بحث عن قانون العقوبات

لا يمكن أن نتصور مجتمعا منظما بدون تشريع و لا يضمن المجتمــع استمرارية نظامه و استتباب أمنه إلا بمواجهة مختلف السلوكيات الضارة و المعتدية على حريات و حقوق الآخرين أفرادا كانوا أو جماعات و لا يتأتى ذالك إلا بتشريع عقابي .

و تتجلى هذه الأهمية للتشريع العقابي أو القانون الجنائي على تاريخه الطويل منذ نزول الإنسان إلى سطح الأرض و ما صاحب ذالك من تطور مستمر لهذا التشريع حتى وصل إلى الصورة الحديثة و لا تزال المناقشات و الإثراءات و التعديلات سارية إلى يومنا هذا و لا يمكـن أن تنتهي لأن التشريع العقابــي يتطور مع تطور المجتمع

مر قانون العقوبات عبر الأزمنة و الأماكن و باختلاف المجتمعات بعدة مراحل تاريخية حيث ظهر في كل مرحلة بصورة تختلف عن المرحلة التي تليها حتى وصل إلى ما هو عليه في العصر الحديث

المطلب الاول مراحل تطور القانون الجنائي :

اختلف ردة الفعل على الظاهرة الإجرامية باختلاف الأحقاب التاريخية فمرت بثلاث مراحل هي :

الفرع (01) مرحلة الانتقام والحروب الخاصة :

إن الإنسان البدائي لم يكن يحتكم إلى دين أو تشريع نظام متبع بل كان يحتكم إلى فطرته التي تقرر أن كل فعل لابد من ردة فعل فهو يدافع عن نفسه أو ماله بدافع الغريزة أو الفطرة فهو

الذي يقدر ما إذا كان الفعل الذي وقع عليه يستوجب العقاب من عدمه و هو أيضا الذي يقدر نوع العقاب ومقداره كما كان الفرد هو الذي يوقع العقاب بنفسه أو بواسطة أهله وأصدقائه .

و انطلاقا من هذه النظرة فكان من الطبيعي أن تكون الجرائم غير محدودة ولا معينة وكذلك الأمر بالنسبة للعقاب الذي لم يكن هدفه تحقيق المصلحة أكثر مما هو إشباع للغريزة ولذلك لم تكن العقوبات في هذه المرحلة منظمة ولا هادفة ولذلك فإنها امتازت بالوحشية وعدم المناسبة فكانت توقع العقوبات لا على أساس جسامة الجريمة وإنما على أساس قوة المجني عليه الذي ينفذها وضعف الجاني الذي تنفذ عليه لذلك أطلق على هذه المرحلة بمرحلة الانتقام الفردي.

وقد أخذت ردة الفعل الاجتماعية في هذه المرحلة صورتين : العدالة مسألة عائلية وعدالة القبيلة, فالعدالة مسألة عائلية عندما يقع نزاع أو خلاف بين أفراد العائلة الواحدة, يتولى حل النزاع وتطبيق العدالة رب العائلة وكبيرها وتكون العقوبة على المعتدي بحرمانه من المزايا العائلية أو بعضها وأرفع الحماية عليه والجلد والإيلام الجسدي.

أما إذا وقع النزاع أو الخلاف بين عائلتين من قبيلة واحدة فيتولى تحقيق العدالة كبيرا العائلتين ويكون الحل إما بالتعويض أو تسليم المعتدي للعائلة المتضررة للانتقام منه.

أم العدالة القبلية: إذا وقع نزاع أو خلاف بين قبيلتين مختلفتين فيحل النزاع إما بالانتقام الخاص الذي يعد حقا للضحية وعائلته وقبيلته مما يتسبب في نشب الحروب الخاصة وقد يحل النزاع سلميا بالتعويض المادي أو التخلي على المعتدي ليصبح طريدا شريدا أو تسليمه للقبيلة الأخرى لتقتص منه كيفما شاءت [1] .

الفرع (02): مرحلة العدالة الخاصة

مع تطور الانسان واتصاله بغيره أصبحت مسؤولية العقاب والرد على الجرائم من اختصاص التجمعات التي تشكلت ابتداء من الاسرة إلى العشيرة إلى القبيلة إلى المجتمع حيث ضاقت سلطة الفرد وانكمشت لتحل محلها سلطة الدولة والمجتمع حيث تميزت هذه المرحلة بإحلال العدالة الخاصة محل الانتقام الخاص.

