الأساليب والمفاهيم الدستورية لتنظيم الحريات أو تقييدها

المؤلف : نجيب شكر محمود
الكتاب أو المصدر : سلطة الادارة في حماية الاخلاق العامة واثرها في الحريات العامة
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

مفهوم تنظيم الحرية وتقييدها
ان فلسفة النظام الديمقراطي في الحرية تقوم على الاعتراف بوجود سابق للحقوق والحريات على وجود المشرع(سواء أكان دستوريا ام عاديا) وان دور الاخير يقتصر عند تدوينه لها على كشفها وتنظيمها فقط دون ان يملك حق تقييدها(1)، وهذا مااكدته المواثيق الدولية الاولى مثل الاعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر عام 1789 الذي نص على ان الناس يولدون ويظلون متساوين في الحقوق وان هدف كل مجتمع سياسي هو صيانة حقوق الانسان الطبيعية الخالدة(2). ويرى قسم من الفقهاء وجود حريات مطلقة لايمكن للتشريع ان يقيدها مثل حرية العقيدة(3)، الا اننا نقف بجانب الراي الفقهي القائل بعدم وجود حريات مطلقة وان الحريات نسبية كلها وتخضع للتقييد(4).

يرى قسما من الفقه ان الحرية هي الاصل وان القيد امر عارض لايجوز ان يفرض الا للضرورة او لتحقيق مصلحة حيوية(5)،الا ان حقيقة الامر ان التنظيم يعد امرا ملازما للحرية ولايمكن تصور وجود حرية من دون تنظيم لان ذلك يؤدي في المحصلة النهائية الى الفوضى بشرط ان لايؤدي التنظيم الى مصادرة الحرية وانما يكون داعما لها ومساعدا على ممارستها، و للدكتور السنهوري في هذا المجال رأي قيم اذ حاول التمييز بين تنظيم الحرية وتقييدها فيرى ان المقصود بالتنظيم هو الذي يرد على كيفية استعمال الحرية ولايتضمن عدوانا عليها بالانتقاص منها اما التقييد فانه يرد على اصل الحرية فينتقص منها ويعد التنظيم جائزا بخلاف التقييد ،ويتضح من ذلك ان معيار التمييز بين تنظيم الحرية وتقييدها الذي اعتمده الدكتور السنهوري يعد معيارا موضوعيا ينظر الى الحرية بذاتها فيكون تنظيما للحرية اذا بين التشريع كيفية استعمال الحق فقط ويكون تقييدا لها اذا ادى الى الانتقاص منها،ويبدو ان الدستور العراقي النافذ اخذ بهذا الرأي بنصه في نهاية المادة (46) منه على عدم جواز ان يمس تحديد وتقييد الحق اوالحرية في جوهرهما. كما حاول بعض الفقهاء وضع حدود فاصلة بين التنظيم والتقييد فيعد تقييدا اذا ادى تنظيم الحرية الى جعل التمتع بها امرا شاقا او مرهقا على الناس وبخلافه يعد تنظيما اذا كان المشرع اقتصر في تنظيمه على وضع اجراءات تكفل حسن ممارسة الحرية(6). ويرى رأي اخر في الفقه ان تنظيم الحرية يعد مساويا للانتقاص منها وان لم يبلغ حد الغائها فيقول الفقيه (DEBEYRE) (ان تنظيم الحرية هو تقييدها وتنسيقها ولكنه لايعني قمعها(7)).

وبذلك يقول الدكتور عبد الحميد متولي ( ان الدستور حين يخول المشرع حق تنظيم حرية من الحريات انما يخول له الحق في ان ينقص من هذه الحرية ،فان من له حق التنظيم لاحدى الحريات كان له وضع قيود على تلك الحرية ،والقيود تنطوي بداهة على الانتقاص من هذه الحرية) وعلى وفق هذا الرأي فانه لايوجد قيد على سلطة المشرع في تنظيم الحرية سوى القيد الخاص بعدم الغائها او سلبها او القيود المفروضة في نص الدستور من دون ان يكون للقضاء سلطة في رقابة المشرع في ذلك اذ انه لايمكن باي حال من الاحوال عد المنع تنظيما ولايمكن خروج القاضي من نطاق مهمته في رقابة المشروعية الى ماهو خارج نطاق مهمته في رقابة الملاءمة(8) .

