طرق إثبات الزواج وتزويج الصغار

طرق إثبات الزواج:

يثبت الزواج شرعاً بإحدى طرق ثلاث: الإقرار والبينة والنكول عن اليمينأي الامتناع عنه.
فإذا ادعى أحد الزوجين الزواج أو أمراً يتعلق به كالمهروالنفقة مثلاً فإن أقر الطرف الآخر ثبت، لأن الإقرار حجة على المقر، ويكون الثبوتبتصادقهما عليه، فيكون تقريراً للواقع وإثباتاً لزوجية سابقة لا إنشاء لعقد الزواجوقت الإقرار، وإلا لاحتاج الأمر إلى إشهاد عليه ولم يقل أحد من الفقهاء ذلك.

وإنلم يقرَّ طولب المدعي بالبينة، فان أتى بشهود يشهدون على دعواه ثبت العقد، فإن عجزالمدعي عن إقامة البينة وجهت اليمين إلى الطرف الآخر المنكر، فإن حلف على أن هذهالدعوى غير صحيحة، رفضت الدعوى، وليس معنى رفضها أنها لا تسمع بعد ذلك، بل يصحتجديدها إذا وجد المدعي شهوداً يشهدون له.

وذهب الحنفية إلى أنَّه إن امتنعالمنكر عن اليمين قضى بثبوت الزواج، لأن النكول عن اليمين.
وذهب الشافعية أنهإذا امتنع المنكر عن اليمين ردت على المدعي فإن حلف قضى له، وإن امتنع ردتدعواه.

تزويج الصغار:

موقف الفقهاء منه:
ذهب الأئمة الأربعة إلى جوازتزويج الصغار وعدم اشتراط البلوغ في صحة الزواج، لأن القرآن اعتبره صحيحاً ورتبعليه بعض آثار الزواج في قوله تعالى: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْنِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْيَحِضْنَ} [ الطلاق: 4].
فقد جعل عدة الصغيرة التي لم تحض ثلاثة أشهر. ومعلوم أنهذه لا تكون إلا بعد زواج صحيح يعقبه طلاق، ولما ثبت من فعل رسول الله وأصحابه منبعده، ولما قد يكون فيه من تحقيق مصلحة في بعض الحالات، فقد يجيء الكفء يطلب زواجالصغيرة، والولي حريص على مصلحة ابنته الصغيرة فيزوجها حتى لا يفوت الكفء إذا ماانتظر بلوغها حيث لا يوجد في كل وقت.
في أنواع الزواج من حيث الإطلاق والتقييدفي صيغته

أنواع الزواج:

في الزواج المعلق والمضاف

أ- المعلق: التعليق هوالربط بين جملتين بأن يجعل تحقيق مضمون إحداهما موقوفاً على تحقيق مضمون الأخرىبأداة من أدوات التعليق كإن وإذا.
والزواج المعلق: هو ما جعل تحقق الإيجابوالقبول أو أحدهما معلقاً على تحقق شيء آخر كأن يقول رجل لآخر : زوجتك ابنتي إن رضيأخي فيقول الآخر قبلت، أو يقول الرجل للمرأة زوجيني نفسك فتقول زوجتك نفسي إن رضيأبي.
ففي كل منهما تعليق على شيء آخر فيرتبط وجوده بوجوده.
وحكم هذا الزواجيختلف تبعاً لوجود الشيء المعلق عليه وعدمه وقت التعليق:
فإذا كان المعلق عليهمعدوماً وقت التعليق لا ينعقد العقد سواء كان ذلك المعدوم محقق الوجود في المستقبل.مثل إذا جاء الشتاء زوجتك ابنتي، أو لم يكن محقق الوجود بأن كان يحتمل وجوده وعدمهمثل إن ربحت من تجارتك زوجتك، أو إن نجحت في الامتحان تزوجتك، فإن الربح والنجاح لانقطع بوجودهما وكذلك لو كان مستحيل الوجود، كما لو قال لها : زوجيني نفسك فقالت:إن شربت ماء هذا البحر كله زوجتك نفسي. لأن عقد الزواج من عقود التمليكات وهي لاتقبل التعليق، ولأن الشارع وضعه ليفيد حكمه في الحال بدون تأخير، فتعليقه على أمرسيحدث في المستقبل يخرجه عما وضعه الشارع له ويجعله محلاً للمقامرة واحتمال حصولآثاره أو عدم حصولها، فكان تعليقه منافياً لوضعه الشرعي.
وإن كان الشرط المعلقعليه متحقق الوجود في الحال، كأن يقول الرجل للمرأة: إن نجحت في الامتحان تزوجتكوقبلت وكانت ناجحة بالفعل فإن العقد ينعقد في هذه الحالة ويكون صحيحاً، لأن التعليقهنا صوري فقط وهو تنجيز في الحقيقة لأن الشرط موجود وقت العقد.
ومثل ذلك لوقالت: زوجتك نفسي إن رضي أبي وكان أبوها حاضراً في المجلس وقال: رضيت، لأن رضاءالأب يجعل كأنه متحقق قبل العقد وقد أخبر عنه في مجلس العقد.

بـ- المضاف: وهو أنيضيف الموجب الصيغة إلى زمن مستقبل. كأن يقول لها زوجيني نفسك في أول العام القادمفتقول قبلت.
وهذا لا ينعقد أصلاً لا في وقت العقد ولا في الزمن الذي أضافه إليه،لأن الزواج مشروع ليفيد ملك المتعة في الحال، والإضافة إلى المستقبل مانعة من ترتيبآثاره في الحال، فتكون الإضافة منافية لمقتضى العقد فيلغو، ولأن الإضافة لا تخرج عنكونها وعداً بالزواج حين يجيء الوقت المذكور والوعد بالزواج ليس زواجاً.
فيالمؤقت
التوقيت: أن يقيد الصيغة بمدة من الزمن محددة أو غير محددة. طويلة كانتأو قصيرة كأن يقول الرجل للمرأة: تزوجتك مدة سنة، أو مدة إقامتي في هذا البلد أو ماشابه ذلك. وهذا الزواج غير صحيح. يتنافى مع مقاصد الزواج حيث لم يقصد به إلا مجردالتمتع بها في تلك الفترة.

