي نثرتها شريعتنا الغراء على جبين الدهر لتكون شاهدة على خلودها وسمو منزلتها وعلو مكانتها. ومن هذه الدرر الكامنة والجواهر الغوالي واللآلئ الثمان ما قررته الشريعة الإسلامية الغراء من تشريعات تخص الشفعة بجعلها طريقاً من طرق التملك لدى البشر حتى يدرك أصحاب العقول السليمة أن تشريع الشفعة قد أغلق الباب كثير من الخلافات التي كان من الممكن أن تقع بين كثير من الشركاء أو الخلطاء أو بين البائع والمشتري.
***

المبحث الأول في التعريف بالشفعة
*********************
في البداية يهمنا أن نعرف الشفعة عند علماء اللغة ثم تتبع الكلام على تعريفها عند الفقهاء.
***

المطلب الأول

أولاً: تعريف الشفعة عند علماء اللغة( )

تطلق كلمة الشفعة ويراد منها عدة إطلاقات:

أولاً: تطلق ويراد منها الشفع بمعنى الضم يقال شفعت الشيء شفعاً أي ضممته إلى الفرد وشفعت الركعة جعلتها اثنتين وعلى ذلك فالشفع في الصلاة معناه ضم ركعة إلى أخرى.

ثانياً: وتطلق كلمة الشفعة ويراد منها الزيادة والتقوية تقول شفعت الشيء أي ضممته إلى بعضه فحصلت له زيادة وقوته بأن جعلته بجوار بعض ومنه ضم الشفيع ما يملكه بهذا الحق وهو حق الشفعة إلى نصيبه أو ملكه فيزيده عليه ويتقوى به ومنه شفاعة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- للمذنبين يوم القيامة حيث يضمهم إليه فيدركون الفوز بالجنة.

ثالثا: وتطلق كلمة الشفعة ويراد منها التملك لذلك الملك.
وعلى ذلك فإن الناظر إلى هذه الإطلاقات جميعها يرى أن الشفعة ترجع في مادتها الأولى إلى معنى الضم والزيادة والتقوية فما من تركيب يلاحظ فيه معنى الشفعة إلا ويمكن أن نرجعه إلى ذلك المعنى السالف الذكر.
فمثلاً لو نظرنا إلى قول القائل شفع علي بالعدوان نجد أن معناه ضم غيره إليه واستزاد به وتقوى به علي، وقول القائل: شفع له فلان عند الأمير معناه أنه ضم نفسه إليه مؤيداً مطلبه وكذلك شفع شفاعة حسنة معناه زاد إلى عمله عملاً آخر فقواه، وكذلك: شفع الوتر أي ضم إليه ما صار به زوجاً، وهكذا لو حاولنا أن نستقرئ كل لفظ فيه معنى الشفعة لوجدنا أنه لا يخرج في أي أسلوب من الأساليب عن ذلك المعنى وينبني على ذلك أنه على الرغم من كثرة إطلاقات الشفعة إلا أن الناظر إليها يرى أنها تتقارب وتتجانس مع الإطلاقات والمعاني التي أرادها الفقهاء.
ومن ثم يمكننا القول بأن المعنى اللغوي يتفق مع المعنى الشرعي بيد أن ذلك الحكم لكي يكون صادقاً فإنه يجمل بنا ويحلو لنا أن نتعرض بالذكر أولاً لتعريف الشفعة عند الفقهاء يعدها إذا ما قلنا وقررنا ما اصطلح عليه علماء اللغة والفقهاء مما يعتبر واحداً يكون كلامنا مقبولاً وحكمنا صحيحاً وصادقاً.

ثانياً: تعريف الشفعة عند الفقهاء

عند التعرض لبيان التعريف الشرعي الذي اصطلح عليه الفقهاء فإنه يجدر بنا أن نبينه على النحو التالي:
1- تعريف الشفعة عند فقهاء الحنفية:
لقد عرفها فقهاء الحنفية الشفعة بأنها (حق تملك العقار جبراً بما قام على المشتري لدفع ضرر الجوار)( ) وقبل هي تملك العقار جبراً بما قام على المشتري من ثمن وتكاليف.
2- تعريف الشفعة عند فقهاء الشافعية:
لقد عرف فقهاء الشافعية الشفعة بأنها: حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث فيما ملك بعوض( ).
3- تعريف الشفعة عند فقهاء المالكية:
عرفها فقهاء المالكية بأنها: استحقاق شريك أخذ ما عاوض به شريكه من عقار بثمنه أو قيمته بصيغة( ).
4- تعريف الشفعة عند فقهاء الحنابلة:
عرفها فقهاء الحنابلة: بأنها استحقاق الإنسان حصة شريكه من يد مشتريها( ) وقيل هي: استحقاق شريك أخذ عاوض به شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه يعوض ما لي بثمنه الذي استقر عليه.
ولسوف اقتصر على ذكر هذه التعريفات التي أوردها السادة فقهاء المذاهب الإسلامية المشهورة.
التعريف المختار
والمختار من التعريفات المتقدم ذكرها أنفا هو ما عرفها به فقهاء الشافعية. ولعل السبب في كون هذا التعريف مختاراً هو ذكر كلمة (حق) في ابتداء التعريف لكونه قيداً مهماً ولأن (حق) من باب ضرب وقتل معناه وجب وثبت، حيث أن العرب استعملت هذه الكلمة في الحق الثابت كالعدل والعادل، ولأن من معاني الحق في اللغة الموجود فضلاً عن أن الحق ضد الباطل بحيث إذا ما ثبت الحق زهق الباطل ومن ذلك قول الله جل في علاه {والَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ}( ) وهذا هو المعنى المراد من التعريف ولقد أضيف لفظ الحق إلى التملك في التعريف المختار لبيان متعلقه لأن كلمة تملك الشيء معناه ثبوت ذلك الملك، وبالإضافة كلمة قهري وهي بالرفع صفة للحق بمعنى الاستحقاق أي أن ذلك الاستحقاق قهري وجبري يثبت بمجرد البيع من غير رضا المشتري الحادث.
وعلى ذلك فإن هذا التعريف يعتبر هو التعريف المختار.
بيان محترزات التعريف
كلمة (حق) تعتبر جنساً في التعريف يشمل جميع الاستحقاق سواءً أكانت عن طريق الإرث أو الهبة أو غير ذلك من أسباب تملك الحق.
وأما لفظ (تملك) فهو قيد أول أريد به إخراج حق غير التملك كحق الإذن في الدخول وحق الولاية على القاصر وغير ذلك.
وأما لفظ (قهري) فهو قيد ثان أريد به إخراج استحقاق التملك الذي يكون عن تراضٍ بين المتعاقدين كتراضي المتبايعين على بيع أو شراء السلعة.
وأما لفظ (يثبت) للشريك فهو قيد ثالث أريد به إخراج للجار على أي وجه ولو كان ملاصقاً كما يخرج أيضاً الشريك في المنفعة.
وأما لفظ (فيما ملك) فهو قيد رابع أريد به إخراج الشفعة في الموقوف فإنه لا شفعة فيه.
وأما لفظ (بعوض) فهو قيد خامس أريد به إخراج ما لك بغير عوض كالمملوك بإرث أو وصية حيث لا شفعة فيه.
وبذلك تمت إخراج محترزات التعريف المختار.
ومن هنا يستطيع أي صاحب عقل سليم أن يدرك أن الشفعة في اصطلاح الفقهاء لم تخرج عن معنى الضم والزيادة والتقوية وتأسيساً على ما تقدم فإن الناظر بنظرة ثاقبة يلاحظ أن المعنى اللغوي يتفق تماماً مع المعنى الشرعي.
***

المطلب الثاني في سبب تشريع الشفعة والحكمة من مشروعيتها

سبب تشريع الشفعة

لعل من أهم أسباب الأخذ بالشفعة والعمل بها هو أن ملك الشفيع متصل بملك المشتري اتصالاً وثيقاً وذلك وقت البيع شريطة أن يكون الشيء الذي يجب العمل بالشفعة فيه عقاراً لا منقولاً ويتصور ذلك الأخير في عقود المعاوضات المالية.
وينبني على ذلك أن العمل بالشفعة لا يتم إلا بتحقق شرطين أساسين هما:
1- أن يكون عقار الشفيع متصلاً بالعقار المبيع وقت البيع.
2- أن يكون هناك انتقال لملك الجار أو الحصة المخصصة للشريك نظير قدر من المال.
ومن ثم توجب القول بالأخذ بالشفعة والعمل بها حماية للشريك القديم من أية مضايقات تحدث له من جراء قدوم شريك حادث وشرائه لحصة البائع الأمر الذي جعل الشارع الحكيم يتدخل بتجويزه للشفعة حماية للشريك القديم من أن يظلم أو يجار عليه. ولقد أخذ القانون الوضعي المصري بالشفعة عملاً بما أقررت الشريعة الإسلامية الغراء أحكامها تيسيراً على الناس وتحقيقاً لمصالحهم.

