خصوصية عنصر الحكم في قواعد الإسناد
المؤلف : ميثم فليح حسن
الكتاب أو المصدر : طبيعة قواعد الاسناد
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

أن المشرع في الدول المختلفة قد جرى على تصنيف العلاقات المتضمنة عنصراً أجنبياً إلى فئات أو أفكار مسندة تضم كل فئة منها مجموعة من العلاقات المتشابهة أو المتجانسة، ويجري المشرع على إسناد الفئة الواحدة منها إلى قانون معين عن طريق أداة قانونية هي ضابط الإسناد، والذي يُعد المعيار المرشد إلى القانون الواجب التطبيق ويُعبِّر في ذات الوقت عن عنصر الحكم الذي تنطوي عليه قواعد الإسناد. وضابط الإسناد يمثل نقطة الارتكاز التي من خلالها يمكن التعرف على القانون الذي ينطبق على العلاقة مثار النزاع(1)، أو هو حسب تعبير بعض الفقهاء قطب قاعدة الإسناد الذي عن طريقه تنهض هذه القاعدة بوظيفتها(2)، وذلك بالنظر إلى أن الفكرة المسندة يصنعها الواقع والتعامل بين الأفراد، والقانون الواجب التطبيق يصنعه مُشرّعه لحكم العلاقات الوطنية الخالصة من دون اعتبار لعلاقات الأفراد على صعيد المجتمع الدولي، أما ضابط الإسناد فيحدده مشرع قاعدة الإسناد في دولة القاضي ليعكس به تفضيلهُ لأحد القوانين المتزاحمة ويحقق العدالة والأمن القانوني حسب مفهومه، وذلك بالنسبة للعلاقات ذات العنصر الأجنبي تحديداً، من دون العلاقات الوطنية. وبيان هذه الخصوصية التي يتمتع بها ضابط الإسناد وإظهار أهميته في تعزيز الصفة الإرشادية لقواعد الإسناد يقتضي منا شرح الكيفية التي يتحدد بها هذا العنصر في قواعد الإسناد المختلفة، وكذلك إبراز طبيعته ومدى الدقة الظاهرة في تركيبه الفني. وهذا ما نبحثه فيما يلي.
أولاً: أصل تحديد ضابط الإسناد
قد لا يكون من المغالاة القول بأن ضابط الإسناد يمثل الهوية التي يتحدد بمقتضاها القانون الواجب التطبيق، فهو يُفصح عن تفضيل المشرع لهذا القانون وطرحه لباقي القوانين التي تتصل بها العلاقة مثار النزاع أو تَعرض حلولها وقواعدها لتنظيم تلك العلاقة. ويُستمد عنصر ضابط الإسناد من فكرة قانونية تتصل بأحد عناصر العلاقة التي من المتصَّور أن يثور بشأنها نزاع مستقبلي(3). فعلى اعتبار أن أية علاقة من علاقات الأفراد تتكون من ثلاثة عناصر هي عنصر الأشخاص أطراف العلاقة، وعنصر الموضوع أو المحل، وعنصر السبب أو الواقعة المنشئة، وأن كل عنصر من هذه العناصر يحتل مكاناً ووزناً يختلف باختلاف نوع العلاقة وطبيعتها، لذلك فان من المنطق أن يُستمد ضابط الإسناد الذي يحدد القانون الواجب التطبيق على العلاقة من أحد هذه العناصر الثلاثة(4)، وتحديداً من العنصر الذي يشكل مركز الثقل في العلاقة محل البحث. فمن ناحية عنصر الأطراف، يُلاحظ انه أهم العناصر المكونة للعلاقات التي تتصل بالشخص، أو ما تسمى علاقات الأحوال الشخصية، مثل الزواج والنسب والنفقات وغيرها، وهو يمثل مركز الثقل في هذه العلاقات(5)، لذلك يكون من البديهي أن يختار المشرع أحد ضوابط الإسناد التي تتصل بعنصر الأطراف لاختيار قانون الدولة الذي تخضع له العلاقة.

كأنْ يَتخذ من جنسية الشخص أو الزوج أو الولد أو من موطنه ضابطاً لذلك الاختيار، فيكون قانون الدولة التي ينتمي إليها الشخص بجنسيته أو قانون موطن هذا الشخص هو القانون الواجب التطبيق. وهذا ما عمله المشرع العراقي عندما جعل ضابط الجنسية المناط الذي يتحدد بموجبه القانون الواجب التطبيق على مسائل الأحوال الشخصية، وذلك في المواد 18-23 من القانون المدني رقم 40 لعام 1951(6).