في زواج المتعة
لا خلاف بين الفقهاء في أن هذااللون من الزواج قد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وبعبارةأدق في بعض غزواته لأمر طارئ يدعو إليه.
ففي الحديث المتفق عليه عن ابن مسعودقال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصيفنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] الآية.
وروى الترمذي عن سهل بن سعد قال:” إنما رخص النبي صلى اللهعليه وسلم في المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة ثم نهى عنها بعد ذلك.
وروى أحمدومسلم عن سبرة الجهني أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة قال: فأقمنا بهاخمسة عشر فأذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء … ثم قال فلمأخرج حتى حرمها رسول الله.
وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليهوسلم” نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الإنسية زمن خيبر” متفق عليه.
فهذهالأحاديث- منها ما اقتصر على الأخبار بالترخيص، ومنها ما اقتصر على الأخباربالتحريم، ومنها ما جمع بين الأمرين الترخيص والتحريم بعده. وكلها متفقة على أنالترخيص كان في حالات الغزو وليس فيها حديث واحد يفيد أنه رخص لهم فيها حالةالإقامة.
وهذا الحكم كان مباحاً مشروعاً في صدر الإسلام، وإنما أباحه النبي صلىالله عليه وسلم لهم للسبب الذي ذكره ابن مسعود، وإنما ذلك يكون في أسفارهم ولميبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحهلهم وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنه غيرمرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه صلى الله عليه وسلموذلك في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيد لا توقيت فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بينفقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا شيئاً ذهب إليه بعض الشيعة.

في الزواج المقترن بشرط
المقترن بشرط: وهو ما صدرت فيه الصيغة مطلقة عن التعليق على الشرط أوالإضافة إلى المستقبل أو التقييد بوقت لكنها مقترنة بشرط. كأن يقول ولي المرأةللرجل: زوجتك ابنتي على ألا تنقلها من هذا البلد أو ألا تتزوج عليها أو تطلق امرأتكالأخرى فيقول: قبلت زواجها.
أو يقول الرجل للمرأة: زوجيني نفسك فتقول: قبلت بشرطأن تسكنني في بيت خاص أو بشرط أن تعجل لي المهر كله. وما شاكل ذلك من الشروط التييرى أحد العاقدين أن فيها مصلحة له.
وقد اتفق الفقهاء على أن الشروط المقترنةبالعقد تتنوع إلى نوعين: شروط صحيحة وأخرى غير صحيحة. واختلفوا بعد ذلك في حد الشرطالصحيح الذي يجب الوفاء به ما هو؟ وفي ثبوت الخيار لشارطه في فسخ العقد إذا لم يوفبه من التزمه، وفي تأثير الشرط غير الصحيح في العقد بالفساد مع الاتفاق علىإلغائه.
مذهب الحنفية: الشرط الصحيح: هو الذي يقتضيه العقد ( بأن يكون موجبهحكماً من أحكام العقد)، أو يؤكد مقتضى العقد أو ورد به الشرع أو جرى بهعرف.
كاشتراط الزوجة على زوجها أن ينفق عليها أو يعطيها مهراً أو يحسن معاشرتها،وكاشتراطه أن تدخل في طاعته فهذه كلها يقتضيها العقد وثابتة ولو لم يشرطهاأحدهما.
وكاشتراط ولي المرأة أن يكون والد الزوج كفيلاً بالمهر والنفقة، فإنالمهر والنفقة من مقتضيات العقد واشتراط الكفالة بهما يؤكد حصولهما.

وكاشتراطالزوج أن يكون له حق الطلاق إذا تعثرت الحياة الزوجية أو اشتراطها أن يكون أمرهابيدها لتطلق نفسها متى شاءت، فإن هذا الشرط مما ورد به الشرع وأجازه وإن لم يكن منمقتضى العقد ولا مؤكداً لمقتضاه.

والشرط غير الصحيح: ما ليس واحداً من تلكالأنواع وإن كان فيه مصلحة لأحد العاقدين، كاشتراط المرأة ألا يتزوج عليها أو لايخرجها من البلد الذي تزوجها فيه، وكاشتراط الزوج ألا يدفع لها مهراً أو أن تقومبالإنفاق على البيت، أو ألا يتوارثا إذا مات أحدهما وكانا مسلمين، أو أن يتوارثاوالزوجة غير مسلمة، وحكم هذا الشرط أنه يلغو وحده ولا أثر له في العقد بل يبقىالعقد معه صحيحاً، لأن القاعدة المقررة عندهم أن الزواج لا يبطل بالشروطالفاسدة.
مذهب الحنابلة: الشرط الصحيح: هو ما كان فيه منفعة لأحد العاقدين ما لميكن مخلاً بالمقصود الأصلي من العقد، أو ورد من الشارع نهى عنه بخصوصه. سواء كانموافقاً لما يقتضيه العقد أو لا.
كاشتراط المرأة ألا يتزوج عليها أو ألا يخرجهامن بلدها، واشتراطه ألا ينفق عليها أو أن تكون مثقفة أو بكراً وما شاكل ذلك منالصفات التي يرغب في المرأة من أجلها.
وحكم هذا الشرط أنه يجب الوفاء به، فان لميوف به من التزمه ثبت الخيار لشارطه، لأنه ما رضي بالعقد إلا على أساس الوفاءبالشرط، فإذا لم يتحقق فات رضاه بالعقد ولا زواج مع عدم الرضا ابتداء أوبقاء.
والشرط غير الصحيح: هو الذي ورد النهي عنه بخصوصه أو كان مناقضاً لمقتضىالعقد أو مخلاً بالمقصود الأصلي منه كاشتراط المرأة أن يطلق ضرتها، فإنه ورد النهيعنه في الحديث” لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها”، واشتراط أن يتوارثامع اختلاف الدين. لحديث” لا يتوارث أهل ملتين”.
وكاشراط ألا ينجبا أولاداً، أواشتراطها ألا يتمتع بها فإن هذا الشرط مخل بالمقصود الأصلي من العقد.
وحكم هذاالشرط ألا يتقيد العقد به فلا يلزم الوفاء به ويلغي في كل حال، ولا يتأثر به العقدإلا إذا كان الشرط يجعله في معنى الزواج المؤقت كاشتراط الطلاق في وقت معين أو كانتطبيعة العقد لا تقبله كاشتراط الخيار.
اشتراط الخيار في الزواج:
الزواج لايثبت فيه خيار الشرط بالاتفاق لم يخالف في ذلك من الفقهاء.
لأن هذا العقد وضعلإفادة حل التمتع في الحال، وخيار الشرط ينافيه، ولأن الحاجة غير داعية إليه فإنهلا يقع في الغالب إلا بعد ترو وفكر ومعرفة كل واحد من الزوجين صاحبه، ولأن ثبوتالخيار يقضي فسخه بعد العقد وفي هذا ضرر كبير بالمرأة وبخاصة إذا كان بعدالدخول.
وبعد اتفاقهم على فساد هذا الشرط اختلفوا في أثره في العقد:
ذهبالحنفية إلى أن الشروط الفاسدة لا تؤثر في عقد الزواج ويقولون بإلغاء الشرط وصحةالعقد.
وذهب الحنابلة إلى أن العقد يفسد مع هذا الشرط لأن الزواج لا يقبلالإقالة فلا يقبل الفسخ فيكون هذا الشرط منافياً لطبيعته.
ولا يثبت في الزواجخيار الرؤية فيما لو تزوجا ولم يكن أحدهما رأى الآخر لأن الأصل في عقد الزواج أنيكون لازماً، وثبوت خيار الرؤية يجعله غير لازم.
على أننا لسنا في حاجة إلىإثباته ما دام الشارع قد أباح النظر عند الرؤية بل أمر به ورغب فيه.
ولا يثبت فيالزواج خيار العيب حتى ولو اشترط كل منهما أو أحدهما سلامة الآخر من العيوب.
ذهبالحنفية إلى صحة العقد وإلغاء الشرط لكنهم جعلوا للزوجة الحق في رفع الأمر إلىالقاضي ليفسخ العقد إذا وجدت بزوجها بعض العيوب التي لا يتحقق معها أغراض الزواجكالجب والعنة ولم يجعلوا هذا الحق للزوج إذا وجد بها عيباً يمنع تحقق أغراض الزواج،لأنه يستطيع أن يتخلص منها بالطلاق.
وذهب الحنابلة إلى إثبات لكل من الزوجينالخيار إذا وجد عيباً بالآخر يمنع المخالطة الجنسية سواء كان العيب في محلها أو لاكالأمراض المنفرة كالجذام والبرص والجنون وغيرها.

في المحرمات من النساء
فيالمحرمات على التأبيد وأسباب تحريمهن
المحرم على التأبيد واحد من أسبابثلاثة:
1-النسب: ويراد به هنا القرابة القريبة ويعبر عن صاحبها بذي الرحمالمحرم أي صاحب قرابة يحرم الزواج به.
2-المصاهرة: وهي العلاقة التي تترتب علىعقد الزواج وما ألحق به.
3-الرضاع.

المحرمات في النسب
يحرم بهذا السببأصنافاً أربعة:
الأول: أصول الرجل من النساء، ويبدأ هذا الصنف من الأم ويستمرصاعداً في الجدات سواء كن من جهة الأم أمْ من جهة الأب مهما علت درجتين.
الثاني:فروعه. أي ما تفرع عنه كبناته وبنات وبناته وبنات أبنائه مهما نزلتدرجتهن.
الثالث: فروع أبويه من النساء كأخواته وبناتهن وبنات إخوته مهما نزلتدرجتهن يستوي في ذلك الأخوة والأخوات من جهتين أو من جهة واحدة.
الرابع: فروعالأجداد والجدات المنفصلات بدرجة واحدة. أي الفروع المباشرة فقط وهن العماتوالخالات سواء كن عمات وخالات للشخص نفسه أم كن عمات وخالات لأبيه أو أمه أم لأحدأجداده وجداته أما الدرجة الثانية من هذا الصنف وما بعدها فهن حلال له، كبناتالأعمام والعمات وبنات الأخوال والخالات.
والدليل على تحريم هذه الأصناف قولهتعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْوَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} [النساء: 23].
فهذه الآية دلت على تحريم تلك الأصناف كلها. وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله،وهم العرب العارفون بدلالة الألفاظ العربية على معانيها وأساليبها المختلفة لذلك لميؤثر أن أحداً منهم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيان شيء غامض في هذاالجزء من الآية.
وإذا استعرضنا هذه الآية وجدناها عبرت عن الصنف الأول بكلمة {أُمَّهَاتُكُمْ} والأم في لغة العرب كما تطلق على من ولدت الشخص مباشرة تطلق علىالجدة أيضاً باعتبارها أصلاً له، لأن الأم عندهم هي الأصل. فمعنى هذه الجملة حرمتعليكم أصولكم من النساء.
وقد انعقد الإجماع بعد رسول الله على أن هذا هو المرادمنها فحرمت الأمهات والجدات ولم يعد في هذا المجال للاجتهاد. على أن التحريم يقومعلى قرب القرابة. وقد صرحت الآية بتحريم العمات والخالات وهن في القرابة أبعد منالجدات، فيدل هذا الجزء من الآية على تحريم الجدات بدلالة النص لأنهن أولى بالتحريممن العمات والخالات للمعنى الذي من أجله كان التحريم.
ودل على تحريم الصنفالثاني قوله: {وَبَنَاتُكُمْ} والبنات في لغة العرب هن فروع الرجل من النساء،والمعنى وفروعكم، ولهذا انعقد الإجماع على أن المراد بالبنات الفروع فيتناول بناتالأبناء وبنات البنات مهما نزلن، على أن الآية صرحت بتحريم بنات الأخ وبنات الأختوهن أبعد من بنات الابن وبنات البنت، فتدل الآية على تحريمهن بطريق دلالةالنص.
وحرم الصنف الثالث بمجموع قوله: {وَأَخَوَاتُكُمْ} وقوله: {وَبَنَاتُالأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} وهو واضح.
وأما الصنف الرابع فدل على تحريمه قوله{وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ} وكل من ينفصل عن الجد بدرجة يطلق عليه عمة أو خالةمهما علا الجد.
وقد اقتصرت الآية عليهن ولم تتعرض لبناتهن فبقين على الحللدخولهن تحت قوله تعالى: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24].
على أنه قد ورد التصريح بحلهن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّإِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْيَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَوَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} [الأحزاب: 50].
والأصل أن ما أحل لرسول الله يكون حلالاً لأمته إلا ما قام الدليل علىاختصاصه به ولم يوجد هنا دليل يدل على هذا الاختصاص.
-تنبيه:
اختلف الفقهاءفي المخلوقة من ماء الزنا هل تحرم على أبيها أو لا؟
فذهب الشافعي إلى أنها لاتحرم عليه، فيجوز له زواجها لأنها أجنبية منه ولا تنسب إليه شرعاً، ولا يجريالتوارث بينهما، ولا تلزمه نفقتها فلا تحرم عليه كسائر الأجانب.
وذهب جماهيرالفقهاء ومنهم الحنفية والحنابلة والمالكية في الأصح عندهم إلى أنها تحرم عليه، فلايجوز له التزوج بها. لأنها أنثى مخلوقة من مائة حقيقة فتكون جزءاً منه كبنته منالنكاح فيشملها النص بعمومه، ولذلك تسمى بنته لغةً وعرفاً، والأحكام تتبع الأسماء،وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتاً لأنها لا ترثه إذا اختلف دينها عن دين أبيهابالاتفاق، وإذا قام الدليل على خروج بعض الأحكام يبقى ما عداه، فلا خلل في إضافتهاإليه.