حكمة مشروعية الشفعة

من المعلوم بديهياً أن النفس البشرية أمارة بالسوء ونزاعة بطبعها المزاحمة والأضرار بالغير لما جبلت عليه من الأثرة والأناة وحب الذات وأنه من الملاحظ أن كل شخص في هذه الحياة يسعى سعياً حثيثاً إلى زيادة مكاسبه والحصول على أكبر عائد يعود عليه بالمنفعة والخير والسعادة فيما يقدره لنفسه.
ومن أثر ذلك يرى الإنسان وهو في طريقه لتحقيق مآربه وإشباع رغباته وهو غير مبالٍ بضياع حقوق غيره ما دام يجد في ذلك سبيلاً لقضاء مصلحته هو.
ومن المعلوم أن الشفعة إنما شرعت في الإسلام من أجل رفع الضرر المتوقع من جراء شراء المشتري لحصة البائع في الشركة على الرغم من تعارض تشريعها مع حرية التملك في الشريعة الإسلامية إذ يعتبر تشريع الشفعة مصادم لإطلاق حرية الأشخاص في بيع أو شراء ممتلكاتهم دون تقيد أو مراقبة رقيب.
لذلك توجب القول بأن مشروعية الشفعة إنما يعتبر استثناءً من القواعد العامة لما تدعو إليه المصلحة التي تنادي بها الشريعة الإسلامية الغراء من الحفاظ على حقوق الناس من الضياع.
لذلك كان من البديهي أن يكون للشريك قبل شريكه وللجار نحو جاره حقوقاً ممتازة يجب مراعاتها والمحافظة عليها.
ومن ثم كان تشريع الشفعة في الإسلام أمراً ذا بال إذ أنه يعد من محاسن الشريعة الإسلامية الغراء ومن مميزاتها التي تميزت بها على سائر الشرائع السماوية التي سبقتها ولا غرو ولا مبالغة في هذا القول.
فالحق أن هذه الشريعة خالدة أبدية ما دامت السماوات والأرض، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأحكامها صالحة لكل زمان ومكان وكيف لا وهي شريعة خاتم النبيين وإمام المرسلين محمد –صلوات الله وسلامه عليه-.
***
المطلب الثالث الأدلة على ثبوت الشفعة

إن الأدلة الشرعية التي تثبت الشفعة تنحصر فيما ورد في السنة النبوية الشريفة وكذلك فيما انعقد به إجماع الأمة على مشروعيتها.

دليل ثبوت الشفعة في السنة

لقد أوردت السنة النبوية الشريفة مشروعية الشفعة جاء ذلك في أحاديث كثيرة نذكر منها بعضها على سبيل المثال لا الحصر:
1- ما روي عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- قال: “قضى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)( ).
2- عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة)( ).
3- ما رواه جابر بن عبد الله أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به)( ).
4- وعن سمرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض”( ).
5- عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقها واحداً”( ).
هذا ولقد انعقد إجماع الأمة وأهل العلم على ثبوت الشفعة للشرك الذي لم يقاسم شريكه أو جاره فيما بيع من حصة أو دار أو حائط.

أدلة ثبوت الشفعة بالإجماع( )

وممن قال بهذا الرأي عمر وعثمان وعلي وسعيد بن المسيب وسليمان ابن يسار وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وابن سيرين.
ولم يخالف في ثبوت الشفعة إلا النذر القليل من الفقهاء لذلك كان رأي الغالبية العظمى من الفقهاء هو الرأي الراجح والمعمول به والمعول عليه.
ومن الذين أنكروا ثبوت الشفعة من فقهاء المسلمين عثمان البتي وأبو بكر بن الأصم وجابر بن زيد وغيرهم.

حجة من أنكر الشفعة

لم يفت هؤلاء الذين أنكروا الشفعة من الفقهاء أن يتلمسوا لما رواه من إنكارهم للشفعة مستنداً يرجعون إليه ودليلاً يستدلون به فلقد استدلوا بما يأتي:
1- بأن المولى جل في علاه نهى عن أكل أموال الناس بالباطل والعمل بالشفعة سوف يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل بغير حق( ) فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}( ).
2- ما روي عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه”( ).
حيث يدل منطوق الحديث على أنه ما يؤخذ من امرئ بدون طيب نفس منه يكون حراماً والأخذ بالشفعة في بعض الحالات لا تطيب بعض الأنفس به.
ومن ثم فإن العمل بها تعتبر أخذ مال امرئ بدون طيب نفس منه وهو محرم شرعاً.
3- ولقد اعترض الفقهاء الذين أنكروا العمل بالشفعة على الأحاديث الواردة في السنة النبوية الشريفة على اعتبار أنها أحاديث آحاد لا يفيد إلا الظن والأحكام الشرعية لا تثبت عن طريق الظن بل لابد من وجود أدلة يقينية لإثباتها.

الرد على منكري العمل بالشفعة

وللرد على دعوى هؤلاء المنكرين للعمل بالشفعة فإنه يلزمنا أن نقول: إن هؤلاء الفقهاء الذين أنكروا العمل بالشفعة لو أمعنوا النظر وأعملوا الفكر لفهموا أن الأمر على خلاف ما يدعون، إذ أنه ليس في تشريع الشفعة أو العمل بموجبها أو القول بها أخذ لمال الغير بدون طيب نفس منه.
وذلك لأن الشريك الحادث ليس له من المال إلا الثمن وهو لابد وأن يرد إليه عند تضرر الشريك القديم مع تدخله بشراء الشيء المعروض للبيع.
أما الشيء القديم فإنه ليس ملكاً له من أول الأمر حيث أن مالكه هو الشريك القديم فالكلام إذاً على الشيء المعروض للبيع والذي أعلن الشريك القديم أحقيته في أخذه بدلاً من تدخل مشتر جديد يسبب له المضايقات في استعمال المرافق أو في إدارة الشركة أو في تصريف منتجاتها.
وعلى ذلك فإن مطالبة الشريك القديم بأخذ نصيب الشريك البائع بدلاً من المشتري فبه ذلك على أن يرد الثمن للشريك الحادث إذا ما ورد الثمن ما ضرر يلحق بالشريك الحادث لأن الثمن قد عاد إليه كاملاً غير منقوص وليس له الحق في دعوى التغرر لأنه لا ضرر يعود عليه ولا يلحقه أي أذى إنما الذي يلحقه الضرر الحقيقي هو الشريك القديم.
وأما اعتراضهم على الأحاديث الواردة في هذا الخصوص زاعمين أنها أحاديث غير مشهور وما روي منها روي عن طريق الآحاد والأحاديث المروية عن طريق الآحاد لا تفيد إلا الظن.
فإنه قد فات هؤلاء أنه بعد تلقي الأئمة الكبار أصحاب المذاهب الإسلامية المشهورة واطمئنانهم إليها على الوجه الذي تلقونها به ليعد اعترافاً بها خاصة بعد ما عرف أن كبار الصحابة –رضوان الله عليهم- عملوا بها وأقروها فيما بينهم ولم ينكرها أحد منهم –وبعد ما علم أن التابعين وتابعيهم وافقوا عليها ولم يعترض منهم معترض فصارت موافقتهم عليها وإقرارهم لها والعمل بموجبها والقول بأنها طريق من طرق التملك إجماعاً على ثبوتها وعدم إنكارها وليس هناك داعٍ إلى إنكارها أو حتى البحث عن دليل آخر لثبوتها.
***

المبحث الثاني في أركان الشفعة وبيان حكمها

*********************
المطلب الأول في أركان الشفعة

إن ركن الشيء هو جانبه القوي ودعامته التي يرتكز عليها والذي لا يمكن الاستغناء عنه. والشفعة باعتبار تشريعها تحتاج إلى جانب قوي ودعامة ترتكز عليها تكون في مسيس الحاجة إلى أركان تقوم عليها لتصبح واقعاً ملموساً.
وأنه بنظرة ثاقبة إلى تعريف الشفعة التي سبق أن ذكرته فيما أسلفت من القول وذلك عند التعرض لبيان ما قاله فقهاء المذاهب الإسلامية المشهورة في شأن التعريف بها يتبين للناظر إلى أي مدى تستنتج أركان الشفعة من التعريفات التي وردت في هذا الخصوص وأنه يمكننا بيانها على النحو التالي( ):

1- الركن الأول:
وهو الشفيع (أو الأخذ) وهو من يجوز له شرعاً الأخذ بالشفعة والمطالبة بها.

2- الركن الثاني:
وهو المشفوع فيه أو المأخوذ فيه وهو الشيء المتنازع عليه سواء كان عقاراً أو حصة في عقار.

3- الركن الثالث:
المشفوع منه أو المأخوذ منه وهو المشتري الذي انتقلت إليه الحصة التي بيعت.

