التعريف بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية

المؤلف : مها بهجت يونس
الكتاب أو المصدر : مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية / العدد الاول / حقوق الانسان وحرياته…
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

أصل كلمة حق في اللغة اللاتينية “Directus” وتعني الصواب، العدل. والحق في اللغة الفرنسية ،“Droit وفي اللغة الإنكليزية “Right” والحق نقيض الباطل.(1) يعرف الحق بشكل عام بأنه ” ميزة يقرها القانون لشخص معين على شيء معين، يستطيع عن طريق هذه الميزة التصرف في ذلك الشيء كافة التصرفات التي يقرها القانون “.(2) وذهب رأي الى أن الصلة وثيقة بين القانون والحق، لأن القانون هو الذي يرتب الإلتزامات والحقوق.

ولكن يثار التساؤل أيهما أسبق عن الآخر وأيهما يستند على الآخر؟ والإجابة على هذا التساؤل تختلف في الفكر الليبرالي عنه في الفكر الإشتراكي، حيث يرى أصحاب المذهب الليبرالي أن الافراد يتمتعون بحقوق طبيعية قبل قيام الجماعة المنظمة وقبل القانون، وأن وظيفة القانون هي المحافظة على تلك الحقوق، بينما يرى أصحاب المذهب الاشتراكي أن الجماعة هي غاية كل تنظيم قانوني، وأنه ليس للفرد التمسك بحقوق فردية على حساب الجماعة(3) ومعناها في اللغة الفرنسية ،”Libertas” اما كلمة الحرية فأصلها في اللغة اللاتينية وتعني جميعها حرية الإرادة، ،”Liberty” وفي اللغة الإنكليزية تعني “Liberté” استقلال، تحرر من العبودية.(4)

وفي تعريف الحريات ذهب رأي الى أنها مجموعة من الحقوق المعترف بها والتي أعتبرت أساسية في مستوى حضاري معين، ووجب بالتالي أن تتمتع بحماية قانونية خاصة تكفلها لها الدولة، وتضمنها بعدم التعرض لها وبيان وسائل حمايتها. بينما ذهب آخر الى أن الحرية ينظر إليها على أنها مراكز قانونية للافراد تمكنهم من مطالبة السلطة بالامتناع عن القيام بعمل ما في بعض المجالات، وأن الحرية مرهونة بالقانون والنشاط الإنساني، وأن هذا الأخير لا يرقى الى مرتبة الحرية إلا إذا توافر له التنظيم التشريعي الذي لا يتعارض مع الحرية وممارستها.(5)

أصبح الحق والحرية تعبيرين متلازمين في الوقت الحاضر، بغض النظر عما اذا كانت الدولة تعترف بجميع الحقوق والحريات العامة وتدرجها في تشريعاتها الوضعية وتسبغ عليها حمايتها القانونية، أو أنها تهمل جانباً منها عن عمد أو عن غير عمد، وهو ما يتوقف الى حد كبير على المذهب الذي تعتنقه الدولة. وقد ذهب رأي الى أن الحق والحرية يرجعان الى طبيعة واحدة وأن التفرقة بينهما هي تفرقة شكلية، فالحق ما هو إلا مظهر أساسي من مظاهر الحرية.(6)

بينما اتجه رأي آخر إتجاهاً مغايراً حيث يقرر أن الحرية هي أصل جميع الحقوق وأنها السبب في نشوء الأنظمة المتعلقة بها، وأنها أسبق من الحقوق من حيث النشأة، الأمر الذي يجعل للحرية بالضرورة مضموناً أوسع وأشمل، ويجعل لها جانباً ايجابياً وآخر سلبياً في وقت واحد بمعنى أن للفرد إمكانية إتيان الفعل الحر أو عدم إتيانه في نفس الوقت، وذلك مع عدم الاضرار بالآخرين. بينما يكون الوضع على عكس ذلك بالنسبة للحقوق التي يتحتم أن تكون مسماة ومحددة، وأن تكون غايتها إيجاد الطمأنينة لدى ذويها، مع إمتناعهم عند مباشرة حقوقهم عن ارتكاب ما يحرمه القانون، شريطة أن يكون القانون قائماً على أساس العدل والانصاف ومراعاة الصالح العام وعدم التمييز بين المواطنين لأي سبب من الأسباب.(7)

وأن تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم العامة قد يختلف بالضرورة تبعا لاختلاف النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد في كل دولة.

ففي النظم الاشتراكية تكون غايتها المجموع وليس الفرد، وتتميز الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية في هذه النظم بالدور الإيجابي للدولة، وذلك للقيام بالنشاطات الاقتصادية الرائدة مع القطاع الخاص لأجل توفير حق العمل وخدمات اجتماعية واقتصادية أساسية للافراد تهدف ضمان الحياة الكريمة لهم. اما في النظم الفردية الحديثة فانها تنظر الى الفرد باعتباره غاية النظام وأن الدولة والسلطة فيها هما ضمان لحقوق الإنسان وحرياته، وأصبح واجباً على الدولة أن توفر له جميع العناصر الأساسية من أجل التمتع بالحقوق والحريات التي تقتضيها حياته ويستلزمها تطوره كالرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والتعليم، وحماية هذا النظام القانوني بقواعد دستورية لا يجوز المساس بها أو الانتقاص منها. (8)

وعلى الرغم من الاهتمام المتزايد بحقوق الإنسان والعناية والرعاية التي برزت على المستوى الدولي والإقليمي والداخلي. اذ بدأ المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة واجهزتها بوضع الإتفاقيات الدولية والإقليمية التي تحدد حقوق الإنسان ووسائل حماية تلك الحقوق، كما دأبت على المستوى الداخلي الدساتير والتشريعات الداخلية للدول على النص على تلك الحقوق ووسائل حمايتها ولكن بدون تعريفها أو تحديدها تحديداً دقيقاً. ومع كل هذه العناية وهذا الاهتمام الا اننا لم نجد في كتابات فقه القانون الدولي والقانون الدستوري تعريفاً لحقوق الإنسان واذا وجدت مثل تلك التعريفات فانها توصف بالندرة.(٩)

وقد عرف بعض الكتاب حقوق الإنسان بانها “ تلك الحقوق التي يتمتع بها الإنسان، لمجرد كونه إنساناً أي بشراً، وهذه الحقوق يعترف بها للإنسان بصرف النظر عن جنسيته أو ديانته أو أصله العرقي أو القومي أو وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي، وهي حقوق طبيعية يملكها حتى قبل أن يكون عضواً في مجتمع معين فهي تسبق الدولة وتسمو عليها “.( ١٠ )

كما عرفها البعض الآخر بانها “ مجموعة الحقوق والحريات المقررة والمحمية بمقتضى المواثيق الدولية والإقليمية لكل كائن بشري في كل زمان ومكان، منذ لحظة الإقرار بوجوده بوصفه كائناً حياً وحتى ما بعد وفاته، والتي تلتزم الدول بإقرارها وضمانها وحمايتها على أراضيها، والمترتب على إنتهاكها أو الإخلال بها المسؤولية الدولية للدولة الحاصلة على أرضها هذا الانتهاك بمقتضى المواثيق الدولية المعنية والمنضمة لها أمام الآليات الدولية والإقليمية المنشئة لهذا الغرض والمسئولية الجنائية الشخصية لمرتكب هذا الانتهاك، وضمان تعويض المجني عليه عنه في حالة كون الانتهاك مما يعد جريمة وفقا لهذه المواثيق الدولية، والتي توفر كذلك للفرد ضحية هذا الانتهاك صفة الشخصية الدولية بمنحه الحق في اختصام الدول لدى الآليات الدولية والإقليمية المنشأة لهذا الغرض لتصحيح ما لدى الدول الاعضاء من مخالفات وتعويض المجني عليه عنها (11)

وتتميز حقوق الإنسان بالخصائص الآتية : انها محمية قانوناً ، ترتكز على كرامة الإنسان، تحمي الافراد والمجموعات، لا يمكن التنازل عنها أو نزعها، ملزمة للدول والجهات الفاعلة فيها، متساوية ومترابطة، وانها حقوق عالمية.(12) .
______________
1- انظر د. القطب محمد القطب طبلیة، الإسلام وحقوق الإنسان ، دار الفكر العربي، ط2، ١٩٨٤ ، ص ٢٨ .
2- ویمیز د. عب د الرزاق السنھوري بین الحق والرخصة فیعرف الثانیة بأنھا ” مكنة واقعیة لاستعمال حریة من الحریات العامة، وھو إباحة یسمح بھا القانون في شأن حریة من الحریات العامة، ذلك أن الشخص، في حدود القانون، له حریة العمل والتنقل والتعاقد والتملك وغیر ذلك من الحریات العامة، فاذا وقفنا عند واحدة من ھذه الحریات، كحریة التملك مثلا، أمكن أن نقول سبیل المقابلة بین الحق والرخصة أن حریة التملك رخصة أما الملكیة فحق ” وھذا یعني أنه یعتبر الحریات رخص …الخ.
انظر د. جابر ابراھیم الراوي، حق وق الإنسان وحریاته الأساسیة في القانون الدولي والشریعة الاسلامیة، ط ١، دار وائل للنشر، عمان، ١٩٩٩ ، ص ١٦٢
3- انظر د. طعیمة الجرف، مبدأ المشروعیة وضوابط خضوع الدولة للقانون، ط ٣، دار النھضة العربیة، القاھرة، ١٩٧٦ ، ص ١٢٧
4- انظر د. القطب محمد القطب طبلیة، مرجع سابق، ص ٢٩.
5- انظر د. نعیم عطیة، في الروابط بین القانون والدولة والفرد (دراسة في الفلسفة القانونیة)، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاھرة، ١٩٦٨ ،ص ١٥٤
6- انظر د. یحیى الجمل، النظام الدستوري في جمھوریة مصر العربیة (مقدمة في دراسة المبادئ الدستوریة العامة) ، دار النھضة العربیة، القاھرة، ١٩٧٤ ،ص ١٤٤
7- انظر د. أحمد جاد منصور، الحمایة القضائیة لحقوق الانسان، دار النھضة العربیة، القاھرة، ١٩٩٧ ،ص ٢٦ .
8- لمزید من التفصیل راجع د. عدنان حمودي الجلیل، نظریة الحقوق والحریات العامة في تطبیقاتھا المعاصرة، القاھرة، ١٩٧٤- ١٩٧٥ ،ص ١٨٥ وما بعدھا
9- انظر د. جابر ابراھیم الراوي، مرجع سابق، ص ١٦٥ .
10 – د.ھادي نعیم المالكي، المدخل لدراسة القانون الدولي لحقوق الإنسان، ط ١، دار الاسلام، بغداد، ٢٠٠٨ ،ص ١٤
11- المستشار سناء سید خلیل، النظام القانوني المصري ومبادئ حقوق الإنسان، بحث منشور على الموقع الالكتروني http:\ www.tashreaat.com
12- انظر د.عزیز جبر شیال، التنمیة الاقتصادیة وحقوق الإنسان، مجلة أوراق عراقیة، مركز الفجر للدراسات والبحوث العراقیة، العدد (٢) نیسان ٢٠٠٥ ،ص ٢