ومن ناحية عنصر المحل فان دوره يبرز أساساً في مجال الأشياء بصفتها محلاً للتعامل المالي، أي تلك التي تكون موضوعاً للتصرفات المالية، أو في مجال الأموال بشكل عام. وبهذا الشأن فان المشرع عادة ما يقدر أن مسائل الملكية ونقل الحقوق العينية على الأموال تكون ذا صلة وثيقة بقانون الدولة التي يقع بها المال محل التعامل أكثر من أي قانون آخر(7). لذلك يتخذ المشرع من موقع المال العقاري والمال المنقول ضابطاً لاختيار القانون الواجب التطبيق على تلك المسائل، وهو ما قرره المشرع العراقي في المادة 24 من القانون المدني(8).

وأما من ناحية عنصر السبب أو الواقعة المنشئة للالتزام، فانه العنصر المؤهل، على ما يبدو، ليكون ضابطاً للإسناد في العلاقات التي يصعب تركيزها في حيز مكاني معين يُمهد لاختيار القانون الواجب التطبيق عليها. فالتصرفات القانونية أو الاتفاقات والعقود بشكل عام تحتل فيها إرادة المتعاقدين مركز الثقل، ولذلك فان هذه الإرادة جديرة بأن يتخذها المشرع ضابطاً للإسناد إلى القانون الواجب التطبيق على تلك التصرفات، كما فعل المشرع العراقي في المادة 25/1 من القانون المدني(9). وهذا الأمر ينطبق على مسائل المسؤولية المدنية غير التعاقدية، إذ ان الواقعة المادية أو العمل الضار أو النافع تحتل أهمية خاصة في مجال هذه المسائل، ولما كانت هذه المسؤولية أوثق صلة بمكان حدوث الواقعة أو العمل الذي ترتبت عليه، فان المشرع يَتخذ من ذلك المكان ضابطاً للإسناد إلى القانون الواجب التطبيق. وهو ما اتبعه المشرع العراقي في المادة 27 من القانون المدني(10).

ثانياً: التركيب الفني لضابط الإسناد
مَرَّ آنفاً أن ضابط الإسناد يُستمد من فكرة قانونية ترتبط بأحد عناصر العلاقة التي يتصور المشرع أن تكون محلاً لنزاع مستقبلي يُعرض على القضاء. وإذا كان الأمر على هذا المنوال فهل ان ضابط الإسناد ذاته فكرة قانونية أم انه ليس كذلك؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تقتضي التعرض لرأيين أمكن رصدهما في فقه القانون الدولي الخاص يتعلقان بتركيب ضابط الإسناد.

الرأي الأول يذهب أصحابه إلى القول إن قسماً من ضوابط الإسناد، وليس جميعها، يمكنها أن تعَبّر عن أفكار قانونية، وينحصر هذا القسم بتلك الضوابط التي تعرف بالضوابط القانونية(11). إذ ان ضوابط الإسناد، بحسب هذا الرأي، منها ما هي ضوابط قانونية ينظمها القانون بأحكام خاصة، كضوابط الجنسية والموطن وإرادة المتعاقدين، وكذلك محل انعقاد العقد ومحل تنفيذه ومحل وقوع الفعل الضار أو النافع، ومنها ما هي ضوابط واقعية لا شأن للقانون بتحديدها كضابط موقع المال المنقول أو العقاري. وينبني على هذا التقسيم أنْ تنقسم ضوابط الإسناد، كذلك، إلى ضوابط إسناد مادية يمكن إدراكها بالحس، كضوابط الموطن ومحل إبرام التصرف ومحل وقوع الفعل الضار أو النافع، وضوابط إسناد معنوية تنحصر في ضابطي الجنسية وإرادة المتعاقدين(12).

