ضوابط الجمع بين العقود القانونية

د‭. ‬العياشي‭ ‬فداد, د‭. ‬سامي‭ ‬السويلم – مجموعة‭ ‬البنك‭ ‬الإسلامي‭ ‬للتنمية

تتطلب الحياة المعاصرة الكثير من الترتيبات لإبرام الصفقات، ولهذا أصبح الجمع بين العقود سمة تتسم بها صيغ التمويل والاستثمار في المؤسسات المالية الإسلامية؛ إذ تشكل صيغها ومنتجاتها منظومات من العقود تنتج آثاراً وكأنها عقداً واحداً. ولهذا الجمع اعتباراته وضوابطه التي تجعله مقبولاً شرعاً أو مرفوضاً.

وقد درس الفقهاء هذا الجمع ضمن الشروط في البيع؛ إذ غالباً ما يكون ذلك على سبيل الربط بين عقدين فأكثر إضافة إلى تحكيم القواعد سالفة الذكر في التعامل، وللعرف دور في تشكيل الكثير من صيغ التعامل.

وسوف نتناول في هذه الحلقة ضوابط الجمع بين العقود، والصورية – القولية والفعلية في العقود، وكذلك الحيل المذمومة والمخارج المحمودة في المعاملات المالية.

الجمع‭ ‬بين‭ ‬العقود

لقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض تحليله لاجتهاد الفقهاء ونظرتهم إلى العقود إلى أن الأمور التي اعتبرها الشارع في الكتاب والسنة والآثار هو التراضي في عقود المعاوضات، أما التزام لفظ مخصوص بها فليس عليه دليل(1). ثم يقرر القاعدة الجامعة وهي أن العقود تصح بكل ما دل على مقصدها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة. ثم يقرر أن صيغ البيع، والإجارة، والهبة .. ونحوها؛ لم يحد الشارع لها حداً في الكتاب أو السنة، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عيّن للعقود صفة معينة الألفاظ، أو قال ما يدل على ذلك من أنها لا تنعقد إلا بالصيغ الخاصة، بل قيل إن هذا القول مما يخالف الإجماع القديم(2).

وإذا كان كذلك فإن الشرع لا يمنع من حيث المبدأ الجمع بين العقود لتلبي الاحتياجات الاقتصادية، لأن الأصل في المعاملات الحِل. لكنه يمنع من تركيب العقود وجمعها على نحو يناقض ضوابط الشريعة وأصولها، وهذا هو معنى نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة(3). فقد يكون كلا العقدين مشروعاً على حدة، فإذا تم تركيبهما على نحو معين فقد تكون النتيجة غير مقبولة شرعاً. فجاء الحديث الشريف ليبين أن الحكم الشرعي لا يقتصر على الأجزاء، بل لابد مع ذلك من النظر للمجموع. ولذلك قال العلماء: «حكم الجمع يخالف حكم التفريق«(4).

والنهي عن بيعتين في بيعة لا يعني تحريم تركيب العقود مطلقاً، بل يختص بما إذا كانت العقود المجتمعة متناقضة ومتنافرة، وما كان كذلك فهو ممنوع شرعاً باتفاق الفقهاء(5). وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت نتيجتها النهائية غير مقبولة شرعاً. وهذا التنافر هو الذي يجعل هذه المنتجات مرتفعة الكلفة من الناحية التطبيقية، وتثير الثير من الإشكالات من الناحية الشرعية.

‭ ‬الشرع‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬العقود‭ ‬لكنه‭ ‬يمنع‭ ‬تركيب‭ ‬العقود‭ ‬وجمعها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يناقض‭ ‬ضوابط‭ ‬الشريعة‭ ‬وأصولها‭ ‬

ومن أوضح الأمثلة لذلك الجمع بين البيع والقرض. فقد اتفق الفقهاء من حيث الجملة على عدم جواز اشتراط القرض في عقد البيع(6)، سواء أكان الشرط تعليقياً كقوله: بعتك داري إن أقرضتني مبلغاً من المال، أو اقترانياً مثل: بعتك داري على شرط أن تقرضني كذا. قال ابن رشد: «اتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة»(7). وقال الباجي: «وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك»(8)، وذكر صاحب المغني معلقاً على هذه المسألة: وهذا مذهب مالك والشافعي ولا أعلم فيه خلافاً(9). وقال الحطاب: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف»(10).

