تحديد مدلول القاعدة الجنائية الموضوعية

المؤلف : فاضل عواد محميد الدليمي
الكتاب أو المصدر : ذاتية القانون الجنائي
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

يعرف قانون العقوبات بوصفه الموطن الرئيس للنصوص الجنائية الموضوعية بأنه “مجموعة القواعد القانونية التي تسنها الدولة لتبين فيها أنماط السلوك التي تعد جرائم وتحديد ما يفرض لها من عقوبة”(1). فالقاعدة الجنائية الموضوعية – كأي قاعدة قانونية – تتكون من شقين الأول: هو شق التكليف والذي يعنى بمضمون خطاب المشرع ويتمثل بأمر الأفراد القيام بسلوك معين أو نهيهم من إتيان سلوك أو عمل معين، أما الشق الثاني: فهو شق الجزاء ويعبر عنه بالأثر القانوني الذي يترتب على مخالفة شق التكليف وهو يتمثل بالعقوبة أو التدبير الاحترازي المقررين بالنص العقابي على من يرتكب جريمة ما، وغالباً ما يضم هذان الشقان نصاً قانونياً واحد(2). وللتفصيل في بحث مدلول القاعدة الجنائية الموضوعية سنقسم هذا الموضوع على فرعين، نتناول في الفرع الأول الاتجاه الذي يساوي ما بين مصطلحي قانون العقوبات والقانون الجنائي، ونتناول في الفرع الثاني الاتجاه الذي يميز ما بين هذين الاصطلاحين وكما يأتي:

الفرع الأول

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

الاتجاه الذي يساوي بين مصطلحي قانون العقوبات والقانون الجنائي فيما يتعلق بتحديد مدلول القاعدة الجنائية الموضوعية

يذهب بعض فقهاء(3) القانون الجنائي إلى أن اصطلاحي قانون العقوبات والقانون الجنائي أياً منهما يصلح للتعبير عن الجريمة والعقوبة كفكرتين متلازمتين، فلا جريمة بلا عقوبة ولا عقوبة بلا جريمة، وإذا استخدم اصطلاح القانون الجنائي على اساس أن الجنايات أخطر أنواع الجرائم وأهمها فمن المنطق القول أن تعريف الكل يشمل جزأه الأقل. فاستخدام هذين المصطلحين كمترادفين ليس لأنهما كذلك في نظر هؤلاء الفقهاء، وإنما من باب إقرار اللغة القانونية على الاستخدام الدارج للمصطلحات القانونية. وهناك جانب آخر من الفقه(4) يذهب إلى أن قانون العقوبات مرادف لمصطلح القانون الجزائي ومصطلح القانون الجنائي والفروق ما بين هذه المصطلحات لا تعني اختلافاً في مضامين كل منهما بقدر ما تمثل ممارسة فقهية لفن التأصيل لا أكثر أي إنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. فهذه التسميات في نظرهم على الرغم من تعددها لكنها في النهاية تلتقي نحو هدف واحد ونتيجة واحدة مشتركة تتمثل في التجريم والعقاب من منطلق مبدأ الشرعية الذي من مقتضاه أن لا جريمة بلا عقوبة ولا عقوبة بلا جريمة(5)، فعندهم مصطلح قانون العقوبات أو القانون الجنائي أو القانون الجزائي أو المسطرة الجنائية هي اصطلاحات قانونية وفقهية قاصرة على القواعد الجنائية الموضوعية(6) التالية:

بيان الأفعال المجرمة (الإيجابية أو السلبية) وهي الجرائم.
تحديد الأشخاص المستحقين المساءله الجنائية وهم المجرمون.
تحديد (الجزاء الجنائي) وهو العقوبة والتدابير الاحترازية المقررة للأفعال التي تعد جرائم.

ولكن على الرغم من محاولة هؤلاء الفقهاء من تسويغ وجهة نظرهم، لكنهم لم يسلموا من النقد الذي وجه إليهم، والأدل على ذلك هو اعتراف هؤلاء الفقهاء أنفسهم باختلاف الاصطلاحين، حيث يقولون(7) بأن اللغة القانونية تعترف لتعبير الجنائي بمدلول أوسع إلى جانب مدلوله الضيق، إذ يشتمل مدلوله الواسع على صنفين من القواعد هما: قواعد موضوعية تحدد نماذج السلوك الموصوفة جرائم والجزاءات المقررة لها وهذه ما يطلق عليها بقانون العقوبات، وقواعد إجرائية تنظم كيفية ملاحقة ومعاقبة الشخص المتهم بارتكابه للجريمة ابتداءاً من لحظة وقوع الفعل الموصوف جريمة حتى صدور حكم نهائي ضد المتهم سواءاً بالبراءة أم بالإدانة ام الإفراج أم بعدم المسؤولية(8) وهذه ما يطلق عليها بقانون الإجراءات الجنائية (أصول المحاكمات الجزائية). وتأسيساً على ما تقدم فلو أريد الضبط في التعبير لأطلق مصطلح: (القانون الجنائي) على مجموعة القواعد التي تنظم سلطة الدولة في العقاب، وأطلق مصطلح: (قانون العقوبات) على القواعد القانونية التي تحدد الجرائم وتبين جزاء ارتكابها، وبالتالي فإن مصطلح: (قانون العقوبات) يقتصر على القواعد الجنائية الموضوعية، في حين إن مصطلح: (القانون الجنائي) يتسع ليشمل القواعد الجنائية الموضوعية والقواعد الجنائية الإجرائية معاً، فالقانون الجنائي له جانبان: جانب موضوعي متمثلاً بقانون العقوبات، وجانب إجرائي يتمثل بقانون الإجراءات الجنائية(9)، فقانون العقوبات يظل في حالته الساكنة على الرغم من مخالفته حتى يأتي قانون الإجراءات الجنائية فينقله من حالة (السكون) إلى حالة (الحركة)، وبمعنى آخر إن قانون الإجراءات الجنائية هو المحرك لقانون العقوبات والقانونان (الإجرائي والموضوعي) يدوران ضمن نطاق القانون الجنائي(10).

الفرع الثاني

الاتجاه الذي يميز بين مصطلحي قانون العقوبات والقانون الجنائي فيما يتعلق بتحديد مدلول القاعدة الجنائية الموضوعية

لقد ظهرت عناية الفقه منذ زمن بعيد بالعقوبة، وذلك بوصفها وسيلة المجتمع في كفاحه ضد الجريمة، الأمر الذي يسفر عنه تسمية مجموعة القواعد الجنائية الموضوعية باسم قانون العقوبات(11). فقانون العقوبات يراد به مجموعة الأحكام الموضوعية في القانون الجنائي، أي القواعد التي تحدد أركان الجرائم وتبين العقوبات والتدابير وتحدد الأسباب التي تؤثر فيها بالاستبعاد أو التشديد أو التخفيف، وهذا ما يؤدي إلى بروز حقيقتين(12):-

الأولى: هي أن أحكام قانون الإجراءات الجنائية لا تعد من قبيل أحكام قانون العقوبات لأنها لا شأن لها بالأحكام الموضوعية (التجريم والعقاب) في القانون الجنائي، بل ينحصر دورها بتنظيم الجانب الإجرائي فيه.

أما الحقيقة الثانية: هي أن مصطلح قانون العقوبات ليس مقتصراً على الأحكام التي تنظمها مجموعة القواعد المنصوص عليها في تقنين قانون العقوبات حصراً، بل يمتد ليشمل الأحكام التي تتضمنها القوانين المكملة لقانون العقوبات مثل القانون الخاص بمكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها أو الاتجار فيها، وقانون إحراز وحمل السلاح.

بمعنى انه يدخل في مدلول تعبير (قانون العقوبات) كل نص يقرر جزاءاً جنائياً أياً كان

موضعه في المجموعات القانونية أو التشريعات(13) كالنصوص الموضوعية الجنائية في قانون الضرائب والجمارك والصحة والتعليم… الخ، كما يمتد ليشمل من القواعد الموضوعية المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية(14).

وقد اعترض بعض الفقهاء(15) على تسمية القواعد الجنائية الموضوعة بقانون العقوبات استناداً إلى أن هذه التسمية تكاد توحي بأن مضمونه ينحصر في بيان العقوبات دون تحديد الجرائم، كما أنها توحي بأن العقوبات هي الأثر القانوني الوحيد الذي يترتب على ارتكاب الجرائم، وهذا أمر مخالف للواقع إذ أن هناك إلى جانب العقوبات توجد التدابير الاحترازية(16) التي نص عليها القانون في بعض الحالات لمواجهة الخطورة الإجرامية، والتي تمثل بدورها صورة ثانية من صور الجزاء.

وهناك من الفقهاء(17) من يفضل استعمال اصطلاح (القانون الجنائي) بدلاً من اصطلاح (قانون العقوبات)، على أساس أن الاصطلاح الأول يصدق على التنظيم القانوني للجريمة باعتبار أن لفظ الجنائي مشتق من الجناية وهي أخطر أنواع الجرائم وأهمها، وبهذا المعنى تكون الجناية هي الأصل أي (الفعل) أما العقاب فهو الجزاء أي (رد الفعل)، ولا شك بأن الأمور تنسب إلى الأصل لأنه أكثر اتساقاً ومنطقاً من نسبتها إلى الأثر. ولكن هذا الرأي (المؤثر) بدوره لم يسلم من النقد، فقد قيل بأن هذا الاتجاه يجهل الأثر القانوني المترتب على ارتكاب الجريمة وهو الجزاء، فضلاً عن استعمال اصطلاح: (القانون الجنائي) لا يكشف إلا عن نوع واحد من الجرائم وهو الجنايات، وبالتالي يتجرد هذا الاصطلاح من كل معنى سواء في التشريعات التي تأخذ بالتقسيم الثنائي للجرائم أو تلك التي تأخذ بالتقسيم الثلاثي للجرائم(18)، ونضيف بأن هذا الرأي يضع نقاط ضعفه في مضمونه، فقوله بأن اصطلاح: (القانون الجنائي) يصدق على التنظيم القانوني للجريمة، فما المقصود بالتنظيم القانوني للجريمة؟، أليس معناه، هو تحديد أركان الجريمة وعناصرها وتحديد أساليب كشفها وتشخيص الجناة، ومن ثم مقاضاتهم وإيقاع الجزاء الجنائي بهم؟ وهذا ما يؤكد شمولية اصطلاح: (القانون الجنائي) على القواعد الجنائية الموضوعية والقواعد الجنائية الإجرائية.

وقد اتجه جانب ثالث من الفقه(19) وعدد من التشريعات إلى تفضيل استعمال اصطلاح: (القانون الجزائي) بدلاً من اصطلاح: (قانون العقوبات)، على أساس أن لفظ (الجزاء) يتسع ليشمل العقوبة والتدبير الاحترازي معاً.

ويرد على هذا الاتجاه أن التدابير الاحترازية ليست إلا مجموعة من الإجراءات الهدف منها حماية المجتمع من الحالة الخطرة التي تتوافر في المجرم لمنع احتمال عودته إلى ارتكاب جريمة أخرى في المستقبل(20)، وبالتالي فهي لا تؤسس على المسؤولية ولكن مجالها الخطورة الإجرامية في شخص الجاني، فالتدابير الاحترازية يمكن أن تكون قبل من لا يساءل جنائياً إذا ارتكب سلوكاً مجرماً قانوناً كالمجنون والمكره والمضطر والصغير، فهي ليست جزاءاً على خطأ ولا ينطوي تنفيذها على معنى الإيلام المقصود في العقوبة(21).

ومن جانبنا نؤيد الرأي الذي يأخذ بمصطلح (قانون الجرائم والعقوبات) ويطلقه على القواعد الجنائية الموضوعية.

فالقول بأن مصطلح: (العقوبات) يوحي إلى العقوبة دون التدبير الاحترازي قول يجب التخفيف من حدته حيث أن العقوبة ما زالت أهم الآثار القانونية المترتبة على الجريمة، يضاف إلى ذلك بأن من الشائع لغةً بأنه يمكن التعبير عن الكل بجزئة الأهم(22).

___________

1- ينظر: د. محمود نجيب حسني، النظرية العامة للقصد الجنائي (دراسة تأصيلية مقارنة للركن المعنوي في الجرائم العمدية)، ط3، دار النهضة العربية، القاهرة1988، ص145، د. نظام توفيق المجالي، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان 1998، ص13.