وأما أصحاب الرأي الثاني فيرون في طبيعة ضابط الإسناد غير ما يراه أصحاب الرأي السابق، ويذهبون إلى أن هذا الرأي ربما تعوزه الدقة، وذلك أنه لم يبين بشكل واضح الأساس الذي تقوم عليه التفرقة بين الضوابط القانونية والضوابط الواقعية، وهو ما ظهر على سبيل المثال بخصوص ضابط الموطن الذي تم إدراجه في الضوابط القانونية رغم ما يتسم به هذا الضابط من الطابع المادي الذي يؤهله ليكون أحد الضوابط الواقعية وفقاً للتقسيم الآخر لضوابط الإسناد(13)، وهو التقسيم الذي يُصنف هذه الضوابط إلى مادية ومعنوية تبعاً لطابعها المادي الملموس. ولهذا فقد ذهب أصحاب الرأي المقابل بحقٍّ إلى ان ضابط الإسناد هو دائماً فكرة قانونية، وهذه الفكرة تستمد أصلا من الواقع، (غير انها تصير فكرة قانونية باعتبار أن القانون يعتمد عليها لتحقيق غرض معين من أغراضه في ميدان العلاقات الخاصة الدولية)(14). فالجنسية، في حقيقتها، صفة تفيد الانتماء إلى دولة معينة، وكذلك الموطن، إذ هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادةً،ومثله موقع المال وهو المكان الذي يستقر فيه المال، ويَستخدم المشرع هذه الأفكار لاختيار وتحديد القانون الواجب التطبيق كهدف فني يتفق مع وظيفة قواعد الإسناد في ميدان تنازع القوانين، ومن دون أن ينظر في شأن الأفكار التي يستخدمها إلى أهداف تلك الأفكار في الفرع القانوني الذي تنتمي إليه، كالقانون الدولي العام أو القانون المدني.

وهذا التحليل لضابط الإسناد يؤكد ان هذا الضابط باعتباره فكرةً قانونية يتكون من عنصرين هما العنصر الواقعي والعنصر القانوني(15). فالعنصر الواقعي في ضابط الجنسية على سبيل المثال هو تمتع الشخص بجنسية دولة من الدول، أما العنصر القانوني فهو الجنسية ذاتها كنظام قانوني يفيد الانتماء إلى دولة معينة(16).

وكذلك ضابط موقع المال، إذ ان العنصر القانوني فيه هو فكرة الموقع، ويعني ذلك الحيز من المكان في إحدى الدول والذي يستقر فيه المال، أما عنصره الواقعي فهو وجود المال في إقليم دولة معينة. وذات الأمر بالنسبة لضابط الموطن، حيث ان عنصر الواقع فيه هو التوطن الفعلي والإقامة في دولة معينة، أما العنصر القانوني فهو فكرة الموطن كرابطة بين الفرد وبين إقليم تلك الدولة. وهذه التفرقة في فكرة ضابط الإسناد بين العنصر الواقعي والعنصر القانوني تفيد في بيان ان العنصر الأول يمكن التحكم فيه من قبل الأفراد أو تغييره في بعض الحالات، كما في ضابط الجنسية أو موقع المنقول أو إرادة المتعاقدين.

أما العنصر القانوني فهو ثابت دائماً ولا يتغير بفعل الأفراد، وان المشرع وحده من يملك تغيير هذا العنصر وتحديد المفهوم القانوني لضابط الإسناد، وله أيضاً أن يستبدل إحدى الأفكار القانونية بفكرة أخرى، كاستبدال فكرة الجنسية بفكرة الموطن مثلاً في بناء قواعد الإسناد الخاصة بمسائل الأحوال الشخصية، وفي هذا الفرض تثور مشكلة التنازع الزمني لقواعد الإسناد، أو ما تسمى بالتنازع الانتقالي(17). مع ملاحظة ان أمكانية تَحَكّم الأفراد في العنصر الواقعي لضابط الإسناد ربما يؤدي إلى تطبيق قانون آخر غير القانون الذي كان سيطبق لولا حدوث هذا التغيير، وهو ما يثير بعض المشكلات الخاصة كمشكلة التحايل على القانون ومشكلة التنازع المتحرك(18).
__________________