إن مرحلة العدالة الخاصة عرفت تطورا مع تنظيم الردع بما جاء به من قيود على الانتقام حيث لم يعد بدون رقابة وبدون مقياس, بل أصبح موجها ومحددا حيث تعمل الدولة على حصر أطراف حق الانتقام وذلك من خلال الاعتراف بالحق في الانتقام لبعض الأقارب فقط وحظر تدريجيا ممارسة الانتقام على غير الجاني.

كما تتدخل الدولة في تحديد كيفية تنفيذ الانتقام سواء في المكان أو الزمان[2].

كما تعمل الدولة على البحث على بدائل الانتقام الدموي من خلال التشجيع على الصلح.

وعليه تميزت مرحلة العدالة الخاصة بحضور محتشم للدولة التي اقتصر دورها على تقديم مساعدة للطرف المضرور (الضحية) لتمكينه من العدالة والتأكد من شرعية الانتقام وسيره الصحيح غير أن هذه العدالة ظلت خاصة سواء من حيث تحريكها (للطرف المضرور مبادرة المتابعة) أو من حيث سيرها (يقودها الطرف المضرور) أو من حيث الهدف (الذي هو إرضاء الطرف المضرور وأقاربه).

الفرع (03): مرحلة العدالة العمومية

عكس العدالة الخاصة تزامنت العدالة العمومية مع تحكم الدولة في قيادة الردع وتنظيمه حيث تتكفل الدولة بإضفاء الطابع الاجتماعي على الجزاء أي العقوبة أي إظهار الجزاء بمظهر المتدخل باسم المجتمع ولفائدته حيث تقوم الدولة بتنفيذ العقوبة بواسطة موظفيها والإشراف على انطلاق الخصومة الجزائية ولقد تميزت مرحلة العدالة العمومية بخصائص عديدة أهمها:

– يمنع على الضحية الاقتصاص لنفسها, إذا يتعين عليه التوجه إلى ممثلي السلطة العمومية لطلب العدالة, التي أصبح فيها للقاضي دور أكثر فعالية بحيث لم يعد يكتفي بملاحظة صحة الانتقام بل يتعين عليه سماع الشهود وتقديم الإذناب وحل معضلة الإثبات.

– الدعوى الردعية ملك للمجتمع كله حيث لم تعد دعوى خاصة بل أصبحت دعوى عمومية.

– تسلط العقوبة باسم المجتمع ولفائدته فهي تشكل جزاء اجتماعيا يختلف تماما عن جزاء الضرر الخاص وبذلك يحل الانتقام الاجتماعي محل الانتقام الخاص وفي ظل العدالة العمومية تبلور القانون الجنائي في مفهومه المعاصر

[3].

المطلب الثاني: التيارات الفكرية والقانون الجزائي

– يمكن تقسيم هذه التيارات إلى أربع مدارس هي:

– المدرسة الكلاسيكية القديمة.

– المدرسة الكلاسيكية الجديدة.

– المدرسة الوضعية

– مدرسة الدفاع الاجتماعي.

الفرع (01): المدرسة الكلاسيكية القديمة:

ظهرت هذه المدرسة في القرن الثامن عشر في ظروف اجتماعية طغى فيها التسلط وتجاهل الحقوق الفردية وحق الإنسان في الحياة ككائن حي له شخصيته وإرادته مما جعل أقطاب هذا التيار يركزون على هذه الشخصية ونتيجة لذلك تبلورت فكرة المسؤولية الجزائية المبنية على حرية الاختيار والإرادة [4].

حيث تأثرت هذه المدرسة بحد كبير بنظريات الفلاسفة الفرنسيين من أمثال مونتيسكيو و روسو فقالوا أن الإنسان ذو إرادة وتفكير وهو المسيطر على تفكيره وإرادته فإذا ما أقدم على ارتكاب جريمة فإنه يكون قد اختار لنفسه الطريق غير السليم الذي يقوده إلى العقوبة ومن ثمة فإن العقوبة على رأي هذه المدرسة تتمثل في ثمن يجب أن يدفعه الجاني لقاء خرقه النظم الاجتماعية المتمثلة في نصوص قانون العقوبات وهكذا ففي نظر أصحاب هذا التيار تعد حرية الاختيار أساس المسؤولية وأن العقوبة تقدر بصفة موضوعية حسب الضرر الذي تسببت في إحداثه الجريمة بصرف النظر عن مرتكبها, وقد عرف أصحاب هذا التيار بالمذهب النفعي باعتبار أنه ينادي بتناسب العقوبة مع الجريمة وأن الغاية من العقاب هو منع ارتكاب الجريمة.

الفرع (02): المدرسة الكلاسيكية الجديدة:

ظهرت هذه المدرسة التي يقودها الفيلسوف الألماني “كانت” (Kant) في أعقاب المدرسة التقليدية, فأخذت بحرية الإرادة كأساس لتقديم المسؤولية الجزائية غير أنها لم تأخذ بالقاعدة العامة التي تنص على المساواة المطلقة في العقاب إذ جاءت ببعض الاستثناءات لهذه القاعدة حيث أن حرية أن حرية الإرادة لا يمكن تحقيقها في حالة الاعتلال العقلي كالعته والجنون وفي حالة صغر السن أو في بعض الظروف القاهرة التي يفقد فيها الإنسان القدرة على الاختيار الصائب كالسكر مثلا.

وفي المجال العقابي يرى هذا التيار أن العقوبة تطبق لأنها تمثل العدل وأن الشر يقع على من أتاه وأن العقوبة أداة للتكفير ومناعة ضد العودة للإجرام.

وأن تبقى العقوبة متصفة بالطابع الإنساني وأن لا تكون بالغة الشدة بل فقط رادعة للمجرم ولأمثاله ممن تسول لهم أنفسهم الجريمة.

ولذا كان هذا التيار قد أخذ بالضرر الاجتماعي فإنه ركز أكثر على المسؤولية الأخلاقية للفاعل ودرجة إذنابه أي الإسناد بحيث تسند الجريمة لمرتكبها.

الفرع (03): المدرسة الوضعية:

ومن الانتقادات الموجهة إلى التيار الكلاسيكي قديمه وجديده أنه أخذ بحرية الاختيار بشكل مطلق وأنه عالج ظاهرة الإجرام من جانب فلسفي أخلاقي بحث وأهمل الجوانب الأخرى التي تعتمد على الفحوص العضوية ومدى تأثير العوامل البيئية والاجتماعية على تكوين الإنسان وتفكيره وسلوكه وطباعه وقد مهدت هذه الانتقادات لظهور التيار الوضعي حيث يستلهم هذا الأخير فلسفته من النظرية الوضعية للفيلسوف ” أوغست كانط ” تقوم هذه النظرية على تطابق الجزاء مع شخصية الجاني على أن يتم تحليل شخصية الجاني من جانب الخطورة التي يمثلها الفرد على النظام الاجتماعي ولكن كيف يمكن التعرف على حالة الخطورة وقياسها؟ حاول الطبيب الإيطالي ” لمبروزو ” الإجابة على هذا التساؤل مركزا على العوامل العضوية, وتقول نظريته أن المجرم المطبوع أي بالولادة هو إنسان يولد وسمات الجريمة مطبوعة على جسمه, ومثل هذه السمات تخلق فيه اندفاعية فطرية طبيعية, تجعله أكثر من غيره اندفاعا نحو ارتكاب الجريمة.

غير أن العالم ” فيري ” شدد على تأثير العوامل الاجتماعية والبيئية على سلوك الإنسان معتبرا أن الإنسان المجرم ما هو إلا حصيلة ثلاثة عوامل رئيسية هي: العوامل الطبيعية وتتعلق بالبيئة الجغرافية, والمناخ, والموقع…إلخ.والعوامل العضوية الشخصية كالسمات والاستعدادات والصفات البيولوجية والعوامل الاجتماعية كالظروف العائلية والأحوال السياسية والدينية [5].

وحاصل آراء أصحاب التيار الوضعي أن الإنسان المجرم يقدم على إجرامه بتأثير عوامل داخلية وخارجية لا يسيطر عليها ومادامت هذه حاله فلا حاجة للبحث عن مسؤوليته الشخصية والتوقف عند حرية الإرادة لأن الجرم وقع ولا يمكن محو آثاره, وكل ما يمكن القيام به هو الحؤول دون إقدام المجرم على ارتكاب جرائم في المستقبل, فخطورة الشخص على المجتمع هي العامل الحاسم في تحديد التدبير الذي يجب أن يتخذ بحقه تفاديا لعودته إلى الإجرام مستقبلا وإصلاحا لنفسه ووقاية للمجتمع من أفعاله.

ولقد تعرضت نظرية التيار الوضعي إلى انتقادات تركزت على إهمال عامل الإرادة الشخصية لدى الإنسان, غير أن هذه الانتقادات رغم صوابها لم تقلل من النجاح الذي حققته النظرية الوضعية حيث أخذت بها أغلبية التشريعات الحديثة من خلال سن ما يسمى بالتدابير الاحترازية “تدابير الأمن” .

الفرع (04): تيار الحركة الاجتماعية الجديدة:

ظهر هذا التيار غداة الحرب العالمية الثانية, فبعد سنوات عاشت فيها الشعوب الأوربية تحت القمع تبين لها أن الحرية الفردية هي أغلى ما يملكه المرء ومن ثم برزت بقوة الحاجة إلى حماية الكرامة الإنسانية واحترام الشخص.

ولقد تأثر أصحاب هذه الحركة بأفكار المدرسة الوضعية ولكنهم تجاوزوها إذ لم يعد انشغالهم محصورا في حماية المجتمع وإنما امتد إلى شخص المتهم الذي يجب أن يكون المستفيد بالدرجة الأولى من التدابير التي توصي بها هذه الحركة التي تعمل أساسا على تفادي سقوطه في الإجرام وذلك من خلال تأهيله وإدماجه في المجتمع.

المبحث الثاني: تعريف قانون العقوبات

المطلب الأول: تعريف قانون العقوبات

الفرع (01): تعريفه

يقصد بقانون العقوبات مجموعة القواعد القانونية التي تبين الجرائم وما يقرر لها من عقوبات أو تدابير أمن إلى جانب القواعد الأساسية والمبادئ العامة التي تحكم هذه الجرائم والعقوبات والتدابير [6] .أو هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد صور السلوكات التي تعد جرائم وتبين العقوبات أو التدابير الوقائية المقررة لها وذلك عند الإتيان بفعل قد نهت عنه أو الامتناع عن القيام بعمل قد أمرت به.

وهو ينقسم إلى قسمين: عام وخاص, فالقسم العام الذي يضم الأحكام العامة التي تخضع لها الجرائم والعقوبات والتدابير الأمنية بصورة عامة وذلك على اختلاف أنواعها والقسم الخاص الذي يحكم يشمل على الأحكام المتعلقة بكل جريمة على حدة والجزاء المقرر لها.

الفرع (02): تسمياته

لقد اختلفت الدول كما اختلف الباحثون في تسمية القانون الذي ينظم أحكام الجرائم والعقوبات والتدابير المقررة لها, فيسمى عند البعض قانون العقوبات وعند البعض الآخر القانون الجنائي كما يسمى أيضا القانون الجزائي ولكل فريق مبررات للتسمية التي ذهب إليها وتبناها.

1- فتسميته بقانون العقوبات تستند إلى الوسيلة الأساسية التي يمارسها القانون في مكافحة الجريمة حيث تعتمد في وصف وتصنيف الجرائم بناء على عقوباتها كما هو الشأن في التقسيم الثلاثي للجرائم: الجنايات, الجنح, والمخالفات فهي تتدرج بحسب العقوبة.

إلا أن هذه التسمية وجهت لها عدة انتقادات مفادها أننا لا نعرف نوع الجريمة بناء على العقوبة وإنما العكس هو الصحيح فنحن نعرف حدودة العقوبة بناء على جسامة الجريمة كما نص عليها القانون ولم ينص القانون على العقوبات إلا بناء على جسامة الجرائم كما أن هذه التسمية أهملت التدابير الأمنية التي نص عليها القانون إلى جانب العقوبات وأوضح ما أهملته هذه التسمية هو الجرائم حيث لا تذكر عقوبة في القانون إلا وذكرت معها جريمة.

ومع هذه الانتقادات فقد حفظت معظم القوانين العربية ومنها القانون الجزائري والقوانين الأوربية الحديثة بهذه التسمية.

2- تسميته بالقانون الجنائي: تعتمد هذه التسمية إلى كون القانون يحدد وينظم ويرتب الجرائم المنصوص عليها فهو قانون جرائم أكثر مما هو قانون عقوبات, وإذا لم تشتمل التسمية إلا على كلمة الجنايات فذلك راجع لكونها أكثر أنواع الجرائم أهمية وهي التي تقع على المصالح الأهم كما أن هذا القانون يشتمل على مجموعة من المبادئ والقواعد العامة توصف عادة بالجنائية دون غيرها من أوصاف الجرائم الأخرى:

مثل: – القصد الجنائي للدلالة على العنصر أو الركن المعنوي للجريمة,

– والمساهمة الجنائية لتعيين مبادئ الاشتراك الجرمي,

– والمسؤولية الجنائية لتحديد قواعد التبعة الجنائية.

ورغم ذلك فقد وجهت لهذه التسمية عدة انتقادات أهمها:

أنها تسمية للكل باسم الجزء سواء بالنسبة لأنواع الجرائم أو بالنسبة للعقوبات والتدابير الأمنية.

3- تسميته بالقانون الجزائي: جاءت هذه التسمية لكون الجزاء أوسع من العقاب فهي تسمية تتسع لكل هذه القواعد وتستوعبها وقد استدل أنصار هذه التسمية بعدة تطبيقات.

فالقانون الفرنسي الجديد استبدل عبارة قانون الأصول الجنائية بعبارة قانون الأصول الجزائية كما اعتمد المشرع اللبناني صراحة تعبير الشريعة الجزائية كما سمى القانون الخاص بالأصول قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وقد وجهت لهذه التسمية هي الأخرى عدة انتقادات لا تتضمن كل الجرائم التي يتضمنها القانون.

وأيّا كانت التسمية فإن هذا القانون يشمل ضمن مواده على الأفعال المعتبرة جرائم وعلى ما يقابلها من عقوبات أو تدابير أمن [7].

المطلب الثاني: أقسام قانون العقوبات

يشتمل قانون العقوبات على قسمين من الأحكام هما القسم العام والقسم الخاص ولكل واحد منهما اختصاصه في معالجة الجريمة وتحقيق العدالة ونشر الأمن.

الفرع (01): القسم العام لقانون العقوبات

هو مجموعة من القواعد المجردة التي تحدد أنواع الجرائم بصفة عامة وتقسمها بحسب جسامة عقوبتها إلى: جنايات, جنح, مخالفات كما ترسم الحدود العامة للتجريم وعليه فإن هذا القسم لا يتناول الجرائم بأعبائها وأسمائها وإنما يتناولها بأوصافها وعناصرها وأركانها فهو بذلك يتناول التعريف بالجريمة وبأركانها وعناصر أركانها وأنواعها المختلفة كما يتناول المجرم وسلوكه وأهليته وظروفه وصفة مساهمته في الجريمة كما يتناول هذا القسم المسؤولية وشروطها وموانعها وأسباب الإباحة كما يتناول العقوبات وأنواعها والتدابير المختلفة وقد تضمن القسم العام لقانون العقوبات الجزائري 60 مادة من المادة 01

إلى 60 .

الفرع (02): القسم الخاص لقانون العقوبات

هو عبارة عن مجموعة القواعد التي تحدد الأركان الخاصة بكل جريمة على حدة والجزاءات المقررة لها فهو يفصل الجرائم والعقوبات فإذا كان القسم العام يتناول أركان الجريمة بصفة عامة كما هو الشأن في الركن المادي والمعنوي والشرعي فإن القسم الخاص يحدد بالإضافة لهذه الأركان أركان خاصة بكل جريمة على حدة, فالقسم العام عندما يتحدث عن الركن المادي وعناصره يطلق أحكامه تصدق على مجموعة من الجرائم ذلك أن السلوك المادي يختلف فهو في القتل إزهاق الروح وفي السرقة الاستيلاء على المال والتسميم مجرد وضع السم وهكذا, والقسم الخاص هو الذي يفرق بين هذه الأفعال التي يشكل كل منها الركن المادي للجريمة.

