مشارطة التحكيم في المنازعات البحرية .
محاضرة للدكتور غسان علي القيت في مركز العدالة للتحكيم والدراسات القانونية
العدد:
8581
التاريخ:
الاثنين, 14 كانون الأول, 2015

إعادة نشر بواسطة محاماه نت
يعد التحكيم الوسيلة السائدة التي يتفق عليها ذوو الشأن في العلاقات البحرية لحل المنازعات الناشئة عنها سواء أكانت تلك المنازعات حالية أو مستقبلية حيث يتفق أطراف هذه العلاقات على أن يعهدوا بتلك المنازعات إلى محكمين متخصصين في المجال البحري ليفصلوا فيها بأحكام تحكيمية ملزمة.
وقد تكون المنازعات ناشئة عن العقود البحرية مثل عقود نقل البضائع أو الأشخاص وعقود إيجار السفن وعقود بناء وإصلاح وبيع السفن وعقود التأمين البحري والبيوع البحرية وإما أن تكون تلك المنازعات ناشئة عن الحوادث البحرية كالتصادم البحري والمساعدة البحرية والإنقاذ وتسوية الخسائر البحرية المشتركة. وقد ظهر إلى جانب التحكيم كآلية لحسم المنازعات البحرية عدة وسائل أخرى مختلفة عن التحكيم تهدف إلى المساعدة في حل المنازعات بطريق ودي يمكن حصر أهمها بالنسبة للمنازعات البحرية في التوفيق والوساطة والخبرة الفنية‏

والتحكيم البحري كنظام قانوني لحل المنازعات البحرية معروف منذ القدم حيث يرجع إلى عصور روما القديمة في القرن السابع قبل الميلاد وتبوأ مكانته في العصور الوسطى لازدهار التجارة البحرية بين الشعوب ونشوء موانئ هامة على بحر الشمال وبحر البلطيق.- وقد بدأ التحكيم البحري في صورته الحديثة منذ القرن الرابع عشر عندما ازدهرت التجارة الخارجية وسياسات التصدير والاستيراد عن طريق البحر.‏

وتعد لندن أقدم مركز للتحكيم البحري الحديث في العالم ثم تلى ذلك ظهور مركز للتحكيم التجاري البحري منبثق عن غرفة التجارة بهامبورج بألمانيا ويحسب لغرفة التجارة بهامبورج بتلقي قواعد التحكيم البحري وتطويرها. ثم تلى ذلك انتشار غرف التجارة البحرية في أوروبا وموسكو.‏

ويعتبر التحكيم البحري حديث النشأة في الولايات المتحدة الأمريكية وإن انتشر حاليا بشكل كبير في نيويورك فقد كانت المحاكم الأمريكية- وحتى عهد قريب- تقاوم التحكيم وتحاربه لأنه ينحي القضاء إلا أنه ومنذ حوالي نصف قرن تقريبا أصبح القضاء الأمريكي يشجع التحكيم البحري ويرحب به.‏

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

وقد انتشر التحكيم كوسيلة لحسم المنازعات البحرية في العصر الحديث لعوامل كثيرة يمكن إيجازها في رغبة المتعاملين في مجال التجارة البحرية في التحرر من قيود النظم القانونية المختلفة مع عدم اتساق تلك القواعد الداخلية مع مقتضيات التجارة الدولية البحرية بالإضافة إلى بطء إجراءات التقاضي وتعدد درجاته في الوقت التي تتطلب فيه التجارة البحرية سرعة الفصل في النزاع كما تتطلب السرية في المعاملات أضف إلى ذلك أن الفصل في المنازعات البحرية يقتضي خبرة خاصة ومعلومات متميزة ومتجددة لا تتوافر للقاضي العادي والذي قد يترتب عرض النزاع البحري عليه لتكاليف باهظة ترجع أغلبها إلى الخسائر الضخمة المترتبة على بطء اتخاذ الإجراءات القضائية ووسائل الطعن في الأحكام وبالتالي عدم حسم النزاع بسرعة.‏

ونظرا لسيادة التحكيم البحري لحل المنازعات البحرية واستقرار قواعده الإجرائية والموضوعية تم الاهتمام الدولي به والنص عليه وتنظيم بعض قواعده في معاهدة هامبورج 1978، ورغم كل تلك التطورات التي لحقت بالتحكيم البحري فإن دراسته قد ظلت قاصرة وبعيدة عن مجال الباحثين في مجال القانون التجاري والبحري بصفة عامة وفي مجال التحكيم بصفة خاصة في دول كثيرة من بينها سورية‏