في المحرمات بالمصاهرة
يحرم بهذا السبب أصناف أربعة:
الأول: أصولالزوجة من النساء كأمها وجداتها من جهة الأم أو الأب في أي درجة سواء دخل بالزوجةأولا.
الثاني: فروع الزوجة التي دخل بها من النساء كبناتها وبنات أبنائها وبناتبناتها مهما نزلت مرتبتهن فإن لم يدخل بها لا تحرم فروعها.
الثالث: زوجات أصوله،كزوجة أبيه وزوجات أجداده من جهة الأب أو الأم مهما علت مرتبتهن وُجِد دخول بهنأولا.
الرابع: زوجات فروعه كزوجة ابنه وزوجات أبناء ابنه وأبناء بنته وجد دخولبهذه الزوجات أولا إذا كانت الفروع تفرعت عن صلبه.
أما البنوة بالتبني فلا أثرلها في التحريم. لأن الإسلام أبطل التبني الذي كان في الجاهلية ألغى أحكامه. وتحريمهذه الأصناف ثابت بالقرآن.
أما الأولى فبقوله تعالى: {وأمهات نسائكم} فإنه معطوفعلى قوله سبحانه {حرمت عليكم أمهاتكم} فيكون معناه: وحرمت عليكم أمهات نسائكم،وكلمة الأمهات هنا تتناول الأم المباشرة والجدات كما سبق بيانه، والآية لم تقيدالتحريم بالدخول فيبقى على إطلاقه، وعليه تحرم أم الزوجة وجداتها بمجرد العقدعليها.
أما الثاني فبقوله جل شأنه: {وَرَبَائِبُكُمْ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْمِنْ نِسَائِكُمْ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْبِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فإنه معطوف كذلك على أول الآية وهو صريح في تحريمبنات الزوجة، لأن الربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، وسميت بذلك لأنالرجل يقوم بتربيتها ورعاية شؤونها عادة، ومن هنا وصفت بكونها في الحجور تبعاًللغالب. فالوصف لا مفهوم له فلا يدل على حلها إذا لم تكن في الحجور. والآية نفسهاأشارت إلى عدم اعتباره قيداً في التحريم لأنها تقول بعد ذلك: “فإن لم تكونوا دخلتمبهن فلا جناح عليكم” فاقتصرت في بيان الحكم المقابل للأول على حالة تخلف الدخول،ولم تتعرض لكون الربائب في غير الحجور، ولو كان شرطاً لما اكتفى بنفي الدخول بللقال ولم يكن في حجوركم، والآية بعبارتها تحرم بنات الزوجة، أما بنات أولادها فثبتتحريمهن بالإجماع. والسر في التفرقة بين النوعين حيث جعل تحريم الأم وما فوقهابمجرد العقد، وتحريم البنت وما تحتها بالدخول بأصلها. حتى قرر الفقهاء قاعدة تقول: “العقد على البنات يحرم الأمهات والدخول بالأمهات يحرم البنات”.
إن الأمبطبيعتها السليمة تؤثر بنتها بالزواج على نفسها، فما دام الزوج لم يدخل بها تطيبنفسها أن تتخلى عنه لابنتها، لأنها ترى في سعادة ابنتها سعادة لها، بل إنها تستعذبالشقاء من أجل أن تسعد بناتها، وأما بعد الدخول فيبعد ذلك لأنها بعد أن استوفت حظوظالزواج لا تطيب نفسها بالتخلي عن زوجها لابنتها على أنه بعد الدخول بها تصبح بنتهاكبنت الزوج ضرورة المخالطة بينهما.
بخلاف البنت فإنه ليس من طبعها أن تؤثر أمهاعلى نفسها، فإذا عقد عليها ثم طلقها وتزوج أمها حقدت على أمها التي سعدت بهذا الزوجالذي كان سبباً في شقائها.
على أن من طبع البنت عدم الرضا بزواج أمها بغيرأبيها.
وأما الثالث: فثبت تحريمه بقوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَآبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةًوَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا} [النساء: 22]، فهذه الآية تحرم زوجات الآباء بعبارتهاالصريحة وزوجات الأجداد باعتبار أن اسم الأب يطلق لغة على الأصل المذكر سواء كانمباشراً أو غير مباشر فيكون معناها {ولا تنكحوا ما نكح أصولكم من النساء} وقد انعقدالإجماع على تحريم زوجات الأجداد.
وأما الرابع: فتحريمه ثابت بقوله جل شأنه فيسياق عداد المحرمات: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} والحلائل جمع حليلة وهيالزوجة ويثبت ذلك بمجرد العقد حتى ولو لم يعقبه دخول. ولفظ الأبناء شامل لكل منتفرع عنه من الذكور فتحرم زوجات الفروع مطلقاً.
ولا يقال:إن التقييد بكونهم منالأصلاب يقصر التحريم على زوجات أبنائه فقط دون زوجات أبناء أبنائه وأبناء بناته.لأن لفظ الأبناء في لغة العرب يشمل هؤلاء، إذ يراد به كل من يتصل به بصلة الولاد،والتقييد لإخراج حلائل الأبناء بالتبني، وقد كانت عادة التبني فاشية في العرب عندنزول القرآن فأبطل الله هذه العادة وبين أنها لا تثبت نسباً ولا غيره بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْوَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْهُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْفِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 4-5].
هل يشترط في الدخول الموجب لحرمةالمصاهرة أن يكون حلالاً؟
اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط أن يكون حلالاً من كلوجه، بل يكفي أن يكون فيه شبهة الحل. لذلك اتفقوا على أن الدخول بشبهة يحرمالمصاهرة. كما إذا عقد على امرأة عقد زواج فاسد كالزواج بغير شهود، أو عقد علىامرأة لم يرها فزفت إليه امرأة وقيل له : هذه زوجتك ثم تبين أنها ليست هي أو قصدامرأته فكانت غيرها وإنما ثبت بذلك حرمة المصاهرة لأنه وطء يلحق به النسب فأثبتالتحريم كالوطء المباح ولا يصير الرجل به محرماً لمن حرمت عليه من أصول المرأةوفروعها فلا يباح له به النظر إليهن ولا الاختلاط بهن، لأن الوطء ليس بمباحبإطلاق.
حتى إنه لا يباح له النظر إلى المرأة التي كانت سبباً ولا مخالطتها فلايباح له النظر إلى غيرها بطريق الأولى. وكذلك من جانب المرأة لا يباح لها النظر إلىأصول الرجل وفروعه ولا مخالطتهم.
ولأن المحرمية نعمة لا تنال إلا بطريق مباح منكل وجه لأنها إباحة.
وبهذا يفترق عن الوطء الحلال فإنه يفيد الأمرين. حرمةالمصاهرة وثبوت المحرمية.
-أما الوطء الحرام من كل وجه وهو الزنى فهو موضعاختلاف الفقهاء.
فذهب الحنفية والحنابلة في الصحيح إلى أنَّ زنى بامرأة حرم عليهأصولها وفروعها وحرم عليها أصوله وفروعه.
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لايثبت حرمة المصاهرة، فيجوز له أن يتزوج بأي امرأة من أصول المزني بها وفروعها. كماأن لها التزوج بأي فرد من أصوله وفروعه.

