الأساس الدستوري للظروف الاستثنائية

المؤلف : محمد قاسم الناصر
الكتاب أو المصدر : الحق في سرية المرسلات في بعض النظم الدستورية
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

أولت بعض الدساتير الظروف الاستثنائية ، اهتماما خاصاً، حيث تولت تنظيمها ، ووضع المبادئ الأساسية التي تحكمها. ولبيان ذلك سوف نستعرض الأساس الدستوري للظروف الاستثنائية في بعض الدول.
أولاً: فرنسا
تنص المادة (16) من الدستور الفرنسي لعام 1958م على أنه (عندما تكون مؤسسات الجمهورية أو استقلال الأمة أو سلامة أراضيها أو تنفيذ تعهداتها الدولية مهددة بخطر جسيم وحال، وعندما يعاق السير العادي للسلطات الدستورية العامة، فإن رئيس الجمهورية يتخذ الإجراءات التي تقتضيها هذه الظروف بعد المشاورة الرسمية مع رئيس مجلس الوزراء ورئيس المجلسين الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ والمجلس الدستوري ويوجه بيانا للشعب). وفي ضوء النص المتقدم لا بد لتطبيق نص هذه المادة وجود خطر جسيم يهدد موضوعاً من الموضوعات المنصوص عليها في هذه المادة، وأن يؤدي ذلك الخطر إلى إعاقة السلطات العامة عن أدائها ويستوي أن يكون هذا الخطر خارجياً أو داخلياً(1).
ثانيا :- مصر
يوجد الأساس الدستوري لنظرية الضرورة أو الظروف الاستثنائية في نص المادة (74) من الدستور المصري لعام 1971م، والتي تنص على أنه “لرئيس الجمهورية إذ قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري، أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بيان الى الشعب، ويجري استفتاء على ما آخذه من إجراءات خلال ستين يوماً من اتخاذها”(2). والواضح من نص المادة (74) السالفة الذكر أنها اشترطت لإعلان حالة الضرورة عدة شروط وهي:
أولاً:- أن يكون اللجوء إليها هو الوسيلة الوحيدة الممكنة لدرء المخاطر.
ثانيا:- أن يهدد ذلك الخطر مواضيع معينه ذكرها النص على سبيل التحديد.
ثالثاً:- أن يكون الخطر من طبيعة استثنائية خاصة.

والملاحظ هنا أن الدستور المصري حصر الموضوعات التي إذا هددها الخطر بأوصافه السابقة، ولا يجوز القياس عليها وهذه الموضوعات هي الوحدة الوطنية وسلامة الوطن وسلامة مؤسسات الدولة. كما أن المادة (74) من الدستور المصري وضعت شروطاً إجرائية لاحقة لإعلان حالة الطوارئ، وهي توجيه بيان للشعب من قبل رئيس الجمهورية وأجراء الاستفتاء على الإجراءات المتخذة. وتجد نظرية الظروف الاستثنائية تطبيقاتها في النظام الدستوري المصري في مواد أخرى من الدستور المصري لعام 1971م غير نص المادة (16) مثل المادة (108) التي تتناول اللوائح التفويضية الصادرة في أحوال الضرورة أثناء انعقاد البرلمان وبتفويض منه ، والمادة (147) من الدستور المصري التي تتناول اللوائح التشريعية أو لوائح الضرورة الصادرة في غياب البرلمان، نظراً لظروف لا تحتمل التأخير وتستوجب اتخاذ تدابير فوريه.

وأيضا المادة (148) من الدستور المصري التي تتناول حالة الطوارئ بكل ما تخوله من صلاحيات استثنائية واسعة طبقاً لقانون الطوارئ. وبموجب هذه الصلاحيات المخولة لرئيس الجمهورية في الظروف الاستثنائية ، يجوز لرئيس الجمهورية أن يصدر القرارات ويتخذ الإجراءات اللازمة لمواجهة تلك الظروف طبقاً للشروط المحددة في المواد ، وهذه القرارات والإجراءات تكون مشروعة حتى لو خالفت قواعد المشروعية العادية وذلك لاستنادها على أساس قانوني يبيحها هو نظرية الظروف الاستثنائية(3).

ثالثاً : العراق
أشارت المادة (57/ج) من دستور العراق لعام 1970 الى أن ( لرئيس الجمهورية عند الاقتضاء إصدار قرارات لها قوة القانون) ومضمون المادة يوحي أنها تشمل حالتي الظروف العادية والظروف الاستثنائية(4). كما خول الدستور مجلس قيادة الثورة سلطة مطلقة في اتخاذ ما تراه مناسباً من قيود وإجراءات بقصد صيانة النظام العام(5).

حيث نصت المادة (42) منه على أن ((يمارس مجلس قيادة الثورة الصلاحيات آلاتية: أ. إصدار القوانين والقرارات التي لها قوة القانون ب. إصدار القرارات في كل ما تستلزمه ضرورات تطبيق أحكام القوانين النافذة)). هذا وعليه إعلان حالة الطوارئ في العراق الكلية أو الجزئية بقرار مجلس الوزراء تطبيقاً لنص الفقرة (ز) من المادة (62) من الدستور. على أن يتضمن القرار السبب الذي دعا لذلك وتحديد المنطقة المشمولة به وبدء سريانها وذلك بموجب المادة (2) من قانون السلامة الوطنية رقم (4) لسنة 1965م(6). ويمارس رئيس الوزراء سلطات استثنائية واسعة بمقتضى المادة (4) من القانون.