– ونظرا لازدياد حجم التجارة البحرية فإن المنازعات الناشئة عنها تزداد أيضا ويزداد بذلك اللجوء إلى التحكيم البحري كوسيلة للفصل في تلك المنازعات ويصبح من الضروري تحديد ماهية اتفاق التحكيم بوصفه وسيلة اللجوء للتحكيم البحري.‏

اتفاق التحكيم البحري يُقصد باتفاق التحكيم البحري ذلك الاتفاق الذي يتعهد بمقتضاه أطراف العلاقة البحرية على عرض منازعاتهم التي نشأت أو التي ستنشأ أو من المحتمل أن تنشأ مستقبلا عن هذه العلاقة على التحكيم.ويتخذ اتفاق التحكيم البحري إحدى صورتين: منها ما يكون قبل وقوع النزاع (شرط تحكيم)، ومنها ما يكون بعد وقوعه (مشارطة تحكيم). ونتولى فيما يلي بحث هاتين الصورتين الصورة الأولى: صور الاتفاق قبل وقوع النزاعيمكن أن يكون الاتفاق على التحكيم قبل وقوع النزاع في صورة شرط تحكيم وارد في العقد الأصلي المرتبط به النزاع، أو في صورة اتفاق منفصل عن ذلك العقد، أو في صورة إحالةلعقدآخر يتضمن اتفاق أو شرط تحكيم.‏

أولاً: شرط التحكيم Arbitration clause

ويقصد به ذلك الشرط الذي يرد ضمن العقد، والذي تتعهد الأطراف بمقتضاه – قبل نشوء النزاع- باللجوء إلى التحكيم لتسوية ما قد يثور بينهم من منازعات مستقبلاً بشأن هذا العقد . وتستخدم هذه الصورة في عقود النقل البحري سواء تم بسند شحن أو بموجب مشارطة إيجار وفي عقود التأمين البحري وعقود البيع البحري وعقود بناء السفن وإصلاحها وشرائها وفي كافة العقود البحرية بوجه عام وكذلك في اتفاقات المساعدة البحرية والإنقاذ‏

ومن هذا التعريف يلاحظ أن شرط التحكيم لا يتعلق بنزاع حالٍ، وإنما بنزاع مستقبلي محتمل الوقوع، ولا يعرف أحد فيما إذا كان هذا النزاع سيقع فعلاً أم لا، ولا مدى النزاع ونطاقه في حال وقوعه مستقبلاً.وبالرغم من أن شرط التحكيم مبني على مجرد الاحتمال فقد أجازته مختلف قوانين التحكيم وإن اختلفت في الصياغة. من ذلك مثلاً نظام التحكيم السعودي الذي نص على أنه» يجوز الاتفاق مسبقاً على التحكيم في أي نزاع يقوم نتيجة تنفيذ عقد معين». وكذلك قانون التحكيم السوري بقوله» يجوز الاتفاق على التحكيم عند التعاقد وقبل قيام النزاع سواء أكان الاتفاق مستقلاً بذاته أم ورد في عقد معين بشأن كل أو بعض المنازعات التي قد تنشأ بين الطرفين» ويماثل هذا النص نص المادة (10/2) من قانون التحكيم المصري، وكذلك نص المادة (11) من قانون التحكيم الأردني رقم 31 لعام 2001.‏

ومن هذه النصوص وغيرها، فإن شرط التحكيم لابد أن يكون سابقاً على قيام النزاع، لأنه من غير المتصور أن يكون لاحقاً له، لأنه يرد ضمن بنود العقد الأصلي، غير أن ذلك لا يمنع من أن يرد مستقلاً عن العقد الأصلي.فالعبرة هي إذن بلحظة إبرام اتفاق التحكيم، فإذا جاءت هذه اللحظة قبل نشوء النزاع فذلك هو شرط التحكيم، ويستوي بعد ذلك أن يأتي في العقد نفسه أو مستقلاً عنه. وقد جرت العادة على أن يرد شرط التحكيم في نهاية العقد الأصلي، إلا أن ذلك لا يمنع من أن يرد في بداية العقد أو منتصفه أو في أي مكان آخر منه.وفي أغلب الأحيان يأتي شرط التحكيم بصيغة مقتضبة أو عامة لا تتطرق إلى التفاصيل، كأن ينص على أن» كل نزاع ينشأ بين طرفي العقد يسوى عن طريق التحكيم». فمثل هذا النص لا يستفاد منه إلا مجرد قبول الأطراف لنظام التحكيم كوسيلة لتسوية المنازعات الناجمة عن العقد، ولا يمكن من الناحية العملية تطبيق هذا النص إلا بإبرام اتفاق لاحق له يحدد موضوع النزاع، وكيفية تشكيل هيئة التحكيم، والإجراءات التي تتبع في ذلك.‏