في المحرمات بالرضاع
يحرم بالرضاعأصنافاً ثمانية:
الأول: أصول الشخص من الرضاع : وهن أمه وأم أمه وأم أبيه منالرضاع مهما علت درجتهن، فإذا رضع طفل من امرأة حرم عليه الزواج بمن أرضعت لأنهاصارت أماً له، وكذلك بأم أمه وإن علت وأم أبيه رضاعاً وهو زوج المرضعة مهما علتدرجتها لأنهن صرن جدات له كما حرم عليه ذلك من النسب.
الثاني: فروعه من الرضاع:وهن بنته وبنت بنته وبنت ابنه من الرضاع وإن نزلن. فإذا رضعت طفلة من امرأة صارتابنة لزوج المرضعة الذي كان سبباً في إدرار لبنها فيحرم على ذلك الرجل التزوج بهذهالبنت وفروعها، ولو كان الرضيع طفلاً ابناً له فيحرم عليه التزوج ببناته وبناتأولاده مهما نزلن كما يحرم ذلك من النسب.
الثالث: فروع أبويه أي أخواته وبناتهنوبنات أخوته من الرضاع، مهما نزلت درجتهن يستوي في ذلك من رضع معه أو قبله أو بعدهلأنه برضاعه صار أخاً للجميع.
الرابع: فروع جديه من الرضاع في الدرجة الأولى فقطوهن عماته وخالاته من الرضاع، لأنه برضاعه صارت أخوات المرضعة خالات له وأخواتزوجها عمات له، فيحرم عليه التزوج واحدة منهن كما يحرم ذلك من النسب، وأما بناتهنفهن حلال له كما في بنات الخالات والعمات من النسب.
الخامس: أصول زوجته منالرضاع وهن: أمها وجداتها من جهة الأب والأم، فيحرم عليه التزوج بواحدة منهن بمجردالعقد عليها سواء دخل بها أو لم يدخل، كما يحرم ذلك من النسب.
السادس: فروعزوجته: وهن بناتها وبنات أولادها من الرضاع وإن نزلت درجتهن. فإذا تزوج رجل امرأةكانت متزوجة قبله بآخر وأرضعت طفلة فإن هذه الطفلة بنتها من الرضاع وتصير بالنسبةله بنت زوجته فتحرم عليه إذا دخل بأمها كما يحرم عليه التزوج بإحدى فروعها منالإناث مثل ما يحرم عليه بناتها من النسب.
السابع: زوجات أصله من الرضاع أيزوجات أبيه وجده وإن علا سواء دخل بها الأب أو الجد أو لا، فلو رضع طفل من امرأةمتزوجة صار زوجها أباً له من الرضاع وأبو الزوج جداً له كذلك فإن كان للزوج زوجةأخرى غير من أرضعته حرم على الرضيع التزوج بها لأنها زوجة أبيه من الرضاع، كما يحرمعليه التزوج بامرأة أبيه من النسب.
الثامن: زوجات فروعه أي زوجة ابنه وابن بنتهمن الرضاع وإن نزل سواء دخل الفرع بزوجته أو لا.
والدليل على تحريم هذه الأصنافبالرضاع قوله تعالى في آية المحرمات: {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْوَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ}. واقتصار القرآن على الأم إشارة إلى تحريم كلمن اتصل بعمود النسب من الأصول والفروع، واقتصاره على الأخوات إشارة إلى تحريمجوانب النسب وحواشيه.
لأنه لما سمى المرضعة أماً وبناتها أخوات دل ذلك على أنالرضاع يصل الرضيع بمن أرضعته صلة الفرع بأصله، وأنه يتكون بالرضاع جزئية يصير بهاالرضيع جزءاً ممن أرضعته كأولادها الذين ولدتهم وهم أجزاء منها ومن زوجها وأكد ذلكبأخوة أولادها له فيكون ذلك الرضيع ابناً لهما بمنزلة الابن من النسب، فيأخذ حكمهفي كل ما يتعلق بالتحريم بالنسبة للأصناف المحرمة بالنسب من البنات والعماتوالخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وقد فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماأجمله القرآن ووضح ما أشار إليه في جملة أحاديث منها الحديث المتفق عليه المروي عنابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أريد على ابنة حمزة فقال: “إنها لا تحل ليإنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم”، وفي رواية منالنسب.
وفي رواية عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلمقال:
“يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلمقال في درة بنت أبي سلمة: “إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخيمن الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة”.
ومنها الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها:أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجابقالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذنله”.
ذهب الفقهاء إلى أنه يحرم بالرضاع كل ما يحرم بالمصاهرة كما يحرم كل مايحرم بالنسب.
وهذا وقد قرر بعض الفقهاء: أن قاعدة يحرم من الرضاع ما يحرم منالنسب ليست على إطلاقها، بل هناك بعض صور مستثناة حيث يثبت فيها التحريم بالنسب ولايثبت فيها التحريم بالرضاع لوجود العلاقة المحرمة في النسب وعدم وجودها في الرضاع،منها:
أولا: أم الأخ أو الأخت من الرضاع لا تحرم. كما إذا رضع طفلان من امرأةفصارا أخوين بالرضاع. ثم رضع أحدهما من مرضعة أخرى فهذه المرضعة تكون بالنسبة للذيلم يرضع منها أم أخيه من الرضاع فتحل له، وكذا لو كان لأخيه من الرضاع أم من النسبفإنها تحل له أيضاً لعدم وجود المحرم لأنها أجنبية في الحالتين.
ولو كان الطفلانأخوين من النسب ورضع أحدهما من أجنبية وصارت أماً له من الرضاع جاز لأخيه أنيتزوجها لأنها أم أخيه رضاعة، بينما لا يجوز له أن يتزوج أم أخيه نسباً لأنها إمَّاأمه إن كانا شقيقين أو امرأة أبيه إن لم يكن شقيقاً، وكلتاهما محرمة عليه الأولىبالنسب والثانية بالمصاهرة. ومثل أم الأخ في ذلك أم الأخت.
ثانياً: أخت ابنه أوبنته من الرضاع. كما إذا رضع طفل من امرأة صار ابناً لزوجها من الرضاع، فإذا كانلهذا الطفل أخت من النسب لم ترضع من تلك المرأة فإنه يحل لذلك الزوج أن يتزوج هذهالبنت وهي أخت ابنه من الرضاع لعدم المحرم بينهما، ومثله إذا كان للرجل ابن منالنسب رضع من امرأة أجنبية ولها بنت نسبية أو رضاعية فلذلك الرجل أن يتزوج بهذهالبنت وهي أخت ابنه من الرضاع لانعدام العلاقة المحرمة بينهما. بينما لا يجوز له أنيتزوج أخت ابنه من النسب لأنها إمَّا بنته أو بنت امرأته التي دخل بها وكلتاهمامحرمة عليه، الأولى بالنسب والثانية بالمصاهرة، وأخت البنت كأخت الابن في كلذلك.
ومن وقائع الرضاع التي تحدث كثيراً أن يرضع الطفل من جدته لأمه فتصير أمهأختاً له من الرضاع، فلا تحرم على زوجها لأنها صارت برضاع طفلها من أمها أختاً لهمن الرضاع فقط وأخت الابن من الرضاع لا يحرم التزوج بها ابتداءً فلا يؤثر الرضاعالطارئ على تلك الزوجية بقاء من باب أولى.
ثالثاً- أم ولد ولده رضاعاً. كما إذاأرضعت أجنبية ابن الابن أو ابن البنت فإنها تصير أم هذا الابن رضاعاً فيحل لجدالولد أن يتزوجها مع أنه لا يجوز له أن يتزوج أم ابن ابنه أو أم بنته نسباً، لأنالأولى زوجة ابنه والثانية بنته، والأولى محرمة بالمصاهرة والثانية بالنسب. وكذلكلو أرضعت زوجة الابن طفلاً أجنبياً فإنه يكون ابن ابن رضاعاً فإذا كانت له أم نسيبةأو رضاعية أخرى لا تحرم على الجد الذي هو أبو زوج تلك المرضعة.
رابعاً: أم العمةأو العم أو الخال أو الخالة من الرضاع لعدم العلاقة المحرمة بينما تحرم إذا كانت منالنسب لأنها إمَّا جدة لأب أو لأم أو امرأة الجد.