ومستند الإجماع: الحديث المروي بروايات متعددة، منها: رواية عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف وبيع»(11). قال الإمام مالك: وتفسير ذلك أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا، على أن تسلفني كذا وكذا، فإن عقدا بيعهما على هذا فهو غير جائز(12). وسئل الإمام أحمد ما معنى «نهى عن سلف وبيع»؟ قال: أن يقرضه قرضاً ثم يبايعه عليه. ويحتمل أن يكون بمعنى أن يسلفه شيء فيقول إذا لم يتهيأ عندك فهو بيع عليك(13).

وفي معرض بيان الاحتجاج بهذا الحديث قال الباجي: إن تلقي الأمة له بالقبول يدل على صحة معناه، وذلك يقوم مقام الإسناد(14). وعلة النهي: أن اقتران السلف بالبيع صار ذريعة إلى أن يقرضه ألفاً ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفاً وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا معنى الربا(15).

وواضح من النص والإجماع أن الشرع المطهر لا يقصر النظر على العقود الجزئية، بل ينظر مع ذلك للنتيجة النهائية لاجتماع هذه العقود. فالبيع على حدة مشروع، والقرض الحسن على حدة مشروع، لكن اجتماعهما على النحو السابق يؤدي إلى محذور وهو الربا. ولهذا جاء النهي عنه وانعقد الإجماع على ذلك.

ولو كانت العقود المجتمعة متكاملة محققة لمعنى البيع ومقصوده، لم يكن في اجتماعها ضرر، بل يمكن في هذه الحالة دمج عقدين أو أكثر للتوصل إلى عقد جديد وصيغة مبتكرة. وقد عرف الفقه الإسلامي ذلك من القديم، فالاستصناع مثلاً صيغة مركبة من عقدي السَّلَم وإجارة العمل(16)، لكنه عقد مستقل يتميز عنهما بما يجعله عقداً جديداً مفيداً للتبادل الاقتصادي.

وبناء على ذلك فالأصل في الجمع بين العقود الحِلّ بشرط التأكد من أمرين:

1 – انتفاء التناقض والتنافر بين العقود المجتمعة. وتحقق هذا الشرط يعني أن العقود المجتمعة أصبحت متكاملة ومنسجمة بما يسمح بإنشاء عقد جديد متميز عن العقود التي نتج عنها.

2 – سلامة المحصلة النهائية والمجموع الكلي للعقود، ولا يكفي مشروعية كل من العقود المفردة على حدة. وتحقق هذا الشرط يضمن اندراج حزمة العقود أو العقد الجديد ضمن مقاصد التشريع من المبادلات(17).

الصورية‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬المالية

من أهم مظاهر العناية بالعقود بصفة عامة وعقد البيع بصفة خاصة هو الابتعاد عن الصورية في صياغة العقود وتطبيقها، منعاً لاستغلال البيع في نقيض مقصوده وهو الربا وأكل المال بالباطل. والعقد الصوري هو الذي لا يراد حقيقته وإنما يراد التوصل به إلى أمر قد يتعذر الوصول إليه إلا به.

والصورية نوعان: صورية قولية، وصورية فعلية.

الصورية القولية:

الصورية القولية هي التي يعبر فيها العاقدان بلفظ ولكن المراد خلافه. كمن يقول: وهبتك السلعة، وهو يريد بيعها. أو قد يظهر الطرفان البيع ولكن لا يريدان البيع حقيقة، وإنما أظهرا البيع خوفاً أو فراراً من مشكلة معينة، وهذا يعرف ببيع التلجئة الذي يتفق فيه المتعاقدان على إظهار العقد لخوف مثلاً ويتفقان على عدم إمضاء العقد باطناً.

‬الأصل‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬العقود‭ ‬الحِلّ‭ ‬بشرط‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬انتفاء‭ ‬التناقض‭ ‬والتنافر‭ ‬بين‭ ‬العقود‭ ‬المجتمعة‭ ‬وسلامة‭ ‬المحصلة‭ ‬النهائية‭ ‬والمجموع‭ ‬الكلي‭ ‬للعقود‭ ‬

وسبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن العبرة هي بالمعاني، وأنه لا توجد ألفاظ خاصة بالعقود. ولهذا كان الأصل أن عقود المكره وتصرفاته ملغاة مهدرة، لما في الأثر: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه«(18).