4- الركن الرابع:
الصيغة وهي الألفاظ التي يجب أن تقال أو تذكر لإيجاب التملك حيث يشترط لفظ تملكت أو أخذت بالشفعة.
***
المطلب الثاني حكمها وصفتها

العمل بالشفعة جائز شرعاً:

لأن العمل بها والأخذ عن طريقها يعتبر شراء مبتدأ (جديداً) وهذا هو قول جمهور الفقهاء سلفاً وخلفاً لكون العمل بموجبها والقول بها مباحاً –ولأنها حق اختياري للشفيع يجوز له المطالبة به فور علمه بعملية البيع أو الشراء كما أنه له الحق في تركه دون مطالبة فهو مخير بين الأمرين أما أن يطالب بحقه وإما أن يترك المطالبة فيسقط حقه فيها على الرغم من اعتراض القلة القليلة من الفقهاء على العمل بها على النحو الذي ذكرناه أنفا.
***
الرأي الراجح والذي أميل إليه
والقول الراجح في نظري والذي أميل وأطالب بالعمل به هو الرأي الأول القائل بإباحة العمل بها لكون العمل بهذا الرأي يلائم الظروف التي يمر بها الشفيع، والتي تجعله صاحب الحق الأول في المطالبة بها، ولأنه هو المتضرر الوحيد من جراء عملية البيع للغير فضلاً عن أن العمل بموجبها والقول بها يتمشى مع روح الشرع الحنيف في سعيه لتحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس دون ظلم أو حيف، بحيث لا يلحق أحد من الناس أضرار، لأن الضرر يزال شرعاً، والشفيع إذا ما تضرر بوجود مشتر جديد سوف يسبب له المتاعب والمضايقات فإن الشارع الحكيم أباح له أن يطالب بأحقيته في شراء الشيء المبيع ويعطي الثمن للشريك الحادث دون نقصان وعلى ذلك فلا يتضرر وقتئذ لعودة ماله إليه.
صاحب الحق في المطالبة بالشفعة
اختلف الفقهاء فيما بينهم فيمن يثبت له الحق في المطالبة بالشفعة على آراء ثلاثة:
الرأي الأول:
يقول أصحابه أن صاحب الحق في المطالبة بالشفعة هو الشريك القديم حيث أنه هو المتضرر في المقام الأول من بيع شريكه لحصته لشريك جديد خاصة إذا كانت الشركة مشاعاً( ).
الرأي الثاني:
ويقول أصحابه أن صاحب الحق في المطالبة بالشفعة هو الشريك في الشركة التي لم يحدد نصيب كل شريك فيها ويتفق هذا الرأي مع سابقه( ).
الرأي الثالث:
ويقول أصحابه أن صاحب الحق في المطالبة بالشفعة هو الجار( ).
يقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “جار الدار أحق بالدار” رواه النسائي وصححه بن حبان( ).
***
المطلب الثالث ترتيب الشفعاء عند تزاحمهم

إذا فرض وتزاحم الشفعاء وكثر عددهم وقت المطالبة بالشفعة فأيهم يقدم على الآخر؟ ومن يكون له الحق في المطالبة بها؟
فعند تزاحم الشفعاء ينظر هل الشفعاء في مرتبة واحدة أم أنهم ليسوا في مرتبة واحدة:
1- فإن كانوا من طبقة واحدة باتحادهم في سبب الاستحقاق كأن يكونوا شركاء في المبيع نفسه أو جيراناً ملاصقين للمبيع فإنهم والحالة هذه يقسم بينهم الشيء المشفوع فيه بالتساوي بحسب عدد الرءوس لا بمقدار الملك أو عدد السهام وما ذلك إلا لاستوائهم في سبب الاستحقاق وهو الاتصال المباشر بالشركة أو الجوار عند التلاصق حيث أنهم جميعاً في درجة واحدة لا فرق بينهم في أصل الملك.
2- أما إن كانوا من طبقات مختلفة وغير منتسبين إلى طبقة واحدة، أي أن درجاتهم عند الاستحقاق مختلفة قوة وضعفاً فإنهم والحالة هذه لا يأخذون بالشفعة بمقدار واحد وليس لهم جميعاً حق المطالبة بها بالتساوي بل يقدم منهم صاحب الحق الأقوى.
فمثلاً: يقوم الشريك في المبيع نفسه لأنه هو المتضرر الأوحد من البيع للغير حيث يتضرر بمزاحمة الشريك الجديد، خاصة إذا كانت المرافق مشتركة ثم يليه في المرتبة الثانية: الشريك في حق الارتفاق، ثم الجار بعد ذلك في المرتبة الأخيرة كل ذلك مشروط بحضورهم جميعاً ساعة المطالبة بالحق في استعمال الشفعة.
فإن غاب أحد الشفعاء وطلبها الباقي قضي للحاضر لأن الحاضر ثابت بيقين وطلبه يكون مستجاباً أما الغائب فمشكوك في طلبه وفي جديته له، إذ لو كان جاداً في طلبه لحرص على حضور جلسة المطالبة ولم يتخلف.
وعلى ذلك فلا يؤخر طلب الحاضر لغياب البعض ولأن المشكوك فيه لا يزاحم المتيقن.
ثم إذا جاء الغائب بعد تأخره برهة من الوقت وكان الحاضر موجوداً لم ينصرف فإنه يقاسمه إن كان متساوياً معه في المرتبة بحيث تنقضي القسمة التي تمت وقت غيابه ثم يعاد النظر مرة أخرى على ضوء الواقع الجديد الذي تغير بحضور الغائب المتساوي في الدرجة.
أما إن حضر الغائب وكان متساوٍ في الدرجة وكان قد قضي للحاضر بها فلا عودة في الحكم مرة ثانية إذ لا حاجة لمعاودة القسمة حيث لا تساوي بينهما في المرتبة( ).
***

المبحث الثالث محل الشفعة وبيان شروطها وإجراءاتها

*********************
المطلب الأول في أي شيء تكون الشفعة؟

من المعلوم بديهياً أن الشفعة لا تكون في المنقول فهي لا تثبت إلا في العقار والأرض وما بني عليها وما غرس فيها من شجر وما شابهه كالتمر إذا لم يؤبر وهذا أمر مسلم به ومتفق عليه فلا يوجد خلاف على أنها لا تكون في المنقول كالحيوان أو النبات أو عروض التجارة وما إلى ذلك من أنواع المنقولات( ).
ولعل الحكمة في كونها تثبت في الأرض وما يلحقها أو يتبعها من عقار أو بناء أو غراس غير خافية على ذي عقل وبصر.
حيث أن الضرر في الأرض أو العقار ثابت على الدوام أما الضرر الواقع من جراء المنقولات إذا ما بيعت للغير فهو ضرر مؤقت.
على الرغم من أن هناك من يقول بان الشفعة تكون في كل شيء ثبت ذلك في رواية الطحاوي حيث روي أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قضى بالشفعة في كل شيء( ).
***
هل تثبت الشفعة في السفن؟

إذا كان الفقهاء أجازوا الشفعة في العقارات دون المنقولات وذلك لكثرة الضرر الذي ينجم عن بيع العقارات أو الأرض الثابتة لغير الشريك أو الجار.
فهل يعتبر بيع السفن في البحار عقاراً أم منقولاً؟
(نقل الإمام الكاساني رحمه الله( ) أن الإمام مالك رضوان الله عليه قال:
بجواز الشفعة في السفن باعتبار أن السفينة تعتبر أحد المسكنين حيث تجب الشفعة فيها كما تجب في المسكن الآخر وهو العقار).
لكن هذا لم يثبت بدليل قطعي لأنه قال بعد ذلك وهو يستطرد في الكلام (ولنا ما روي عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا شفعة إلا في ربعة أو حائط)( ).
ولأن الشفعة في العقار ما وجدت لكونه مسكناً فقط وإنما وجدت لخوف أذى دخيل ينجم عن وجود شريك حادث قد يستمر ضرره وآذاه على سبيل الدوام وذلك لا يتحقق إلا في العقار أو ما في معناه وهو العلو على ما نذكره إن شاء الله تعالى سواء كان العقار مما يتحمل القسمة أو لا يتحملها كالحمام والرحا والبئر والنهر والعين والدور الصغار عند أصحابنا رحمهم الله.
وتحصيل مذهب مالك أنها أي الشفعة في ثلاثة أنواع:
1- أحدها: مقصور على العقار من الدور والحوانيت والبساتين.
2- الثاني: ما تعلق بالعقار مما هو ثابت لا ينقل ولا يحول وذلك كالبئر ومحال النخل وعليه فإن السفن تأخذ نفس الحكم لثبوتها.
3- الثالث: ما تعلق بهذه كالثمار( ).

