الركن المادي في السرقة :

الركن المادي في جريمة السرقة هو كل فعل يقوم به الجاني ويترتب عليه انتزاع الشيء من حيازة المجني عليه بغير رضائه ، ونقله الى حيازة الجاني ولكي يقع الاختلاس الذي يسلب الحيازة من المجني عليه يجب ان يثبت ان الشيء كان في حيازة المجني عليه وقت الفعل ، وان انتزاع هذه الحيازة كان بفعل الجاني، دون رضاء المجني عليه(1). اذن فعل الاختلاس هو اهم ما يميز السرقة من غيرها من جرائم الاموال ومعنى الاختلاس هنا نقل الجاني الشيء من حيازة الغير الى حيازته الخاصة، والنقل يعني تحويل السلطة على الشيء من الحائز السابق الى الجاني، أي ان الفعل قد جعل الشيء تحت سيطرة الجاني المباشرة. اذا لم يتم اخراج المال من حيازة المجني عليه اصبح الفعل شروعاً في سرقة وليس جريمة سرقة تامة، فلو قبض على سارق وهو يجمع الاشياء المسروقة قبل ان يترك مسرح الجريمة فلا يمكن القول إن جريمة السرقة قد تمت ويعاقب الجاني على شروع في سرقة فقط. واذا قبض على السارق في سطح الدار واسترجعت منه الاشياء التي كان قد اخذها من داخل الدار فإن فعله لا يتعدى كونه شروعاً في سرقة لأن السرقة لا تتم الا بنقل المال المسروق نقلاً كاملاً. أما اذا قبض على السارق في سطح الدار المجاورة مثلاً، او في الطريق وبحوزته المال المسروق فإن فعله يعد جريمة سرقة تامة لأن حيازة المال قد تم نقلها بإخراج المال من الدار التي اخذه منها(2).

وما دام الاختلاس يعني نقل الشيء من حيازة الغير الى حيازة الجاني. فليس من الضروري ان يتم فعل الاختلاس مباشرة باليد فيعد اختلاساً استيلاء الجاني على الشيء بواسطة آلة أو اداة أو بواسطة حيوان أو طفل غير مميز أو شخص منوم مغناطيسياً، ومثال على هذا يعد سارقاً من يستولي على نقود بواسطة قرد مدرب على النشل او يحصل على طعام بواسطة كلب مدرب على سرقة مثل هذا الطعام. وليس من الضروري ان يبقي الجاني المال المسروق في حوزته. فيعد سارقاً من اختلس شيئاً (مع توافر أركان السرقة الأخرى) ثم تخلى عن حيازته لآخر او رده لصاحبه، كذلك يعد سارقاً اذا استهلك المال بعد ان اتم نقل حيازته اليه، كمن يسرق طعاماً او شراباً ثم يستهلكه حالاً، على انه يشترط ان ينقل الجاني الشيء المسروق الى حيازته فإذا اعدمه في مكانه وقبل ان ينقله الى حيازته عد الفعل جريمة تخريب او اتلاف مال ينطبق عليه وصف قانوني آخر غير جريمة السرقة(3). كذلك لا يتصّور الاختلاس مع وجود الشيء في حيازة المتهم من بادئ الأمر، فإذا كان الشيء بين يدي المتهم ابتداء، وأبى ان يردّه الى مالكه الحقيقي، أو تصرف فيه ضرراً بذلك المال، فلا يعّد مختلساً ولا يكون فعله هذا سرقه. أما اذا كان الحائز قد تخلى عن الشيء ولو لحظة يسيرة، ثم استرده خلسة بعد ذلك، فأنه يعّد مختلساً ويعاقب بعقوبة السرقة فالبائع الذي يضع البضاعة تحت تصرف المشتري، ثم يختلس بعضها عقب ذلك يعّد سارقاً. وليس كل نقل للشيء من مكانه يعّد اختلاساً، فالخادم الذي ينقل الملابس مثلاً من مكانه بالمنزل الى مكان أقرب اليه من المكان الأول ليأخذها معه عند الانصراف من المنزل لا يعّد مختلساً لذلك الشيء، لأنه لم يصبح بعد في قبضته، اما اذا وضع هذه الملابس في غرفته الخاصة أو في حقيبته فإن فعله يعّد اختلاساً، واللص الذي يخرج الاشياء من الدواليب ويجمعها في غرفة واحدة داخل المنزل تمهيداً لحملها والفرار بها لا يكون بذلك قد أتم فعل الاختلاس لأن الاشياء لا تزال حيث وضعها في حيازة صاحب الدار (الغرفة)، اما اذا وضع شيئاً منها في حقيبته فأنه يعّد مختلساً للشيء برغم كونه لا يزال داخل المنزل، لأن ذلك الشيء قد اصبح في قبضته فعلاً، وذلك لأن كل فعل من شأنه نقل حيازة الشيء الى الجاني يتحقق به الاختلاس، فالذي يأكل طعام غيره في المكان الذي يجده فيه يعّد مختلساً، والذي يحرض كلبه على خطف شيء من آخر يعّد مختلساً، والذي يحّول مجرى مياه في أرض جاره الى أرضه يعّد مختلساً وهكذا(4).