الصورية الفعلية:

أما الصورية الفعلية فهي التي تنتج من إبرام تصرف معين مع إبرام نقيضه. فالتناقض بين التصرفين يعني أنهما غير مرادين بل المراد أمر آخر. وهذا هو حقيقة النهي عن بيعتين في بيعة الذي سبقت مناقشته، حيث يتم الجمع بين عقود متنافرة ومتناقضة. كمن يبيع السلعة ثم يشتريها. فإن شراءها الثاني منافٍ لبيعها الأول. ولهذا كانت الصورية الفعلية هي الأساس للحيل المذمومة، لما تتضمنه من التناقض والتنافر بين العقود والتصرفات. وقد صاغ العلماء معياراً للتناقض بين التصرفات خاصة في الحيل الربوية، عبروا عنه بقولهم: «ما خرج من اليد وعاد إليها فهو لغو«.

قال ابن شاس: «أصل هذا الباب، وهو المعروف عند أهل المذهب ببيوع الآجال، اعتبار ما خرج من اليد وما خرج إليها، فإن جاز التعامل عليه مضى، وإلا بطل«(19). وقال القرافي: «والأصل أن ينظر ما خرج من اليد وما خرج إليها، فإن جاز التعامل به صح، وإلا فلا. ولا تعتبر أقوالهما (أي المتبايعين) بل أفعالهما فقط. فهذا هو تلخيص الفرق بين الذرائع التي يجب سدها والذرائع التي لا يجب سدها«(20).

فحقيقة هذه القاعدة هو عدم النظر لما كان لغواً من تصرفات الطرفين، بل ينظر للمحصلة النهائية. فإذا كانت محصلة التعامل بين الطرفين هي نقد حاضر بزيادة في الذمة فهي ربا، ولا عبرة بما توسط من عقود. وإذا كانت المحصلة بينهما هي ضمان بجعل فهو غرر، ولا عبرة بما توسط ذلك من عقود.

وهذه القاعدة لم ينفرد بها المالكية، بل هي مقررة من حيث المعنى لدى السلف؛ إذ كرهوا أن يقول الشخص: بعتك السلعة إلا نصفَها أو بعتك السلعة ولي نصفُها، بل ينبغي أن يقول: بعتك نصفها. لأنه في الحالة الأولى تتضمن الصيغة نقل ملكية السلعة من البائع إلى المشتري ثم عودة نصفها إلى البائع، فيكون انتقال النصف غير المبيع لغواً. فإذا قال: بعتك نصفها، وقع العقد على النصف المبيع فقط، فينتفي منها اللغو، ويصبح العقد مبنياً على حاصل الصفقة ونتيجتها النهائية.

قال سليمان التيمي وقتادة: «كُره أن يقول: أبيعك هذه السلعة ولي نصفها، ولكن يقول: أبيعك نصفها«. وقال ابن سيرين: «كان يُكره أن تبيع سلعتك ما كانت وتشترك فيها بالربع«. ومراده كراهة أن يقول: أبيعك هذه السلعة ولي ربعها، بل ينبغي أن يقول: بعتك ثلاثة أرباعها. وقال معمر: «يكره أن تقول باعت شمالك من يمينك«، وقال الحسن: «وَلّيتَ شيئاً ودخلتَ فيه«(21).

ونُقل مثل هذا عن الإمام أحمد.. ففي مسائل إسحاق بن منصور أنه سأله عمن باع شيئاً واستثنى نصفه أو ثلثه؟ فقال: «يبيع النصف ولا يستثني«(22)، وهذا يؤيد أن الإمام أحمد يتبنى من حيث المبدأ هذه القاعدة، وأن العبرة عنده بحاصل المبادلة أو الصفقة ونتيجتها النهائية، ويشهد لذلك موقفه الحاسم من الحيل عموماً. وهذا يؤكد اتفاق أصول أحمد وأصول مالك، خاصة في أبواب البيوع.

وحكمة هذه القاعدة أن انتقال السلعة أو جزء منها ثم عودته عبث. والعبث لا يشرع(23). وليس ذلك حجراً على الناس في معاملاتهم؛ لأن الناس عقلاء، والعبث ليس من شأن العقلاء. فإذا وُجد العبث كان ذلك مظنة للخلل في المعاملة. إذ ما من حيلة إلا وتتضمن ما هو لغو لأجل التحليل. فالمنع من العبث واللغو منع من شيء لا ينفع العقلاء بل يضرهم؛ لأنه يستغل في الوصول للمحرم. ولذلك سدّ السلف رضي الله عنهم هذا الباب من أصله، كما هو شأنهم دائماً.

