الوقف

الوقف مصدر الفعل الثلاثي وقف يقف وقفاً: حبس ومنع، ومنه الموقف يوم القيامة لحبس الناس فيه للحساب ولا يأتي رباعياً، فلا يقال: أوقف إلا في لغة رديئة، واشتهر فيه استعمال المصدر محل اسم المفعول فيقال: هذه الدار وقف، أي موقوفة، لهذا يثنى ويجمع فيقال: وقفان وأوقاف.

وكان يسمى في أول عهده «صدقة» و«حبساً» و«حبيساً» ثم لزمه اسم الوقف وفشا، ولا تزال الأوقاف في بلاد المغرب إلى اليوم تسمى أحباساً.

ومفهومه الشرعي بالإجمال يفيد حبس أعيان المال عن الامتلاك والتداول، وبذل منافعه وثمراته في سبيل المصالح الدينية أو العلمية، أو الخيرية.

وهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.

واختلف الفقهاء في تعريفه تبعاً لاختلافهم في حقيقته، وفيمن يملك العين الموقوفة على ثلاثة أقوال:

فريق: يرى زوال ملك العين عن الواقف إلى ملك الله تعالى، على وجه تعود منفعتها إلى العباد، وهو مذهب الصاحبين ورواية لأبي حنيفة والشافعي في الراجح من مذهبه، وفي رواية ثانية لأبي حنيفة: يزول ملك الواقف لا إلى ملك، فهو محبوس على حكم ملكه حتى يعتبر شرطه. وفريق آخر يرى بقاء الموقوف على ملك الواقف، وهو قول ثانٍ للشافعي. وفريق ثالث يرى انتقال الملك إلى الموقوف عليهم، وهو قول مالك وأحمد وقول ثالث للشافعي.

واتفقوا على جوازه، واختلفوا في لزومه: فقال مالك والشافعي وأحمد: يصح الوقف، ويلزم بمجرد صدوره عن الواقف.

وقال أبو حنيفة: هو جائز غير لازم كالعارية تنصرف منفعته إلى جهة الوقف مع بقاء العين على حكم ملك الواقف، ولو رجع عنه حال حياته جاز ويورث عنه، ولا يلزم إلا بأحد شرطين: أن يتصل به حكم حاكم، أو يخرج مخرج الوصايا: بأن يعلق على موته.

وعناصر الوقف أربعة: الواقف، والموقوف، والجهة الموقوف عليها، والصيغة.

أما الواقف: فلابد أن يكون أهلاً للتبرع، وهو البالغ العاقل الرشيد، فلا يصح من الصبي والمجنون والمعتوه، أما المحجور عليه لِسَفهٍ فيجوز عند بعض الفقهاء وقفه على نفسه مدة حياته، ثم على جهة لا تنقطع، والمحجور عليه لدين؛ يتوقف وقفه على إجازة دائنيه، إلا إذا كان دينه لا يستغرق ماله؛ فيصح فيما وراء الدين.

وأما الموقوف: فقد ذكروا له شروطاً اختلفوا فيها، ومن ذلك:

1ـ أن يكون مالاً: عقاراً أو منقولاً أو منفعة.

أما العقار: فيجوز وقفه بالإجماع، وكذلك ما اتصل به اتصال قرار، كالبناء والشجر، وما لا يتصل به اتصال قرار لكنه من لوازمه، كآلات الحراثة والغرس: يجوز وقفه عند المالكية تابعاً ومستقلاً، ولا يدخل في الوقف عند الحنفية إلا إذا نص عليها.

وأما المنقول: فاتفقوا على أن كل ما لا ينتفع به إلا بإتلافه، كالذهب والفضة والمأكول؛ لا يصح وقفه، واختلفوا في وقف ما ينقل ويحول، ويصح الانتفاع به مع بقاء عينه: فيصح وقفه عند الشافعية والحنابلة وفي المعتمد عند المالكية، وقال الحنفية: ما جاء النص على جواز وقفه: كالسلاح والخيل والإبل يصح بالاتفاق، وما لم ينص عليه لا يجوز وقفه عند أبي يوسف إلا تبعاً للعقار، وهو كذلك عند محمد، لكنه أضاف جواز وقف ما جرى فيه التعامل كالفأس والقدوم، بخلاف ما لم يجر فيه التعامل كالثياب والأمتعة. وأما النقود فيجوز وقفها عند الحنفية والمالكية خلافاً لغيرهم.