أما بخصوص المعيار المعمول به لتحديد الاختلاس المكون للسرقة، فيرجع الفضل في وضعه الى الفقيه “جارسون” في نظريته عن الاختلاس التي بناها على اساس التمييز بين أنواع الحيازة طبقاً للقواعد المدنية، وجوهر هذه النظرية، ان الاختلاس ليس هو نقل الشيء من حيز مادي الى حيز آخر. من مسكن المجني عليه أو يده الى مسكن المتهم أو يده مثلاً، بل هو نقله من حيازة الى حيازة، والحيازة المقصودة هي الحيازة بالمعنى القانوني أي الحيازة الكاملة أو الناقصة(5). أراد الفقيه جارسون في نظريته ان يضع للتسليم المانع من قيام ركن الاختلاس ضوابط قانونية محددة، فربطه بنظرية الحيازة في القانون المدني، وقال ان الحيازة في القانون المدني على ثلاثة أنواع، حيازة كاملة وحيازة ناقصة وحيازة لمجرد تمكين اليد العارضة، ويتعين تعرف الغرض من التسليم وتحت أي نوع من الثلاثة ينطوي، وحينئذ لا يعتد بالتسليم مانعاً من قيام ركن الاختلاس الا اذا كان القصد منه نقل الحيازة الكاملة أو الناقصة. فالحيازة الكاملة هي التي يتوافر فيها عنصران أحدهما مادي والآخر معنوي، والعنصر المادي هو وجود المال بين يدي الشخص أي المظهر المادي للحيازة بحبس الشيء أو باستعماله بأي وجه، والعنصر المعنوي هو انصراف نية الحائز الى أن من حقه التصرف في الشيء أو الانتفاع به بأية وسيلة بصفته مالكاً. والحيازة الناقصة، هي التي يتوافر فيها العنصر المادي دون العنصر المعنوي، أي يوجد المال في حوزة الشخص فيتوفر المظهر المادي دون وجود النية والاعتقاد بأن من حقه التصرف في الشيء بوصفه مالكاً. ويكون ذلك في الصورة التي يكون فيها المال بين يدي الحائز بموجب وجه من أوجه الأمانة كالوديعة أو الاجارة أو عارية الاستعمال. أما الحيازة المادية لمجرد تمكين اليد العارضة فلا يتوافر فيها لا الجانب المادي ولا الجانب المعنوي للحيازة، بل يوجد المال بين يدي الشخص بصفة عارضه فليس له عليه أي حق يجيز له حبسه لا باسمه شخصياً بوصفه مالكاً أو باسم غيره بوصفه وكيلاً (6). وعلى أساس تقسيم الحيازة المبين انفاً حدد الفقيه جارسون التسليم الذي يمنع من قيام الاختلاس بأنه ما كان يقصد به نقل الحيازة الكاملة او الحيازة الناقصة، أي ما كان الغرض منه نقل الملكية ووضع المال بين يدي المتسلم مؤقتاً مع بقاء الملكية على ذمة صاحب المال الأصلي، أما اذا كان الغرض من التسليم هو مجرد تمكين اليد العارضة مع بقاء المال تحت اشراف صاحبه ورقابته، فإن الاستيلاء عليه حينئذ يعتبر اختلاساً مكوناً للركن المادي في جريمة السرقة(7).