الرضاع المحرم
معنى الرضاع:
الرضاع في اللغة: مص اللبن من الثدي سواء كان ثدي آدمية أو غيرها وسواءكان الماص صغيراً أم كبيراً.
وفي اصطلاح الفقهاء : مص الطفل الرضيع اللبن من ثديالمرأة في مدة معينة.
وقد ألحق جمهور الفقهاء بالمص إدخال اللبن إلى جوف الطفلبأي وسيلة. كإعطائه له بواسطة إناء أو أنبوبة من طريق الفم أو فتحة طبيعية. لأنهبذلك يصل إلى جوفه ويتحقق به التغذية، والتحريم منوط بإنبات اللحم وإنشاز العظمبهذا اللبن لا بصورة مص الطفل الثدي، واقتصارهم في التعريف على مص الثدي لأنهالغالب فيه كما جرت به العادة. لذلك قرروا أن إدخال اللبن جسم الطفل من طريق غيرطبيعي كالحقنة أو بواسطة جرح أو حقنة من الشرج لا يتعلق به التحريم، لأنه لا يصلإلى المعدة التي تقوم بعملية تحويل الغذاء وتوزيعه على الجسم.
فإذا تحقق الرضاعصارت المرضعة أماً للرضيع وبناتها أخوات له، لأن الطفل يتغذى باللبن في مدة الرضاعةبل هو غذاؤه الأساسي فيكون اللبن من مكونات جسمه وهو جزء من المرأة خرج من صافيدمها فيصبح الطفل كجزء منها فيكون ابناً لها وتصير بناتها أخوات له وأمها جدتهوأخواتها خالاته. كذلك يصير زوجها أباه وأخواته عماته عند جماهير الفقهاء.
شروطالرضاع المحرم:
يشترط في الرضاع المحرم شروطاً بعضها متفق عليه بين الفقهاءوبعضها الآخر مختلف فيه. – فيشترط في المرضعة أن تكون آدمية بالاتفاق فلا يحرمالرضاع من غير آدمية لأنه لا يحقق العلاقة المحرمة، فلو اجتمع طفلان على ثدي غيرآدمية أو شربا لبنها لا يتحقق به أمومة، فلا يثبت ما يتفرع عنها من الأخوة وغيرهاثم ذهب الحنفية إلى عدم اشتراط فيها أكثر من ذلك فيستوى عندهم التي درَّ لبنها بسببالولادة من زواج أو غيره.
فإذا ولدت امرأة من الزنى وأرضعت طفلاً ثبت به التحريمبالنسبة للمرأة والرجل الذي زنى بها فتصير أماً للرضيع والرجل أباه رضاعاً. لأن شرطاللبن المحرم في جانب الرجل عندهم أن يكون نازلاً بسبب الحمل والولادة منه.
وذهبالمالكية إلى موافقة الحنفية في القول المعتمد في مذهبهم، لأن الشرط عندهم أن يكوناللبن نازلاً بعد أن يخالط الرجل المرأة مخالطة تامة سواء ثبت نسب الولد منه أولا.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الرضاع من اللبن النازل بسبب الزنى يحرم فيجانب المرضعة فقط ولا حكم له بالنسبة إلى رجل لأن شرط التحريم في جانبه أن يكونالولد الذي نزل بسببه اللبن ثابت النسب منه وفي الزنا لا نسب فلا تحريم، وعلى ذلكيشترط للتحريم بالرضاع بالنسبة للرجل أن المرضعة ولدت منه بنكاح صحيح أو بمخالطةبشبهة.
ويشترط في لبن الرضاع: أن يتحقق من وصوله إلى معدة الرضيع باتفاقالفقهاء. فإن لم يتحقق ذلك بأن التقم الطفل ثدي المرأة ولم يعلم أرضع أم لا، لايثبت التحريم، لأن الحل هو الأصل ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بيقين، ولا يقين معالشك والأحكام لا تثبت مع الشك.

