إن التطور الذي شهده العالم في مجال التكنولوجيا في مختلف ميادين الحياة ومنها ميدان الصناعة والتجارة ، وزيادة العلاقات بين الدول أدت إلى انتقال ذلك التطور وانتشاره في مختلف أرجاء العالم فلم تعد العلاقات قاصرة على الدولة في داخلها بل ازداد حجم التبادلات التجارية في السلع والمنتجات بين الدول المختلفة ومعنى ذلك احتمال انتقال مخاطر تلك السلع إلى الدول الأخرى بزيادة حجم البيع الدولي والتجارة الدولية بين الدول سواء كانت متقدمة أم نامية ، صناعية أم من دول العالم الثالث ، كبيرة أم صغيرة ، فكان من الطبيعي على هذه الدول أن تنظم تلك العلاقات وتكفل حماية وسلامة المواطنين سواء كانوا من رعايا الدولة نفسها أم من رعايا الدول الأخرى ، ولقد عقدت الاتفاقيات بين العديد من الدول لتنظيم مسؤولية المنتجين وتحقيق الحماية للمستهلكين ، ومن أبرز الاتفاقيات في هذا المجال هي الاتفاقيات المبرمة بين الدول الأوربية والتي تهدف إلى حماية رعاياها في مختلف أنحاء أوربا من الأضرار التي تسببها المنتجات المصنعة في هذه الدول وكذلك كانت تهدف من إصدارها لتلك الاتفاقيات توحيد الحلول والإجراءات والقواعد القانونية في كل دول الاتحاد مما يساعد على توفير أكبر قدر من الحماية لمواطنيها على السواء ، وسنقتصر في بحثنا على اتفاقية ستراسبورغ والتوجيه الأوربي الصادر بشأن المسؤولية عن المنتجات(1).

اتفاقية ستراسبورغ :

قام المجلس الأوربي ( الذي تأسس عام 1949 لتحقيق التآلف والتعاون بين الدول الأوربية ) بتشكيل لجنة سنة 1970 تضم خبراء من دول أوربا لدراسة إمكانية توحيد قواعد المسؤولية المتعلقة بالمنتج ، ومن ثم تم وضع اتفاقية بهذا الخصوص بعد دراسة وضع المنتج والموزع في تشريعات الدول الأوربية وبعض الدول الصناعية مثل كندا والولايات المتحدة واليابان(2).وبالفعل تم وضع مشروع اتفاقية قدم إلى المجلس الأوربي للموافقة عليه ومصادقة وزراء العدل في الدول الأعضاء ، وتمت المصادقة في حزيران 1976 ، ثم تقرر التوقيع عليها من قبل الدول الأعضاء ، خلال فترة أقصاها 27 / 1 / 1977 ، فانبثق عنها اتفاقية ستراسبورغ بشأن مسؤولية المنتج عن الأضرار الجسدية والوفاة(3). ولقد تأثر المشرع الأوربي بالوثيقة التي أصدرها المعهد الأمريكي للقانون عام 1946 والتي تتعلق بالمسؤولية وما يجب أن تتجه إليه من تطور ، وتضمنت هذه الوثيقة بعض النصوص القانونية التي كانت المصدر الرئيس للمشرع الأوربي عند إعداده لمشروع الاتفاقية الأوربية للمسؤولية عن المنتجات ( اتفاقية ستراسبورغ ) وكذلك عند تنظيمه للتوجيه الأوربي(4). تقع الاتفاقية في 17 مادة ، وما يعنينا من هذه الاتفاقية هو أنها تناولت مسؤولية المنتج عن الأضرار التي تسببها منتجاته ، إلى أنها لم تشر بصراحة إلى الالتزام بضمان السلامة ، إلا ان ذلك يمكن استنتاجه من خلال نصوصها ، ونتيجة لعدم كفاية هذه الاتفاقية في توفير الحماية لمواطني الدول الأعضاء ، فإن دول المجموعة الأوربية سعت إلى إصدار اتفاقية تقرب بين تشريعات الدول الأعضاء وتعمل على وضع نظام خاص للمسؤولية عن المنتجات المعيبة لتوفير الحماية للمستهلكين سواء كانوا متعاقدين أم من الغير ونتج عن تلك الجهود إصدار التوجيه الأوربي في 25 / 7 / 1985(5).