فالاختلاس هو اغتيال (افناء او انهاء) الحيازة بركنيها المادي والمعنوي معاً. فتقوم جريمة السرقة ضد من يغافل البائع الذي يعرض عليه بضاعته ويهرب بها. ومن يتسلم كتاباً في مكتبة ليطلع عليه فيها على مرأى من أمينها ثم لا يرده يعدّ فعله اختلاساً مكوناً من الركن المادي في جريمة السرقة، لأن أمين المكتبة لم يقصد نقل الحيازة الكاملة ولا المؤقتة للمتسلم بل مجرد تمكينه مادياً من مطالعة الكتاب في المكان المعد لذلك تحت اشرافه ورقابته، ولا يغير من هذا ان يحرر أمين المكتبة ايصالاً عند دخول الفرد الى المكتبة بتسلمه للكتاب، لأن الغرض من ذلك هو مجرد تنظيم وترتيب الاطلاع لا التسليم على وجه الأمانة(8) ويرى جارسون ضرورة التفرقة بين الحيازة واليد العارضة، وبين الحيازة القانونية (بنوعيها المذكورين )، وبين مجرد الاحراز المادي للشئ. والحيازة المادية هي التي ليس لها سند قانوني ولا أثر قانوني ونسميها اليد العارضة أو الاحراز المادي، ومن له هذا الاحراز المادي أو هذه الحيازة العارضة لا يكون له أي حق قانوني على الشيء لا بصفة دائمة كالمالك أو واضع اليد (الحيازة الكاملة) ولا بصفة مؤقتة كالمستأجر أو المودع لديه (الحيازة الناقصة). فسلطته على الشيء مادية لا قانونية. ومن أمثلة هذا الاحراز المادي الخادم لأدوات المنزل، واحراز الزبون للبضائع التي يعرضها عليه البائع للاطلاع عليها تحت اشرافه تمهيداً لشرائها، واحراز القارئ للكتب التي تسلم اليه في المكتبة للاطلاع عليها داخل قاعة المطالعة (9). وعلى أساس التفرقة بين الحيازة القانونية والاحراز المادي يقسم الفقيه جارسون التسليم الى نوعين، التسليم القانوني، الذي قصد به المسلم نقل الحيازة القانونية الى المستلم وهو وحده الذي يمنع من عقاب المتسلم على الاختلاس باعتباره سارقاً اذا رفض رد الشيء أو أنكر تسلمه أو اخفاه، أما التسليم الذي لا أثر له على مركز الشيء من الوجهة القانونية فلا يمنع من وقوع الاختلاس(10).

________________________________

1- د. علي حسين الخلف، جريمة السرقة، مطبوع على الرونيو سنة 1962.

2- د. سعد ابراهيم الاعظمي، موسوعة مصطلحات القانون الجنائي، الجزء الثاني، بغداد، 2002، ص117.

3- د . اكرم نشات ابراهيم ، شرح قانون العقوبات ، القسم الخاص ، طبع مكتب بغداد ، بغداد 1973 ، ص 89 .

4- أحمد امين بك، شرح قانون العقوبات الاهلي ، الدار العربية للموسوعات ، المجلد الثالث ، بيروت ، لبنان ،ط3 ، 1982 ، ص857.

5- د. أكرم نشأت ابراهيم، مصدر سابق ، ص 90.

6- د. رؤوف عبيد ، جرائم الاعتداء على الاشخاص و الاموال ، دار الفكر ، 1978 ، ص 318- 319 .

7- جارسون ، مجلد 379 ، بند 47 .

8- د. حسن صادق المرصفاوي، مصدر سابق، ص261.

9- جندي عبدالملك، الموسوعة الجنائية، مصدر سابق، ص 163.

10- د. اكرم نشات ابراهيم ، مصدر سابق ، ص 91-92 .