الشفعة في الزروع والثمار

تجوز الشفعة عند الأحناف في الزروع والثمار قياساً على جوازها في العقار لأن الزروع والثمار تكون تابعة للأرض فهي فرع لأصل والأصل هنا هي الأرض فإذا ما بيعت الأرض يكون تبعاً لها ما يلحق بها من زروع وثمار وغراس من نخيل وشجر وغير ذلك حيث تعد من توابع الأرض( ).
وخير ما يدل على ذلك أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط)( ).
***

المطلب الثاني في شروط العمل بالشفعة

لجواز العمل بالشفعة لابد وأن تتوافر عدة شروط من أهمها:
1- خروج العقار المبيع عن ملك صاحبه خروجاً لا خيار فيه.
2- أن يتم العقد الذي بمقتضاه انتقل المبيع لحوزة المشتري عن طريق المعاوضة.
3- أن يكون العقد صحيحاً لا فاسداً.
4- أن يكون الشفيع وقت البيع مالكاً لحصته.
5- أن يقوم الشفيع بالاعتراض على بيع شريكه لحصته إلى الغير.

أما عن الشرط الأول:
وهو خروج العقار المبيع عن ملك صاحبه خروجاً باتاً بحيث تزول عن العقار ملكية المبيع بالفعل وأن يكون ذلك البيع حقيقياً، لا رجعة فيه حيث تكون مدة الخيار انتهت إذا ما بيع العقار بشرط الخيار( ).

أما عن الشرط الثاني:
وهو أن يكون العقد عقد معاوضة كالبيع وما في معناه كالهبة بشرط العوض إن تقايضا وكذلك الصلح على مال لأنه معاوضة.
وينبني على ذلك أن أي عقد يتم عن طريق المعاوضة هو الذي تجب فيه الشفعة أما إن تم العقد عن طريق غير ذلك كالهبة بدون عوض أو عن طريق المعاوضة فلا شفعة فيه.

أما عن الشرط الثالث:
وهو كون العقد صحيحاً لا فاسداً فلا تثبت الشفعة في مبيع تم عن طريق الغش أو الخداع أو أي طريق يشوبه البطلان. فكل ما بني على الغش أو الخداع وما إلى ذلك من أنواع النصب أو الاحتيال يكون باطلاً، لأن ما يبنى على الباطل فهو باطل.
وعليه فإن العقد يتم فسخه وفي هذه الحالة يتوجب على المتعاقدين رد ما أخذه كل منهما إلى الآخر.

أما عن الشرط الرابع:
وهو ملكية الشيء المبيع المشفوع فيه للشفيع وقت البيع حتى يتمكن من المطالبة بحقه المشروع فإن لم يكن مالكاً له وقت البيع فإنه لا يحق له المطالبة بالشفعة وقتئذ فمثلاً إن باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضي له بالشفعة سقط حقه في المطالبة بالشفعة في الشيء المبيع.

أما عن الشرط الخامس:
وهو عدم رضا الشفيع بالبيع ويتمثل عدم رضاه على البيع وعدم موافقته على إتمامه وله حرية التعبير عن رفضه لبيع شريكه حصته للغير بكل الطرق المشروعة حتى يتسنى له المطالبة بالشفعة.
فإن لم يعترض على بيع شريكه لحصته أو بيع جاره للعقار المجاور أو الملاصق له ولم يظهر تبرمه من ذلك البيع ووقف موقفاً سلبياً فإن سكوته وقتئذ وعدم اعتراضه لهو أكبر دليل على موافقته على البيع وعليه فإنه يسقط حقه في المطالبة بالشفعة.
ومما هو جدير بالذكر أنه يشترط لسقوط هذا الحق ألا يكون هناك تدليس أو خديعة للشفيع لإسقاط الشفعة سواء كان التدليس عن طريق المشتري أو غيره.

ويتمثل التدليس في رفع مقدار الثمن أو قدر الشيء المبيع رفعاً ملحوظاً بحيث يكون أكبر بكثير من ثمن نظائره من الأشياء، كما يتمثل أيضاً في الإخبار بأن المشتري فلان ويتضح أنه خلاف ما ذكر، أو ثمن الشراء بكذا ويتبين عكس ذلك، أو أن المبيع شفعي ويظهر أنه للكل.
***
المطلب الثالث إجراءات العمل بالشفعة

على الرغم من ثبوت حق الشفعة إلا أنه يعتبر حقاً ضعيفاً وما ذلك إلا لأن التملك عن طريقها لا يتم إلا إذا اتخذت عدة إجراءات خاصة بها فإذا لم تتم هذه الإجراءات فإنه لا يجوز العمل بها ولا تعتبر في هذه الحالة طريقاً من طرق التملك.
وأول هذه الإجراءات أنه يطلب الشفيع بحقه فيها بمجرد علمه بعملية البيع فإن علم بالبيع ولم يطالب بالشفعة وسكت مدة من الزمن طالت أم قصرت فإنه لا يحق له المطالبة بها مرة ثانية، وما ذلك إلا لأن سكوته عن المطالبة بها فور علمه بعملية البيع لا يدل إلا عن رضاه بذلك البيع.
ومما هو جدير بالذكر أن الطلب لها يلزم فيه عدة أمور:
الأمر الأول: طلب المواثبة.
الأمر الثاني: طلب التقرير والأشهاد.
الأمر الثالث: طلب الخصومة والتملك.
ويجب على القاضي الذي ينظر قضية الشفعة أن يطالب الشفيع بإقامة البينة على ما يدعيه، فإن أقامها حكم له بمقتضاها، وإن عجز عن إقامة البينة استحلف المشتري بالله ما يعلم أنه مالك لما يشفع فيه فإن نكل أو قامت بينة للشفيع تثبت الملكية في الدار أو الضيعة التي يشفع بها وتحقق القاضي من وجود الشركة أو الجوار والتلاصق حكم للشفيع بالشفعة فوراً.
وإذا ما صدر حكم القاضي بأحقية المشفوع به للشفيع فإن للمشتري حق حبس العقار المشفوع فيه حتى يستوفي الثمن الذي دفعه للبائع حتى لا يلحقه ضرر، وتأسيساً على ما تقدم: فإن القاضي لا يحكم بالشفعة إلا بعد أن يتقدم صاحب المصلحة بطلبه له وعلى القاضي وقتئذ أن يحكم له بناءً على ما يظهر أمامه من أدلة.
***
المطلب الرابع مسقطات الشفعة

هناك عدة أسباب تؤدي إلى إسقاط حق الشفعة نذكر منها:
1- بيع الشفيع ما يشفع به من عقار قبل أن يقضى له بالشفعة، فإن باعه فإنه في هذه الحالة يسقط حقه في المطالبة بها باتفاق الفقهاء نظراً لزوال ملكه الذي كان يعتبر سبباً من أجله يحق له المطالبة بها.
2- تسليم الشفعة أو الرغبة عنها بعد إتمام البيع بمعنى أنه إذا رغب عنها وقدم تنازلاً عن حقه فيها سواء كان التنازل صريحاً أم ضمنياً فإن ذلك يعد إسقاطاً لحقه في الشفعة لأن حق الشفعة كما سبق أن ذكرت حق ضعيف يسقط بأوهى الأسباب ومثال التنازل الصريح أن يعلن صراحة عن تنازله عن استعمال حقه في الشفعة فيقول لا أرغب فيها أو لا أريدها أو أسقطها أو أبطلتها أو يقول لخصمه أبرأتك منها أو عفوت عنها لك أو سلمتها لك ونحو ذلك على أن يكون ذلك بعد البيع وقبل الحكم بها لأنه لا حق له فيها قبل البيع حتى يمكن إسقاطه.
أما إسقاطها ضمناً فمثاله أن يوجد من الشفيع ما يدل على رضاه بالعقد الجديد دون أن يظهر تبرمه أو اعتراضه على ذلك البيع.
3- تجزئة المشفوع فيه: بمعنى أن حق الشفعة كل لا يتجزأ فإذا تنازل الشفيع عن بعض المشفوع فيه فإنه لا يقبل تنازله في ذلك البعض ومثال ذلك أن يتنازل الشفيع عن نصف أو ثلث أو ربع المشفوع فيه فإن مثل هذا التنازل لا يكون مقبولاً بل يسقط حقه في الكل، لأنه لا يملك تفريق الصفقة حتى لا يتضرر المشتري من تفريقها، والضرر لا يزال بالضرر، لأنه إن زال الضرر بالضرر تحقق الضرر والشارع الحكيم أمر بإزالة الضرر دون تحقق ضرر.

وإنه مما تجدر الإشارة إليه والتنبيه عليه أن حق الشفعة يلاحظ عليه:

أ ) أنه حق ضعيف يجب أن يتأكد بالطلب.
ب) إن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر.
جـ) لا يجوز تفريق الصفقة حتى لا يتضرر المشتري.

