الإعتراف بفلسطين ماذا يعني من وجهة نظر القانون الدولي

القاضي الدكتور محمد الطراونة- قاضى محكمة التمييز الأردنية

تمهيد:-

الإعتراف بالدولة هو التسليم من جانب الدول القائمة بوجود هذه الدولة وقبولها كعضو في الجماعة الدولية، وهو إجراء مستقل عن نشأة الدولة، وتكمن أهمية في أن الدولة لا تتمكن من ممارسة سيادتها في مواجهة الدول الأخرى ومباشرة حقوقها داخل الجماعة الدولية إلا إذا إعترفت هذه الجماعة بوجودها.

وقد عرفه معهد القانون الدولي بأنه (( .. عمل تقر بمقتضاه دولة أو مجموعة من الدول بتنظيم سياسي في إقليم معين قادر على الوفاء بالتزاماته وفقاً لقواعد القانون الدولي … ))

ولا يجوز الإعتراف بالدولة إلا إذا إستوفت جميع عناصرها وتهيأت لها سُبل الوجود كدولة.

وعن طبيعة الإعتراف فهناك من يقول أن الدولة تصبح شخصاً دولياً عن طريق الإعتراف فقط، أي أن هذا الإعتراف يخلق الشخصية الدولية للدولة الجديدة وهو الذي يُعطيها صفة العضوية في الجماعة الدولية وبدون هذا الإعتراف لا تكون لإعمالها أي صحة أو نفاذ قانوني، ويذهب إلى هذا الرأي أنصار ((نظرية الإعتراف المنشىء)) وهناك نظرية أخرى بهذا الصدد تسمى ((نظرية الإعتراف الكاشف)) ومفادها أن إعتراف الدول لا قيمة له من الناحية الواقعية إذا لم تتوافر لدى الدولة محل الإعتراف جميع عناصر الدولة وهذه النظرية التي أخذ بها معهد القانون الدولي في دورته المنعقدة في بروكسل عام 1938 والعديد من قرارات محكمة العدل الدولية.

و عن أشكال الإعتراف فيمكن إيجازها فيما يلي:

1)الإعتراف الواقعي:- هو إعتراف مؤقت بالإمكان إلغاءه إذا تغيرت الظروف التي أدت إلى إصداره.

2)الإعتراف القانوني:- هو إعتراف نهائي يضع نهاية لفترة الإختبار للدولة الجديدة.

3)الإعتراف الصريح:- وهو الإعتراف الواضح الذي يتم بشكل مذكرات دبلوماسية أو تبادل برقيات أو صدور بيان رسمي.

4) الإعتراف الضمني:- وهو الإعتراف المبطن حين تدخل الدولة القديمة في علاقة دولية مع الدولة الجديدة.

5) الإعتراف الفردي:- إذا صدر صراحةً أو ضمناً من دولة واحدة تجاه الدولة الجديدة .

6) الإعتراف الجماعي:- إذا صدر من مجموعة من الدول في معاهدة مشتركة أو في مؤتمر دولي.

هذا عن وضع الإعتراف بشكل عام وفق أحكام وقواعد القانون الدولي العام، وفيما يتعلق بالقرار ألأممي الأخير القاضي بالإعتراف بفلسطين كدولة عضو بصفة مراقب، فإنه وبغض النظر عن أي إعتبار فانه يُشكل خطوة في الاتجاه الصحيح ومقدمة للإعتراف الكامل ( الواقعي والفعلي) بفلسطين كدولة كاملة العضوية وهذا ما سنحاول إيضاحه في هذه المداخلة.