الركن المعنوي – القصد الجنائي في جريمة السرقة :

جريمة السرقة جريمة عمدية فيجب ان يتوافر فيها القصد الجنائي والقصد الجنائي قد يكتفي بأن يكون قصداً عاماً وقد يشترط قصداً خاصاً. والقصد العام ـ هو قيام العلم لدى الجاني وقت ارتكابه للجريمة انه يختلس المال المملوك للغير بلا رضاء من مالكه، ويشترط في القصد العام ثلاثة عناصر هي:ـ

1ـ علم الجاني بأنه يختلس مال الغير ـ فان كان الفاعل يعتقد ان المال الذي استولى عليه ملكه وكانت حقيقة الامر انه في ملكية غيره لا يتوافر قبله القصد الجنائي في جريمة السرقة، وعلم الفاعل ان المال المملوك له او مملوك لغيره هي مسألة مردها وقائع الدعوى تستخلصها محكمة الموضوع(1).

2ـ أن يعلم الجاني انه يستولي على المال بغير رضاء مالكه. فتنازل الحائز عن الحيازة الكاملة او الناقصة للمال لايجعل من المتسلم مختلساً، واذا كان الفاعل يعتقد بحسن نية انه يأخذ المال برضاء المالك فلا يتوافر في حقه القصد الجنائي، ومسألة العلم بالرضاء مردها وقائع الدعوى يستخلصها قاضي الموضوع من الادلة التي تطرح بين يديه.

3ـ ان يقوم ذلك العلم وقت قيام الفاعل بالجريمة. فجريمة السرقة جريمة وقتية تتم بمجرد اختلاس المال واخراجه من حوزة مالكة ولذا يتعين ان يتوافر القصد الجنائي وقت ارتكاب فعل الاختلاس(2).