ومن هنا نتساءل عما إذا كان من الضروري إبرام مشارطة تحكيم، أم أنه يكتفى بشرط التحكيم؟‏

الواقع أن الأمر يعتمد على الطريقة التي تم فيها صياغة شرط التحكيم ذاته، فإذا كان شرط التحكيم يقتصر على مبدأ التحكيم دون أن يتضمن التفاصيل اللازمة والواجبة والتي تمكن من وضع التحكيم موضع التطبيق، فإن إبرام مشارطة تحكيم بعد قيام النزاع يبدو أمراً لا يمكن تجنبه.‏

وهذا ما حدث بالفعل في قضية أرامكوAramco مع الحكومة السعودية حيث أبرم الطرفان اتفاق تحكيم عام 1955، وذلك بالرغم من أن عقد البترول ذاته والمبرم في 1933 كان يتضمن النص على التحكيم.أما في الحالة التي يتم فيها صياغة شرط التحكيم بإحكام بحيث يمكن انعقاد هيئة التحكيم بالرغم من مماطلة وتسويف أحد الأطراف في تنفيذ التعهد باللجوء إلى التحكيم أو العمل على إخفاقه، فإن إبرام مشارطة تحكيم لا يبدو أمراً ضرورياً.وهذا ما حدث بالفعل في قضية سافير ضد إيران ، حيث تم الاكتفاء بشرط التحكيم الوارد في العقد ذاته، ولم يكن هناك أية حاجة لإبرام اتفاق لاحق ومستقل للتحكيم.‏

هذا وقد اعتبرت أحكام القضاء شرط التحكيم صالحاً لإحالة النزاع في حال وقوعه للتحكيم، دون حاجة لاتفاق تحكيم جديد، أو بمعنى أدق دون حاجة لإبرام مشارطة تحكيم بعد وقوع النزاع .‏

وبالتالي فإن صياغة شرط التحكيم تتخذ أهمية كبيرة، وكثيراً ما تؤدي الثغرات التي تشوب تلك الصياغة إلى عواقب وخيمة وخطيرة لم تكن لتدور بخلد أطراف النزاع. ورغم ذلك فكثيراً ما ترد شروط التحكيم غير محكمة الصياغة ومشوبة بالتسرع والغموض ولاسيما أنها ترد عادة في نهاية العقد بعد إرهاق الطرفين في المفاوضات التي تدور حول صلب العقد.‏

وكثيراً ما تلجأ مؤسسات التحكيم إلى اقتراح شرط تحكيم نموذجي يمكن أن يطمئن الطرفان على اقتباسه تجنباً للمخاطر، ولكن الغريب أن الطرفين قلما يلجآن إلى هذا الاقتباس المفيد ويسعيان إلى تحسين» الشرط النموذجي» فيخونهما التوفيق في كثير من الأحيان.خلاصة القول: إن الصياغة الجيدة لشرط التحكيم تجنب الطرفين الكثير من المشاكل والمضايقات والمفاجآت، لذا فإن النصيحة التي نوجهها للقائمين على صياغة وكتابة شرط التحكيم، أن يقوموا بصياغته بعبارات جلية ومحددة، ليس فقط بشأن تقرير مبدأ ارتضاء الأطراف للتحكيم طريقاً لفض منازعاتهم، بل أيضاً بشأن نوع التحكيم: هل هو تحكيم منظم أم تحكيم خاص، فإذا كان النوع الأول وجب التحديد الدقيق للمؤسسة أو المركز الذي سيتم اللجوء إليه، وأن التحكيم سيجري وفق القواعد التي يختارها الأطراف أو القواعد المقررة في لائحة إجراءات تلك المؤسسة أو المركز. أما إذا كان النوع الثاني، وجب تحديد عدد المحكمين ومكان التحكيم والقواعد الإجرائية والموضوعية واجبة التطبيق، وكيفية اختيار كل طرف محكمه، والمدة التي يجب تعيينه في غضونها، وكيفية تعيين المحكم المرجح، وحكم التأخير في تعيين المحكمين، ومتى تبدأ الإجراءات والمدة التي يجب إصدار الحكم خلالها.‏

ليس هذا فحسب، بل يجب أن تتطرق الصياغة إلى نطاق التحكيم ، وذلك بتحديد الموضوع الذي سيكون محلاً للتحكيم، والرابطة القانونية الناشئ عنها النزاع. فلا يصح القول أن شرط التحكيم يشمل كل المنازعات المستقبلية التي ستنشأ بين الأطراف، وإلا كان الشرط باطلاً، إنما يجب تحديد النقطة أو النقاط التي يتحرك المحكم في دائرتها: تفسير العقد، العيوب الخفية، الأضرار الناشئة عن فعل المنتجات، التأخير في التسليم، التنازل عن بعض الحقوق والأعمال للمقاول من الباطن رغم الخطر الوارد في العقد. فعدم الحرص عند صياغة شرط التحكيم يمكن أن تؤدي إلى الإطاحة بالاتفاق على التحكيم، ولا يبقى أمام الأطراف إلا اللجوء إلى القضاء لعرض نزاعهم عليه، رغم سبق اتفاقهم على حل نزاعهم بالتحكيم.‏

ثانياً: الاتفاق المستقل Independent.‏

إذا كان الأصل أن يأتي شرط التحكيم ضمن العقد، إلا أنه ليس هناك ما يمنع من أن يرد مستقلاً عنه، ومثال ذلك أن لا يتضمن العقد شرط تحكيم، ولكن يبرم الطرفان اتفاقاً منفصلاً متضمناً إحالة منازعاتهما المستقبلية الخاصة بالعقد موضوع النزاع إلى التحكيم. ومثل هذا الاتفاق قد يرفق بالعقد الأصلي ويلحق به وقد يبرم في وقت لاحق ولكن قبل وقوع النزاع. وعلى غرار شرط التحكيم لا يشترط في الاتفاق المستقل أية صيغة معينة.‏

هذا وقد أكدت معظم قوانين التحكيم هذه الصورة من صور اتفاق التحكيم . ولكن التساؤل الذي يثور هو لماذا يدرج شرط التحكيم في وثيقة مستقلة عن العقد؟ وفي الإجابة على هذا التساؤل نرى أن ذلك قد يرجع إلى أن الأطراف لم يتفقوا، أو بسبب عدم خبرة المستشار القانوني الذي حرر العقد إلى كيفية تسوية المنازعات التي قد تثور بينهم مثلاُ. وقد يرجع ذلك إلى تناسي الأطراف مشكلة القضاء المختص بتسوية المنازعات بينهم وأثروا تركها لوقت لاحق، ثم يتوصلوا فيما بعد إلى اتفاق حولها وقبل نشوء النزاع. وعلى أية حال، فإن ورود شرط التحكيم ضمن العقد، أو ورقة مستقلة يبدو مفيداً من عدة نواح:‏

الأولى: أنه يأتي مفصلاً شاملاً كيفية بدء الإجراءات، وإعلان الرغبة في التحكيم، وكيفية تشكيل هيئة التحكيم، ومكان التحكيم، ولغة الأوراق والمرافعات والمدة التي سيصدر حكم التحكيم خلالها.‏

الثانية: أنه يساعد في تأكيد فكرة استقلال اتفاق التحكيم عن العقد الأصلي، لاسيما عند الحكم بعدم صحة، أو بطلان هذا الأخير.‏

الثالثة: أن الأكثر استخداماً في العقود الدولية المعاصرة.‏

الرابعة: أنه قد يلزم لوضع شرط التحكيم موضع التنفيذ إعداد ما يسمى محرر أو مستند المهمة بين أطراف النزاع والمحكمين قبيل بدء إجراءات التحكيم، وتمهيداً لبدء تلك الإجراءات. ويشتمل ذلك المحرر على عدة بيانات منها تحديد موضوع النزاع والمسائل المطلوب الفصل فيها، وأسماء وأتعاب المحكمين، وصفة وعناوين الأطراف التي يمكن أن توجه إليهم فيها الإعلانات والإخطارات أثناء سير التحكيم. وكذلك عرض موجز لادعاءات الأطراف، اسم ولقب وصفة وعنوان المحكم أو المحكمين، مكان التحكيم، القواعد الواجبة التطبيق على الإجراءات.‏

ثالثاً: شرط التحكيم بالإحالة Arbitration clause reference

 إلى جانب الصورتين السابقتين لاتفاق التحكيم قبل وقوع النزاع توجد صورة ثالثة، وهي شرط التحكيم بالإحالة والفرض في هذه الصورة أن العقد الأصلي المبرم بين الأطراف لم يتضمن شرطاً صريحاً للتحكيم، بل اكتفى الأطراف بالإشارة أو الإحالة إلى عقد سابق بينهم أو إلى عقد نموذجي، أو شروط عامة معروفة في مجال التعامل بينهم، وذلك لتكملة النقص أو سد الثغرات التي تعتري عقدهم، وكان ذلك العقد النموذجي أو تلك الشروط العامة يتضمن من بين بنوده، أو شروطه، بنداً أو شرطاً يقضي بتسوية المنازعات، أو التي تنشأ عنه، بطريقة التحكيم . وفي هذه الحالة ينسحب أثر هذا البند أو الشرط إلى العقد الأصلي ويلتزم به أطرافه، بحيث تكون تسوية المنازعات الناشئة عن ذلك العقد عن طريق التحكيم، دون أن يستطيع الأطراف التنصل من ذلك بمقولة استقلال ذلك العقد الأصلي عن العقد أو الشروط المحال إليها، والمحتوية على شرط التحكيم.‏

هذا وقد اعترفت العديد من قوانين التحكيم بصحة شرط التحكيم بالإحالة، ومن هذه القوانين نذكر قانون التحكيم السوري في المادة (7/2) منه والتي تنص على أنه» يعتبر اتفاقاً على التحكيم كل إحالة ترد في العقد على وثيقة تتضمن شرط تحكيم، إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد». وكذلك قانون التحكيم المصري المادة (10)، وقانون التحكيم الإنكليزي (المادة 6/2)، وقانون التحكيم الموريتاني المادة (6/2) ، وقانون التحكيم الهولندي المادة (1021)، والقانون النموذجي الذي أعدته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولي المادة (7/2).كما اعترف القضاء المقارن بصحة شرط التحكيم بالإحالة في العديد من الأحكام . فعلى سبيل المثال تعاقدت شركة Pordexport الرومانية مع شركة Clergeau الفرنسية على توريد لحوم إليها في أكتوبر 1989 ونشب بينهما نزاع حول عدم كفاية خطابات الاعتماد المتفق عليها بينهما. وبعد ذلك آلت شركة كليرجو إلى شركة أخرى اسمها FMT.Productions وأثيرت أمام محكمة استئناف بواتييه مشكلة الإحالة إلى شرط تحكيم موجود في وثيقة أخرى، وهل يعتبر الطرف الذي تلقى هذه الإحالة ملتزماً بالشرط الذي أحيل إليه.‏

قضت محكمة بواتييه بأنه غير ملتزم به بينما رفضت ذلك محكمة النقض الفرنسية(الدائرة الأولى) في حكمها الصادر في 3/6/1997 وقررت أنه: « في مسائل التحكيم الدولي يعتبر شرط التحكيم بالإحالة على مستند يشترط التحكيم صحيحاً إذا كان الطرف الذي يحتج به قد علم به في لحظة انعقاد العقد ويكفي سكوته للدلالة على قبوله لهذه الإحالة» .‏

وفي قضية مماثلة تتعلق بتوريد مواد غذائية للحيوانات ولم تكن تصلح للاستهلاك أثيرت أمام محكمة بواتييه أيضاً مسألة شرط التحكيم بالإحالة. وأثيرت هذه المسألة نتيجة أن السيدة التي اشترت هذه المواد واسمها Dumur قد طالبت الشركة الموردة واسمها Negobeureuf بالتعويض عن عدم صلاحية الأغذية للاستهلاك الحيواني، فقامت هذه الشركة بإدخال الشركة التي وردتها إليها وهي شركة Jouandin التي اختصمت بدورها الشركة الموردة لها وهي شركة Lucernex فقامت هذه الأخيرة بالتمسك بعدم اختصاص محكمة بواتييه لوجود إحالة إلى شرط التحكيم في وثيقة أخرى. ورفضت محكمة بواتييه إحالة الدعوى للتحكيم. ولم توافقها في ذلك محكمة النقض الفرنسية حيث قررت:» أنه كان ينبغي على تلك المحكمة أن تبحث مدى قبول الأطراف لشرط التحكيم بالإحالة حيث أنهم نفذوا كل ما جاء بالعقد المدرج به هذا الشرط». وصدر هذا الحكم من الدائرة التجارية بمحكمة النقض في نفس التاريخ الذي صدر فيه الحكم السابق أي 17/6/1997 . وفي قضية ثالثة حول نفس الموضوع « اتفاق التحكيم بالإحالة» كانت هناك شركتان تحملان اسماً واحداً هما: لوريكو بيروت ولوريكو فرانس وكانتا قد ارتبطتا بعقد مع شركة ايتا لجراني لتوريد بضائع إليها بطريق البحر(حبوب) ولم تدفع شركة ايتا لجراني الثمن فأقامت لوريكو الدعوى عليها أمام تحكيم منظمة الجافتا مطالبة بتعويض الخسائر في البضاعة على أساس أن نصوص العقد تقول أن توريد البضاعة يجب أن يتم سليماً وبأمانة وبثمن السوق. ولكن ايتا لجراني عادت وسحبت هذا الطلب من جافتا وقدمته إلى إحدى المحاكم الفرنسية فحكمت عليها الجافتا بأداء ثمن البضاعة.‏

وأمام القضاء الفرنسي دفعت لوريكو بأن هناك شرط تحكيم مبلغ إلى ايتا لجراني وأنها علمت به ولم تعترض عليه وأعطت التعليمات إلى مصرفها بناء عليه بأن يدفع عند ورود المستندات مما يعتبر قبولاً لشرط التحكيم بالإحالة، كما أن سند الشحن المقدم لصرف ثمن البضاعة كان يحتوي على شرط تحكيم، لذلك ألزمت محكمة استئناف روان في 14/10/1997 ايتا لجراني بالخضوع للتحكيم . وعلى أية حال، لا يجب الاعتراف بصحة شرط التحكيم بالإحالة بصورة مطلقة، بل لابد من مراعاة عدة أمور:‏

أولها: أن يكون العقد الوارد به الإحالة كعقد المقاول من الباطن أو سند الشحن، مكتوباً. والكتابة يفرضها أمران، الأول، تيسير عملية إثبات شرط التحكيم بالإحالة، عند إنكاره من أحد الطرفين، والثاني، أن اتفاق التحكيم ذاته يجب أن يكون مكتوباً.‏

وثانيها: أن تكون الإحالة واضحة لا لبس فيها في اعتبار شرط التحكيم المحال إليه جزءاً من العقد المحيل، بحيث يقطع في معرفة الأطراف بشرط التحكيم الوارد في العقد أو المستند المحال إليه، كما لو أنه منصوص عليه في العقد المحيل ذاته، سواء علم الأطراف ذلك صراحة أو ضمناً. بمعنى أنه إذا ثبت أن الطرف الذي ينكر شرط التحكيم بالإحالة، لم يكن ليعلم بذلك الشرط في الظروف المعتادة، أو يتعذر عليه، أو يستحيل عليه أن يعلم به، فلا يلزم به، ويبقى الاختصاص بتسوية النزاع للقضاء العادي، ما لم يبرم الأطراف مشارطة تحكيم يعيدون بها الاختصاص للتحكيم.واشتراط أن تكون الإحالة واضحة استلزمه قانون التحكيم السوري في المادة (7/2) وكذلك قانون التحكيم المصري في المادة (10/3)، وأكده القانون النموذجي في المادة(7/2) بقولها « أن الإحالة يجب أن تتم بحيث تجعل الشرط جزءاً من العقد». وكذلك قانون التحكيم الإنكليزي في (المادة 6/2) .‏

كما قضى به القضاء المقارن، فتقول محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في نوفمبر 1993، « يعتبر شرط التحكيم بالإحالة المكتوب في مستند يحتويه مثل الشروط العامة أو عقد نموذجي، صحيحاً في مجال التحكيم الدولي مادام قد أشير إليه في الاتفاق الأصلي، وكان الطرف الذي يحتج به عليه، قد علم بمضمون ذلك السند لحظة إبرام العقد، ويكون قد قبل بسكوته اندماج ذلك المستند بما فيه شرط التحكيم في العقد» .‏

الصورة الثانية: صور الاتفاق بعد وقوع النزاع‏

يتم اتفاق التحكيم بعد وقوع النزاع بصور مختلفة أهمها مشارطة التحكيم، وكذلك الاتفاق على التحكيم أمام المحكمة بصدد نزاع منظور من قبلها.‏

هي صورة مشارطة التحكيم وهي‏

أولاً: مشارطة التحكيم Submission clause‏

وهي» اتفاق أطراف العلاقة البحرية في عقد مستقل على عرض المنازعات التي نشأت بالفعل على التحكيم وتستخدم هذه الحالة للاتفاق على التحكيم في حالات المساعدة البحرية والإنقاذ وفي حالات تسوية الخسارات البحرية المشتركة وفي حالات التصادم البحري.والمشارطة بهذا المعنى، تختلف عن شرط التحكيم، فإذا كان الأخير يتم الاتفاق عليه قبل نشوء النزاع، ويأتي في أغلب الأحيان كبند من بنود العقد يقتصر دوره على تقرير مبدأ الالتجاء إلى التحكيم لتسوية المنازعات التي قد تنشأ عن هذا العقد كلها أو بعضها. فإن المشارطة يتم الاتفاق عليها بعد نشوء النزاع وفي اتفاق لاحق ومستقل عن العقد الأصلي، وهذا ما أكدته نصوص قوانين التحكيم ، كما أنها لا تقتصر فقط على تقرير الالتجاء إلى التحكيم في شأن نزاع معين، وإنما تتضمن فوق ذلك تنظيم كل ما يتعلق بالتحكيم، كتشكيل هيئة التحكيم، ورسم حدود ولايتها، واختيار الإجراءات التي تتبعها، وتحديد القواعد الموضوعية الواجبة التطبيق على موضوع النزاع.‏

وقد تعقد مشارطة التحكيم تنفيذاً لشرط تحكيم سبق الاتفاق عليه قبل قيام النزاع، وفي هذه الحالة تكون وظيفة مشارطة التحكيم أو وثيقة التحكيم كما يحلو للبعض تسميتها استكمال العناصر اللازمة لإعمال هذا التحكيم الذي سبق تقريره، كاختيار هيئة التحكيم، وتعيين النزاع الذي يطرح عليها، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالإجراءات أو بالقواعد الموضوعية التي تتخذ أساساً لحكم التحكيم، وقد تعقد مشارطة التحكيم لتقرير الالتجاء إلى التحكيم دون أن يكون هنالك شرط تحكيم متفق عليه في العقد الناشئ عنه النزاع.‏

وإذا كانت مشارطة التحكيم يمكن أن تبرم تنفيذاً لشرط تحكيم سابق، أو تبرم بدون أن يكون هناك شرط تحكيم، إلا أنه من الملاحظ أن مشارطة التحكيم لا يتم اللجوء إليها إلا عند عدم وجود شرط تحكيم، لأن وجود الأخير يغني عادة عن تحرير تلك المشارطة، وهذا ما عبر عنه القضاء الفرنسي في الحكم الذي أصدرته محكمة استئناف باريس في 8 يونيه1972‏

ثانياً: الاتفاق على التحكيم أمام المحكمة.‏

تفترض هذه الحالة وقوع نزاع بين طرفين لا يوجد بِينهم اتفاق تحكيم، فيلجأ الطرفان للقضاء لتسويته، وأثناء المحاكمة يتفقان على اللجوء للتحكيم. وهو أمر يكثر وقوعه في الحياة العملية.‏

ويستدل من أغلب قوانين التحكيم جواز الاتفاق على التحكيم بصدد نزاع معروض على القضاء، فعلى سبيل المثال نصت المادة (7/1) من قانون التحكيم السوري على أنه: «… كما يجوز أن يتم الاتفاق على التحكيم بصورة لاحقة لقيام النزاع، ولو كان هذا النزاع معروضاً على القضاء للفصل فيه، وفي هذه الحالة يجب أن يحدد الاتفاق المسائل التي يشملها اتفاق التحكيم وإلا كان باطلاً « . وبديهي أن إجازة إبرام مشارطة تحكيم ولو كان النزاع قد رفعت به دعوى قضائية مبني على أن النزاع بين الطرفين يظل قائماً رغم رفعه إلى القضاء، ويظل كذلك إلى أن يتم الفصل فيه بحكم نهائي. لأن مثل هذا الحكم هو وحده الذي يزيل النزاع، وإذا مازال بحكم نهائي فإنه يمتنع الاتفاق على التحكيم. وعلى ذلك فلا يجوز إبرام مشارطة تحكيم بشأن نزاع تم حسمه أمام القضاء بحكم نهائي، ومن باب أولى لا يجوز إبرام مشارطة تحكيم بشأن نزاع صدر فيه حكم تحكيم بناء على مشارطة تحكيم سابقة للسبب نفسه، لانتفاء سبب الاتفاق على التحكيم، وبناء على ذلك فقد انتهى القضاء الإيطالي إلى بطلان الاتفاق على التحكيم بشأن ما ينشأ من منازعات بين الطرفين على تحكيم تم إجراؤه بينهما.ولكن ماذا لو أن الأطراف لم يتفقوا على التحكيم إلا بعد أن تكون الدعوى قد قطعت شوطاً بعيداً أمام القضاء، وصدرت بشأنها أحكام، كما لو أن المحكمة قد حسمت مبدأ المسؤولية ولم يبق سوى تقدير التعويض المترتب عليها، أو تكون قد حسمت الطلب الأصلي ولم يبق إلا حسم الطلب المقابل؟.إن تلك الأحكام تبقى متمتعة بحجيتها، ما لم يكن الأطراف قد تنازلوا عنها عند اتفاقهم على التحكيم، ومن الواضح أن هذا الحكم يتعلق بالأحكام الصادرة في الموضوع، أما تلك الصادرة في الإثبات، فإنها لا تلزم هيئة التحكيم.‏

هذا وقد اشترط المشرع في حالة إبرام مشارطة التحكيم ضرورة تحديد المسائل التي تشملها مشارطة التحكيم في بيان الدعوى، وإلا كان التحكيم باطلاً . ويرجع ذلك في رأينا إلى أن المسائل المتنازع عليها قد أصبحت معروفة للطرفين، وتحددت معالمها لهما ويلاحظ أن بطلان مشارطة التحكيم لعدم تحديدها المسائل التي يشملها التحكيم، لا يحول دون تحديد هذه المسائل في اتفاق لاحق يضم إليها ويكون أثره هو تصحيح المشارطة بإزالة ما لحق بها من سبب للبطلان. وأخيراً: يترتب على الاتفاق على التحكيم أمام المحكمة نتيجتان، الأولى تفترض من واجب المحكمة في هذه الحالة وقف السير في الدعوى إلى حين صدور حكم التحكيم، وليس ردها، بحيث يمكن إعادة فتح ملف القضية ثانية إذا تعثر التحكيم لأي سبب لتبدأ المحاكمة ثانية من النقطة التي وصلت إليها القضية عند وقف السير فيها بناء على طلب أحد الطرفين. الثانية إيداع حكم التحكيم لدى المحكمة ذاتها في الدول التي توجب مثل هذه الإيداع، كما تكون نفسها المحكمة صاحبة الصلاحية في تصديق الحكم وتنفيذه.‏

خلاصة القول:

إن الاتفاق على التحكيم غالباً ما يتخذ شرط تحكيم وارد في العقد ذاته، ونادراً ما يتم في إبرام مشارطة تحكيم بعد وقوع النزاع، ويرجع ذلك إلى أن الاتفاق على شرط التحكيم قبل وقوع النزاع يكون أكثر سهولة من الاتفاق على المشارطة بعد وقوع النزاع.- – ونوصي بتبني مراكز للتحكيم البحري بالدول العربية يكون مقرها المدن الساحلية المهمة كمدينة الإسكندرية بمصر ومدينة جدة بالمملكة العربية السعودية ومدينة دبى بالإمارات العربية المتحدة ومدينة اللاذقية في سورية وهكذا بالنسبة للدول العربية الأخرى لتكون مراكز عربية متخصصة للتحكيم البحري والعمل على تدريب كوادر بحرية لكافة الأنشطة البحرية في الدول العربية من ناقلين وشاحنين ومؤمنين وقانونيين على أعمال التحكيم البحري لإعداد قائمة محكمين بحريين أكفاء حيث تختفي ثقافة التحكيم التجاري في الدول العربية عامة وأيضا التحكيم البحري خاصة على الرغم من مكانة الدول العربية الدولية والبحرية وبها مدن بحرية كمدن الإسكندرية وجدة وطرابلس وبانياس والتي تعد من أقدم الموانئ البحرية في العالم. ونأمل أن تنتشر ثقافة التحكيم في الدول العربية حتى تتبوأ المقعد المناسب بها على خريطة العالم المتحضر.‏

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : محاضرة هامة عن شرط و مشارطة التحكيم في المنازعات البحرية .