بموجب قرار الأمم المتحدة الأخير أصبحت فلسطين الدولة رقم (194) في الأمم المتحدة، إلا أن هذه العضوية لم تأتي من فراغ وببساطة إنما كانت ثمرة جهد طويل ونضال وجهد وصبر ومثابرة ومعاناة تجاوزت ستون عاماً، وما يهمنا في هذا المقام إلقاء الضوء على دلالات ومعاني الإعتراف الدولي بفلسطين كدولة عضو بصفة مراقب لأن هناك نوع من غياب المعلومة الحقيقية للأجيال الجديدة حول حقيقة الوضع وفقاً لأحكام القانون الدولي، وبناءً على ذلك وبقراءة سريعة للقرار الدولي يتبين لنا ما يلي:

1-إعتراف المجتمع الدولي بفلسطين يعني أنها بهذه الصفة لها حضور إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة دون أن يكون لها الحق في التصويت، إلا أنها تحضر كل الاجتماعات وتتبادل كافة الوثائق مع الآخرين، ويعامل رئيس السلطة الوطنية كرئيس دولة، وهي بهذه الصفة تشترك مع دولة الفاتيكان بنفس الوضع، وبالنتيجة فإن هذا الإعتراف هو إقرار من المجتمع الدولي بأن إسرائيل هي دولة الإحتلال الوحيدة في العالم، وهو قرار ضمني كذلك بالظلم التاريخي الذي مارسه المجتمع الدولي – بقصد أو بغير قصد – بحق الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى هذه اللحظة.

2-الصفة الجديدة التي حظيت بها فلسطين لها أهمية كبيرة فيما يتعلق بالاقتصاد الفلسطيني، حيث تستطيع فلسطين أن تنضم إلى اتفاقيات التجارة الدولية وأن تبرم اتفاقيات ثنائية أو متعددة مع دول أخرى، وهذا يحرر الاقتصاد الفلسطيني بعض الشيء من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، أو أن يبقى رهينة في يد إسرائيل، وهذا مقدمة للاستقلال التام، لأن الاستقلال الاقتصادي هو بمثابة مقدمة للاستقلال الفعلي والتام، وهذا له أهمية كبيرة إذا أدركنا وجود اعداد كبيرة لفلسطيني الشتات في دول الخليج وإفريقيا وامريكيا اللاتينية، والتي يمكن على ضوء الوضع الجديد توظيف جزء منها مدخراتها لخدمة الإقتصاد الفلسطيني بما ينعكس على رفاه وتقدم المواطن الفلسطيني.

3-الإعتراف الدولي بفلسطين يعني أن فلسطين من حقها بموجب القانون الدولي أن تصبح طرفاً في إتفاقية فيينا، وتتبادل التمثيل الدبلوماسي والقنصلي مع الآخرين بحرية تامة، الأمر الذي يعطي حصانة وإمتيازات لبعثاتها ودبلوماسيها في كافة دول العالم مثل الدول كاملة العضوية، يساهم بالنتيجة إلى رفع تمثيل المكاتب إلى قنصليات وسفارات.

4-كما أن الإعتراف بفلسطين بهذه الصفة الجديدة له أهمية كبيرة على صعيد القضاء الدولي، سواء قضاء محكمة العدل الدولية أو المحاكم الجنائية الدولية، بمعنى أن فلسطين تستطيع أن تقيم دعاوى أمام محكمة العدل الدولية فيما يتعلق ببعض القضايا مثل الإستيطان والجدار الفاصل والمياه والحدود وقضايا اللاجئين، كما أن لها الحق بالإنضمام لجمعية الدول الأطراف للمحكمة الجنائية الدولية، وهذا يعني أن لها الحق بملاحقة أي فرد مهما كانت صفته الرسمية أو الفردية أمام المحاكم الجنائية الدولية إذ ثبت إرتكابه أي جريمة دولية خصوصاً الجرائم التي تدخل ضمن إختصاص المحاكم الجنائية الدولية مثل جرائم الحرب والعدوان والإبادة الجماعية.

5-الوضع الجديد وفقاً لأحكام القانون الدولي يجعل الشعب الفلسطيني داخل الأراضي العربية المحتله، شعب تحت الإحتلال، الأمر الذي يدفع المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته إذا كان أحد أعضاء شعبه محتل من قبل دولة أخرى بمعنى أن المجتمع الدولي معني بالمساهمة الفعالة في توفير مقومات العيش الكريم وتنمية الثروات للبلد المحتل وإيصال المساعدات له دون تدخل من دولة الإحتلال، كون إسرائيل حتى هذه الحظة كانت تطلب كل شيء من خلالها وبالتنسيق معها.

6-الإعتراف الدولي بفلسطين بموجب القرار الأخير تبين من خلاله وجود تحول كبير مع مواقف بعض الدول مثل دول الإتحاد الأوروبي وتأثير مواقف بعض الدول مثل الدول الإسلامية والعربية ودول الإتحاد الإفريقي ودول أمريكا اللاتينية، وهذا يشكل رسالة واضحة وذات دلالات كبيرة للدول العربية مفادها، أن تجاهل إفريقيا وأمريكيا من قبل العالم العربي كان ولا يزال خطأ كبير يصل لحد الخطيئة الأمر الذي يفرض إعادة تقييم هذه العلاقة.

7-كما أن الإعتراف الدولي بفلسطين أعاد الكره للداخل الفلسطيني، من حيث ضرورة توحيد الصف بين كافة مكوناته، حتى يتم إسقاط حُجج الطرف الآخر، بعدم وجود تمثيل موحد داخل فلسطين سياسياً لوجود حكومة في رام الله وحكومة في غزة الأمر الذي يجعل من الإعتراف الدولي حافز على المصالحة الوطنية الفلسطينية حتى يتعزز الموقف الوطني للجهد المستقبلي المتعلق في آثار وتبعات الإعتراف الدولي بفلسطين.

8- إعتراف المجتمع الدولي بفلسطين بوضع شبيه بدولة الفاتيكان التي يتبع لها مليار شخص يعتنقون الكاثوليكية، إقرار بطريقة غير مباشرة بأن فلسطين فيها كافة الديانات (( الإسلامية، المسيحية، واليهودية)) وأن بعض الأماكن الموجودة على أراضيها بمثابة إرث مشترك للبشرية جمعاء ومن الأمثلة على ذلك كنيسة المهد والقيامة والمسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة وأماكن أخرى محمية بموجب إتفاقيات لاهاي لعام 1952 والبروتوكول الملحق بها الخاص بحماية الأعيان والممتلكات الثقافية والدينية والأثرية، وأن الإعتداء على أي منها بالتخريب أو الهدم يعتبر جريمة جنائية دولية وبهذا الصدد تستطيع فلسطين أن تقاضي أي طرف يقوم بالإعتداء على تلك الاماكن بعكس الوضع الذي كان قائماً في الماضي على مجرد الإدانة الخجولة والتصريحات الصحفية.

9-إعتراف المجتمع الدولي بفلسطين بالصفة الجديدة يدفع بالقضية الفلسطينية بمجملها إلى المربع الذي كانت تحتله قبل أحداث 11/9 كونها تحتل مرتبة متقدمة في الإهتمام الدولي والتي تراجعت كثيراً في العشر سنوات اللاحقة لأحداث 11/9 حتى كانت لا تذكر في بعض الأحيان، وبمعنى أكثر وضوحاً أن الإعتراف الدولي صحّح بعض المفاهيم المغلوطة التي ظهرت بعد أحداث 11/9 مثل الخلط بين حق الشعوب المشروع بالمقاومة والإرهاب، كما أن الإعتراف يدفع ببعض القضايا العالقة والتي لدول الإقليم المحيط بفلسطين علاقته بها والتي انبثقت عن مؤتمر مدريد إلى واجهة الأحداث مثل قضايا الحدود واللاجئين والمياه، فمثلاُ تستطيع فلسطين أن تخاطب المجتمع الدولي مباشرة وتدافع عن حقوقها في المياه الجوفية إذا اعتدى عليها أي طرف، أو حقوقها في الصيد في المياه الإقليمية لشواطئ غزة أو لضمان حق العودة للاجئين بمعنى تصبح هذه القضايا دولية أكثر منها إقليمية أو خاصة بفلسطين الأمر الذي يُعزز ثمار الإعتراف الدولي بفلسطين إذا تم إستغلال هذا الإعتراف بشكل مدروس وموضوعي.

10-وعلى الجانب السياسي نعتقد أن الإعتراف الدولي وضع إسرائيل والولايات المتحدة في الزاوية، وللدلالة على ذلك إذا وجدنا أن بعض الدول التي عارضت الإعتراف مع إسرائيل وامريكا وكندا لا يتجاوز عدد سكانها بضعة ألوف وربما يسمع البعض عنها لأول مرة، وهذا يدل على تراجع وضعف تأثير الولايات المتحدة على العالم والدول الأخرى، فلم تعد دول أمريكا اللاتينية بمثابة البوابة الخلفية لأمريكا ولم تعد الدول الصغيرة والفقيرة تخشى سطوة أو نفوذ الدول الكبرى، ولم تعد دول الإتحاد الأوروبي تابع بشكل كامل للولايات المتحدة.

11-أظهر الإعتراف الدولي بفلسطين بشكل واضح وجلي ازدواجية مواقف المجتمع الدولي ومن الأمثلة على ذلك التسابق والتسارع بالإعتراف بدولة جنوب السودان وتيمور الشرقية ودول البلطيق، وكل ذي بصيرة يعرف الأسباب الكامنه وراء كل إعتراف، بينما نجد أن مسيرة الإعتراف الدولي بفلسطين تجاوزت الستون عاماً ولا يزال إعترافاً منقوصاً، لأن الطموح هو الإعتراف الكامل أي إعتراف بدولة كاملة العضوية، دولة قابلة للحياة كاملة السيادة على أراضيها وشعبها وإقليمها.

12-إعتراف المجتمع الدولي بفلسطين، له فوائد جمة على دول الجوار ومنها على سبيل المثال (الأردن) حيث سقط خيار الوطن البديل الذي كانت تحتج به إسرائيل خصوصاً اليمين الإسرائيلي وكرّس مفهوم أن العلاقة بين الأردن وفلسطين علاقة دولة بدولة، الأمر الذي يجعل التهجير القسري للسكان من فلسطين إلى أي من دول الجوار جريمة دولية ويتحمل المجتمع الدولي جزء من المسؤولية بهذا الخصوص، كما أن قضايا اللاجئين في الأردن وسوريا ولبنان والعراق ومصر ربما تجد بعض التقدم وفق منظور دولي بما يضمن حق العودة أو التعويض وفق ما يُقرره الشعب الفلسطيني.

13-القرار الدولي بالإعتراف بفلسطين بمثابة أثر كاشف للقرارات السابقة الصادرة عن المجتمع الدولي والتي تقر بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني ومنها القرارين 242 و 338 والقرارات الخاصة باللاجئين بمعنى أن الإعتراف الأخير بمثابة تأكيد على القرارات الدولية السابقة.

14-أوضح القرار الأخير مدى التناقض في الموقف الإسرائيلي، من حيث معارضتها الآلية التي أنشئت هي بموجبها، بمعنى أن إسرائيل وُجدت بموجب قرار أممي في حين أنها تعارض على فلسطين هذا الحق، مع التنويه إلى أن القرار الأممي المنشىء لإسرائيل يحث على العمل من كل ما من شأنه ضمان قيام الدولة الثانية، ويوضح للعالم أن القرار الأممي كان له سوابق بموجب إتفاقيات الزمت إسرائيل نفسها بها مثل كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، والتي تطرقت إلى حق الشعب الفلسطيني بالوجود وإقامة دولته المستقلة، وإسرائيل طرف في كل هذه الاتفاقيات.

15-من المعلوم أن من عناصر الدولة وفقاً لأحكام القانون الدولي، سيادتها على الإقليم (البري والبحري والجوي) ووجود شعب وسيادة وطنية الأمر الذي يعزز من سيادة فلسطين على مجالها الجوي ومياهها الإقليمية والتي تعتدي عليها إسرائيل حتى هذه اللحظة، كونها تخترق المجال الجوي الفلسطيني بمناسبة وبدون مناسبة وبالمحصلة فإن هذا القرار يضع اللبنات الأولى للاستقلال التام وفق أحكام القانون الدولي.

16-بعد انضمام فلسطين كعضو كامل العضوية لليونسكو، وعضو مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن القرار الأخير يتيح لها العضوية في باقي المنظمات الدولية والوكالات المتخصصة مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات الأخرى والتي لها برامج حالياً في الأراضي العربية المحتلة بحيث يمكن تطوير هذه البرامج وكأنها مع أية دولة أخرى، سيما وأن توفير الغذاء والدواء والتعليم وكل ما يلزم لبقاء ونماء السكان في الإقليم المحتل، مسؤولية دولة الإحتلال والمجتمع الدولي.

17-هناك وجهة نظر تقول أن الإعتراف الدولي بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني هو ترجمة لحق أي شعب أحتلت أراضيه في تقرير مصيره خصوصاً في ظل الربيع العربي الذي أعطى للعالم أجمع إنطباع أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وخصوصاً فلسطين التي أبدت وفي أكثر من مناسبة بأنها على إستعداد على التعايش مع الآخر، وبالتالي فإن رفض الآخر هذا التعايش يتعارض مع رغبة المجتمع الدولي بالإعتراف بفلسطين كدولة.

18-وبشكل عام فإن هذا الإعتراف هو بمثابة إقرار من المجتمع الدولي بالظلم التاريخي للشعب الفلسطيني الذي إستمرت معاناته كل هذا الزمن في حين أن نزاعات أخرى وفي أماكن أخرى تدخل المجتمع الدولي وحسّم أمرها بسرعة قصوى، كما أن هذا الإعتراف أعاد للقانون الدولي بعض الزخم الذي فقده كثيراً في الفترة الأخيرة بمعنى أن الصراعات والنزاعات الدولية لم تعد القوة العسكرية السبيل الوحيد لفضها، إنما قد يكون المجتمع الدولي وبموجب قراراته الدولية أكثر حسماً للكثير من النزاعات الدولية.

19-وعلى صعيد المنظمات الدولية، ففلسطين عضو كامل العضوية في العديد من المنظمات الإقليمية والتي يسبق بعضها إنشاء الأمم المتحدة نفسها مثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة عدم الإنحياز، وبالتالي فإن قبول فلسطين بهذه الصفة وإن لم تكن غاية الطموح للشعب الفلسطيني إلا أنها خطوة متقدمة وفي الإتجاه الصحيح، وأن العالم أدرك بأن عقارب الساعة لن تعود للوراء، وأن هناك شعب لن يقبل عن تراب فلسطين أي مكان لكي يقيم دولته عليه.

20-أوضح القرار الأممي ردة فعل إسرائيل المتسرعة بإنشاء العديد من المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة وردة فعل الإتحاد الأوروبي حيال هذا الموضوع والذي سجلت بعض بلدانه سابقة جديدة كاستدعاء السفراء للاستيضاح، الأمر الذي يعني أن بعض الممارسات التي كانت سائدة في الماضي لم يعد لها وجود في عالم اليوم مثل التمييز والفعل العنصري والعدوان على أراضي الغير، وأن هناك لغة جديدة اليوم هي لغة الاحتكام للعقل والمنطق والتي يتولى السهر عليها المجتمع الدولي لأن القول بعكس ذلك يكرس قناعات المواطن في العالم الثالث بشكل عام والعالمين العربي والإسلامي بشكل خاص بسياسة الازدواجية في المعايير والانتقائية في التطبيق.

21-وفي إطار الشراكة الأورومتوسطية (يوروميد) وبما أن فلسطين تقع على ضفاف المتوسط، فإنه يمكن لها الاستفادة من برامج هذه الشراكة التي انبثقت عن إعلان برشلونة، وذلك من خلال إبرام إعلانات واتفاقيات مباشرة مع دول الإتحاد الأوروبي في المجالات السياسية والاقتصادية الأمر الذي ينعكس إيجاباً على مناحي الحياة المختلفة في فلسطين، سيما وأن البيئة مهيأة لذلك من حيث قرب المسافة جغرافياً بين الطرفين ولوجود مكاتب تمثيل لفلسطين في بعض البلدان الأوروبية وتعاطف الرأي العام الأوروبي مع قضية الشعب الفلسطيني.

22-إن الاعتراف الدولي بفلسطين قد يُسهل الطريق أمام بعض الخطوات من أجل استكمال الإجراءات الخاصة بالاستقلال التام مثل إصدار الجنسية أو العملة الفلسطينية وإصدار جواز السفر الخاص برعاياها المعترف به دولياً بدلاً من الوثيقة المعمول بها حالياً.

23- إذا وُجد نوع من التصادم بين الحضارات والأديان في الفترة الماضية والذي أحد أسبابه الظلم التاريخي لقضية شعب فلسطين، فإن مثل هذا الإعتراف قد يُساهم في تخفيف حدة هذا التصادم ويفتح مجالات أوسع للحوار بين الثقافات والأديان بما يُساهم في إيضاح بعض حالات سوء الفهم.

24-يستدل من توزيع الدول التي صوتت مع القرار، أن قضية فلسطين لم تعد قضية تهم العالمين العربي والإسلامي فقط كون عدد هذه الدول بحدود خمسون دولة تقريباً، وإذا تم مقارنة هذا العدد مع عدد الدول التي صوتت لصالح القرار(138) دولة، فإن ذلك يدل على أن الموضوع أصبح ذا بعد دولي يهم المجتمع الدولي بأسره.

25-عزّز الإعتراف الدولي بفلسطين أهمية التنسيق العربي في المحافل الدولية، فالمشروع قدمه مندوب السودان ودعمه مندوبي بعض الدول العربية، كما هو الحال في الالتجاء لمحكمة العدل الدولية بقضية الجدار الفاصل الذي كان يقوده وينسق له الأردن ومصر، هذا الجهد ينسجم مع الاتجاه العالمي الذي يسير نحو التحالفات الإقليمية.

26-وعلى صعيد الإقليم فإن الإعتراف يدفع ببعض دول الجوار لفلسطين والمعنية بالصراع العربي- الإسلامي إلى توظيف جزء من الإنفاق العسكري على مجالات أخرى كالتمنية الاقتصادية وبرامج دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، كون عدم الاعتراف الفعلي يضعنا في حالة اللاحرب واللاسلم وهذه الحالة تستدعي توظيف موارد كبيرة على تسابق التسلح والإنفاق العسكري.

27-الاعتراف الدولي بفلسطين يضع الشعب الفلسطيني وقيادته وكافة مكونات مجتمعه أمام تحديات مستقبلية كبيرة كون الوضع الحالي أشبه بمرحلة انتقالية الأمر الذي يفرض عليهم اتخاذ العديد من الخطوات والإجراءات التي نرى أنها ضرورية من أجل الاستمرار للوصول إلى الاستقلال التام والاعتراف الفعلي (الواقعي) ومن هذه الخطوات ما يلي:

1.تكثيف الجهود مع الدول التي امتنعت عن التصويت لأنها تكون أقرب إلى الموافقة من المعارضة، وقد يمكن تنفيذ ذلك مع كل دولة على حده لشرح قضية الشعب الفلسطيني ومعاناته بشكل موضوعي، سيما وأن بعض الدول التي امتنعت عن التصويت هي دول محورية ومؤثرة في صياغة القرار الدولي.

2.سرعة توحيد الصف لفلسطيني بكافة مكوناته وأطيافه والظهور أمام العالم بحكومة واحدة وتمثيل واحد، وإن يتم التعامل مع ممثل شرعي واحد، حتى لا يُصبح الشعب الفلسطيني وأرضه مسرحاً لقضية الخلافات بين اللاعبين الكبار في المنطقة، مثل الخلاف النووي بين إيران والعالم وإسرائيل حول برنامج إيران النووي، وبنفس الوقت يشجع على أن يكون أكثر حزماً مع إسرائيل بخصوص برنامجها النووي.

3.تعزيز منظومة الشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد داخل أراضي فلسطين الأمر الذي يُعزز الدول المانحة على دعم برامج إقامة الدولة، ويشجع المستثمرين الأجانب والعرب على إقامة مشاريع داخل فلسطين، كون تعزيز الاقتصاد –وكما أسلفنا- مهم وضروري للاستقلال السياسي.

4.إصلاح القدرة المؤسسية للجهات الرسمية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني وفق مفهوم الدولة، حتى يُسهل الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة الواقعية (الفعلية).

5. تعزيز مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان والانتخابات الحرّة النزيهة وسيادة القانون، كون هذه الأمور تعطي الانطباع بأن دولة التقدم والديمقراطية هي التي تولي مثل هذه الأمور الاهتمام الذي يستحق، مع التنويه إلى أن الانتخابات التي أجريت في فلسطين قبل عدة سنوات شهد العالم بأسره بنزاهتها وفق المعايير الدولية لإدارة العملية الانتخابية، ويتوجب بهذا الصدد تعزيز بعض الهياكل الوطنية لهذه الغاية مثل الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وهيئة إدارة الانتخابات وديوان المظالم ومنظمات المجتمع المدني.

6.وضع الأطر الخاصة للمصالحة الوطنية أو العدالة الانتقالية داخل فلسطين حتى لا يترك أية ذريعة لأي جهة بأنه لا يمكن إقامة دولة قابلة للحياة في ظل حالة الانقسام داخل المجتمع الفلسطيني.

7.تعزيز استقلال السلطة القضائية من حيث النصوص التشريعية والتطبيق العملي، كون القضاء المستقل والمحايد والنزيه والفعال من أحد أهم عناصر الدولة بمفهومها وفق أحكام القانونين الدولي والداخلي وفق نظرية وحدة القانونين، سيما وإذا أدركنا أن من أهم ملامح القضاء الجنائي الدولي العمل وفق مبدأ التكاملية مع الأنظمة القضائية الوطنية.

8.فتح قنوات للحوار الداخلي بين كافة مكونات المجتمع الفلسطيني، إذ لا يُعقل أن ندعو للحوار مع الآخر ونحن مختلفين، ويتوجب لتحقيق هذا الهدف تجنب سياسة الإقصاء للآخر.

9.إيجاد برامج للتوعية الإعلامية والثقافية القانونية لأهمية هذه الخطوة خصوصاً للأجيال الجديدة، خصوصاً بعد تعاظم ثورة الإتصالات والمعلوماتية وذلك لوجود نوع من حالة عدم الفهم الواسع والعميق لأبعاد القرار الدولي.

10.عدم التوقف عند هذا الحد، بل يتوجب مضاعفة الجهد لتحقيق الهدف البعيد للوصول إلى الإعتراف الكامل والفعلي (الواقعي)، حتى لا تتحقق أطروحات الطرف المقابل بأن هذه الخطوة أحادية الجانب.

وفي الختام:- فعلى الرغم من إدعاء البعض من رمزية الخطوة، فإنها وبكل المقاييس خطوة هامة جداً ولا بد منها من أجل تحقيق الاعتراف النهائي والكامل أو الاعتراف الواقعي والفعلي، وساهمت في إعادة القضية الفلسطينية للمربع الأول من دائرة اهتمام المجتمع الدولي، وبقدر أهميتها لفلسطين فهي مهمة للأردن الذي كان يعاني من أطروحات الوطن البديل والتهجير القسري للسكان، ومهمة للعالمين العربي والإسلامي كونهم استطاعوا إيصال رسالة للعالم أننا دعاة سلام عادل وشامل وأننا جزء من المنظومة الدولية نعمل معها ومن أجلها إذا استطاعت أن تعاملنا كما تعامل الآخرين