التوجيه الأوربي بشأن المسؤولية عن المنتجات :

قامت الدول الأعضاء في المجموعة الأوربية بتشكيل لجنة قانونية في محاولة منها لتوحيد قواعد المسؤولية بين دول السوق الأوربية المشتركة وكانت تستهدف حماية فعالة للمستهلك الأوربي في ظل الاختلاف الحاد بين قوانين الدول الأعضاء ، مما أدى ذلك إلى الانعكاس سلباً على المستهلك والمنتج ، لأن بعض الدول متشددة في تنظيمها لهذه المسؤولية في حين أن دولاً أخرى لا يوجد فيها مثل هذا التشدد ، وبذلك يكون موقف المنتج ضعيفاً في الدول ذات القوانين المتشددة مقارنة مع منافسيه في الدول الأخرى ، والمستهلك يتعرض في بعض الدول إلى خطر المنتجات المستوردة من الدول الأخرى دون أن توجد له حماية كافية وفعالة في مواجهة تلك الأخطار ، لذلك فإن اللجنة المشكلة أعدت مسودة بمشروع قانوني موحد تحكم مسؤولية المنتج رفعت في تاريخ 9 / أيلول / 1979 إلى مجلس وزراء دول السوق الأوربية للمصادقة عليها فحظيت بالمصادقة سنة 1979 ، وعدلت في 25 / تموز 1985 التي تم بموجبها إقرار التوجيه الأوربي بشأن المسؤولية عن المنتجات المعيبة(6). حدد المشرع الأوربي ثلاث سنوات من تاريخ إصدار التوجيه لتقوم الدول الأعضاء بإدخاله في تشريعاتها الداخلية على أن يتم ذلك خلال موعد أقصاه 30 / تموز / 1988 ، لذلك قامت معظم الدول الأعضاء بإصدار القوانين لتطبيق التوجيه وجعله جزءا” من التشريعات الداخلية(7). ولقد تأخرت فرنسا كثيراً في إصدار القانون الذي يجعل من التوجيه جزءاً من القوانين الداخلية ، ورغم العديد من المحاولات لإصدار مشروع قانوني إلا أن جميع تلك المحاولات لم تلق النجاح، إلى أن تم نجاح المحاولة الاخيرة باصدار قانون 19 / أيار / 1998 الذي تم بموجبه تنظيم المسؤولية الموضوعية عن المنتجات ، إلا أن المشرع الفرنسي لم يجعل التوجيه تشريعاً مستقلاً بل ادمجه في القانون المدني الفرنسي واعتبره جزءاً منه. إن التوجيه يؤكد بصورة صريحة على الالتزام بضمان السلامة الملقى على عاتق المنتج وقيام مسؤوليته تجاه المتضرر المتعاقد وغير المتعاقد إذ جاء في حيثيات إصدار التوجيه أن المسؤولية التي تقوم بموجب أحكام التوجيه تسمح بمواجهة صحيحة وعادلة للمشكلات التي تنتج عن تطور التقنية المستخدمة في الإنتاج ويسمح بتوزيع عادل للمخاطر الناجمة عن الإنتاج الذي يعتمد على التقدم والتطور التكنولوجي في العصر الحالي حيث إن المسؤولية بموجب أحكام التوجيه هي مسؤولية موضوعية ، تنهض فيها مسؤولية المنتج بمجرد إثبات العيب في السلعة سواء كان المقصود بالعيب عيبا” بالمعنى الفني الذي يؤدي إلى حدوث الضرر أم كان المقصود به الخطورة التي تسببت في حدوث الضرر(8). والمشرع الأوربي قد فصل تماماً بين فكرتي السلامة وصلاحية المبيع للاستعمال لأن المادة السادسة من التوجيه تجعل المبيع معيباً متى كان لا يتضمن الأمان الذي يحق للجمهور أن ينتظره على ضوء جميع الظروف المحيطة وعلى وجه الخصوص طريقة تقديم السلعة واستعمالها ولحظة إطلاق السلعة في التداول ، بحيث يجب على المنتج توفير المعلومات والبيانات الضرورية والمتعلقة بالسلعة ، وأن يتم الاستخدام وفقاً لمعايير معقولة(9). وهذا يدل على اختلاف مضمون كل من الالتزام بضمان السلامة وضمان العيوب الخفية فلكل منهما مجاله وإن كان مجال ضمان السلامة أوسع مدى وأكثر شمولية ، فوفقاً للمعطيات الحالية في عصرنا هذا فقد أصبح ضمان السلامة أكثر أهمية من العيوب الخفية بل أصبح يهيمن عليه ، ولذلك لاحظنا كيف أن القضاء الفرنسي وسع من نطاقه في عقد البيع ليشمل المضرور المتعاقد وغير المتعاقد وحاول كثيراً التقريب في أحكامه من التوجيه الأوربي فأسس القضاء والفقه الفرنسي نظاماً قانونياً خاصاً وشاملاً حتى قبل إصدار قانون 1998 والذي هيأ المجال لإصدار هذا القانون(10). ونرى أنه من الضروري أن تقوم الدول العربية بمسايرة التطور وأن لا تكتفي بإصدار القوانين الداخلية التي تضمن وتحقق سلامة المستهلك ، بل إن تضع قانوناً موحداً لتنظيم هذه المسؤولية وتعمل على جعله جزءاً من تشريعاتها الداخلية لكي تكون الحماية على وجه اكبر وأكثر شمولية ، فتقوم على الأقل بتوحيد قوانينها التي تحمي المستهلك على غرار ما يتم في الدول الأوربية لكي لا يكون المواطن العربي أقل حماية من المواطن الأوربي.