ونرى انه يصعب وضع قيد فاصل وواضح بين تنظيم الحرية وتقييدها ويعود سبب عدم الوضوح الى غموض الدساتير نفسها في معالجة ذلك وهذا نابع من صعوبة تحديد الحرية بذاتها واختلافها باختلاف الزمان والمكان اذ ان الحريات تصاغ عادة في نصوص الدستور بعبارات عامة خالية من اي قيود على المشرع كما ان التنظيم يحمل في اثاره معنى التقييد فمن يملك تنظيم الحرية له الحق في وضع القيود على ممارستها ونستطيع في هذا المجال ان نميز بين حالتين الاولى اذا خول الدستور المشرع تنظيم الحريات وفرض عليه قيودا معينة فان على المشرع ان يراعي هذه القيود ويلتزم بها والا عد التشريع الصادر عنه مخالفا للدستور ومن الطبيعي ان تتفاوت سلطة الادارة ضيقا واتساعا بحسب ما اذا كانت الحدود التي على المشرع الالتزام بها محددة تحديدا واضحا من عدمه بحيث تزداد سلطة الادارة كلما كانت الحدود يكتنفها الغموض وتقل بوضوح هذه الحدود ، اما الحالة الثانية فتتمثل في عدم فرض الدستور قيودا على المشرع فان المشرع في هذه الحالة يكون له سلطة تقديرية في تنظيم الحرية على ان لايؤدي ذلك الى الغاء الحرية او الانتقاص منها.

ان قيام الادارة بحماية الاخلاق العامة لاينطوي على انتقاص للحريات او تقليل لها وانما تهدف من خلال ذلك تنظيم ممارسة الحرية ومنع اساءة استخدامها بحيث تتحول الى فوضى مادامت الغاية النهائية التي تبتغيها الادارة تتجسد في تأمين الحرية للجميع . نرى انه لايمكن الدفاع عن انتهاك الاخلاق العامة السائدة في المجتمع تحت مظلة ممارسة الحريات العامة لان ذلك لايعد حرية اصلا وانما يؤدي ذلك الى اخلال بالنظام العام المعنوي السائد في المجتمع فضلا عن ان المجتمع هو مصدر الحريات ومن ثم لايمكن ممارستها بشكل مخالف لاخلاق المجتمع وتقاليده والا كانت ممارستها غير مشروعة لتجاوزها على حقوق وحريات الاخرين فحرية الشخص تجد حدها عند بدء حرية الاخرين وبعدم التجاوز عليهم وبلا شك ان قيام شخص ما بممارسة حرية معينة بشكل مخالف لاخلاق المجتمع يشكل اعتداء عليهم.
_______________
1- محمد عصفور – الحرية في الفكرين الديمقراطي والاشتراكي – الطبعة الاولى – مكان الطبع غير مذكور– 1961–ص 58و80.
2- المادة الاولى والثانية من الاعلان – منشور لدى د. لدى د. حسان محمد شفيق العاني – نظرية الحريات العامة (تحليل ووثائق)- جامعة بغداد – كلية العلوم السياسية – 2004- ص123.
3- د.عبد الرزاق السنهوري- مخالفة التشريع للدستور والانحراف في استعمال السلطة التشريعية – مقال منشور في مجلة مجلس الدولة – السنة الثالثة – 1952 –ص11 .
4- د. نعيم عطية – في النظرية العامة للحريات الفردية – 1965- ص161-162.
5 – د. محمد عصفور – الحرية في الفكرين الديمقراطي والاشتراكي-المصدر السابق- ص58.
6- د.مصطفى ابو زيد فهمي- الدستور المصري ورقابة دستورية القوانين – 1985-ص504 ومابعدها.
7 محمد عصفور – الحرية في الفكرين الديمقراطي والاشتراكي – المصدر السابق – ص82.
8- د.عبد الحميد متولي – الوسيط في القانون الدستوري -1956 –ص 671.

اساليب تنظيم الحرية او تقييدها
ان الحرية لايمكن ان تكون مطلقة وانه يجب ان تخضع لتنظيم ذلك ان الصراع بين السلطة والحرية مرده الصراع بين الدولة والفرد فالدولة تسعى الى اقرار النظام والفرد يسعى الى ان يكون حرا فنشأ الصراع بينهما وحل هذا الصراع لايكون الا بايجاد توازن بينهما بحيث لاتطغى الحرية على النظام فتسود الفوضى ولايطغى حفظ النظام على الحرية فتوجد الدكتاتورية. وبغض النظر عن هذا وذاك فان الامر المسلم به ان الحرية لايمكن تنظيمها او تقييدها الا بتشريع يصدر عن السلطة التشريعية فضلا عن القيود الموجودة في الدستور نفسه او بناء عليه،ولكن يبقى دور الادارة رائدا في هذا المجال اذ انه حتى في حالة النص في القانون على عدم جواز مخالفة حرية معينة للاخلاق العامة في المجتمع فان الادارة هي من تحدد ايا من الافعال يعد مخالفا للاخلاق العامة وايا منها لايعد كذلك، و يبدو ان الاثر الاكثر اهمية لسلطة الادارة هذه انها هي التي تحدد المقصود بالاخلاق العامة وتعمل تحت ذريعتها –بحق او بدونه – في تنظيم الحريات العامة او تقييدها وان كانت هذه السلطة غير مطلقة لخضوعها لرقابة القضاء … ان اساليب تنظيم الحرية ليست واحدة فقد تكون عن طريق الدستور او القانون كما قد تكون عن طريق القرارات الادارية التنظيمية وسندرس ذلك تباعا في فروع ثلاثة
الفرع الاول: تنظيم الدستور للحرية:
تعمد الدساتير المقارنة النص على الحريات العامة في متونها او في مقدماتها او باعلانات الحقوق الملحقة بها ويرتب ذلك اثرا مهما يتمثل في ان تكون لها القيمة القانونية نفسها المقررة لسائر النصوص الدستورية وبمرتبتها نفسها في سلم البناء القانوني للدولة، ولكن الاساليب التي تسلكها الدساتير في تنظيم الحرية ليست واحدة وانما تسلك في ذلك احدى الطرائق الاتية :
1/ ان المشرع الدستوري عندما يعترف بالحقوق والحريات في متن الدستور فانه قد ينص ايضا على القيود الواردة عليها ومثال ذلك ماتنص عليه المادة( 38/اولا) من دستور جمهورية العراق على كفالة حرية التعبير عن الرأي بما لايخل بالنظام العام والاداب،وبذلك فان السلطة التشريعية في البلد عندما تنظم احد اشكال حرية التعبير مثل حرية الصحافة فانها ملزمة بالنص على ذلك القيد في متن التشريع،وبعبارة اخرى فان نص المادة المذكورة يتضمن قيدا على السلطة التشريعية بعدم سن قانون يجيز التعبير عن الرأي اذا كان مخالفا للنظام العام والاداب،وواجبا على الادارة منع الافراد من القيام باي صورة من صور التعبير عن الرأي اذا كانت مخالفة للنظام العام والاداب.
2/ ان ينص الدستور على الحريات والحقوق من دون ان يشير الى قيود معينة مفروضة عليها فضلا عن اغفاله الاشارة الى جواز تنظيمها من المشرع وبالتالي لايمكن المساس بها الا عن طريق تعديل دستوري ومثال ذلك ما نصت عليه الفقرة (د) من المادة الثالثة عشرة من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بقولها( للعراقي الحق بحرية التنقل في انحاء العراق كافة. وله الحق بحرية السفر الى خارجه وبالعودة اليه)،وما نصت عليه المادة (44/اولا) من دستور جمهورية العراق النافذ بقولها (للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه ) وعلى وفق هذا النص فاذا صدر تشريع بجيز ابعاد العراقي الى خارج العراق فان هذا النص يعد غير دستوري ومخالفا لمبدا المشروعية ،والحال ذاته ينطبق على كل ماتصدره الادارة من قرارات .