2- ينظر: د. محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، الطبعة العاشرة، مطبعة جامعة القاهرة 1983، ص3، د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات (القسم العام)، دار النهضة العربية، القاهرة 1985، ص2، د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات (القسم الخاص)، دار النهضة العربية، القاهرة 1992، ص1، د. عبد الفتاح الصيفي، المطابقة في مجال التجريم (محاولة فقهية لوضع نظرية عامة للمطابقة)، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، القاهرة 1991، ص7.

3- ينظر: د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، المرجع السابق، ص3، د. نظام توفيق ا لمجالي، المرجع السابق، ص15.

4- ينظر: د. سليمان عبد المنعم، د. عوض محمد عوض، النظرية العامة للقانون الجزائي اللبناني (نظرية الجريمة والمجرم)، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 1996، ص5.

5- ينظر: د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، (القسم العام) ، دار النهضة العربية، القاهرة 1985، ص3.

6- فمصر والعراق والأردن وسوريا والكويت تطلق اسم قانون العقوبات على القواعد الجنائية الموضوعية، وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا واليونان وإثيوبيا وروسيا والمجر والسويد تطلق اسم القانون الجنائي عليها، وتونس تطلق عليها اسم المسطرة الجنائية، واليمن تسميها بقانون الجرائم والعقوبات، ينظر: د. محمد صبحي نجم، قانون العقوبات (القسم العام)، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان 2000، ص9-10.

7- ينظر: د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، المرجع السابق، ص3، د. سليمان عبد المنعم و د. عوض محمد عوض، المرجع السابق، ص5.

8- ينظر: المادة (182) من قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي.

9- ينظر: د. رضا حمدي الملاح، ذاتية الدعوى الجنائية، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق/جامعة القاهرة، 2003، ص20.

10- ينظر: د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات (القسم العام)، المرجع السابق، ص103.

11- ينظر: د. نظام توفيق المجالي، المرجع السابق، ص13.

12- ينظر: د. محمود نجيب حسني، النظرية العامة للقصد الجنائي (دراسة تأصيلية مقارنة للركن المعنوي في الجرائم العمدية)، الطبعة الثالثة، دار النهضة العربية، القاهرة 1988، ص145.

13- ينظر: د. محمود نجيب حسني، النظرية العامة للقصد الجنائي، المرجع السابق، ص146.

14- ينظر: نصوص المواد (152، 159) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، كما ينظر نصوص المواد (279، 280، 284) من قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لعام 1950.

15- ينظر: د. رمسيس بهنام، الجريمة والمجرم والجزاء، منشأة المعارف، الإسكندرية 1973، ص24-25.

16- حيث نصت المادة (5) من قانون العقوبات العراقي على أنه: “لا يفرض تدبير احترازي إلا في الأحوال وبالشروط المنصوص عليها في القانون، وتسري على التدابير الاحترازية الأحكام المتعلقة بالعقوبات من حيث عدم رجعيتها وسريان القانون الأصلح للمتهم”.

17- ينظر: د. علي أحمد راشد، القانون الجنائي (المدخل وأصول النظرية العامة)، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، القاهرة 1974، ص9.

18- ينظر: د. عبد الفتاح الصيفي، القاعدة الجنائية (دراسة تحليلية على ضوء الفقه الجنائي المعاصر)، الشركة الشرقية للنشر والتوزيع، بيروت، (بلا سنة طبع)، ص6.

19- ينظر: د. نظام توفيق المجالي، المرجع السابق، ص14-15.

20- حيث نصت المادة (103/1) من قانون العقوبات العراقي على أنه: “لا يجوز أن يوقع تدبير من التدابير الاحترازية التي نص عليها القانون في حق شخص دون أن يكون قد ثبت ارتكابه فعلاً يعده القانون جريمة وإن حالته تعتبر خطرة على سلامة المجتمع، وتعتبر حالة المجرم خطرة على سلامة المجتمع إذا ثبت من أحواله وماضيه وسلوكه ومن ظروف الجريمة وبواعثها أن هناك احتمالاً جدياً لإقدامه على اقتراف جريمة أخرى”.

21- ينظر: د. نظام توفيق المجالي، المرجع السابق، ص15.

22- ينظر: د. محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، المرجع السابق، ص3-4، د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، المرجع السابق، ص3.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : مقال قانوني حول القاعدة الجنائية الموضوعية ومدلولها القانوني