___________________________

– من الاتفاقيات الأخرى التي عقدت بهدف حماية المستهلكين ، اتفاقية روما والتي عقدت سنة 1957 وعدلت سنة 1986 ، واتفاقية لاهاي والذي انعقد لمعالجة مسالة تنازع القوانين بشأن مسؤولية المنتج ، فصودق على الاتفاقية في تشرين الأول ، 1972 ، وتتضمن الاتفاقية ( 22 ) مادة ، ولعل المادة التاسعة منها تعبر عن وجود الالتزام بضمان السلامة حيث تتعلق هذه المادة بإمكان فاعلية القواعد المتعلقة بالسلامة في القانون الداخلي للدولة التي أطلقت السلعة للتداول والتي يكون الغرض منها حماية الجمهور من مخاطر السلعة وإمكانية تطبيق قواعد القانون الداخلي لتلك الدولة ولو لم يكن قانون هذه الدولة هو الواجب التطبيق وفقاً لأحكام الاتفاقية ، أنظرفي تفصيل ذلك د. محمد عبد القادر الحاج ، مصدر سابق ، ص12 وما بعدها.

2- ينظر د. محمد عبد القادر الحاج ، مصدر سابق ، ص17.

3- ينظر سالم رديعان العزاوي ، مصدر سابق ، ص23.

4- طبقاً للمادة ( 402 )فقرة أ من الوثيقة الصادرة في الولايات المتحدة بقيام مسؤولية البائع المحترف متى كان محل البيع منتوجاً معيباً يعّرض بطريقة غير مألوفة شخص المستهلك إلى الخطر ، حتى لو أثبت عدم اقترافه للخطأ ، ينظر د. حسن عبد الرحمن ، مصدر سابق ، ص73.

5- ينظر G. VINEY et P. Jourdain، op. cit، P. 761-762.

6- ينظر سالم رديعان العزاوي ، مصدر سابق ، ص24-25.

7- كما هو الحال بالنسبة للملكة المتحدة البريطانية بموجب القانون الصادر سنة 1978 ، إيطاليا بموجب المرسوم الصادر سنة 1988 ، اليونان بموجب المرسوم الصادر سنة 1988 ، ألمانيا الاتحادية بموجب قانون 1989 ، الدانمارك بموجب قانون 1989 ، البرتغال بقانون 1989 ، هولندا بقانون 1990 ، بلجيكا بقانون 1991 ، إيرلند بقانون 1991 ، ينظر د. جابر محجوب علي ، مصدر سابق ، ص175 هامش ( 1 ).

8- ينظر د. حسن عبد الباسط ، مصدر سابق ، ص182.

9- ينظر G. VIENEY et P. Jourdain، op. cit، P. 792-793.

0- هناك أوجه تشابه وخلاف بين التوجيه الأوربي والنظام الذي أسسه القضاء والفقه الفرنسيان في جوانب معينة ومن أهم أوجه التشابه هو التشابه من حيث معيار المسؤولية ومن حيث المنتجات ومن حيث النظام القانوني للمسؤولية وشموله المتضرر المتعاقد وغير المتعاقد أما أوجه الخلاف فهو من حيث مدة رفع الدعوى ومن حيث الضرر الذي يتم تعويضه ، إذ أن النظام الذي شيده القضاء والفقه الفرنسي هو الأقرب إلى الحماية الفعالة للمستهلك ، ينظر في هذا التشابه والخلاف ، د. جابر محجوب علي ، مصدر سابق ، ص176 وما بعدها ، عامر قاسم أحمد ، مصدر سابق ، ص182 وما بعدها ، وسوف نبحث في طبيعة المسؤولية التي جاء بها التوجيه وقانون 1998 في الباب الثاني.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .