دراسة و كتابات هامة عن التحكيم و طبيعته و صفته و نطاق تطبيقه .

دراسات و كتابات مصرية

التحكيم

الفهرس
 مقدمة
 أولاً: طبيعة التحكيم
 ثانياً: صفة التحكيم
 ثالثا: نطاق التطبيق من حيث تجارية التحكيم
 رابعا:نطاق التطبيق من حيث دولية التحكيم
 الهوامش

مقدمـــة :

(1)التحكيم ” نظام لحل المنازعات المالية بين الأطراف”(1) والأطراف لفظ يمكن أن ينصرف إلى الأشخاص الطبيعين، كما يجوز أن ينصرف إلى الأشخاص الاعتبارية سواء أكانت دولاً أو شركات.
وهو ما استتبع وجود التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي، مما يحتاج إلى البحث عن المعيار وواجب الاتباع للتمييز بين هذين النوعين من التحكيم.

فضلاً عن ضرورة الإجابة على التساؤلات التي يثيرها التحكيم، خاصة فيما يتعلق بتحديد طبيعته القانونية.
والتحكيم وسيلة قديمة لحل المنازعات، ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا أن حل المنازعات بالتحكيم قد سبق حلها بالقضاء(2).
وإذا كان قد عرف في العصور القديمة كل المنازعات في القانون الداخلي، أو في داخل الدولة، فإنه(3) يجد جذوره التاريخية في القانون الدولي العام فيما جرت عليه المدن الإغريقية من الالتجاء للتحكيم لفض الخلافات التي كانت تنشأ بينها.

واستمر الالتجاء إلى التحكيم حتى العصر الحالي، على المستويين الداخلي والدولي بصورة تقلصت وازدهرت تبعاً لازدياد وتقلص دور القضاء على مر العصور(4) متى اتفق الأطراف على حل نزاعهم بالتحكيم، فإن قيام هذا النزاع يؤدي بالضرورة إلى تداعي إجراءات التحكيم التي تنتهي بصدور حكم التحكيم فصلاً في النزاع وفقاً لقواعد قانونية معينة(5). وإذا كان من المتصور أن يطبق قانون واحد على كافة مراحل التحكيم منذ اتفاق التحكيم مروراً بإجراءات التحكيم في موضوع النزاع، إلا أنه من الممكن اختلاف القانون واجب التطبيق على مختلف هذه المراحل(6) مما يقتضينا التفرقة بينها.

وإذا كان جوهر التحكيم هو في تحديد القانون الذي يحل موضوع النزاع وفقاً له. فيه يحصل كل طرف على حقه إلا أنه لابد من المرور بعدة إجراءات، ولاشك في اختلاف القواعد التي تحكم الإجراءات(7)، تبعاً لتعلق الأمر بتحكيم يتم في إطار هيئات دائمة للتحكيم، أو بتحكيم خاص “AD HOC” أي غير تابع لهيئة أو مؤسسة وأياً كان الأمر فإن الإجراءات التي يمر بها التحكيم تعتبر مرحلة في غاية الأهمية، إذ أن تسيير الإجراءات أو إعاقتها(Cool بينهم إلى حد كبير في تحديد مستقبل التحكيم الدولي الخاص، كما أن عدم صحة الإجراءات التي يمر بها التحكيم عادة ما تكون سبباً لرفض تنفيذ حكم التحكيم بعد صدوره وهو ما يفقد التحكيم قيمته وأهميته. ومع تسليمنا بأن اتفاق التحكيم أو صحته من شأنه إعاقة إجراءات التحكيم، لذا نبدأ به باعتباره أول خطوة في التحكيم وذلك بعد دراسة طبيعة التحكيم وصفته بتجارتيه ودوليته.

نحتاج إلى تقسيم الموضوع إلى:
أولاً: طبيعة التحكيم
ثانياً: صفة التحكيم
ثالثا:نطاق التطبيق من حيث تجارية التحكيم
رابعا:نطاق التطبيق من حيث دولية التحكيم

الى الفهرس ->>>

أولاً : طبيعة التحكيم

اختلف الفقه والقضاء في تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم فذهب اتجاهه إلى ترجيح طبيعته التعاقدية.
فاعتبر البعض(9) التحكيم عقداً رضائياً ملزماً للجانبين من عقود المعارضة ويدمج أنصار هذا الاتجاه “حكم التحكيم في اتفاق التحكيم سواء تم التحكيم داخل الدولة أم في دولة أجنبية” والمحكمون ليسوا قضاه بل الأفراد يعهد إليهم بمهمة تنفيذ الاتفاق.
فطالما أن نظام التحكيم يقوم على أساس إرادة الأطراف فإن له طابع تعاقدي، فالأطراف باتفاقهم على التحكيم يتخلون عن بعض الضمانات القانونية والإجرائية التي يحققها النظام القضائي، وذلك بهدف تحقيق مبادئ العدالة والعادات التجارية واتباع إجراءات سريعة وأقل رسمية من إجراءات المحاكم. وإذا كان في هذا التخلي عن بعض المخاطر فهي بلا شك مخاطر محسوبة.
الصفة التعاقدية: أيضاً يحتمها اعتبار التحكيم من أدوات المعاملات الدولية. مما يقتضي أن يلبي مقتضيات هذه المعاملات وتزايد انتشارها كل يوم. ولاشك أن التجارة الدولية أو المعاملات الدولية يعترضها التشريعات والقضاء في مختلف الدول. ولا يمكن تحرير المبادلات الدولية إلا عن طريق العقد لما يتصف به من طابع دولي.
فلن تقم للتحكيم قائمة بدون جوهره التعاقدي.

وقد أيدت محكمة النقض الفرنسية(10) الطبيعة التعاقدية وانسحاب هذه الطبيعة إلى كل من اتفاق التحكيم وحكم التحكيم.
وبعد ميل القضاء المصري أيضاً لترجيح الطابع الاتفاقي في نفيه الصفة القضائية عن التحكيم، إذ ترى محكمة النقض المصرية(11) أن قوام التحكيم “الخروج من طرق التقاضي العادية”.
كذلك يرى البعض(12) تأييد المشرع المصري للطبيعة التعاقدية للتحكيم نظراً لأن المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 في التعليق على المادة 513 “الملغاة” من ذلك القانون كانت تنص على أن “حكم المحكمين ليس حكماً قضائياً” كما أن المادة 501 الملغاة من القانون كانت تجعل التحكيم يرتكن على اتفاق الأطراف.
ولا نستخلص(13) من ذلك تحيزاً من المشرع لتحديد طبيعة التحكيم، وبالإضافة إلى ذلك يقرر المشرع في المادة 299 مرافعات سريان قواعد تنفيذ أحكام القضاء الأجنبية على أحكام المحكمين الصادرة في بلد أجنبي.
بينما ذهب اتجاه في الفقه(14) إلى ترجيح الطابع القضائي للتحكيم ينظر(15) إلى أن التحكيم من زاوية أنه قضاء إجباري ملزماً للخصوم حتى اتفقوا عليه، وأن التملص منه لا يجدي. وأنه يحل محل قضاء الدولة الإجباري، وأن المحكم لا يعمل بإرادة لخصوم وحدها، مما يجعل الصفة القضائية هي التي تغلب على التحكيم، وأن حكم المحكم هو عمل قضائي شأنه شأن العمل القضائي الصادر من السلطة القضائية في الدولة. فكل من المحكم والقاضي يحل النزاع بحكم يحوز حجية الأمر المقضي، هذه الحجية التي يستمدها من الشرع.
ونحن لا ننفي وجود العديد من أوجه الشبه بين أحكام التحكيم وأحكام القضاء، إلا أن هذا التشابه لا يجوز أن يكون مؤدياً بنا إلى اعتبار التحكيم نظاماً قضائياً، لأن هناك أيضاً العديد من أوجه الاختلاف بينهما.

الى الفهرس ->>>

ثانياً: صفة التحكيم

إذا كنا قد قلنا إلى أن التحكيم نظام قانوني لحل المنازعات فإن الإيضاح لهذا النظام يستلزم وصفه.
وهو ما يثير التساؤل عن جدوى التفرقة بين مختلف صور التحكيم.
قد يدعم القول بعدم جدوى التفرقة، وجود اتجاه إلى التسوية بين التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي، بل واتجاه بعض الدول إلى وضع قانون واحد يسري على هذين النوعين من التحكيم، وهو ما اتبعه المشرع المصري حينما أصدر القانون رقم 27 لسنة 1994.
وأنه للتفرقة بين التحكيم الوطني والتحكيم الدولي أهمية كبيرة. كما يترتب لنا نتائج أهمها:

  • 1- تحديد القانون الواجب التطبيق:
    فالتحكيم الوطني يستتبع تطبيق القانون الوطني(16) فقط، الأمر الذي
    يختلف اختلافاً كبيراً عن التحكيم الدولي الذي يدخل في نطاق القانون الدولي العام. كما يختلف عن التحكيم الدولي الذي يقع في إطار القانون الدولي الخاص(17).
    فإن وصف التحكيم يترتب عليه تحديد مدى خضوعه للمعاهدات الدولية التي أبرمت في هذا المجال سواء تلك التي تضع تنظيماً موضوعياً للتحكيم أو التي تحدد القانون واجب التطبيق في شأنه.
  • 2- تحديد المحكمة المعاونة للتحكيم:
    نظراً لاختلاف التحكيم عن القضاء، فإنه لا يفتأ يلجأ إليه في مختلف ما يمر به من مراحل(18)، فالقضاء سلطة عامة من سلطات الدولة، خلافاً للتحكيم فمن الطبيعي أن يحتاج القضاء سواء لاتخاذ تدابير وقتية أو تحفظية، أو للمساعدة في اختيار المحكمين أو عزلهم، وللحكم على من يتخلف من الشهود أو الإلزام بتقديم مستند، أو للإنابة القضائية، هذا بالإضافة إلى دور القضاء في تنفيذ أحكام التحكيم وعند الطعن فيها. وقد أقر المشرع المصري في قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 دور القضاء في المعاونة في حل المنازعات التي تحل بالتحكيم، فبين في المادة التاسعة منه أن تحديد المحكمة المختصة يتوقف على نوع التحكيم، فالأمر يتوقف تبعاً لما إذا كان التحكيم داخلياً أو دولياً إذ تقضي المادة التاسعة بأن:

1)يكون الاختصاص بنظر مسائل التحكيم التي يحيلها هذا القانون إلى القضاء المصري للمحكمة المختصة أصلاً نظر النزاع. أما إذا كان التحكيم تجارياً
أو دولياً، سواء جرى في مصر أو في الخارج فيكون الاختصاص لمحكمة استئناف القاهرة، ما لم يتفق الطرفان على اختصاص محكمة استئناف أخرى في مصر.
2)وتظل المحكمة التي ينعقد لها الاختصاص وفقاً للفقرة السابقة دون غيرها صاحبة الاختصاص حتى انتهاء جميع إجراءات التحكيم.

  • 3- إعمال فكرة النظام العام:
    فلفكرة النظام العام في التحكيم الدولي مجالاً يختلف كلية عن مجالها في التحكيم الوطني فهي أضيق نطاقاً في النوع الأول من التحكيم عنه في النوع الثاني. إذ يختلف مدى مساس موضوع واحد بالنظام العام تبعاً لتعلق الأمر بالتحكيم الوطني أم الدولي. فمسألة قابلية النزاع للحل بالتحكيم يمكن ألا تكون مبرراً لعدم تنفيذ حكم التحكيم إذا لم يكن بالحكم مساس واضح وجدي بالنظام العام. وذلك بصدد أحكام التحكيم الأجنبية.
    ولقد أيد القضاء في العديد من الدول(19) الأخذ بتنفيذ ضيق لفكرة النظام العام في مجال التحكيم بشأن المعاملات الدولية.
  • 4- تنفيذ حكم التحكيم:
    إن تنفيذ حكم التحكيم يحتاج إلى اتخاذ إجراءات، وقد تختلف هذه الإجراءات تبعاً لما إذا كان الأمر يتعلق بتحكيم وطني أو دولي. كما يراعي وجود معاهدات دولية تحكم تنفيذ أحكام التحكيم وتنطبق فيما يتعلق بالتحكيم في المعاملات الدولية.
    كل هذا يقتضي ضرورة التمييز بين التحكيم الدولي وهو ما اختلف الفقه(20) في شأنه بصورة كبيرة، كذلك المعاهدات والمواثيق الدولية.

بينما لجأت معاهدة نيويورك لسنة 1958 لاصطلاح أحكام التحكيم الأجنبية:
وقد أخذت لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولي
The United Nations Commission on International Trade Law “UNCITRAL”
باصطلاح التحكيم التجاري الدولي في نموذج القانون Model Law الذي اعتمدته اللجنة في 21 يونيو سنة 1985 وفقاً للفقرة الثالثة من المادة الأولى من هذا النموذج يعتبر التحكيم دولياً في إحدى ثلاث حالات:

الحالة الأولى: عند وقوع مقرا عمل طرفي اتفاق التحكيم عند إبرام الاتفاق في دولتين مختلفتين.
الحالة الثانية: إذا كانت الدولة التي تقع فيه مقر عمل الطرفين تختلف عن الدولة التي يوجد فيها مكان التحكيم أو ضمن الدولة التي يوجد فيها أي مكان ينفذ فيه جزء هام من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية أو المكان الذي يكون لموضوع النزاع أوثق الصلة به.
الحالة الثالثة: إذا اتفق الطرفان صراحة على أن موضوع اتفاق التحكيم يتعلق بأكثر من دولة واحدة ونحن نرى أن التحديد الوارد في نموذج Model law هو تحديد عشوائي إذا هو يتناول بضعة حالات تشتمل فيها العلاقة على عنصر أجنبي دون وجود تنسيق بينهما، كما أنه تحديد تحكمي إذ يعتبر التحكيم دولياً عن اختلاف مقرا عمل أطراف اتفاق التحكيم، دون أن يعتبره كذلك عند اختلاف موطنهما منه.
وهو تحديد يخالف الحقيقة(21) فلماذا يعتبر التحكيم دولياً إذا اتفق أطرافه على أن موضوع اتفاقهم يتعلق بأكثر من دولة مع احتمال أن يحدث هذا الاتفاق دون تعلق الموضوع بأكثر من دولة بالفعل..
الى الفهرس ->>>

ثالثاً : نطاق التطبيق من حيث تجارية التحكيم (22)

أشار القانون النموذجي إلى تفسير مصطلح “التجاري” تفسيراً واسعاً بحيث يشمل المسائل الناشئة عن جميع العلاقات ذات الطبيعة التجارية، تعاقدية كانت أو غير تعاقدية، وذكر القانون النموذجي عدة أمثلة لمفهوم التجارية مثل معاملات السلع أو الخدمات أو تبادلها، اتفاقيات التوزيع، التمثيل التجاري، أو الوكالة التجارية، كذلك إدارة الحقوق لدى الغير، التأجير التمليكي، تشييد المصانع، الخدمات الاستشارية… الخ. وتفسير معيار التجارية على هذا النحو يدل على اتساع نطاق تطبيق القانون النموذجي للتحكيم ليشمل أي علاقة تجارية ذات طابع اقتصادي، سواء كانت علاقة عقدية أو غير عقدية.
وجدير بالذكر أن قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994، نص في المادة الثانية منه على معيار التجارية على نحو يطابق تقريباً ما جاء بالمادة الأولى من القانون النموذجي للتحكيم، وكان المشرع المصري يقصد وقت وضع قانون التحكيم الإشارة إلى مفهوم التجارية والتوسع في مجالاتها خشية الاعتماد على نص المادة الثانية من قانون التجارة المصري قبل إلغاء هذا القانون والتي كانت لا تواكب التطور الكبير في مفهوم العمل التجاري، أما بعد صدور قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999 والواجب النفاذ اعتباراً من أول أكتوبر لسنة 1999 حيث تبنت المواد من 4-7 بإيضاح مفهوم العمل التجاري والذي جاء مواكباً للتطور الهائل في الآونة الحالية وشمل العمل التجاري مفهوماً موسعاً ومرضياً، يقترب كثيراً مما جاء بالمادة الأولى من القانون النموذجي وقابل للإضافة إليه من أعمال أخرى تتشابه في الصفات والغايات مع ما جاء ذكره بصلب مواد القانون التجاري.
ويتميز قانون التحكيم المصري عن مثيله النموذجي في أن الأول يدخل في نطاقه كل أنواع التحكيم مدنية أو تجارية(23) على خلاف الثاني الذي يقتصر نطاق تطبيقه على التحكيم التجاري الدولي، وفي ذلك تنص المادة الأولى من قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 على أنه “مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الدولية المعمول بها في جمهورية مصر العربية تسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم بين أطراف من أشخاص القانون العام الخاص أياً كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع إذا كان هذا التحكيم يجري في مصر، أو كان تحكيماً تجارياً يجري في الخارج واتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام هذا القانون”(24).
بل أن قانون التحكيم المصري يمتد نطاق تطبيقه إلى العقود الإدارية، بحيث يكون الاتفاق على التحكيم بموافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة، ولا يجوز التفويض في ذلك(25).

الى الفهرس ->>>

رابعا:نطاق التطبيق من حيث دولية التحكيم

وهذا ما نصت عليه المادة الأولى من القانون النموذجي للتحكيم(26 ).
الحالة الأولى: وقوع مقرا عمل الطرفين لاتفاق التحكيم، لحظة إبرام هذا الاتفاق، في دولتين مختلفتين:
وهذه الحالة تفترض لاعتبار التحكيم دولياً توافر الشروط الآتية:

  • 1-اختلاف مقر عمل الطرفين: بمعنى أن يكون لكل طرف من أطراف التحكيم مقر عمل في دولة مختلفة. وتطبيقاً لذلك يكون التحكيم دولياً إذا كانت منشأة البائع في العلاقة العقدية كائنة بفرنسا، ومنشأة المشتري كائنة بمصر. فإن العقد يكون دوليا خاضعاً لأحكام القانون النموذجي.
  • 2-وواجه القانون النموذجي حالة وجود أكثر من مقر عمل لأحد أطراف اتفاق التحكيم، ففي هذه الحالة تكون العبرة في تحديد معيار الدولية بمقر العمل الأكثر ارتباطاً باتفاق التحكيم.
  • 3-كما واجه القانون النموذجي حالة عدم وجود مقر عمل لأي من طرفي العقد، أو كلاهما، فتكون العبرة لتحديد مدى دولية العقد، بمحل الإقامة المعتد لهذا الطرف أو للطرفين، بمعنى أن يوجد مقر الإقامة المعتاد لأي منهما في دولة مختلفة على الآخر.

وكما هو واضح في نص الفقرة الثالثة من المادة الأولى، ينظر إلى مقر مكان العمل أو مقر الإقامة وقت إبرام اتفاق التحكيم، بمعنى أنه إذا تغير هذا المقر لأي من الطرفين بعد إبرام اتفاق التحكيم، فلا يعتد بالمقر الجديد، إذ أن المقرر لحظة إبرام اتفاق التحكيم هو الذي يحدد على أساسه مدى دولية العقد من عدمه.

الحالة الثانية: الاتفاق بين الأطراف على تحديد مكان للتحكيم خارج مقر عمل الطرفين
لم يقتصر القانون النموذجي للتحكيم على اختلاف مقار عمل أي من الطرفين ووقوعهما في دولتين مختلفتين كمعيار لتطبيق أحكامه، بل جعل نطاقه يمتد أيضاً في حال اختيار أطراف التحكيم مكاناً آخر يقع خارج الدولة التي يقع فيها مقر عمل الطرفين، وسواء كان هذا الاتفاق منصوصاً عليه في اتفاق التحكيم أو طبقاً لهذا الاتفاق.

ويعد هذا المعيار لتحديد نطاق تطبيق أحكام القانون النموذجي للتحكيم من حيث دولية التحكيم، تطبيقاً لأهم المبادئ المؤسس عليها نظام التحكيم بصفة عامة وهو مبدأ إعلاء إرادة الطرفين، حيث لهما الحرية في اختيار مكان التحكيم، فإذا كان هذا المكان يقع في دولة خارج مقر عمل الأطراف اعتبر التحكيم دولياً.

وفي هذه الحالة لا ينظر إلى اتحاد مقر أعمال الطرفين، بأن كانا في دولة واحدة، إذ العبرة بوجود المقر المتفق عليه خارج مقر العمل لأي منهما كمعيار للدولية.

الحالة الثالثة: إذا كان مكان تنفيذ جزء هام من التزامات العقد، أو المكان الذي له صلة وثيقة بالعقد يقع خارج دولة مقر عمل الطرفين:

-قرر القانون النموذجي، في سبيل اتساع نطاق تطبيقه وإضفاء صفة الدولية على اتفاقات التجارة الدولية، الاكتفاء بوقوع المكان الذي يتم فيه تنفيذ جزء هام من الالتزامات الناشئة عن العقد بين الطرفين، أو المكان الذي له صلة وثيقة بهذا العقد، خارج مقر عمل الطرفين.
-وتقرير مدى أهمية الجزء الذي يتم تنفيذه، أو مفهوم الصلة الوثيقة بالعمل متروك لهيئة التحكيم.
الحالة الرابعة: اتفاق الطرفان صراحة على دولية العقد:
حرص القانون النموذجي على تطبيق ما ارتضاه أطراف اتفاق التحكيم، فإذا اتفق طرفا التحكيم على أن عقد العلاقة التجارية بينهما يتعلق بأكثر من دولة واحدة، فإن هذا العقد، بناء على ما وصفه أطرافه، يعد عقداً دولياً خاضعاً لأحكام القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي.
ويكون أساس معيار الدولية في هذه الحالة إرادة الطرفين دون النظر إلى مقر عمل أي منهما أو مكان تنفيذ العقد أو المكان الذي له أوثق الصلة به.

الهوامش

(1) في تعدد تعاريف التحكيم أنظر: د. عبد الحكيم مصطفى عبد الرحمن، دار النهضة العربية، 1995، من ص7 : ص14.
(2) ونعتقد أن قيام شيخ القبيلة بحل المنازعات فيما بين أفراد القبيلة هو أقرب إلى التحكيم منه إلى القضاء، هذا وقد عرف الرومان التحكيم بصورة مماثلة لتلك التي نعرفها اليوم. أنظر:
L. Weill, Les sentancse arbitraks en droit international Privé: Thése, Paris 1906; Bairegard, De la clause Compromise thése, Paris, 1911.
في الطور التاريخي للتحكيم: د.عبد الحميد الأحدب، موسوعة التحكيم، الجزء الأول، التحكيم في البلاد العربية، دار المعارف، ص20 وما بعدها.
(3) د. عبد العزيز سرحان، مبادئ القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، 1980، ص515.
(4) في الاعتبارات الداعية إلى العزوف عن القضاء كوسيلة لحل المنازعات.
Mauro Cappelletli and Bryant Garth, settlement of Disputer out of court, A Compartive Report on the Trend Toward Conciliation, les conciliateurs la conciliation, Economica, 1987, p.5.
(5) د. أحمد القشيري، “مصادر قواعد التحكيم”. بحث مقدم للدورة العامة الثانية لإعداد المحكم التي نظمها مركز حقوق عين شمس للتحكيم، أبريل 2000.
(6) وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية أنه ليس هناك ما يمنع الأطراف من إسناد كل من موضوع النزاع وإجراءات التحكيم لقانونين منفصلين. أنظر:
Civ.Ire, 18 Mars 1980, Bull n.87, P.72 J.C.P. 1980 IV.Zll.
(7) Jean Robert, Léarbitrage Droit inerne Droit international privé,Dalloz, 5éd. 1983. P. 273.
(8)M.P Jenard, Le reglement d’arbitrage de la Commission des Nations Unies pour le droit Commercial international, Revue de Droit international et de droit Compare, Tome Live. 1977, P 201-225.
أنظر ص209 حيث قرر أنه برغم المجهودات التي بذلت فلازالت قواعد إجراءات التحكيم تتسم بشيء من التعقيد.

(9) د. أحمد أبو الوفا، التحكيم بالقضاء وبالصلح، منشأة المعارف، 1965، ص 65.
وبرغم إيراده التعريف المذكور “للتحكيم” إلا أنه عاد في الطبعة الرابعة/ سنة 1983 لتأييد الطبيعة القضائية للتحكيم. ويؤيد الطبيعة التعاقدية للتحكيم في مصر. د. محمد حامد فهمي، تنفيذ الأحكام والسندات التنفيذية، 1951، ص 41. ود. أحمد مليجي موسى، تحديد نطاق الولاية القضائية والاختصاص القضائي، 1979، ص 204. و د. مختار بريوي، التحكيم التجاري الدولي، 1999، ص 7، 8.
(10) وذلك في قضية:
“Affm Roses Clmoller- Roses”, et cie, Cass, reg., 27 juillet, 1937, D.P., 1937, D. P., 1938. 1. 25. N. Castes.
(11) الحكم الصادر، في 4 فبراير 1988، الطعن رقن 1640 السنة 54ق.
الحكم الصادر في 18 مايو 1989، الطعن رقم 740 السنة 52ق.
الحكم الصادر في 23 يناير 1990، الطعن رقم 2568 السنة 56ق.
(12) د. قمست الجداوي، التحكيم، التحكيم في مواجهة الاختصاص القضائي الدولي، دار النهضة العربية، 1982، هامش 26، ص 37.
(13) د. إبراهيم أحمد إبراهيم، التحكيم الدولي الخاص، دار النهضة العربية، 2000، ص 31.
(14) يبدو ميل د. عبد العزيز سرحان إلى ترجيح الطابع القضائي للتحكيم سواء تعلق الأمر بالتحكيم لحل منازعات الأفراد أو المنازعات فيما يتعلق بين الدول في نظر مؤلفه: مبادئ القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، 1980، ص 515.
(15) د. أبو الوفا، التحكيم الاختياري والإجباري، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الرابعة، 1983، ص 19.
(16) على سبيل المثال كان المشرع قد خص التحكيم الوطني في قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 بنصوص المادة 501 إلى 513 إذ يقتصر أعمالها على ما وصف من تحكيم بأنه وطني. في دراسة هذه الأحكام انظر:
د. أحمد أبو الوفا، الجديد في عقد التحكيم وإجراءاته بمقتضى قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968، مجلة الحقوق العددان الأول والثاني، 1970.
(17) انظر على سبيل المثال في تحديد القانون واجب التطبيق في هذا النوع من التحكيم
Jean Robert, L’arbitrage droit interne Droit International privé 5ed, Solloz. 1983, p. 278, etc.
(18) في تفاصيل معاونة القضاء للتحكيم انظر:
د. فاروق شوشه، دور القضاء المصري في شأنه التحكيم وفقاً لقانون التحكيم، مؤتمر التحكيم التجاري الدولي، مارس 1995، و علي سالم، ولاية القضاء على التحكيم، رسالة دكتوراه، حقوق عين شمس، 1995.
(19) في موقف المحاكم الأمريكية من الأخذ بتنفيذ ضيق لفكرة النظام العام، انظر:
Giorgio Gata, 1978, op. Cit. Book let, 11. C. 5.
ومن أحكام محكمة النقض الفرنسية فبهذا المجال
Cass, Cir. 30 Jun. 1976, Clunet, 1977. P. 114.
وفي دراسة في مصر لفكرة النظام العام في التحكيم الدولي الخاص: د. أشرف عبد العليم الرفاعي، النظام العام،والتحكيم في العلاقات الدولية الخاصة “دراسة في قضاء التحكيم”، رسالة دكتوراه حقوق عين شمس، 1999.
(20) د. عبد الحميد الأحدب، موسوعة التحكيم، التحكيم الدولي، “الجزء الثاني”، دار المعارف، ص 11.
(21) د. إبراهيم أحمد إبراهيم، المرجع السابق، ص 54.
(22) د. سميحة القليوبي، المنظمات الدولية “اتفاقية الأمم المتحدة في شأن الكفالات المستقلة وخطابات الاعتماد الضامنة والقانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي، دار النهضة العربية، 2002، ص 120.
(23) راجع في ذلك تفصيلاً استاذتنا د. سميحة القليوبي، العقود التجارية، دار النهضة العربية، 1992، وأستاذنا د. سمير الشرقاوي، القانون التجاري، ج1، دار النهضة العربية، 1989.
(24) راجع د. ناريمان عبد القادر، اتفاق التحكيم، دار النهضة العربية، 1996، ص ص 173.
(25) وقد أشارت إلى ذلك صراحة المادة الأولى في فقرتها الثانية وذلك بعد تعديلها بموجب القانون رقم 9 لسنة 1997.
(26) وقد أخذ قانون التحكيم المصري في المادة الثالثة بما أخذ به القانون النموذجي في شأن سرد تفصيلي لحالات يعد فيها التحكيم دولياً رغم تنبيه في ذات المادة لمعيار عام هو تعليق التحكيم بنزاع من منازعات لتجارة الدولية. وكان يكفي هذا المعيار دون دخول تفصيلي في سرد حالات دولية التحكيم.