واجاز المشرع لرئيس الجمهورية تفويض غيره كل أو بعض الصلاحيات الممنوحة له بموجب القانون. كما حدد المشرع العقوبات المناسبة لمخالفة قرارات السلطة القائمة على المحافظة على النظام العام. وأورد مشروع دستور العراق الدائم لعام 1990. أحكام تنظيمية للظروف الاستثنائية. حيث نصت الفقرة (1) من المادة (99) منه على أن (( لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد آمن البلاد أو استقلالها أو سلامتها أو وحدتها الوطنية، أن يصدر في مدة لا تتجاوز ستة اشهر من قيام الخطر، أوامر أو قرارات لها قوة القانون لتلافي هذا الخطر. وله أيضا أن يعلن حالة الطوارئ في العراق أو في أي منطقة فيه.

وينظم القانون حالة الطوارئ)). وافرد المشروع لحالة الحرب نص المادة (101) والتي قررت أن ((لرئيس الجمهورية في ظروف النزاع المسلح أن يصدر ما يراه ضروريا من القرارات والتدابير بهدف تعزيز القدرة القتالية للبلاد والتعبئة الشعبية، والنفير العام في مختلف المجالات العسكرية والمدنية)).

رابعاً: الأردن
نصت المادة 134 من الدستور الأردني على أنه ( إذا حدث ما يستدعي الدفاع عن الوطن في حالة وقوع طوارئ فيصدر قانون باسم قانون الدفاع تعطى بموجبه الصلاحية الى الشخص الذي يعينه القانون لاتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية بما في ذلك صلاحية وقف قوانين الدولة العادية لتامين الدفاع عن الوطن ويكون قانون الدفاع نافذ المفعول عندما يعلن عن ذلك بإرادة ملكية تصدر بناء على قرار من مجلس الوزراء).

كما نصت المادة 135 من الدستور نفسه على أنه ( 1- في حالة حدوث طوارئ خطيرة يعتبر معها أن التدابير والإجراءات بمقتضى المادة السابقة من هذا الدستور غير كافية للدفاع عن المملكة ، فللملك بناء على قرار مجلس الوزراء أن يعلن بإرادة ملكية الأحكام العرفية في جميع أنحاء المملكة أو في أي جزء منها . 2-عند إعلان الأحكام العرفية للملك أن يصدر بمقتضى إرادة ملكية أية تعليمات قد تقضي الضرورة بها لأغراض الدفاع عن المملكة بغض النظر عن أحكام أي قانون معمول به ويظل جميع الأشخاص القائمين بتنفيذ تلك التعليمات عرضة للمسؤولية القانونية التي تترتب على أعمالهم إزاء أحكام القوانين الى أن يعفوا من تلك المسؤولية بقانون خاص يوضع لهذه الغاية ).

ويتضح لنا من خلال هذه النصوص السابقة أن المشرع الدستوري الأردني أوجد نوعين من الأعمال التشريعية لمواجهة حالة الظروف الاستثنائية هما إصدار قانون دفاع وإعلان الأحكام العرفية وإصدار تعليمات متعلقة بها(7).
___________________________
1- د. يحيى الجمل، نظرية الضرورة في القانون الدستوري وبعض تطبيقاتها المعاصرة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1971 ، ص122،126.
2- لمزيد من التفصيل: راجع د. محمد كامل ليله، مبادئ القانون الإداري، الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، ط1، 1968، ص328 وما بعدها.
3- د. وجدي ثابت غبريال، القانون الدستوري والنظام الدستوري المصري طبقاً لدستور 1971م ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1989 – 1990م ، ص 76 ، 77.
4- أنظر: علي نجيب حمزة ، سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ، رسالة ماجستير ، غير منشورة، كلية القانون ، جامعة بابل ، 2001م ، ص86
5- أنظر:- د. علي محمد بدير وأخرون، مبادئ وأحكام القانون الإداري، مرجع سابق ص229.
6-توجد نصوص تشريعية متعددة في العراق تعالج الظروف الاستثنائية منها، قانون السلامة الوطنية رقم (4) لسنة 1965، وقانون التنمية رقم (12) لسنة 1971، وقانون الدفاع المدني رقم (64) لسنة 1978، وقانون الاستعانة الاضطرارية رقم (37) لسنة 1961، ونص المادة (19) من قانون المحافظات رقم [1] أنظر:- د. علي محمد بدير واخرون، مبادئ وأحكام القانون الإداري، المرجع السابق ص229.
7- د. سالم الكسواني، مبادئ القانون الدستوري مع دراسة تحليلية لنظام الدستوري الأردني، مطبعة الكسواني، عمان، الطبعة الأولى، 1983، ص248،249؛ أنظر: د. محمد سليم الغزوي، الوجيز في التنظيم السياسي والدستوري للمملكة الأردنية الهاشمية، مرجع سابق، ص213.

تكلم هذا المقال عن : مقال قانوني حول الظروف الاستثنائية وأساسها في الدستور