وهل يشترط فيه أن يكون خالصاً غير مخلوطبغيره؟

فقهاء أهل السنة وبخاصة الحنفية لا يشترطون ذلك بل لهم في خلط لبن المرأةبغيره التفصيل الآتي:
أ- إذا خلط بسائل آخر كالماء والدواء ولبن الحيوان فالحكمللغالب، فإن غلب اللبن ثبت التحريم، وإن غلب السائل فلا تحريم، لأن القليل يستهلكفي الكثير، وإن تساويا ثبت احتياطاً. وتعتبر الغلبة بالأجزاء إذا خلط لبن المرأةبلبن الحيوان أو بالماء، وبتغير اللون والطعم إذا خلط بالدواء ونحوه.
ب-إذا خلطبلبن امرأة أخرى فالراجح في المذهب الحنفي أنه يثبت به التحريم من المرأتين جميعاًدون نظر إلى كثرة أحدهما وقلة الآخر أو تساويهما لأن اللبنين من جنس واحد. وعنداتحاد الجنس لا يتلاشى أحدهما في الآخر لاتحاد المقصود منهما وهو إنبات اللحموإنشاز العظم.
ج- إذا خلط لبن المرأة بغير سائل كالطعام فإنه لا يتعلق به تحريممطلقاً عند أبي حنيفة سواء طبخ على النار أو لا، لأن خلط اللبن بالطعام استهلاك لهفيه فإن الطعام أقوى في التغذية من اللبن فيكون هو الغذاء.
وهل يشترط في الرضاعمقدار معين ؟
آراء الفقهاء في ذلك:
الرأي الأول: إن قليل الرضاع وكثيره محرموإليه ذهب الحنفية والمالكية وأحمد في رواية. وحجتهم في ذلك قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ} وقولرسول الله صلى الله عليه وسلم “يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنسب” فقد ورد الرضاع فيهمامطلقاً والأصل في المطلق أن يحمل على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده ولم يثبت عندهم هذاالتقييد.
ويؤيد ذلك أن رسول الله في بعض الوقائع أصدر حكمه في الرضاع دون أنيستفسر عن عدد الرضعات، ولو كان للرضاع المحرم عدد معين لسأل الرسول عنه قبل أنيأمر الزوج بمتاركة زوجته.
فقد روى البخاري وغيره أن رجلاً تزوج امرأة فجاءت أمةسوداء فذكرت أنها أرضعتها، فجاء إلى الرسول يخبره بذلك فأعرض عنه أول الأمر، ولماكرر السؤال قال له الرسول : “كيف وقد قيل دعها عنك”. أمره بالمفارقة ولم يستفسر منهعن عدد الرضعات، وتركه الاستفسار دليل على أنه ليس فيه عدد مقدر بل يكفي فيه أصلالإرضاع.
وإن الحكمة في التحريم بالرضاع هي أن الرضيع يتغذى بلبن المرضعة فيصيربعضه جزءاً منها. وهذه الجزئية لا يعلم بيقين أي مقدار يحققها، ومثله لا يعلم إلامن صاحب الشرع ولم يرد دليل به فضلاً عن أنه يقيد مطلق القرآن كما سنبينه قريباًفيبقى المطلق على إطلاقه.
الرأي الثاني: إن التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعاتمشبعات في أوقات متفرقة، فإن كان أقل من ذلك فلا تحريم. وإلى هذا ذهب الشافعيةوالحنابلة في الرأي الراجح من مذهبهم. وإن لم يتوفر في الرضعة الشبع لا تحسب، وحدالرضعة المشبعة عندهم. أن يأخذ الصبي الثدي ويمتص منه ثم يتركه باختياره من غيرعارض كتنفس أو شيء يلهيه عن الرضاع، فإذا فعل ذلك ثم عاد إلى الرضاع فإنه لا يخرجهاعن كونها رضعة واحدة.
واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عنعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: “كان فيما نزل من القرآن عشر رضعاتمعلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات. فتوفى رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن وفيرواية قالت: أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخ من ذلك خمس رضعات إلى خمس رضعاتمعلومات فتوفي رسول الله والأمر على ذلك.
ثم قالوا: إن علة التحريم بالرضاع هيأنه ينبت لحم الصغير وينشز عظمه.
يشير لذلك قول رسول الله “لا يحرم من الرضاعإلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم” ولا يكون ذلك إلا بالرضاع يوم كامل على الأقل وهولا يقل عن خمس رضعات.
مدة الرضاع:
إن مدة الرضاع سنتان من وقت ولادة الطفل،فأي رضاع يحصل فيها يثبت به التحريم، ولو فطم الطفل قبل تمامها ثم عاد إلى الرضاعقبل أن تنتهى، أما ما يقع بعدها فلا يتعلق به التحريم.
والدليل على ذلك منالقرآن الكريم قوله تعالى: {والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِكَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [ البقرة:233 ] فهذه الآيةتبين في صراحة أن مدة الرضاع التامة حولان كاملان ولا زيادة بعد التمام. وقولهتعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14] وهذا صريح في أن الفصال وهو الفطامفي مدة العامين لا بعدهما.
ومن السنة ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال :”لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الحولين”، وقوله: “لا رضاع إلا ما كانفي الحولين”، وقوله: “إنما الرضاعة من المجاعة” فهذه الأحاديث تفيد في مجموعها أنالرضاع المحرم هو الذي يدفع الجوع ويكتفي به صاحبه ويكون غذاء له وهذا لا يكون إلاللطفل أثناء الحولين.
ومما يصل بالتحريم بالرضاع مسألة اشتهرت في كتب الفقهاءبمسألة لبن الفحل. وهي أن المرأة التي أرضعت طفلاً بلبنها الذي نزل بسب ولادتها منرجل. فهل تمتد الحرمة إلى ذلك الرجل فيصبح أباً للرضيع كما صارت المرضعة أماًله؟
ذهب الأئمة الأربعة -الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه يثبتبالرضاع التحريم بالنسبة للرجل الذي تسبب في نزول اللبن، فلو أن الزوجة أرضعت طفلةأجنبية باللبن الذي تسبب زوجها في نزوله حرمت هذه البنت على زوجها وعلى آبائهوأبنائه، لأنها بنته من الرضاع فتصير كالبنت النسبية.

وكذلك لو أرضعت طفلاً فإنهيحرم عليه التزوج ببنات هذا الرجل مطلقاً سواء كن من هذه الزوجة أو من غيرها. لأنلبن المرأة مشترك بينها وبين من كان سبباً فيه وهو الرجل ولولاه لما كان لبن فينسبالطفل إليهما معاً. والدليل على ذلك من السنة ما رواه الجماعة عن عائشة رضي اللهعنها: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزلالحجاب، قالت فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذنله.