1- د. هشام علي صادق. دروس في القانون الدولي الخاص. دار المطبوعات الجامعية. الإسكندرية. 2004. الكتاب الثاني (في تنازع القوانين). ص11.
2- د. احمد عبد الكريم سلامة. علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجاً. ط1. مكتبة الجلاء الجديدة. المنصورة. 1996. فقرة 50. ص57.
3- د. صلاح الدين جمال الدين. القانون الدولي الخاص (الجنسية وتنازع القوانين)، دراسة مقارنة. ط1. دار الفكر الجامعي. الإسكندرية. 2008. ص262.
4- د. إبراهيم أحمد إبراهيم. القانون الدولي الخاص (تنازع القوانين). من دون نشر. 1997..ص 157. وانظر في ذلك أيضاً عبد الرسول عبد الرضا جابر. تغير ضوابط الإسناد في عقود القانون الخاص (دراسة مقارنة) رسالة ماجستير. كلية القانون. جامعة بابل. 1999. ص 9-11.
5- د. سامي بديع منصور. الدين وتنازع القوانين في مادة الإرث والأحوال الشخصية. مجلة الدراسات القانونية. كلية الحقوق. جامعة بيروت العربية. العدد الثاني. 2003. ص17 وما بعدها.
6- تقابلها المواد 11-17 من القانون المدني المصري رقم 131 لعام 1948، وهو ذات الحكم الذي أخذ به المشرع الفرنسي في المادة 3/3 من القانون المدني لعام 1804 بتقريرها (les lois concernant l’etat et la capacite des personnes regissent les francais، meme resident en pays etrangers.) وتعني أن حالة الفرنسيين وأهليتهم يسري عليها القانون الفرنسي ولو كانوا بالخارج. أما في النظام القانوني الانكليزي فان مسائل الأحوال الشخصية تخضع لقانون الموطن. د. عز الدين عبد الله. فلسفة المشرع المصري في تنازع القوانين. مجلة العلوم القانونية والاقتصادية. كلية الحقوق. جامعة عين شمس. العدد الأول. السنة الأولى. 1959. ص16.
7- د. حسن الهداوي. تنازع القوانين وأحكامه في القانون الدولي الخاص الكويتي. جامعة الكويت. 1974ق. ص169 وما بعدها.
8- تقابلها مادة مادة 18 من القانون المدني المصري، ومادة 3/2 من القانون المدني الفرنسي ، وهو أيضاً ما استقر عليه القضاء في النظام القانوني الانكليزي. د. احمد عبد الكريم سلامة. علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجاً. ط1. مكتبة الجلاء الجديدة. المنصورة. 1996،فقرة 735. ص974.
9- تقابلها مادة 19/1 من القانون المدني المصري، وهذه القاعدة قد استقر عليها القضاء الفرنسي، كما إنها من القواعد المعترف بها في النظام القانوني الانكليزي. د. احمد عبد الحميد عشوش. قانون العقد بين ثبات اليقين واعتبارات العدالة. مؤسسة شباب الجامعة. الإسكندرية. 2005. ص87-88.
10- تقابلها مادة 21/1 من القانون المدني المصري، وقد استقر القضاء الفرنسي على هذا الحكم، كما اخذ به النظام القانوني الانكليزي، في تفصيل ذلك د. . ممدوح عبد الكريم حافظ. القانون الدولي الخاص الأردني والمقارن. الجزء الأول (تنازع القوانين. الاختصاص القضائي الدولي. تنفيذ الأحكام الأجنبية). ط1. مكتبة دار الثقافة. عمان – الأردن. 1998. مصدر سابق. ص113.
11- من القائلين بهذا النظر في الفقه المصري. د. محمد كمال فهمي. أصول القانون الدولي الخاص. ط2. مؤسسة الثقافة الجامعية. الإسكندرية. 1978. فقرة 252. ص336-337.
12- انظر في التقسيمات المختلفة لضوابط الإسناد. د. هشام خالد. المدخل للقانون الدولي الخاص العربي، دراسة مقارنة. ط1. درا الفكر الجامعي. الإسكندرية. 2003. ص256 وما بعدها. د. عبد الحكيم محسن عطروش. أحكام تنازع القوانين في القانون اليمني والقانون المقارن. جامعة عدن. 1997. ص60.
13- حول تصوير الموطن في مجال العلاقات الخاصة الدولية. د. هشام علي صادق. دراسات في القانون الدولي الخاص. الدار الجامعية. بيروت. 1986. ص89 وما بعدها.
14- د. احمد عبد الكريم سلامة. علم قاعدة التنازع. مصدر سابق. فقرة 53. ص60 ، وهو من مؤيدي هذا الرأي في الفقه المصري.
15- د. احمد عبد الكريم سلامة. المصدر ذاته. فقرة 53. ص60-61.
16- انظر في فكرة الجنسية د. جمال محمود الكردي. الجنسية في القانون المقارن. دار الجامعة الجديدة. الإسكندرية. 2005.
17- انظر في فكرة التنازع الانتقالي، د. هشام خالد. التنازع الانتقالي في تنازع القوانين. من دون نشر. 2001. ص30 وما بعدها. د. احمد زو كاغي. التنازع الانتقالي في القانون الدولي الخاص المغربي والمقارن. المجلة العربية للفقه والقضاء. الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. العدد الثاني عشر. 1992. ص61 وما بعدها.
18- في التلاعب في ضوابط الإسناد باعتباره أحد مظاهر العنصر المادي في التحايل على القانون احمد محمود الفضلي. التحايل على القانون في القانون الدولي الخاص، دراسة مقارنة. ط1. دار المناهج. عمان – الأردن. 1999. ط2. بغداد. 1986. ص110-112، وراجع في مشكلة التنازع المتحرك ما سبق ذكره ص43 وما بعدها.