والعلاقة وثيقة ومتلازمة بين القسمين ذلك أن القسم العام يعد بمثابة الصياغة الفنية لنصوص القسم الخاص حيث يتضمن القسم العام المبادئ العامة الأساسية التي تساعدنا على دراسة وفهم القسم الخاص[8].

وقد أخذ المشرع الجزائري بهذا الترتيب حيث نص قانون العقوبات الجزائري أولا على مبادئ القسم العام وبعدها انتقل إلى تفصيل آحاد الجرائم ولم يكرر فيها ما تناوله في القسم العام وإنما اكتفى بالإحالة من حين لآخر إلى ما تضمنته تلك المواد المتعلقة بالقسم العام.

المطلب الثالث: قانون العقوبات الجزائري والقوانين المكملة له

الفرع (01) : قانون العقوبات الجزائري

مر التشريع العقابي في الجزائر بعدة مراحل حيث كنت المرحلة الأولى سابقة للاحتلال الفرنسي فكانت الشريعة الإسلامية هي المطبقة في ذلك العهد, أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الاستعمار الفرنسي ونجد فيها نوعين من القوانين: أحدهما مختص في دعوى الأوربيين وهو القانون الفرنسي والثاني هو القانون الإسلامي يسري على الدعوى بين المسلمين إلى غاية 1944 أين خضع جميع الجزائريين بموجب تعديل القانون للتشريع النافذ والساري على الفرنسيين أما مرحلة الثورة الجزائرية ابتداء من 1954 عدلت السلطات الفرنسية القانون بإنشاء محاكم خاصة ووسعت من نطاق اختصاصه المجالس العسكرية لمحاكمة المواطنين وبعد الاستقلال صدر الأمر رقم 562 /157 الذي يقضي بتمديد سريان مفعول التشريع الفرنسي وحتى إشعار آخر وذلك باستثناء ما يناقض منها السيادة الوطنية أو يتضمن أفكارا استعمارية عنصرية تتنافى والممارسة العادية للحريات الديمقراطية إلى غاية صدور قانون العقوبات الجزائري بموجب الأمر 66/156 المؤرخ في : 08/06/1966 وقد عرف قانون العقوبات الجزائريىمنذ صدوره إلى يومنا هذا ثمانية تعديلات تماشيا ومتطلبات المراحل التي مرت بها البلاد والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها [9] .

ولعل أهم هذه التعديلات هي:

– الأمر رقم: 75/47 المؤرخ في: 17/06/1975 الذي عمل على تكييف قانون العقوبات مع التوجهات السياسية والاقتصادية الجديدة نحو بناء الاشتراكية.

– القانون رقم: 88/26 المؤرخ في: 12/07/1988 الذي عمل على تكييف التشريع الجزائري مع استقلالية المؤسسات العمومية الاقتصادية.

– الأمر رقم: 95/11 المؤرخ في: 25/02/1995 الذي أدخل الجرائم الإرهابية والتخريبية في قانون العقوبات.

– القانون 01/09 المؤرخ في: 26/06/2001 الذي عني على وجه الخصوص بالجرائم الماسة بالاقتصاد الوطني وجرائم الاعتبار.

– القانون 04/15 المؤرخ في: 10/01/2004 الذي كرس المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي.

– القانون رقم 06/01 المؤرخ في: 20/02/2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته الذي ألغى مجمل أحكام قانون العقوبات بشأن الجرائم الاقتصادية والرشوة ونقل محتواها إلى النص الجديد.

– القانون رقم: 06/23 المؤرخ في: 20/12/2006 الذي أدخل تعديلات جوهرية على المبادئ العامة لقانون العقوبات لاسيما الشق الخاص بالعقوبات وتدابير الأمن وشخصية العقوبة فضلا عن رفع كافة الغرامات المقررة في قانون العقوبات

[10]

الفرع (02): القوانين المكملة للتشريع الجنائي

بالإضافة إلى قانون العقوبات الذي يحتوي على قسم عام وقسم خاص فإن هناك قوانين أخرى تتضمن في عمومها الجريمة بأنواعها والعقاب المقرر عليها وهذه القوانين هي قانون العقوبات التكميلي وقانون الإجراءات الجزائية والقانون الخاص.