والأخوان من الرضاع قد يكونان شقيقين وقد يكونان لأم وقد يكونانلأب.
فإذا أرضعت امرأة طفلين بلبن سببه الولادة من رجل واحد كان الرضيعانشقيقين. وإذا أرضعت أحدهما بعد ولادتها من زوج ثم أرضعت الآخر بعد ولادتها من زوجآخر كان الرضيعان أخوين لأم، وإذا كان لرجل زوجتان فأرضعت إحداهما طفلاً وأرضعتالثانية طفلاً آخر كان الطفلان أخوين لأب، ثم إن أخوة الشخصين بسبب الرضاعة منامرأة تثبت برضاعهما منها في أي وقت سواء رضعا معاً في وقت واحد أو في وقتينمختلفين، وكذلك لو رضع طفل من أم طفل آخر صار أخاً له من الرضاع ولو لم يرضع ابنالمرأة منها أصلاً.
ما يثبت به الرضاع:
إذا كان الرضاع معروفاً بين الناسفالتحريم به ثابت لا يحتاج إلى دليل يثبته.
أما إذا لم يكن معروفاً فإنه يحتاجإلى الدليل. والمثبت له أحد أمرين: الإقرار أو البينة.
فالإقرار يكون باعترافالطرفين ( الرجل والمرأة ) أو أحدهما على التفصيل الآتي:
إذا أقر شخص بأن هذهالمرأة أخته من الرضاع فإن صدقته في إقراره ثبتت الحرمة بينهما بهذا التصادق مطلقاًسواء كان هذا الإقرار قبل الزواج أو بعده، فإن كان قبله لا يحل لهما الإقدام علىالزواج، وإن كان بعده وجب عليهما أن يتفرقا وإلا فرق القاضي بينهما. ومثل ذلك ماإذا كانت المرأة هي التي بدأت بالإقرار وصدقها الرجل، وإذا افترقا قبل الدخول فلاشيء للمرأة من المهر، وإذا كان بعد الدخول وجب لها الأقل من المهر المسمى ومهرالمثل ككل نكاح فاسد أعقبه دخول، ولا تجب لها نفقة في عدتها ولا سكنى.
وإذا أقرالرجل وكذبته المرأة ثبت التحريم أيضاً فلا يحل له أن يقدم على زواجها إن كانإقراره قبل الزواج فإن كان بعده وجب أن يفارقها، فإن لم يفعل فرق القاضي بينهما.وإذا افترقا قبل الدخول وجب لها نصف المهر، وإن كان بعده وجب لها كل المهر المسمىوللمرأة النفقة والسكنى في العدة، لأن إقراره حجة قاصرة عليه فلا يتعدى إلى حقوقالمرأة بالإبطال، وإذا رجع عن إقراره فقال: كنت واهماً أو ناسياً قبل منه هذاالرجوع في الحالتين بشرط ألا يكون أكد إقراره الأول بما يفيد اليقين كقوله أعلمأنها أختي. أو أشهد عليه. فيجوز له بعد الرجوع أن يعقد عليها، وإن كان بعد العقدبقي العقد قائماً كما كان، لأن الرضاع مما يخفى أمره فربما يكون إقراره أولابالرضاع بناء على خبر ظنه صادقاً، ثم تبين له كذبه. وهذا يدعو إلى التجاوز عنتناقضه في الإقرار أولاً والرجوع عنه ثانياً،فإن كان أكد الأول أو أشهد عليه فلايقبل منه الرجوع ويبقى التحريم قائماً.
وإذا كان الإقرار من جانبها وكذبها الرجلوكان ذلك قبل الزواج فإن ثبتت على إقرارها ولم ترجع عنه فلا يجوز لها أن تتزوجه،وإن رجعت عن إقرارها جاز لها التزوج منه.

أما إذا كان إقرارها بعد الزواج وكذبهافلا يلتفت إلى ذلك الإقرار وإن أصرت عليه، لأنها متهمة فيذلك الإقرار لاحتمال أنهافعلت ذلك لتتخلص منه بهذه الدعوى. بخلاف إقراره فإنه لا تهمه فيه، لأنه يملك التخلصمنها بالطلاق وليس في حاجة إلى دعوى الرضاع.
ومن هنا قرر الفقهاء أن الزوجة تصدقفي إقرارها بعد الزواج إذا كان أمرها بيدها وتستطيع أن تتخلص بالطلاق.
أماالبينة فقد اتفق الفقهاء على أن الرضاع يثبت بالبينة ولكنهم اختلفوا في مقدارها.فمن الفقهاء من يرى أنه يكفي في إثباته شهادة النساء، وهؤلاء منهم من يكتفي بامرأةواحدة إذا كانت مشهورة بالصدق والعدالة. ومنهم من يشترط العدد فلا يثبت عنده إلابشهادة امرأتين على الأقل.
ذهب الحنفية إلى أنه لا يثبت إلا ببينة كاملة شهادةرجلين عدلين أو رجل واحد وامرأتين كسائر الحقوق، لأنه يترتب عليه حقوق ماليةوغيرها، ولأن دعوى الرضاع يترتب عليها إبطال حق العبد، وهو ما ثبت له بعقد الزواجوكل منهما يشترط فيه تمام البينة.
ويؤيد ذلك ما روى أن عمر بن الخطاب أتى بامرأةشهدت على رجل أنها أرضعتهما فقال: لا حتى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان. وكان ذلكبمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فدل ذلك على أنه الحكم المقرر عندهم.
وقولالمخالفين إنه لا يطلع عليه الرجال غير مسلم لأن المحارم من الرجال يطلعون عليه ولاحرج فيه.
ثم إن الرضاع يحتاج في إثباته إلى البينة عند إنكار أحد الزوجين له،أما إذا لم يكن هناك إنكار فيكفي لوجوب التفريق تصادق الزوجين على الرضاع أو إقرارالزوج به وثبوته على إقراره وإن كذبته الزوجة، فإذا صحت هذه الشهادة وجب علىالزوجين الافتراق، فإن لم يفترقا فرق القاضي بينهما.

وبعد الافتراق أو التفريقيجب ما يجب في كل عقد فاسد. لا شيء لها قبل الدخول، أما بعده فيجب لها مهر المثل إنلم يكن سمى لها مهراً أو الأقل منه ومن المسمى إذا كان سمى مهراً معيناً، لأنالمسمى إن كان هو الأقل فقد رضيت به الزوجة فلا يزاد على ما رضيت به، وإن كان مهرالمثل هو الأقل فهو الواجب الأصلي في كل زواج فاسد ولا يعدل عنه إلا إذا وجد مقتضللعدول عنه، وإذا لم تصح البينة بأن نقص العدد أو كان الشهود غير عدول فإنه لااعتبار لها في القضاء فلا يملك القاضي التفريق بينهما.
أما من ناحية الديانةفالورع يقضي على الزوجين أن يفترقا لاحتمال صدق هذه الشهادة في الواقع.
فقد رويأحمد والبخاري عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداءفقالت قد أرضعتكما قال: فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني، قال: فتنحيتفذكرت ذلك له فقال: “كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما فنهاه عنها”. وفي رواية قال له: “كيف وقد قيل دعها عنك” فإن هذا الحديث يدل على أن شهادة المرأة لا توجب التفرقةوإلا لفرق الرسول بينهما من أول الأمر ولم يعرض عنه إذ الإعراض قد يترتب عليه أنيترك السائل المسألة ويكون إقراراً من الرسول على المحرم. كما يفيد كراهة الإبقاءعلى هذا الزواج بعد هذا الإخبار فأمره بتركها جاء على سبيل الندب تورعاً واحتياطاًوهذا ما يفيده قوله عليه الصلاة والسلام:كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟
ولقد فهمالصحابة رضوان الله عليهم ذلك وعلموا به، فقد روي أن رجلاً تزوج امرأة فجاءت امرأةتزعم أنها أرضعتهما فسأل الرجل علياً كرم الله وجهه فقال له: هي امرأتك ليس أحديحرمها عليك فإن تنزهت فهو أفضل، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.