وأما المنافع والحقوق المجردة؛ كحق الشرب والمرور فهي وإن كانت أموالاً عند الجمهور خلافاً للحنفية، لكنها لا يصح وقفها مستقلة؛ لأنها ليست أموالاً عند الحنفية، وليست أعياناً عند الشافعية، وتجوز تبعاً بالاتفاق، وأجاز المالكية وقفها تابعة ومستقلة.

2ـ متقوماً: وهو ما يجوز الانتفاع به، فلا يجوز بالاتفاق وقف أدوات اللهو والمعاصي، وأواني الخمر.

3ـ معلوماً عند الوقف، أو كالمعلوم، فلا يصح في قوله: وقفت أحد منزليَّ أو جزءاً من مالي إن لم يحدده.

4ـ مملوكاً للواقف ملكاً تاماً، فلا يصح عند الشافعية وقف مالا يملك: كمكترى وموصى بمنفعته، ولا يشترط ذلك عند مالك وأصحابه، فلو قال: إن ملكت دار فلان فهي وقف، فملكها، صح وقفه.

5ـ مفرزاً غير مشاع: وذهب المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف إلى جواز وقف المشاع مطلقاً خلافاً لمحمد؛ لأن القبض شرط عنده، وإن حكم به حاكم جاز بالإجماع، ولا يجوز الشيوع في المسجد والمقبرة عند أبي حنيفة ومحمد، وقد أجازاه فيما عداهما إذا كان مما لا يقبل القسمة، كالحمام والفرن، فإن كان يقبلها جاز عند أبي يوسف، لأنه لا يشترط القبض خلافاً لمحمد الذي يشترطه، وهذا هو المعتمد عند الحنفية.

وأما الموقوف عليه: فمن شرائطه أن يكون قربة أو محلاً للقربة، فلا يصح على المعاصي والمنكرات، ولا يصح عند الحنفية الوقف على الجهات المباحة، كالأغنياء وحدهم؛ لأنه ليس بقربة، حتى يكون للفقراء ولو بالجملة؛ بأن يكون أوله للأغنياء وآخره للفقراء، كما أجازوا الوقف لمعين كزيد أو عمرو، وعلى نفسه مدة حياته إذا جعله بعد ذلك على جهة لا تنقطع، وهو الشرط عندهم، إلا أبا يوسف فقد أجاز الوقف لجهة تنقطع؛ لأن المقصود هو التقرب لله وذلك حاصل فيما ينقطع.

ولما كان الوقف على مذهب مالك يصح مؤقتاً ومؤبداً جاز الوقف على الأغنياء وحدهم وعلى المسلم وغير المسلم، وعلى الموجود وغير الموجود، وأجاز الشافعية الوقف على الجهة المباحة كالأغنياء وعلى أهل الذمة، لكنهم شرطوا أن تكون الجهة معينة معلومة، مغايرة للواقف نفسه، فلا يصح عندهم لمجهول، ولا للواقف نفسه؛ لتعذر تمليك الإنسان ملكه لنفسه. وكذلك أجاز الحنفية والمالكية الوقف على غير المسلمين من المقيمين في ديار الإسلام، لا الحربيين.

وشرطوا حين يكون الوقف للغير أن يقبل الغير الوقف، فإن رده بطل.

وأما الصيغة: فهي الوسيلة المعبرة عن الرضا بالوقف، وقد تكون باللفظ أو الإشارة، أو الكتابة أو المعاطاة من الواقف، باعتبار الوقف من التصرفات القولية الصادرة عن الإرادة المنفردة[ر].

وهي إما صريحة: كقوله وقفت أو حبست، أو سُبِّلت، وهذه تفيد التأبيد مطلقاً، وإما غير صريحة، كقوله: تصدقت فلا تفيد الوقف إلا بقيد يدل على الوقف والتأبيد، كقوله: تصدقت بكذا على كذا صدقة لا تباع ولا توهب.

والصيغة المعبرة عن الوقف مؤبداً هي الركن الوحيد الذي تتوقف صحة الوقف عليه عند الحنفية، خلافاً للمذاهب الثلاثة الذين عدوها مع الأمور الثلاثة المتقدمة أركاناً للوقف.

ويتعلق بالصيغة ثلاثة أوصاف اختلفوا في كونها شروطاً لها:

1ـ التنجيز: فلو علق الوقف على حصول أمر فَسَدَ عند الحنفية والشافعية، لأنه تمليك في الجملة، والتمليك لا يقبل التعليق، إلا إذا كان المعلق عليه متحققاً فعلاً، ويصح عند المالكية، لكنه لا يتم الوقف إلا عند تحقق الشرط.

2ـ التأبيد: شرط عند الحنفية والشافعية فيفسد بالتأقيت، خلافاً للمالكية الذين قالوا بصحته ضمن المدة المحدودة، وينتهي بنهايتها، فيرجع الوقف إلى الواقف أو إلى ورثته.

3ـ خلو الصيغة عن كل شرط يخل بأصل الوقف، كما لو شرط الواقف لنفسه: حق بيعه واستهلاك ثمنه، وهذا مفسد للوقف عند الحنفية والشافعية، إلا إذا كان الوقف مسجداً، فيصح الوقف ويبطل الشرط، وقال المالكية يبطل الشرط من دون الوقف، سواء في ذلك المسجد وغيره.

أنواع الوقف: والوقف نوعان:

ـ الوقف الخيري: وهو الذي يقصد منه ابتغاء الأجر والمثوبة، كالوقف على المساجد ودور العبادة ودور العلم والجامعات والمشافي ودور الرعاية للمعوقين والأيتام، والأرامل، وكبار السن الفقراء.

ـ والوقف الأهلي أو الذُّري: ويقصد به نفع الأهل والأولاد والذُّرية، وقد يكون الوقف مشتركاً بين النوعين كأن يقول: نصف داري الفلانية لأولادي ثم لأولادهم، ونصفها للجهة الخيرية الفلانية.

إدارة شؤون الوقف

اتفق جمهور الفقهاء على أن الواقف هو المسؤول عن إدارة الوقف، من صيانة واستثمار وصرف للغلة على المستحقين، وله أن ينيب عنه وكيلاً يختاره لهذا، فإذا مات الواقف انتقلت الإدارة لمن يختاره، فإن لم يعين أحداً قام بذلك وصيه عند وجوده، وإلا انتقل الأمر إلى القاضي، فيقوم بذلك بنفسه، أو من يعينه نائباً عنه يسمى «الناظر» أو «المتولي» أو «القيم» ويجوز أن يكون واحداً من المستحقين أو من غيرهم، لكنه يجب أن يكون قادراً على الإدارة، واتفق الفقهاء على أنه لابد أن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً عدلاً، أما الإسلام والحرية المذكورة فالجمهور يذهب إلى أن ذلك ليس بلازم.

استبدال العين الموقوفة

اتفق الجمهور على بطلان بيع العين الموقوفة لمناقضة ذلك لمعنى الوقوف، وقد استثنوا بعض الحالات التي جوزوا فيها بيع العين على خلاف بينهم في بعضها، لكنهم اتفقوا على أنه لا بد أن يجعل ثمنها وقفاً بدلاً منها إن كان يصلح ذلك، وإلا اشترى به ما يصلح وقفاً، وهذا ما يطلقون عليه اسم الاستبدال، ومنع المالكية والشافعية بيعه، واستبداله ولو خرب الوقف، وصار لا ينتفع به، كما منعوا بيع نقضه من أحجار وأخشاب، وتنقل عند إعادة تركيبها إلى مثل المنقوض. وأجاز الحنابلة الاستبدال للحاجة أو الضرورة بشروط.

الوقف في القوانين السورية

كانت الأوقاف قبل عام 1949 تدار وفق الأحكام الشرعية المستفادة من المذاهب الفقهية المختلفة, ومجلة الأحكام العدلية التي كانت بمنزلة القانون المدني منذ أواخر العهد العثماني, وانضم إلى ذلك مجموعة القرارات والأوامر الإدارية الصادرة في عهد الانتداب الفرنسي بدءاً من 1920 حتى 1944 وكان يشرف عليها النظار والقضاة.

ولكنها بعد الانقلاب الذي قاده حسني الزعيم عام 1949 اتخذت منحىً جديداً يخالف المعهود المعروف من أحكامها، وذلك بعد إصدار ثلاثة مراسيم تشريعية، قصد منها إصلاح الأوقاف والعناية بها.

ثم توالى صدور المراسيم والقوانين والقرارات المنظمة أو المفصلة لأحكام الوقف، وأبرزها القانون رقم 104 الصادر في 19/3/1960 بخمس عشرة مادة تناولت موضوع الاستبدال، وبينت مجاله وآليته وكل التفاصيل المتعلقة به. وكذا المرسوم التشريعي رقم 204 المؤرخ في 11/12/1961 في 87 مادة موزعة على تسعة أبواب نظمت وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية, وقرر فيها أن الأوقاف الإسلامية في أنحاء الجمهورية ملك المسلمين, وتتولى إدارةَ شؤونها والإشراف َعليها وزارةُ الأوقاف (مادة 1ف آ)، وتجمع في أحد عشر بنداً كل الأوقاف والأموال الداخلة ضمن صلاحياتها ورعايتها (مادة 1ف ب)، وبين في ست فقرات الأعمال التي تمارسها الوزارة (مادة 2) وتحدث في الباب الرابع عن مجالس ولجان الأوقاف وسلطاتها (المواد 21ـ43)، وفي الباب السابع تناول موضوع إيجار عقارات الأوقاف (مادة 65) وجباية وتحصيل أجورها (المواد 66ـ71).

وهذه القوانين والمراسيم والقرارات لم تخـرج في موادها المنظمة والمفصلة لأحـكام الأوقاف عن التوجـه الجديـد الذي أخـذت به المراسيم الثلاثة الأولى أي: المرسوم 76 الصادر في 16 أيار/ مايو 1949 والمرسوم 84 الصادر في 18 أيار 1949 وفيه صدر القانـون المدني السوري الذي تناول الوقف في مـواده (774،697،373،117) والمواد (998ـ1027) وكذا المرسوم 128 الصادر في 11 حزيران/يونيو 1949 الذي فصل أحكام الوقف الخيري.

فقد قامت هذه المراسيم الثلاثة على المبادئ الآتية:

1ـ إلغاء الأوقاف الذُّرية والمشتركة وتصفيتها، وعدم الترخيص لأي صورة منها.

2ـ الاقتصار على الوقف الخيري فقط.

3ـ إنهاء ولاية المتولين والنظار, وإلغاء دورهم في رعاية الأوقاف.

4ـ قيام وزارة الأوقاف ودوائرها بمهمة النظار والمتولِّين.

5ـ عدم التقيد بشروط الواقف واعتماد ما تراه الوزارة من شروط تجمع ما بين المصلحة العامة ومقاصد الواقفين.

ولا شك أن ضبط الأوقاف وتنظيمها في اللوائح والقوانين أمر ضروري لتحقيق فوائد الأوقاف ومقاصدها وإحياء دورها، ولكن المشرع الذي انطلق من مبدأ الإصلاح لما آلت إليه الأوقاف من فوضى وقصور ـ وهو أمر يحمد له ويهنأ عليه ـ جانب الصواب في رأي بعضهم حين لجأ إلى الأسلوب السلبي في العلاج، المتمثل في إلغاء الوقف الذُري والمشترك، وإلغاء دور النظار والمتولين، والتدخل في الشروط المباحة التي يختارها الواقف وهذا يترتب عليه أمران خطيران:

الأول: تعطيل قناة مهمة من قنوات الخير والتعاون بين أفراد الأسر الواحدة وأبنائها.

الثاني: مصادرة حق الواقف في اختيار من يثق به لتحقيق مقاصده الخيرة، ويصطدم مع القاعدة الشرعية الثابتة «شرط الواقف كشرط الشارع» فلم تنعدم بحمد الله وسائل الإصلاح الإيجابية ما صفت السرائر وخلصت النيّات.