اما القصد الخاص ـ فهو انصراف نية الجاني الى امتلاك المال المختلس فالعقاب على السرقة يقصد به حماية الملكية الفردية، فان كانت الملكية لاتزال باقية لصاحب المال وفلا يتدخل القانون الجنائي، فسرقة المنفعة لاعقاب عليها، فمثلاً من يأخذ كتاباً لجاره ليطالعه ويرده اليه لا يعد مرتكباً لجريمة السرقة، ومن يركب سيارة غيره ليقوم بنزهة بها ثم يعيدها الى صاحبها لا يعتبر مختلساً لها(3).بيد انه في هذه الصورة الاخيرة يسند الى الفاعل جريمة سرقة البنزين المستهلك في تشغيل آلات السيارة وسيرها. ولا يتغير الوضع لو كان ذلك الشخص قد وضع بنزيناً في خزان السيارة قبل السير بها، لان السائل قد اختلط بما كان موجوداً بها من قبل واصبح حكمه حكم المال المشترك، فالفاعل قد اختلس بعض جزيئات المال الذي يخص مالك السيارة ولا يبقى الا فرض واحد لا يسفر عن جريمة سرقة هو ان لا يكون بالسيارة بنزين اطلاقاً فيضع الفاعل بعضاً منه فيها. ولهذا يجب ان ينصب القصد الجنائي على كل الاركان المادية للجريمة فيجب ان يكون المتهم على علم بأنه يرتكب اختلا1ساً، فاذا وضع شخص في حقيبة آخر متاعاً مملوكاً لشخص ثالث بغير علم صاحب الحقيبة، ثم اخذ صاحب الحقيبة حقيبته بما فيها فلا يعد مختلساً لذلك المتاع، كذلك يجب ان يعلم المتهم انه يرتكب ذلك اختلاسا برغم ارادة المالك، فإذا اخذ المتهم الشيء بحسن نية معتقداً انه يفعل ذلك برضا المالك فلا عقاب عليه لا نتفاء سوء القصد، ولو كان المالك في الواقع غير راضي عن ذلك الفعل، فإذا كان المالك راضياً بالفعل عن اخذ ذلك الشيء فالبراءه أوجب. ولكن ماحكم من يختلس شيئاً وهو يعتقد انه يأخذه على غير ارادة مالكة اذا كان المالك راضياً عن ذلك الاخذ تسامحاً منه او بدافع حب الخير؟ نرى ان الفعل لا يخرج في هذه الحالة عن وصف السرقة المعاقب عليها، لانه استوفى جميع الاركان والشروط القانونية(4). كما يجب ان يكون المتهم على علم بأنه يختلس شيئاً منقولاً، وهذه مسألة قانونية لا يقبل فيها الاعتذار من الجاني بأنه لم يكن يعلم ان الشيء فنقول وكذلك يجب ان يعلم المتهم انه يختلس شيئاً مملوكاً للغير. فمن يأخذ مالاً بحسن نية معتقداً انه غير مملوك لغيره ظناً منه انه مال مباح، او انه متروك مثلا، لا يعاقب على السرقة ولو ثبت انه كان مالاً مملوكاً للغير فعلاً، وكذلك من باب اولى لو أخذ الشخص مالاً يعتقد انه ملكه، ولو كان اعتقاده خاطئاً وتبين ان ما اخذه كان ملكاً لغيره. ولكن نلاحظ التفرقة بين الخطأ في الوقائع والخطأ في القانون، فالخطأ في الوقائع يبرر بحسن النية ، اما الخطأ في القانون فلا عبرة به(5). ومثال الخطأ في القانون من يسرق شيئاً من شخص حصل عليه بطريقة القمار او السرقة او ممنوعاً تملكه كالحشيشة، ظناً منه ان هذا الفعل لا عقاب عليه، يعاقب رغم ذلك على السرقة، وليس له ان يدعي عدم توافر القصد الجنائي لديه لانه يجهل ان الفعل معاقب عليه، لان الجهل بالقانون لا عبرة به. وتفترض نية التملك ايضاً ان يعلم الجاني انه ينتزع الشيء من حيازة الغير دون رضاه، والعبرة ايضاً بالعلم الحقيقي. فمن يأخذ مالا معتقداً ان المجني عليه رضى يأخذه لا يعتبر سارقاً، مع ملاحظته ان العبرة هي الرضا السابق او المعاصر للفعل. اما الرضا اللاحق او الصفح عنه فلا عبرة به. ولكن يجب التفرقة بين القصد الخاص، وهو نية التملك، وبين الباعث، وهو الغاية من هذا التملك، فهو لا عبرة به، ولا يمنع من وقوع الجريمة مهما كان حسناً او مشروعاً، فمن كان يبغى من وراء السرقة مساعدة شخص محتاج ، او لانه يرى ان المالك غني بخيل لا يستحق الاحتفاظ بهذا المال. كل هذا لا يمنع من انه سارق ويعاقب على السرقة، لان نية التملك توافرت لديه، وجريمة السرقة لا توجد اذا لم تكن لدى الشخص الذي اخذ الشيء نية تملكه. فلا يعتبر سارقاً من يخطف شيئاً للاطلاع عليه او لاستعماله(6)

اثبات القصد الجرمي (الجنائي):