الاحتيال لإسقاط حق الشفعة

إذا ما قضي للشفيع بحقه بالشفعة يكون من حقه رد ما بيع من حصة مشتركة أو شيء في عقار…
لكن هل يجوز الاحتيال لدفع ثبوت الشفعة من قبل المشتري؟
قال بعض فقهاء الحنفية إن الاحتيال لا يكره لدفع وجود الضرر خاصة إذا كان الجار أو الشريك غير محتاج للمشفوع فيه وقال بعضهم بكره وذلك لأن الشفعة إنما شرعت أساساً لدفع الضرر المحتمل وقوعه فلو أبيحت الحيل تحقق الضرر( ).
وتتميماً للفائدة يجدر بنا أن نذكر بعض الصور التي توضح معنى الحيلة:
1- أن بيع الدار باستثناء عدة أمتار منها لكي يقطع على الشفيع المطالبة عندئذ بالشفعة.
2- أن بيع من العقار جزءاً صغيراً بثمن كبير بحيث يمتنع الشفيع من أن يطالب بحقه في الشفعة نظراً لكبر حجم الثمن.

حق الشفعة.. هل يورث

إن الباحث في موضوع ميراث الشفعة يجد أن الفقهاء لهم آراء مختلفة:
1- الرأي الأول:
إن حق الشفعة يورث بمعنى أن الورثة تكون لهم الحق في المطالبة بها سواء طلبها المورث أم لم يطلبها طالما وجد سببها( ).
2- الرأي الثاني:
إن حق الشفعة لا يورث بمعنى أن الورثة لا يكون لهم الحق في طلبها سواء أطلبها المورث أم لم يطلبها( ).
3- الرأي الثالث:
إن حق الشفعة يورث بمعنى أن الورثة يكون لهم الحق في طلبها بعد وجود سببها إذا كان المورث طلبها ثم مات قبل الأخذ بها ولا تورث إذا لم يطلبها قبل موته( ) قياساً على الأموال.

الأدلـــــة

أدلة أصحاب الرأي الأول:

استدل أصحاب الرأي الأول الذين قالوا بان حق الشفعة يورث مطلقاً بالقياس على خيار الرد بالعيب لأن كل منهما يشترك في المطالبة برفع الضرر فكما أن خيار العيب يورث فكذلك هنا حق الشفعة يورث.

أدلة أصحاب الرأي الثاني:

القائلون بعدم أحقية الورثة في المطالبة بالشفعة طلبها الشفيع قبل موته أم لا؟
1- بأن الشفعة مجرد رغبة تزول بموت الشفيع وبناء على ذلك فإنه لا يتصور فيها المطالبة بالإرث.
2- بأن ملكية الشفيع للمشفوع فيه تزول بموته لانتقالها للغير وعليه فلا شفعة لانتفاء شرطها وهو وجود الملك.

أدلة أصحاب الرأي الثالث:

القائلون بان الشفعة تورث إذا طلبها الشفيع بعد وجود سببها بأن الشفعة قبل طلبها تكون عبارة عن رغبة فقط تنتهي بمجرد الموت، فإن طلبها المورث قبل موته ثم مات فإن هذا الحق ينتقل إلى ورثه قياساً على وجوب ذلك الحق لهم في الأموال.
الرأي الراجح
والرأي الراجح من هذه الآراء هو الرأي القائل بجواز التوارث في هذا الحق مطلقاً سواء أطلبها أم لم يطلبها.. وذلك تحقيقاً لمصلحة الورثة وعدم تضررهم ولأن الشفعة إنما شرعت لرفع الضرر وأيضاً لاتصال ملك الورثة بملك الشفيع، ولأن حق الشفعة ثبت بثبوت الملك أو انتقاله إليه عن طريق الإرث.

ختــامــــاً

فإن من ينظر إلى الشفعة ويتمعن في تعريفها يرى مدى اهتمام الشارع الحكيم بتشريعها وإباحة العمل بموجبها كما يرى أيضاً أن الشارع اهتم بها أيما اهتمام وحرص عليها أيما حرص وعنى بها عناية فائقة.
ولعل سائلاً يسأل: لماذا عني الشارع للحكيم بها ورعاها حتى رعايتها؟
يكون الجواب أن عناية الشارع بها رعايته لها لم تأت من فراغ وإنما أتت بالنظر لحاجة الكثير من الناس إليها فالغالبية العظمى من الناس يلاحظ أن الواحد منهم يتعرض في حياته إلى بيع جاره مسكنه أو شريكه حصته لمشتر جديد ما يترتب عليه حدوث الضيق والمشقة والحرج للجار أو الشريك القديم فشاءت إرادة الشارع أن يزيل الضيق وأن يرفع المشقة ويمنع الحرج، فأقر الشفعة وأباح العمل بموجبها. شريطة إتباع ما يتوجب إتباعه من إجراءات وما يلزم اتخاذه من تعليمات أوردها الفقهاء في هذا الخصوص من تحقق للأركان ووجود للشروط بحيث إذا ما عدمت الأركان أو فقدت الشروط أو عدم أو فقد أحدها لم يعمل بها ولم يلتفت إليها، وإن من حسن الختام يحلو لي ويحمل بي أن أذكر بعض الغافلين عن العمل بها بأن ينتبهوا إلى ما فيها من فوائد جليلة ومنافع عظيمة.
كما أنني أطالب بالتوسع في العمل بها رفعاً للحرج وإزالة للضيق ومنعاً للمشقة التي تحدث للبعض من جراء تصرفات غير مسئولة من البعض.
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.
***

حق الشفعة في القانون المصري

الغرض من هذا البحث:
1 – إذا باع شخص حصة شائعة في عقار مشترك بينه وبين آخرين فلهؤلاء بعضهم أو كلهم الحق في أخذ الحصة المبيعة لأنفسهم جبرًا على المشتري بالثمن الذي بيعت به وهذا الحق مقرر بمقتضى قانون الشفعة الصادر في مارس سنة 1901.
وقد اشترط هذا القانون سلسلة قيود نص عليها وأوجب العمل بها ورتب على عدم اتباعها سقوط الحق في أخذ البيع بالشفعة فمنها وجوب الطلب في زمان معين وبصفة مخصوصة ولزوم عرض الثمن عرضًا حقيقيًا وغير ذلك من الإجراءات العديدة التي تعرض حقوق الشفيع للخطر في كل دور من أدوار التقاضي.
وليس قانون الشفعة هو الوحيد الذي قرر هذا الحق للشريك فقد جاء في باب الشركات نص آخر هو نص المادة (462) مدني التي قررت:
(يجوز للشركاء في الملك قبل قسمته بينهم أن يستردوا لأنفسهم الحصة الشائعة التي باعها أحدهم للغير ويقوموا بدفع ثمنها له والمصاريف الرسمية والمصاريف الضرورية أو النافعة).
فإن هذه المادة إذا أُخذت على ظاهرها تفيد:

1 – تقرير حق الشفعة للشريك في أي ملك مشترك منقولاً كان أو عقارًا.
2 – أن حق الشفعة هذا يكون فيما يباع شائعًا في الملك المشتري سواء كان منقولاً أو عقارًا.
3 – أن هذا الحق يظل للشريك ما دام الشيوع قائمًا ولو لبث أعوامًا طويلة.
4 – أن استعمال هذا الحق ليس مقيدًا بأي قيد ويكفي لثبوته مجرد دفع الثمن ومصاريف البيع.

ومن هنا يفهم أن الشفعة المقررة للشريك بقانون مارس سنة 1901 والاسترداد المقرر بنص المادة (462 مدني) يلتقيان في موضع واحد هو حالة بيع حصة شائعة في عقار مشترك لأجنبي عن الشيوع فإن موضوعهما في هذه الحالة والغرض منهما يكون واحدًا هو الحصول على البيع جبرًا على المشتري بالثمن ومصاريف البيع – ويختلف الحقان في مواضع أخرى هي القيود التي يوجبها قانون الشفعة في الطلب والدعوى فإن المادة (462) لم تشترطها ويختلفان أيضًا في انقضاء حق الشفعة وسقوطه سواء بالعلم والسكوت عن الطلب أو بمضي ستة شهور على تسجيل البيع فإن (المادة 462) على خلاف ذلك قد أطلقت الاسترداد منها وحفظت للشريك الحق فيه لغاية القسمة.
كان اتفاق الشفعة والاسترداد في الموضوع والغرض واختلافهما في القيود موجبًا لتساؤل المشتغلين بالقانون عن الحكمة التي دعت الشارع لتقرير حق واحد بنصين مختلفين من جهة الإجراءات والقيود ودعا ذلك طبعًا للبحث فيما إذا كان حق الاسترداد هو حق آخر غير حق الشفعة لا يجوز تطبيقه إلا في دائرة غير الدائرة التي يسري عليها قانون الشفعة بل أدى ذلك إلى البحث فيما إذا كان قانون الشفعة لم يلغِ الاسترداد ولغير ذلك من المسائل العديدة التي أدى إليها تعارض النصوص.
تضاربت أحكام المحاكم في هذا الموضوع تضاربًا شديدًا ولكن اختلافها لم يلفت نظر المتقاضين والمشتغلين بالقانون في أي زمان بمقدار ما ألفته إليها الآن – ذلك لأن دوائر القضاء أصبحت مشحونة بعدد كبير من قضايا الاسترداد التي رُفعت حديثًا وهي حالة دعا إليها طمع الناس بالأرباح الفادحة التي جر إليها ارتفاع أسعار الأراضي الزراعية لأضعاف أثمانها وقت البيع.
لم يثبت القضاء الأهلي على مبادئ معينة في دعاوى الاسترداد فإن دوائر محكمة الاستئناف تارة تنكر وجوده وأخرى تقره وتارة تقول بوجوده في المنقولات دون العقارات وأخرى تقصر تطبيقه على البيوع الواقعة في حصة شائعة في تركة أو شركة وترفض تطبيقه في حالة بيع حصة شائعة في عقار معين ومرارًا تقره وتطلق استعماله في أي حالة من هذه الأحوال – شجعت هذه الحالة المضاربين على اقتحام أخطار التقاضي طمعًا بنوال الأرباح الكبيرة وأحجم المحامون عن إرشاد المتقاضين لما يجب أن يتبعوه لأنهم إن أشاروا بالتقاضي جاز أن يسوق الموكل سوء طالعه لإحدى الدوائر التي لا تقر الاسترداد وإن أشاروا بعدم التقاضي فقد يضيع على الموكل ربح كان المحامي سببًا في حرمانه منه.

