مشروعية التفتيش الوقائي

نظرا لما يسببه موضوع التفتيش من مساس بحرية و كرامة الشخص محل التفتيش، تلك الحقوق التي نص عليها و حماها الدستور، فإنه كان من الضروري البحث في ذلك الموضوع و معرفة حدوده و تحديدا لما يسمى “بالتفتيش الوقائي”.

لكن بداية دعونا نتعرف على مفهوم التفتيش القضائي(كإجراء تحقيق)، و ذلك للوقوف على الفرق بينه و بين التفتيش الوقائي، كما ذكرت بعض أحكام محاكم النقض، التفتيش القضائي: هو السماح بالتنقيب في جسد المتهم أو ما يحمله أو ما يحوزه عن كل ما يفيد في كشف الحقيقة عن الجريمة التي توافرت دلائل كافية على نسبتها إليه، لذلك فإنه لا يقع إلا من مأمور الضبط القضائي.

و الأسئلة المطروحة هنا، ما المقصود بالتفتيش الوقائي؟ و ما هي حدوده و أبعاده و الأشخاص القائمين عليه؟ و هل يتداخل مع التفتيش القضائي في شيء أم أنه منفصل عنه تماما؟ ، كل هذا سوف نعرفه من خلال التوضيحات الآتية..

حددت أحكام محكمة النقض – و منها الطعن رقم 7780 – لسنة 73 ق – أن التفتيش الوقائي: هو إجراء تحفظي يسوغ لأي فرد من أفراد السلطة العامة المنفذة لأمر القبض، القيام به درءا لما قد يُحتمل من أمر يلحق المتهم أذى بشخصه من شيء يكون معه أو يلحق مثل هذا الأذى بغيره ممن يباشر القبض عليه.

و بمطالعة أحكام النقض المختلفة و التي تتصل بهذا الشأن، سنجد أنها وحدت بين مجالي التفتيش القضائي و التفتيش الوقائي، و حددت أنه لا يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يقوم بالتفتيش سواء كإجراء تحقيق (تفتيش قضائي) أو كإجراء وقائي بغير مسوغ القبض القانوني.

و من تلك الأحكام نجد الطعن رقم 27327 لسنة 72 قضائية حيث قيل فيه: “وكان سند إباحة التفتيش الوقائي هو أنه إجراء تحفظي يسوغ لأي فرد من أفراد السلطة العامة المنفذة لأمر القبض القيام به درءاً لما قد يُحتمل من أمر يلحق المتهم أذى بشخصه من شيء يكون معه أو يلحق مثل هذا الأذى بغيره ممن يباشر القبض عليه، فإنه بغير مسوّغ القبض القانوني لا يجوز لمأمور الضبط القضائي القيام بالتفتيش كإجراء من إجراءات التحقيق أو كإجراء وقائي.”

لكن يرى بعض الفقه أن ما قامت به محكمة النقض من توحيد لمجالي التفتيشين القضائي و الوقائي – لحماية و ضمانة الحقوق و الحريات الفردية حتى لا يؤدي إلى تعسف القائمين عليه و القيام به بلا معايير أو حدود – قد يؤدي إلى النقاط الآتية:

عدم وجود ما يسمى بالتفتيش القضائي من الناحية العملية، لأنه طالما أن كلا نوعي التفتيش غير جائز إلا اذا كان له مسوغ قانوني، فإنه لن يتم اللجوء إلى التفتيش الوقائي من جانب مأمور الضبط.
في حالة الاستيقاف، أي الذي توافر مبرره من شخص وضع نفسه موضع الشك و الريبة، سيكون هناك مبررا قويا لاستخدام التفتيش الوقائي، و لكن اذا ما قام مأمور الضبط بذلك التفتيش فإن ضبطه هذا و تفتيشه – وفقا لاتجاه محكمة النقض – سوف يكونا غير مشروعين.
التفرقة بين مأموري الضبط القضائي و أفراد السلطة العامة، حيث أنه وفقا لهذا المذهب يجوز لأفراد السلطة العامة مباشرة التفتيش الوقائي، و عدم جواز ذلك بالنسبة لمأموري الضبط القضائي على الرغم من أن المشرع قد وضع لهم اختصاصات بمباشرة بعض إجراءات التحقيق، و هو ما لم يحدث بالنسبة لأفراد السلطة العامة.
و من ثم فإن الفقه يرى أنه من الأفضل إجازة التفتيش الوقائي ان توافر مبرره و جعل مجاله مختلف عن التفتيش القضائي، و هذا المبرر المشار إليه يتمثل في عدم اشتراط أن يكون هو ذات مبرر القبض و التفتيش القضائي، مع مراعاة احترام حدود التفتيش الوقائي الذي لا يجوز فيه سوى التفتيش الظاهري و الذي لا يستوجب بحثا أو تنقيبا في جسد المتهم و أيضا احتراما للحقوق و الحريات الشخصية.

من ناحية ثانية، لو أنه تم تطبيق التفتيش الوقائي بالشكل السابق توضيحه في الفقرة السابقة، من الممكن أن يتجاوز رجال السلطة العامة و أفرادها في التعامل مع المتهمين و بالتالي تجاوز حدود التفتيش الوقائي و التعدي من ثم على الحرية الشخصية و الحقوق الدستورية لهؤلاء المتهمون.

و ذلك يعني أنه يجب – إن أردنا تطبيق و تفعيل التفتيش الوقائي – وضع أسس و ضوابط قانونية واضحة و صريحة من جانب، و وضع عقوبة رادعة لأفراد السلطة العامة إن تجاوزوا حدود ذلك التفتيش، حتى يعد هذا ضمانة و حماية لحقوق المتهمين من أي اجراء جائر من قبل أفراد السلطة العامة.

تكلم هذا المقال عن : مدى مشروعية التفتيش الوقائي