1/ قانون العقوبات التكميلي:

وقد ورد نصوصه في مواد مستقلة عن قانون العقوبات وإن كانت تتصل به في موضوعها وهي تهدف عادة إلى تنظيم نشاط الأفراد وتنظيم صلتهم بالدولة وقد يكون قانون العقوبات التكميلي مؤلفا من نصوص تكمل النقص الذي موجودا في القانون الأصلي أو تعدل بعض قواعده مثال أول: بعض مواد القانون العضوي المتعلق بالانتخابات وكذا بعض القواعد العقابية في القانون المدني والتجاري وقانون المرور فهذه القوانين تحمل الطابع العقابي شأنها شأن قانون العقوبات فهي تهدف إلى حماية المصالح بالعقاب وأما الثاني: فمثاله التعديلات المختلفة لقانون العقوبات الأصلي .

2/ قانون الإجراءات الجزائية:

هو القانون الذي يدرس الأصول القانونية الواجب اتباعها منذ وقوع الجريمة حتى إلقاء القبض على المجرم ومثوله أمام القضاء لمحاكمته وهو بذلك يضع الشروط القانونية في تحريك الدعوى العمومية والدعوى المدنية التي تقام تبعا لها وأسباب إسقاطها, وقد صدر قانون الإجراءات الجزائية الجزائري في نفس اليوم الذي صدر فيه قانون العقوبات بموجب الأمر 66/155 المؤرخ في: 08/06/1966 وقد أدخلت عليه عدة تعديلات التي كان آخرها بموجب القانون رقم: 06/02 المؤرخ في: 20/12/2006 ويعتبر هذا القانون من القوانين المكملة لقانون العقوبات على أساس أنه يمثل الجانب الشكلي أو الإجرائي من القانون الذي يمثل قانون العقوبات الجانب الموضوعي.

فقانون العقوبات يتضمن المواد التي تصف الجرائم وتبين أركانها وعقوباتها ولكن هذه المواد تظل جامدة عقيمة لا يمكن أن تؤدي دورها الذي وضعت من أجله إلا بقانون الإجراءات الجزائية الذي يضع الآليات اللازمة لتطبيق القانون الجنائي .

3/ النصوص الخاصة:

وتنقسم إلى قسمين: نصوص تشريعية وأخرى تنظيمية.

أ/ النصوص التشريعية:

وهي عبارة عن أوامر تشريعية ليست مقصورة على تحديد الجرائم وعقوباتها كما هو الشأن بالنسبة لقانون العقوبات وإنما تهتم أساسا بالتشريع لأحد الميادين بما في ذلك مخالفات هذا التشريع والعقوبات المرصودة لذلك ولا تتناول إلا المخالفات الخاصة بالميدان الذي تعالجه فتعالج تلك الأوامر مواضيع مختلفة منها ما يتعلق بـ :

– بالمناطق والأماكن السياحية – بالرسومات والنماذج

– بوضعية الأجانب في الجزائر – حماية أخلاق الشباب والقصر من الكحول – المواضيع المتعلقة بالضرائب,توجيه النقل البري وتنظيمه, إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي.

ب/ النصوص التنظيمية:

وهي[11] عبارة عن مراسيم تتضمن نصوصا تنظيمية لبعض المواضيع التي تتطلب تنظيما خاصا مثل اكتساب الأسلحة والذخائر والمفرقعات وحيازتها وصنعها وبيعها وشروط اقتناء أسلحة الصيد وذخائرها.

وتتناول هذه المراسيم الجوانب المختلفة للمواضيع المراد تنظيمها بما في ذلك المخالفات المتعلقة بالتنظيم.

منها: المرسوم رقم: 78/02 المؤرخ في: 28/01/1978 المتضمن منع المدنيين من استعمال الملابس والأشياء العسكرية حيث جاء في المادة الثانية أن كل شخص يرتدي ملابس عسكرية بدون أن يكون مؤهلا لذلك يتعرض للعقوبات المنصوص عليها في المادتين 244 و 246 من قانون العقوبات