دعاني كل ذلك لنشر هذا البحث راجيًا أن تحقق هيئة القضاء أمنية المحاماة بأن تتفضل فترفع الخلاف وتوحد المبادئ التي تراها صائبة في هذا الموضوع الهام فإنها بذلك تقضي على آمال المشاغبين وتسمح للمحاماة بتأدية واجبها السامي وهو إرشاد الناس لما فيه خيرهم وإقناعهم بترك التقاضي الذي لا أساس له من الحق ولا من القانون.
وتحقيقًا لهذا الغرض رأيت أن أدون في هذا البحث بغير تعليق جميع الآراء المختلفة والأحكام المتناقضة في أهم المسائل المتعلقة بالمادة (462) متبعًا في ذلك الترتيب الآتي:

1 – تعريف الاسترداد وأنواعه.
2 – مأخذ المادة (462 مدني أهلي).
3 – تأثير قانون الشفعة على حق الاسترداد.
4 – البيوع التي يجوز فيها الاسترداد.
5 – الأشخاص الذين لهم حق الاسترداد.
6 – الأشخاص الذين ترفع عليهم الدعوى بالاسترداد.
7 – متى يسقط حق الاسترداد.
8 – ما يترتب على الاسترداد.

تعريف الاسترداد وأنواعه

الاسترداد على وجه العموم هو أن يحل شخص محل آخر فيما اشتراه مقابل دفع الثمن ومصاريف البيع – وحق الاسترداد إما أن يكون مقررًا باتفاق المتعاقدين أو بمقتضى نص من نصوص القانون، ومثال الأول بيع الوفاء إذ يكون للبائع حق استرداد الشيء المبيع في مدة معينة، ومثال الثاني استرداد الحقوق المتنازع فيها إذا باعها الدائن فإن للمدين حق استردادها في نظير دفع الثمن والمصاريف (المادة 354 مدني).
وحق الاسترداد قديم ولكنه لم يكن معروفًا في القانون الروماني بل لم يعرف في التشريع الفرنسي إلا من القرن السادس عشر وأنواعه في هذا التشريع كثيرة حيث بلغت خمسًا وعشرين نوعًا لم يبقَ منها (منذ صدور قانون سنة 1804 على ما نعلم) سوى أربعة – بيع الوفاء – استرداد الحقوق المتنازع فيها – استرداد الوارث للحصة الشائعة التي يبيعها أحد الورثة لأجنبي عن التركة (المادة 841 مدني فرنسي) واسترداد الزوجة للحصة التي يشتريها زوجها في عقار لها حصة شائعة فيه (مادة 1408 فرنسي) واسترداد البائع بيعًا وفائيًا لما يبيعه نظير رد الثمن والمصاريف، أما القانون المصري فإن أنواع الاسترداد الواردة فيه هي – الشفعة – واسترداد الحقوق المتنازع فيها – واسترداد المبيع بيعًا وفائيًا – واسترداد الشيوع المقرر بالمادة (462 مدني أهلي).
مآخذ المادة (462 مدني):
الغرض من هذا الباب هو معرفة الأصل التشريعي الذي استمدت منه المادة (462) لأن معرفة ذلك توصلنا لإدراك الغرض منها والدائرة التي تنطبق عليها.
اختلفت آراء المشتغلين بالقانون في مصر في مأخذ المادة المذكورة، ويمكن حصر آرائهم فيما يلي:
الرأي الأول:
المادة (462) مأخوذة من المادة (841 فرنسي) التي أباحت للورثة أن يأخذوا بطريق الاسترداد الحصة الشائعة التي يبيعها الورثة لأجنبي وأصحاب هذا الرأي يقولون بأن المادة (462) هي بعينها نفس المادة (841) ولكنها مع ذلك لا تنطبق فقط في البيوع التي تقع في التركات بل تتناول البيوع التي تقع في الشركات وهذه البيوع هي التي تقع في حصص شائعة في مجموع حقوق والتزامات الشركة أو التركة فلا تنطبق إذن في حالة بيع حصة شائعة في عقار معين من شركة أو تركة.
(راجع حكم الاستئناف الصادر في 3 مايو سنة 1901 نمرة (323) سنة 1900 حقوق سنة سادسة عشرة صحيفة (235) – وحكم الاستئناف الصادر في 10 يونيو سنة 1906 نمرة (261) حقوق السنة الحادية والعشرين صحيفة (310)، وحكم الاستئناف الصادر في 31 ديسمبر سنة 1916 مجموعة رسمية سنة ثامنة عشرة عدد (1) صحيفة (170) وحكم محكمة طنطا الابتدائية الصادر بتاريخ 22 أكتوبر سنة 1919 وحكم محكمة طنطا الصادر في 15 ديسمبر سنة 1919).
ويؤيد أصحاب هذا الرأي قولهم بأنه لا يظهر من نص المادة (462 مدني) أن الشارع قصد منها حكمة تخالف ما رآه الشارع الفرنسي في نص المادة (841 مدني) ولو أنه بسط حكمها فجعلها تشمل الشركات والتركات وأنه لو قيل بعكس ذلك لتعارضت مع حق الشفعة المقرر للشريك في العقار ولأدى ذلك إلى القول بتكليف الشفيع بإجراءات معينة وخضوعه لقيود عديدة ليس المسترد مكلفًا بها ولا خاضعًا لها في طلب العين المبيعة وهو عيب يجب تنزيه الشارع عنه – وأنه لا يمكن التوفيق بين النصين إلا باعتبار نص المادة (462 مصرية) نفس نص المادة (841 مدني فرنسي) مع التوسع في تطبيقها بحيث تشمل التركات والشركات لأن الحكمة فيهما واحدة وهي عدم نفوذ الأجنبي إلى أسرار العائلات أو الشركات.
والرأي الثاني:
هو أن المادة (462 مدني) مأخوذة من نص المادة (1408 فرنسي) التي جعلت للزوجة حق استرداد الحصة الشائعة التي يشتريها زوجها في عقار لها فيه ملك شائع (راجع المقالة المنشورة في مجلة الاستقلال لحضرة نجيب بك شقرا المحامي سنة خامسة صحيفة 158).
والرأي الثالث:
هو أن المادة (462 مدني) ليست منقولة عن القانون الفرنسي، وأصحاب هذا الرأي يؤيدونه بأنه لا دليل على أن المشرع أراد نقل مضمون المادة (841 فرنسي) إلى القانون المصري ولأن حق الاسترداد إنما أدخل على القانون الفرنسي لأنه لا يوجد فيه حق عام كحق الشفعة الذي ينطبق في حالة الاشتراك على الشيوع في الملك من غير بيان سببه فلا محل إذن للقول بوجود حق منفصل يستعمله الشركاء على الشيوع في مثل الأحوال التي يستعمل فيها حق الاسترداد الوراثي في فرنسا فالمادة نقلت من القانون الفرنسي ولكن على سبيل الاطراد أي من غير أن يقصد منها الغرض الذي وُضعت له في فرنسا إذ الشارع المصري قد بدل في تركيب المادة (841 فرنسي) بما يدل على أنه أراد تغيير حكمها فجعلها تتناول كل أنواع الشيوع ولم يرد أن يقصرها على ما يباع شائعًا في تركة أو شركة ولذا أطلق لفظ (الحصة الشائعة) بعكس المادة الفرنسية فإن الشارع قيدها بأن تكون شائعة في ميراث.
(راجع حكم 26 يناير سنة 1904 استقلال سنة ثالثة صحيفة (28)).
ومما تقدم يتضح جليًا أن مأخذ المادة (462) لا يخرج عن حالتين: إما أن يكون أصلها من التشريع الفرنسي وإما أن يكون من مبتكرات المشرع المصري.
فإذا كان مصدرها القانون الفرنسي فيجب مراعاة القواعد والأصول الفرنسية عند العمل بحق الاسترداد وقصر تطبيقه على أحوال الشركة والتركة، وإن كانت من مبتكرات الشارع المصري فيجب قصر البحث عند التطبيق على ألفاظ المادة (462) وإطلاق نصها على جميع البيوع التي تقع شائعة سواء كان ذلك في تركة أو شركة أو مجرد شيوع في ملك ثابت.
وقد بحثت محكمة الاستئناف الأهلية أخيرًا هذا الموضوع وأصدرت فيه حكمًا مبدئيًا نرى من الفائدة إيراد أسبابه وهي:
ومن حيث إن المستأنفة ترتكن في دعواها استرداد العين موضوع النزاع على ما جاء بالمادة (462) من القانون المدني الأهلي التي نصها (يجوز للشركاء في الملك قبل قسمته بيوم أن يستردوا لأنفسهم الحصة الشائعة التي باعها أحدهم للغير ويقوموا بدفع ثمنها له والمصاريف الرسمية والمصاريف الضرورية والنافعة).