متى ثبت ان المتهم قد اخذ مال الغير دون رضاه فهذا يعتبر قرينه على توفر القصد الجنائي لديه، وعليه هو اثبات العكس أي انه كان لا يعلم ـ أي لم يتوافر لديه القصد العام ـ او انه كان يعلم ولكن لم يقصد التملك. أي لم يتوافر لديه القصد الخاص. ومن الدلائل التي يمكن ان يستعين بها المتهم لكي يثبت للمحكمة عدم توافر نية التملك لديه ما سبق استعماله الشيء ثم رده، وكذلك ارتكابه الفعل المسند له علانية، واستشهاده بأشخاص ابلغهم عزمه على رد الشيء بعد الانتهاء من فحصه او استعماله، ووجود علاقة صداقة او قرابه بينة وبين المجني عليه جعلته يقدم على استعمال الشيء ثم رده اوجعلته يمزح معه يأخذ الشيء ثم اعادته، وكذلك كون الشيء معروضاً للبيع ومعداً لان يفحصه كل راغب في الشراء ولمحكمة الموضوع تقدير قيمة هذه القرائن ومبلغ دلالتها على انتفاء نية التملك لدى المتهم، فان اقتنعت بعدم توافر هذه النية فعليها ان تبرئ المتهم(7). ومن ينتزع شيئاً مملوكاً لغيره من مكانه ويعدمه فوراً لا يعد سارقاً بل مرتكباً لجريمة الاتلاف ، اما اذا استولى على الشيء بعد انتزاعه من مكانه بنية التملك والتصرف فيه تصرف الماك فأنه يعد سارقاً ولو لم يكن غرضه الانتفاع بالشيء لأن هذا متعلق بالباعث وهو أمر لا يعتد به في تكوين الجريمة(8). وان كان استظهار نية السرقة شرطاً لازماً لصحة الحكم بالادانة في جريمة السرقة، فأنه ليس بشرط ان تتحدث المحكمة عن توافر القصد الجنائي صراحة ما دامت الواقعة تدل بذاتها على توافره. هذا ما دامت نية التملك ليست محل نزاع. اما اذا دفع المتهم بانعدام القصد الجنائي لديه. كما اذا دفع بأن قصده في الاستيلاء على المال هو الانتفاع به بعض الوقت ورده ثانية الى صاحبه. فأنه يتعين على محكمة الموضوع ان ترد على هذا الدفاع وتدلل على وجود القصد الجنائي والا كان حكمها معيباً. ويجب ملاحظة كون الباعث او الغرض من السرقة لا يؤثر في وصف الجريمة بسواء أكان الدافع لها الاثراء على حساب الغير أم الرغبة في الانتقام أم مجرد الهواية أم غير ذلك. ولكن هل يجب معاقبة الجائع المشرف على الهلاك الذي يسرق طعاماً ليسد به رمقه؟ لا جدال في ان اركان السرقة متوافرة في هذا الفعل، ولكن قانون العقوبات نص في المادة 63 على انه (لا يسأل جزائياً من ارتكب جريمة الجأته اليها ضرورة وقاية نفسه او غيره او ماله او مال غيره من خطر جسيم محدق لم يتسبب هو فيه عمداً ولم يكن في قدرته منعه بوسيلة اخرى وبشرط ان يكون الفعل المكوّن للجريمة متناسباً والخطر المراد اتقاؤه. ولا يعتبر في حالة ضرورة من أوجب القانون عليه مواجهة ذلك الخطر)(9).فإذا ثبت ان السارق كان حقيقة مشرفاً على الهلاك وانه لم يوقع نفسه بهذا المأزق بسبب تقاعسه عن العمل المتوافر أو بسبب اهماله او خطئه ولم يكن بالامكان الالتجاء الى وسيلة أخرى كالالتجاء الى المؤسسات الرسمية أو الخيرية المتوافرة لسد رمقه فيبدو انه لا مناص من عدم مساءلته جزائياً .

__________________________

1- احمد امين بك ، شرح قانون العقوبات الاهلي ، المجلد الثالث الدار العربية ، ص 881.

2- د. حسن صادق المرصفاوي ، قانون العقوبات الخاص ، مصدر سابق ، ص 286- 289.

3- يعاقب القانون الايطالي من يستولي على المال بقصد استعماله استعمالاً وقتياً ثم يرده بعد ذلك ( م 626 عقوبات ) .

4- جندي عبد الملك ، الموسوعة الجنائية ، الجزء الرابع ، ص 231- 232.

5- معوض عبد التواب ، السرقة واغتصاب السندات و التهديد ، دار الشرق العربي ، القاهرة 1988، ص 59.

6- د. اكرم نشأت ابراهيم ، موجز شرح قانون العقوبات ، القسم الخاص ، مصدر سابق ، ص96.

7- د. اكرم نشأت ابراهيم ، مصدر سابق ص 97.

8- د. حسن صادق المرصفاوي، في قانون العقوبات الخاص، منشأة المعارف بالاسكندرية، 1978، ص291.

9- المادة 63 ق ع ع .

المؤلف : عبود علوان منصور
الكتاب أو المصدر : جريمة السرقة اسبابها والاثار المترتبة عليها

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

ارسل استشارة