ويرى قسم من الفقهاء ان هذه الحريات العامة تستعصي بطبيعتها على التقييد ايا كان سببه وايا كان مصدره سواء اكان تشريعيا ام اداريا عن طريق سلطات الضبط الاداري(1)، كما ان هذا النوع من الحريات لاتحتاج الى صدور تشريع ينظم كيفية ممارستها،ومع ذلك فاننا نلحظ في التطبيق العملي انه حتى تلك الحقوق والحريات لم تكن عصية على التنظيم من المشرع الاعتيادي.

3/ تنص الدساتير على بعض الحقوق والحريات وتجيز تنظيمها بتشريع وهذا هو الاتجاه السائد في الدساتير المقارنة ومثال ذلك ماجاء به البند (اولا)من المادة (39)مـن دستور جمهورية العراق النافذ علـى ان ( حرية تأسيس الجمعيات والاحزاب السياسية
او الانضمام اليها مكفولة وينظم ذلك بقانون(2))،فيأتي التشريع مكملا للدستور في تنظيم الحرية وتحديد شروط ممارستها وبيان حدودها.
الفرع الثاني/ تنظيم التشريع للحرية :
ان الدستور قد يحيل للتشريع مهمة تنظيم حرية معينة ويستخدم المشرع الدستوري في ذلك عبارات متعددة منها (…..ينظمها القانون) او (… وفق احكام القانون ) ،كما قد يستخدم عبارة (… في حدود القانون). يجد مبدأ احالة الدساتير الى التشريع لتنظيم الحقوق والحريات مبرراته باعتبارات متعلقة بان السلطات في الدولة تلتزم باحترام التشريع بوصفه الناطق بالقاعدة القانونية ولايجوز لها فرض قيود على الحريات ليس لها سند من القانون فضلا عن انه لايمكن فرض اي التزام قانوني على الافراد الا اذا اجاز التشريع ذلك بصورة مباشرة او غير مباشرة(3)، ويرى الدكتور السنهوري ان المشرع الاعتيادي يتمتع بسلطة تقديرية عند تنظيمه للحرية في حالة كونه مفوضا بذلك على ان لا ينحرف عن قصد المشرع الدستوري في كفالة الحقوق والحريات العامة(4)،والحال نفسه ينطبق على السلطة التنفيذية عندما تكون مفوضة بتنظيم الحرية. في حين يرى الدكتور محمد عصفور ان التسليم بذلك يؤدي الى هدم فكرة ضمانات الحرية من اساسها اذ ان الحريات تعد قيودا تفرض على سلطة المشرع لايمكن ان يتحلل منها او يستبيحها(5) ،متوصلا من ذلك الى القول ان سلطة المشرع في تقييد الحريات سلطة مقيدة للاسباب الاتية:
1/ انها ترد في مجال دستوري وترد على موضوع من الموضوعات الدستورية التي يختص بمعالجتها المشرع الدستوري في الاصل واستثناء اجيز للمشرع الاعتيادي تنظيمها.
2/ ان الاصل هو الحرية وان سلطة المشرع تعد استثناء عليها فلا يجوز التوسع في الاستثناء وحصره في اضيق الحدود.
3/ ان المشرع عندما يصدر تشريعا مقيدا للحرية يعد مخالفا للدستور وليس فقط منحرفا في استعمال السلطة(6).
وتنص بعض الدساتير على عدم جواز اصدار تشريع يقيد حرية معينة ومثالها نص الدستور الامريكي بأن (لا يصدر الكونغرس قانونا يتعلق بنشأة دين من الاديان او يمنع حرية ممارسته او يحد من حرية الخطابة او الصحافة او يحد من حرية الناس في عقد اجتماعات سلمية وفي مطالبة الحكومة بالنصفة من الاجحاف(7)).

ان تنظيم الحريات الممنوحة للمواطنين يعد من الاختصاصات الحصرية للسلطة التشريعية في فرنسا على وفق المادة (34) لسنة 1958 من الدستور اذ ان المادة (37) جعلت السلطة التنفيذية صاحبة الاختصاص العام بالتشريع في جميع المسائل التي لم ترد على سبيل الحصر في المادة (34)منه، وبذلك فان البرلمان الفرنسي يعد مختصا بوضع القيود التي ترد على الحريات .

وان الوضع في مصر لايختلف عنه في فرنسا اذ نص الدستور على جواز تنظيم العديد من الحريات بموجب قوانين(8). ولكن الوضع في العراق حاليا يختلف كثيرا اذ تنص المادة (46) من دستور جمهورية العراق على ان(لايكون تقييد ممارسة اي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور او تحديدها الا بقانون او بناء عليه …..)وهذا يعني امكانية اصدار قرارات من الادارة سواء اكانت تنظيمية ام فردية بتقييد الحرية او تحديدها بناء على القانون وبعبارة اخرى فان للمشرع ان يفوض الادارة وضع القيود والحدود على الحريات العامة على ان لايمس ذلك جوهر الحق او الحرية وفي ذلك خطر كبير على الحريات العامة للافراد لاسيما ان الادارة هي التي ستحدد –تحت رقابة القضاء- فيما اذا كان هذا التنظيم والتقييد يمس جوهر الحق او الحرية من عدمه. ويرى بعض الفقهاء – بحق -ان التزام المشرع بالنصوص الدستورية يختلف بحسب مااذا كانت تلك النصوص تقريرية او توجيهية فاذا كانت تقريرية تتميز بالتحديد فانها تكون واجبة التنفيذ مباشرة دون الحاجة لتدخل المشرع الذي يقتصر التزامه حيالها بعدم مصادرته للحرية المنصوص عليها فيه

ومثالها كفالة حق التقاضي للجميع واذا ماتدخل المشرع فان سلطته تكون في ذلك محدودة ولايستطيع اصدار قوانين تخالفها،اما اذا كانت النصوص القانونية توجيهية غير محددة بمضمونها وتوجه خطابها الى المشرع وليس الى الافراد فيكون للمشرع ازاءها سلطة تقديرية واسعة ومثالها ماتنص عليه الدساتير من كفالة الدولة الحفاظ على الطابع الاصيل للاسرة،ومايتمثل فيه من قيم وتقاليد فيكون مثل هذا النص بحاجة الى تشريع ولكن لايستطيع المشرع اصدار تشريع يخالف هذا النص باعترافه بحقوق العشيقة والا عد التشريع غير دستوري.

الفرع الثالث/ تنظيم القرارات الادارية للحرية.
ان اختصاص الادارة في تنظيم الحرية قد يستمد من الدستور نفسه وهذا يحدث عند عدم وجود نص في الدستور يخول المشرع الاعتيادي اصدار تشريع منظم للحرية المكفولة بموجب الدستور اذ ان عدم وجود تشريع بهذا الخصوص يتيح للادارة ان تصدر قرارات تنظيمية تبين طريقة التمتع بالحرية، كما قد يستمد اختصاص الادارة في تنظيم الحرية من التشريع نفسه، وفضلا عن هذا وذاك فان لها اختصاصا اصيلا في تنظيم الحرية نابعا من مهمتها الرئيسة في تنفيذ القوانين وهادفة من ذلك الى المحافظة على النظام العام سواء أنص الدستور ام التشريع على هذا الاختصاص ام لا فهو اختصاص ثابت لها من دونه تتحول الحرية الى فوضى واقرار المشرع لها بهذا الاختصاص يقتصر دوره واثره على تأكيده . ان دور الادارة في تنظيم الحرية ليس على مستوى واحد بل يختلف تبعا لوجود نصوص تشريعية تنظم ممارسة الحرية من عدمها:
1/ حالة وجود نصوص تشريعية : يرى الدكتور محمود سعد الدين شريف ان تحديد الحريات في اطار محدد من النصوص يضع على عاتق الادارة واجبا ايجابيا بحمايتها من دون ان يكون لها مخالفة هذا الواجب بحجة انها تتغيا تحقيق غرض من اغراض الضبط الاداري(9)،الا اننا نرى انه لايمكن للادارة ان تعمل على حماية الحريات العامة لفرد ما من دون ان يقترن ذلك بتدخلها في حماية الاخلاق العامة لافراد مجتمع معين – باعتبار ان ذلك يعد غرضا من اغراض الضبط الاداري- ومنع تجاوز الافراد عليها عند ممارستهم لحرياتهم العامة فضلا عن ان تدخل الادارة ينطلق من كونها تعد مسؤولة عن المحافظة على النظام العام . ومع تسليمنا بان وجود النصوص التشريعية المنظمة للحرية يقيد من سلطة الادارة في تنظيم الحرية اذ ان وجود النص التشريعي يعد حدا يجب على الادارة ان لاتتجاوزه. ولكن وجود النص القانوني الذي ينظم الحريات يبقي تدخل الادارة ضروريا فاذا اشترط المشرع لممارسة حرية من الحريات استحصال ترخيص معين فان طلب الترخيص سيقدم للادارة(10)،وكذا الحال لاشتراط القانون في ممارسة الحرية عدم مخالفتها للاخلاق العامة فان الادارة هي من تتولى مهمة الرقابة على ممارسة الحرية وضمان عدم مخالفتها للاخلاق العامة بعد ان تعمل على تحديد مفهومها.