ومن حيث إن الحكم في الدعوى يستلزم معرفة ما إذا كانت المادة المذكورة تتعارض مع قانون الشفعة وهل القانون المذكور من شأنه إلغاء تلك المادة وجعلها لا عمل لها أم لا.
ومن حيث لا نزاع في أن قانون الشفعة والمادة (462) يلتقيان في موضع واحد وهو حق الشريك في العقار الشائع لأخذ الحصة التي يكون باعها أحد الشركاء لأجنبي عن الشيوع مقابل دفع الثمن ومصاريف البيع ويختلفان في القيود التي يشترطها قانون الشفعة لذلك.
وحيث إن الزعم بأن المسترد العقار حق اختيار أحد الطريقين إما قانون الشفعة الصادر في مارس سنة 1901 أو المادة (462) لا يمكن الأخذ به مع وجود القيود في أحدها دون الآخر إذ لو صح ذلك لكان الشارع المصري متناقضًا في أحكامه فإنه يكون وضع في باب حكمًا قيده بقيود وشروط مخصوصة ووضع في باب آخر حكمًا بغير قيد ولا شرط لحق واحد فمن لم يتيسر له الانتفاع بذلك الحق من الطريق الأول لصعوبة قيوده ولجه من الطريق الثاني لخلوه منها وهذا يكون غاية في التناقض يجب تنزيه الشارع عنه.
وحيث إن القول بأن قانون الشفعة الصادر في مارس سنة 1901 جاء ملغيًا للمادة (462) لا يمكن الأخذ به أيضًا ما دام أنه لم يرد نص في القانون المذكور عليه.

ومن حيث متى ما تقرر هذا وجب البحث فيما هي الأحوال التي أرادها الشارع بالمادة (462) وهل هي تختلف عن تلك التي قضاها قانون الشفعة ولأجل الوصول إلى هذا يجب الرجوع إلى مأخذ المادة المذكورة.
وحيث إن الرأي الراجح والذي تأخذ به هذه المحكمة أن المادة (462) مأخوذة من المادة (841) من القانون الفرنسي التي أباحت للورثة أن يأخذوا بطريق الاسترداد الحصة الشائعة أو بعضها التي يتنازل عنها أحدهم في التركة بلا تعيين لأجنبي حرصًا على عدم نفوذ ذلك الأجنبي إلى أسرار العائلات، ومعلوم أن الشفعة غير موجودة في القانون الفرنسي، لهذا اضطر الشارع هناك أن يضع المادة (841) للحكمة سالفة الذكر فأخذها الشارع المصري بعد أن أطلقها من قيدها وأباحها في الشركات كما التركات.
وحيث إن عدا هذا التعديل لا يظهر من نص المادة (462) أهلي والمادة (561) مختلطة المقابلة لها أن الشارع أراد قاعدة جديدة لها حكمة تختلف عن تلك التي وضعت القاعدة المقابلة لها في المادة (841) من القانون الفرنساوي.
وحيث متى ما تقرر هذا أصبح من اللازم عدم التوسع في استعمال المادة (462) ووجوب حصرها في الحالة التي اقتضت حكمة الشارع الفرنساوي وضع المادة (841) من أجلها يجعلها قاصرة على حق الشريك في التركات والشركات قبل قسمتها متى ما كان البيع حاصلاً في غير عين معينة، أما إذا كان في عين معينة فقط بطلت حكمة الشارع من خوف نفوذ الأجنبي إلى سر العائلة وإذن ينقل المسترد إلى شفيع ويجب عليه أن يلجأ لقانون الشفعة بقيوده المعلومة.

تأثير قانون الشفعة على حق الاسترداد

تعارض الاسترداد في الملك المشترك والشفعة في المبيع الشائع واختلاف الإجراءات والقيود في استعمال كل واحد من الحقين جعل المحاكم تبحث فيما إذا كان قانون الشفعة الصادر في سنة 1901 قد ألغى مفعول المادة (462) فانقسمت الأحكام لرأيين:
الأول: أن قانون الشفعة قد ألغى حكم المادة (462) مدني بحيث أصبح لا وجود لها بعد صدور قانون سنة 1901.
(راجع حكم الاستئناف الصادر في 7 يوليو سنة 1904 – نمرة (5) سنة 1904 – حقوق سنة تاسعة عشرة صحيفة (174)).
الثاني: يقول بأن المادة (462) ملغاة فيما يناقض قانون الشفعة الصادر في 22 مارس سنة 1901 فإذا باع وارث حصته لشخص غير وارث ولم يسترد باقي الورثة هذه الحصة في الميعاد المعين في المادة (19) من قانون الشفعة ضاع حقهم في الاسترداد.
(راجع حكم الاستئناف الصادر في 31 مارس سنة 1906 مجموعة رسمية سنة ثامنة صحيفة (26)).
الثالث: يقول بعكس ذلك وأن المادة (462) لم تلغَ لأن حق الشفعة غير حق الاسترداد.
(راجع حكم الاستئناف الأهلي الصادر في 10 يونيو سنة 1906 حقوق صحيفة (210) وحكم الاستئناف المختلط الصادر في 7 فبراير سنة 1907 سنة تاسعة عشرة مجموعة رسمية صحيفة (114) وحكم الاستئناف المختلط الصادر في 23 ديسمبر سنة 1907 السنة العشرين من المجموعة الرسمية صحيفة (143) وحكم الاستئناف المختلط الصادر في 24 إبريل سنة 1901 مجموعة رسمية سنة ثالثة عشرة صحيفة (259) وحكم الاستئناف المختلط الصادر في 14 مارس سنة 1907 صحيفة (152) مجموعة سنة تاسعة عشرة وحكم 4 مايو سنة 1911 مجموعة مختلطة سنة ثالثة وعشرين صحيفة (302)… إلخ).

البيوع التي يقع فيها الاسترداد

القسم الذين يقولون بأن حق الاسترداد لا يزال باقيًا ومعمولاً به إلى رأيين:
الأول: يقول بأن الاسترداد لا يطبق إلا على البيوع التي تقع على حصة شائعة في مجموع حقوق والتزامات في شركة أو تركة Universalité de droits et d’obligations.
وأصحاب هذا الرأي هم الذين يقولون بأن أصل المادة (462) مأخوذ من التشريع الفرنسي (841) وإن الشارع توسع فيه فأصبح يشمل الشركات والتركات – وعلى ذلك فلا يجيزون الاسترداد في البيع الواقع في حصة شائعة من عقار معين في تركة أو شركة بل يقولون بأنه في هذه الحالة لا يجوز إلا تطبيق أحكام الشفعة دون الاسترداد.
وأهم الأحكام الصادرة بهذا المعنى هي ما يأتي:
راجع حكم استئناف أهلي 2 مايو سنة 1901 حقوق سنة سادسة عشرة صـ 265،
وحكم استئناف أهلي 10 يونيه سنة 1906 حقوق سنة حادية وعشرين صـ 310،
وحكم استئناف أهلي 31 ديسمبر سنة 1916 مجموعة رسمية سنة ثامنة عشرة صـ 170،
وحكم محكمة طنطا الابتدائية الصادر في 22 أكتوبر سنة 1919 (لم يُنشر)،
وحكم محكمة طنطا الابتدائية الصادر في 15 ديسمبر سنة 1919 (لم يُنشر).
الثاني: يقول أصحاب الرأي الثاني إن الاسترداد جائز في البيع الذي يقع في أي حصة شائعة سواء كانت في عقار معين من شركة أو تركة أو من مجرد شيوع قائم بين اثنين أو أكثر.
وأصحاب هذا الرأي هم الذين يقولون بأن المادة (462 مدني) هي من مبتكرات المشرع المصري وإنها لم تؤخذ من تشريع آخر وإن التشريع الفرنسي لم يكن مأخذًا لها بل كان سببًا في تفكير شارعنا المصري في النص عليها.