‭ ‬العقد‭ ‬الصوري‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يراد‭ ‬حقيقته‭ ‬وإنما‭ ‬يراد‭ ‬التوصل‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬أمر‭ ‬قد‭ ‬يتعذر‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬إلا‭ ‬به‭ ‬

وهذه القاعدة هي أصل في منع الحيل التي تناقض مقصود الشرع وحكمته. وهو ما يقودنا إلى الفصل التالي.

ضابط‭ ‬الحيل‭ ‬الممنوعة

تناولت الكثير من الدراسات الحيل وأنواعها وأحكامها. وليس المقام هنا مقام استعراض أو تلخيص هذه الدراسات، وإنما صياغة معيار موضوعي، قدر الإمكان، لتمييز الحيل الممنوعة عن المخارج المشروعة. يستخدم كثير من العلماء عبارة «الحيل المشروعة« و«الحيل الممنوعة«. وربما يكون من الأفضل التمييز في الاسم بين النوعين. وفي المناقشة التالية سنستخدم لفظ «الحيلة« بالمعنى العام، والعبرة في النهاية للمضمون.

يمكننا تعريف الحيلة عموماً بأنها وسيلة غير مباشرة للوصول إلى نتيجة يحرم الوصول إليها مباشرة. فإذا كان الانتقال من (أ) إلى (ب) محرماً، فالحيلة (بالمعنى العام) تقتضي الانتقال من (أ) إلى (ج) ثم من (ج) إلى (أ).. انظر الشكل.

حكم الحيلة يتوقف على سبب تحريم الانتقال من (أ) إلى (ب). فإن كان السبب هو أن (ب) نفسها مفسدة راجحة، فيحرم الوصول إلى (ب) بأي طريق كان. وتحريم الطريق المباشر يعني أن الطريق غير المباشر محرم من باب أولى.

أما إذا كان سبب التحريم هو أن الطريق المباشر من (أ) إلى (ب) هو الذي يتضمن المفسدة، وليس (ب) في نفسها، فحينئذ يجوز بل يشرع اتخاذ طريق آخر عبر (ج) مثلاً بدلاً من الطريق المباشر.

ولتوضيح الصورة عملياً يمكن أن نمثل للنقطة (ب) بكونها صحراء مهلكة، أو رمال متحركة، أو منطقة بركانية، أو غير ذلك مما فيه مفسدة محققة. فإغلاق الطريق المؤدي إلى هذه المهلكة هو مقتضى الحكمة والحذر. فلو أراد أحدهم الالتفاف على الطريق المباشر من أجل الوصول للمهلكة كان ذلك خلاف الحكمة والعقل.في المقابل يمكننا أن نتصور أن (أ) هي نقطة معينة على ضفة بجانب النهر، و(ب) هي نقطة مناظرة على الضفة المقابلة. ولكن النهر في تلك المنطقة مليء بالتماسيح والأفاعي. فالمنع من الانتقال من (أ) إلى (ب) ليس لأن (ب) نفسها مفسدة، ولكن لأن الطريق المباشر بينهما هو المفسدة. فالحكمة حينئذ هي الانتقال من (أ) إلى نقطة أخرى (ج) تمر عبر جسر بين الضفتين، ثم الانتقال من هناك إلى (ب). فهذا سلوك عقلاني حميد ومطلوب شرعاً، ولا يقال فيه إنه احتيال على المنع من الانتقال المباشر من (أ) إلى (ب). لأن المقصود من المنع ليس عدم الوصول إلى (ب) ولكن عدم المرور عبر الطريق المباشر بينهما لأنه خطر ومهلكة. فالانتقال من (أ) إلى (ب) من خلال (ج) هو عين الحكمة ويوافق المقصود من المنع ولا يناقضه.

الحيل‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬المالية

بناء على ما سبق يمكننا التمييز بين الحيل الممنوعة والمشروعة في المعاملات المالية بالنظر إلى نوع التحريم الذي تهدف الحيلة إلى الالتفاف عليه. فما كان محرماً تحريم مقاصد فلا يجوز التوصل إليه بحال سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، والطريق غير المباشر حينئذ أولى بالمنع من الطريق المباشر. أما إذا كان التحريم تحريم وسائل، وكان سداً للذريعة وليس محرماً في نفسه، فالالتفاف عليه حينئذ ليس مذموماً بإطلاق. بل قد يكون محموداً إذا كان الالتفاف يبعد المرء عن الوقوع في المحرم.

‭ ‬الحيلة‭ ‬وسيلة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬يحرم‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬مباشرة‭ ‬

وربا النسيئة محرم تحريم مقاصد، كما دل عليه قول النبي ﷺ: «إنما الربا في النسيئة«. وهذا بخلاف ربا الفضل الذي حرم سداً للذريعة. فالالتفاف على ربا النسيئة مذموم لأنه يوقع في أمر هو مفسدة بعينه، وهو مبادلة النقد بالنقد مع التفاضل والتأجيل. فهذه النتيجة مفسدة راجحة، فأي سبيل أدى إليها فهو محرم. أما ربا الفضل، كمبادلة تمر جيد بتمر رديء كلاهما حاضراً، فهو منهي عنه خوفاً من الوقوع في ربا النسيئة إذا تأخر أحد البدلين. فإذا باع التمر بدراهم، ثم اشترى بالدراهم تمراً، وكانت كلا الصفقتين مستوفية للضوابط الشرعية، لم يكن هذا وقوعاً في المحذور بل ابتعاداً عنه كما أمر النبي ﷺ.

فضابط التمييز بين الحيل المذمومة والمخارج المحمودة هو التمييز بين ما هو محرم تحريم مقاصد وما هو محرم تحريم وسائل أو حُرم سداً للذريعة. فما كان محرماً الوصول إليه تحريم مقاصد فالتوصل إليه بالطريق غير المباشر حينئذ حيلة مذمومة. وما كان محرماً تحريم وسائل وسداً للذريعة كان التوصل إليه بطريق غير مباشر محموداً مادام يتجنب المفسدة التي لأجلها ورد التحريم.

وعلى كل تقدير فإن التمييز بين هذين النوعين من التصرفات يرجع إلى مقاصد التشريع وحكمته في سبب التحريم وتحديد مراتب المحرمات. فما يجوز وما يمتنع لابد أن يكون محققاً لمقاصد التشريع.

خاتمة

كانت هذه الدراسة محاولة لاستخلاص جملة من المعايير والضوابط التي تبين متى ينحرف عقد البيع عن مقصوده، خاصة باتجاه الربا. وهذه المعايير تستند إلى محكمات الشريعة المطهرة وإلى القواعد المتفق عليها بين العلماء. وليس الهدف من ذلك هو تضييق مساحة الابتكار والإبداع في المالية الإسلامية، بل العكس هو الصحيح. فالأصل في المعاملات الحل، لكن الابتكار والإبداع يتطلب مجموعة من القواعد والضوابط لكي يتحقق الهدف منه. فتوليد الأفكار المبدعة يتطلب وجود بعض القيود التي توجه الإبداع نحو الغاية المقصودة(24). والشريعة الإسلامية بحمد الله غنية بالحلول المناسبة لتحديات العصر إذا وجدت العزيمة الصادقة.

المراجع
(١) انظر: القواعد النورانية، ص 131-132 .

(٢) المرجع السابق، ص132-133. مجموع الفتاوى، ج29، ص448 .

(٣) رواه أحمد (6591) وأبو داود (3461) والترمذي (1231) والنسائي (4632).

(٤) القواعد النورانية، ص211.

(٥) القواعد النورانية، ص280. قضايا فقهية معاصرة، نزيه حماد، ص268-269.

(٦) انظر: الشافعي، الأم، ج8، ص187. الباجي، المنتقى ج5، 30. السرخسي، ج13، ص16. ابن قدامة، المغني، ج4، ص162 .

(٧) بداية المجتهد، ج2، ص 162.

(٨) المنتقى، ج5، ص30 .

(٩) ج4، ص162.

(١٠) مواهب الجليل، ج6، ص271.

(١١) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، ومالك في بلاغاته.. وغيرهم، قال أبوعيسى الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.

(١٢) الموطأ، ج2، ص657.

(١٣) سنن الترمذي، كتاب البيوع، باب ما ليس عندك.

(١٤) المنتقى ، ج5، ص30.

(١٥) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج3، ص113.

(١٦) بدائع الصنائع، للكاساني 5/3. وانظر البحوث المنشورة في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة السابعة.

(١٧) انظر: العقود المالية المركبة، عبدالله العمراني.

(١٨) انظر: بيان الدليل في بطلان التحليل، ص101-102.

(١٩) عقد الجواهر الثمينة، ج2 ص442.

(٢٠) الفروق، ج3 ص269.

(٢١) مصنف عبد الرزاق ج8 ص260-261.

(٢٢) مسائل إسحاق بن منصور، رقم 91.

(٢٣) بيان الدليل ص165، الموافقات ج1 ص249، 395.

(24)‭ ‬Jack Foster‭ (‬2007‭) ‬How to Get Ideas‭, ‬pp‭. ‬113-115‭.‬