وعموما يتوسع نطاق سلطة الادارة في تنظيم الحريات العامة كلما كان تحديد الاخيرة من المشرع منفردة او مع قيودها تحديدا غامضا وتضيق اذا كان تحديدهما واضحا(11).

وبتفصيل اكثر نوضح في هذا المجال ان التشريع عندما ينص على عدم جواز مخالفة حرية معينة للاخلاق العامة ويحدد حصرا المقصود بالاخلاق العامة فان سلطة الادارة بهذا الخصوص تضيق وتنكمش بخلاف الحال اذا ترك المشرع مفهوم الاخلاق العامة عائما اذ ينهض دور الادارة في الحالة الاولى بتفسير الغموض وازالته ومايتبع ذلك من سلطة مضافة للادارة في تنظيم الحريات العامة. الا ان على الادارة ان تلتزم بالقيود الواردة في التشريعات المنظمة للحريات وان تفسر هذه القيود تفسيرا ضيقا كما يجب عليها ان تلتزم بالغرض من القيد المحدد في التشريع اذا كان هذا الغرض محددا بالتشريع اما اذا لم يكن محددا فان على الادارة ان تعمل على تحقيق المصلحة العامة(12).

2/ حالة عدم وجود نصوص تشريعية: لايمكـن الاخـذ بمبدأ عدم جواز تنظيم الحرية الا بقانون على اطلاقه اذ ان الادارة ملزمة عند اداء مهامها بالمحافظة على النظام العام في التدخل في ممارسة الحريات العامة وان لم يوجد نص قانوني يجيز لها ذلك.

ويرى رأي في الفقه- بحق – ان اساليب الادارة في تنظيم الحرية تتفاوت بتفاوت مراتب الحريات في كونها حريات اساسية او ثانوية فتكون الادارة مقيدة في استخدام سلطتها في تنظيم الحرية تقييدا كبيرا اذا كانت الحرية المراد تنظيمها تعد من الحريات التي كفلها الدستور من دون قيد مثل حرية العقيدة وكذلك الحال اذا مااحال الدستور مهمة تنظيم الحرية الى القانون اذ تكون سلطة الادارة في هذه الحالة مقتصرة على تطبيق الاحكام العامة التي ينظمها القانون ،وبخلاف ذلك تكون سلطة الادارة واسعة في تنظيم الحرية ووضع القواعد الكفيلة بما يحافظ على النظام العام عند عدم وجود نص تشريعي ينظم الحرية(13).