راجع شرح المستشار دوهلس جزء رابع باب الاسترداد والأحكام الآتية:
حكم استئناف أهلي 12 مايو سنة 1917 مجموعة رسمية السنة التاسعة عشرة العدد الأول صـ 8،
وحكم استئناف أهلي 21 أكتوبر سنة 1917 مجموعة رسمية السنة التاسعة عشرة العدد 2 صـ 27.
فيمن له حق الاسترداد

الخلاف في هذه المسألة واقع بين الذين يقولون بأن المادة (462) هي من ابتكار المشرع المصري فإن أكثرهم يقولون بأن حق الاسترداد لا يكون إلا للشركاء الأصليين دون من يتلقون الحق عنهم سواء كان انتقال حقوقهم للغير بطريق الإرث أو البيع أو الوصية أو غير ذلك – فليس لوارث الشريك الأصلي ولا لمن يتلقى الحق عنه حق استرداد ما يباع من باقي الشركاء للغير.
ويعرفون الشركاء الأصليين بأنهم الذين نشأ بينهم الشيوع فإن كان الشيوع نشأ عن إرث فيكون الاسترداد للورثة دون سواهم ولا يكون لورثتهم، وإن كان الشيوع ناشئًا عن شركة مدنية أو تجارية فحق الاسترداد يكون لمن انعقدت بينهم الشركة، وإن كان الشيوع نتيجة اشتراك في عقار فالاسترداد لمن امتلكوا العقار بالعقد ولا ينتقل هذا الحق لا لورثتهم ولا لغيرهم ممن يتلقون الحق عنهم.

ويؤيد أصحاب هذا الرأي قولهم بالنص فإن المادة (462) أضيف في أصلها الفرنسي لكلمة (الشركاء) لفظ (الأصليين) فأصبحت تجيز حق الاسترداد للشركاء الأصليين – وكذلك وردت هذه اللفظة في نص المادة (561 مدني مختلط) التي نصت على الاسترداد، أما الأحكام التي قررت هذه القاعدة فهي:
راجع استئناف أهلي 12 مايو سنة 1917 مجموعة رسمية السنة التاسعة عشرة العدد الأول صـ 8،
وحكم استئناف أهلي 21 أكتوبر سنة 1917 مجموعة رسمية السنة التاسعة عشرة العدد الثاني في صـ 27،
وحكم محكمة الاستئناف المختلطة 2 مارس سنة 1902 مجموعة التشريع والقضاء المختلط السنة الرابعة عشرة صـ 204،
وحكم محكمة الاستئناف المختلطة 6 يونيه سنة 05 مجموعة التشريع والقضاء السنة السابعة عشرة صـ 327،
وحكم محكمة الاستئناف المختلطة 31 ديسمبر سنة 1914 مجموعة التشريع والقضاء السنة السابعة والعشرين صـ 100.
وهناك رأي آخر يقول بغير ذلك ويطلق هذا الحق لأي شريك سواء كان أصليًا أو متلقيًا الحق عن شريك أصلي.
(راجع حكم الاستئناف المختلط 27 مارس سنة 1902 مجموعة مختلطة السنة الرابعة عشرة صـ 204 وعلى هذا الرأي المسيو ده هلس الفقرة التاسعة من باب الاسترداد جزء رابع صـ 137).
فيمن يطلب منه الاسترداد

إذا أردنا أن نتقيد بنص المادة (462) مدني فإننا نقول بأنها اشترطت أن يكون الاسترداد في البيوع التي تصدر من شريك أصلي وفي الواقع فإن نصها يفيد ذلك حيث تقول (يجوز للشركاء – الأصليين – في الملك قبل قسمته بينهم أن يستردوا الحصة الشائعة التي باعها أحدهم للغير) – فإن الضمير في أحدهم عائد على الشركاء الأصليين – وعلى ذلك فلا يجوز الاسترداد إلا في البيع الصادر من شريك أصلي بحيث إذا صدر ممن تلقى الحق عن الشريك الأصلي فلا يجوز الاسترداد، وعلى هذا الرأي قضاء محكمة الاستئناف المختلطة فإنها قررت بحكمها الصادر في 31 ديسمبر سنة 1914 مجموعة رسمية سنة سبعة وعشرين صـ 100 ما يأتي:
(حق الاسترداد المنصوص عليه في المادة (561) مدني مختلط لم ينص عليه إلا لمصلحة الشركاء الأصليين ويشرط أن يكون البيع صادرًا من أحدهم، أما كون طالب الاسترداد من بين ورثة أحد الشركاء الأصليين فذلك لا يخوله شخصيًا صفة الشريك الأصلي كما هي الحال في الشريعة الإسلامية حيث الوارث ليس معتبرًا مكملاً لشخصية المورث).

متى يسقط الحق في الاسترداد

نصت المادة (462 مدني) على أن حق الاسترداد يبقى للشركاء لغاية القسمة – ولكن المادة لم تبين المقصود بالقسمة هل يجب أن تقع القسمة في جميع العين المشتركة أو يجوز أن يسقط الاسترداد بحصول قسمة في جزء من الأعيان المشتركة دون الآخر وهل يلزم أن تكون القسمة نهائية أي قسمة فرز أو مجرد تخصيص للشيوع بين الشركاء كأن يتعين حق كل شريك بعين من الأعيان المشتركة مع بقائه شائعًا فيها.

كذلك لم يرد في النص ما يشير إلى سقوط حق الاسترداد بالتنازل عنه صراحةً أو ضمنًا أو بالسكوت عنه بعد التكليف من المشتري بإبداء الرغبة فيه.
تعرضت أحكام المحاكم للفصل في بعض هذه المسائل فمن ذلك أن قضى بأن المراد بالقسمة هو مجرد صدور مثل هذا الحكم يأمر بإجرائها وأن الحق في الاسترداد يسقط بمجرد صدور مثل هذا الحكم ولا لزوم لحصول القسمة وتعيين الحصص فعلاً.
وقررت بعض الأحكام سقوط الحق في الاسترداد بالتنازل عنه صراحةً أو ضمنًا.
فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بحكمها الصادر بتاريخ 5 مارس سنة 1898 المنشور في المجموعة سنة ثامنة صحيفة (148) أن هذا الحق يسقط كلما صدر من الشريك عمل يدل على اعترافه بالمشتري شريكًا معه على الشيوع، وقضت محكمة الاستئناف الأهلية بحكمها الصادر في 26 يناير سنة 1904 (الاستقلال سنة ثانية صحيفة (29)) بسقوط حق الشريك متى صدر منه أمر يدل على رضائه بالبيع الحاصل لأجنبي وقضت بهذه القاعدة أيضًا محكمة الاستئناف المختلطة بأحكامها الصادرة في 22 مارس سنة 1900 مجموعة رسمية سنة ثانية عشرة صحيفة (175) وفي 19 يونيو سنة 1895 مجموعة سنة سابعة صحيفة (345).

ومن هذا يفهم أن المحاكم لا تأخذ بنص المادة (462) على إطلاقه فيما يتعلق بسقوط الحق في الاسترداد بل تميل إلى تقييد هذا الحكم بكل ما يمكن أن تتقيد به من القواعد العامة المسقطة للحقوق.
وهو في الواقع أقرب لروح العدل والقانون.
فيما يترتب على الاسترداد
1 – إذا كان حق الاسترداد مقررًا وكان للشريك في العقار أن يعتمد عليه في أخذ ما يباع شائعًا من أحد الشركاء الآخرين فإن بقاء هذا الحق بجانب حق الشفعة يؤدي للنتائج الآتية:

أولاً:
ليس المسترد مقيدًا باتباع إجراءات معينة في المطالبة بحقه لا بالنسبة للبائع والمشتري ولا بالنسبة لحقوق الغير بل يكفي أن يرفع دعواه على المشتري ويأخذ العين المبيعة في نظير دفع ثمنها ومصاريف البيع والمصاريف الضرورية أو النافعة التي يكون صرفها المشتري على العين المبيعة.
كذلك لا يلزم المسترد بتسجيل الطلب ولا الحكم الصادر له بالاسترداد ليمكن الاحتجاج به على الغير كما هو الحال في الشفعة.

ثانيًا:
يعتبر المسترد أنه حل محل المشتري وأنه تملك من البائع من وقت البيع ويعتبر المشتري في كل ما أجراه من التصرفات أو استثمار العين المبيعة أنه طفيلي Girant d’af faire) لا يلزم المسترد منها إلا بما كان داخلاً في سلطة الطفيلي فجميع التصرفات العينية التي يكون أجراها المشتري تصبح ساقطة وجميع المصاريف التي صرفت لا يلزم المشتري منها سوى الضرورية أي التي كانت لازمة لصيانة العين أو النافعة التي زادت في قيمتها.