الا ان سلطة الادارة في تنظيم الحرية لاتكون مطلقة وان لم توجد نصوص تشريعية تنظمها وانما تختلف ضيقا واتساعا بحسب الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالحرية وعموما تكون مقيدة بقيدين الاول مستمد من طبيعة سلطة الضبط والثاني مستمد من طبيعة الحرية. مما تقدم نرى ان مدى تأثر الحريات العامة بسلطة الادارة عموما يتحدد فيما اذا كانت طريقة التمتع بالحريات محددة ومنظمة بموجب نصوص تشريعية فتكون سلطة الادارة حيالها مقيدة بهذه النصوص دون ان يكون لها ان تتجاوزها وتكون بذلك الحريات العامة محصنة من تجاوز سلطات الادارة ،كما ان الادارة غير مطلقة من كل قيد اذا كانت الحريات العامة غير مستوفية التنظيم بموجب النصوص التشريعية وانما عليها ان تلتزم حدودا معينة . …
____________
1- عاشور سليمان صالح شوايل- مسؤولية الادارة عن اعمال وقرارات الضبط الاداري (دراسة مقارنة) – الطبعة الاولى -منشورات جامعة قار يونس – بنغازي – ليبيا– 1997.– ص231، عادل ابو الخير – الضبط الاداري وحدوده – الهيئة المصرية العامة للكتاب –القاهرة -1995– 323.
2 – انظر بالسياق نفسه مثلا نص المادة (52) من دستور جمهورية مصر العربية لسنة 1971 النافذ التي تنص على (للمواطنين حق الهجرة الدائمة او الموقوتة الى الخارج وينظم القانون هذا الحق …) والمادة 45 من الدستور القطري لسنة 2003 النافذ التي تنص على (حرية تكوين الجمعيات مكفولة، على وفق الشروط والأوضاع التي يبينها القانون)،والمادة(13) من دستور الجمهورية اللبنانية لسنة 1926 النافذ التي تنص على ان (حرية ابداء الرأي قولا وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن حدود القانون) – مجموعة الدساتير العربية ودراسة مقارنة بمعايير الحقوق الدستورية الدولية.
3- عادل ابو الخير – المصدر السابق- ص 334.
4- عبد الرزاق السنهوري- مخالفة التشريع للدستور والانحراف في استعمال السلطة التشريعية – مقال منشور في مجلة مجلس الدولة – العام الثالثة – 1952– ص63
5- محمد عصفور – الحرية في الفكرين الديمقراطي والاشتراكي – الطبعة الاولى – مكان الطبع غير مذكور– 1961- ص80.
6- د.محمد عصفور – الحرية في الفكرين الديمقراطي والاشتراكي -المصدر السابق – ص81.
7- الموسوعة العربية للدساتير العالمية – ص673-687.
8- انظر في ذلك مثلا المادة(47) بالنسبة لحرية الراي والتعبير والمادة (50) بالنسبة لحرية الاقامة والمادة (55) بالنسبة لحرية تكوين الجمعيات.
9- د. محمود سعد الدين الشريف ،الجهة التي تتولى اصدار لوائح البوليس وما تلزمه من قيود في هذا الصدد – مجلة مجلس الدولة –العام الثالثة – دار النشر للجامعات المصرية – القاهرة -يناير 1952- ص218.
10- د. سعاد الشرقاوي – نسبية الحريات العامة وانعكاساتها على التنظيم القانوني- دار النهضة العربية – القاهرة- 1979– ص151.
11- د. محمود سعد الدين الشريف – الجهة التي تتولى اصدار لوائح البوليس وما تلتزمه من قيود بهذا الصدد – بحث منشور في مجلة مجلس الدولة – السنة الثالثة – يناير 1952- ص219.
12- د. محمود سعد الدين الشريف – الجهة التي تتولى اصدار لوائح البوليس وما تلتزمه من قيود بهذا الصدد – المصدر السابق- ص219.
13- محمد ابو زيد محمد – الضوابط التنظيمية للحريات العامة وضماناتها (حرية التنقل والاقامة) – بحث منشور في مجلة الدراسات العليا- ع3- تصدر عن اكاديمية مبارك للامن -سنة 2000 –ص55 .