حكم محكمة التمييز الكويتية حول جريمة السب والقذف

بسم الله الرحمن الرحيم
باسم صاحب السمو أمير الكويت
الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح

محكمة التمييز
الدائرة الجزائية الثانية
بالجلسة المنعقدة علنا بالمحكمة بتاريخ 1 من ربيع الأخر 1434هـ الموافق11/2/2013م
برئاسة السيد المستشار / عبد الله جاسم العبدالله وكيل المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / وممدوح سيف و سيد الدليل و لاشين إبراهيم و خالد مقلد
وحضور الأستاذ/ عبد الهادي محمود رئيس النيابة
وحضور السيد / جاسم العنزي أمين سر الجلسة
صدر الحكم الآتي
في الطعن بالتمييز المرفوع من:
1 ….
2 …..
“ضــــــد”
النيابة العامة .
والمقيد بالجدول برقم : 145 /2011 جزائي/2.

“الوقائع”

اتهمت النيابة العامة الطاعنين:
1 …..
2 …….
لأنهما في يوم 6/12/2009 بدائرة دولة الكويت:
الطاعن الاول:
بصفته كاتب صحفي بجريدة ……. نشر في العدد رقم 12183/6629 الصادر بتاريخ 6/12/2009 خبراً صحفياً تحت عنوان “يهذري المهذري” نسب فيه للشاكي ……. أفعالاً غير صحيحة وضمته عبارات من شأنها التجريح والإساءة والمساس بسمعة وكرامة الشاكي حال كونه مكلف بخدمة عامة وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.
الطاعن الثاني:
بصفته رئيس تحرير جريدة ……. أجاز نشر الخبر موضوع التهمة الأولى دون تحري الدقة والحقيقة في شأن ما نشر فيه على النحو المبين بالتحقيقات.
وطلبت عقابهما بالمواد 2/3 ، 4 ، 8 و 17/1 و 21/7 ، 8 و 23 و 24/1 و 27/1 بند 3 ، فقرة 2 من القانون رقم 3 لسنة 2006 في شأن المطبوعات والنشر.
ومحكمة الجنايات حكمت حضورياً بتاريخ 3/11/2010:
أولاً: بتغريم كل من المتهمين ثلاثة آلاف دينار عما أسند إليهما من اتهام.
ثانياً: إحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة وأبقت الفصل في مصروفاتها.
استأنف الطاعنان ومحكمة الاستئناف قضت بتاريخ 21/2/2011:
بقبول استئناف كل من الطاعنين شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف.
فطعن الطاعنان في هذا الحكم بطريق التمييز.

“المحكمة”

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.

حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون:

وحيث إن الطاعنين ينعيان على الحكم المطعون فيه أنه إذ دان الأول بصفته كاتب صحفي بجريمة نشر خبر صحفي يتضمن مساساً بكرامة المجني عليه حال كونه مكلف بخدمة عامة، كما دان الثاني بصفته رئيس تحرير جريدة ….. بإجازة نشر الخبر موضوع التهمة الأولى دون تحري الدقة والحقيقة في شأن ما نشر فيه، قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، ذلك بأنه لم يورد الأسباب التي عول عليها في إدانته فلم يأخذ بأسباب الحكم الابتدائي، ولم ينشئ لنفسه أسبابا جديدة تحمل قضاءه، وأن ما تضمنه المقال موضوع النشر يعد من قبيل النقد المباح لشخصية عامة مكلفة بخدمة عامة، في حدود حرية الرأي والتعبير اللذين كفلهما الدستور والقانون وأن المقال لم يتضمن ما يسيء إلى المجني عليه أو المساس بسمعته أو كرامته، وأنه جاء رداً على المجني عليه الذي شن هجوماً أثناء ندوة له على كاتب المقال وزملائه بالجريدة ووصفهم بالأذناب وأن الهدف من المقال هو الصالح العام، مما تنتفي معه أركان الجريمة المسندة إلى كل من الطاعنين، كل ذلك يعيب الحكم ويستوجب تمييزه.

وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله: “أن واقعة الدعوى تتحصل فيما أبلغ به وقرره بالتحقيقات المحامي جابر خالد الضبيعي من أن المتهم الأول بوصفه كاتب صحفي بجريدة …… نشر بالعدد رقم 12183/6629 السنة 48 بتاريخ 6/12/2009 مقالاً صحفياً تحت عنوان “يهذري المهذري” ضمنه ألفاظاً وعبارات ماسة بسمعه وكرامة موكله الشاكي …… عضو مجلس الأمة ونسب إليه أفعالاً غير صحيحة بصفته مكلف بخدمة عامة حيث ورد بالمقال العبارات التالية: “… هاجمنا وهاجم زملاء لنا في ندوة نبيها علنية … نحن يشرفنا أن نكون عوذاً من خدمة هؤلاء الشرفاء الذين قضوا … حتى وإن كان مضجعه خراباً أصلاً ونقول للمسلم أننا نقول عنك أنك بعزة معلقة بمؤخرة قطيع من العقارب ولن نقول أنك مصاب بعقد نفسية نتيجة أسباب فسيولوجية جعلت التأزم تعويضاً للنقص، ولن نقول أنك من أصحاب فكر الأعراب الذين لا يحق لهم أن يقولوا آمنا، فأقصى ما يحق لهم أن يقولوا أسلمنا ولن نقول أن شهادتك العلمية مضروبة رغم الأقاويل ولن نقول أن زيارتك المتكررة للمدينة المنورة رياء لا يدل على إيمان لأن قلة إيمانك والدليل على أنك مجرد مسلم وليس مؤمناً وفرته أنت لنا عندما عاندت كلام الله سبحانه وتعالى حيث يأمر “ولا تنابذوا بالألقاب” الأمر الثاني خوفنا عليك من دورة الأيام فمثلما كنت تسب وتلعن جريدة ….. في ندواتك، واليوم تأتيها مطأطئ الرأس لتظهر على شاشتها وتشوه صفحتها الأولى فسوف يأتي اليوم الذي نراك فيه تلعن الجرائد الخضراء وإعلامها الفاسد وتلحس أقلامنا وتفرش لحيتك سجادة لنا ولا تستغرب من هذا يا ….. فمن يقرأ سيرتك الذائبة يستطيع أن يتنبأ بانقلاب مبادئك حسب الظروف الاقتصادية أو غيرها أما قولك أن هؤلاء مجتمعون بركبهم وبنزلهم صاحب الدرهم والدينار وصاحب الهدايا والسيارات فهو قول الجبان الذي لا يواجه وقول المصاب بانفصام الشخصية فهذا أنت تقف في ندوة عنوانها “نبيها علنية” وتجبن فلا تجرؤ على إعلان من تعني بصاحب الدرهم والدينار والهدايا وتخالف دعواتك للعلنية والشفافية فهل “تنعتك الآن بالجبان”.

وساق الحكم على ثبوت الواقعة على هذه الصورة في حق الطاعنين دليلين استاقهما من أقوال وكيل المجني عليه ومما ثبت من الاطلاع على المقال المنشور موضوع الاتهام وهما دليلان سائغان من شأنهما أن يؤديا إلى ما رتبه الحكم عليهما.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الاستئناف إن هي رأت كفاية الأسباب التي بني عليها الحكم المستأنف أن تتخذها أسبابا لحكمها ويكفي أن تحيل إليها إذ الإحالة إلى الأسباب تقوم مقام إيرادها وتدل على أن المحكمة قد اعتبرتها كأنها صادرة منها، وكان الحكم المطعون فيه قد أحال إلى أسباب الحكم الابتدائي وأشار إلى اعتناق أسبابه – على خلاف ما يزعم الطاعنان – والذي ينن الواقعة والأدلة التي تساند إليها في إدانتهما ومضمونها ووجه استدلاله بها على ذلك، فإن تعي الطاعنين في هذا الصدد يكون في غير محله.

لما كان ذلك، وكان الدستور الكويتي بعد أن كفل الحرية الشخصية في المادة 30 منه حرص على النص على حرية الرأي والتعبير في المادة 37 وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي بينها القانون، وهو ما أكده المشرع في المادة الأولى من القانون رقم 3 لسنة 2006 في شان المطبوعات والنشر فيما نصت عليه من حرية الصحافة والطباعة والنشر، كما بين القانون الأخير في الفصل الثالث منه المسائل المحظور نشرها استثناء الأصل الدستوري ذاك وهو حرية الفكر وإبداء الرأي في ذلك حق النقد – وذلك حرصاً من المشرع على صيانة وحماية القيم الدينية والمقدسات ودستور الدولة والآداب العامة والنظام العام وغير ذلك مما تضمنته المواد 19 ، 20 ، 21 من القانون المذكور، كما حرص فيما أورده في الفقرة السابعة من المادة (21) المشار إليها على حماية كرامة الأشخاص وحياتهم ومعتقداتهم الدينية وأوضاعهم المالية وأسرارهم … كجزء من حرياتهم الشخصية، وذلك دون مصادرة الحق في إبداء الرأي والتعبير ما دام لا يمس هذه الحقوق وتلك الحريات، وكان تقدير ما إذا كان النشر ينطوي على شيء مما حظره النص آنف البيان هو بما يطمئن إليه قاضي الموضوع من تحصيله لفهم الواقع في الدعوى وتقديره لمرامي العبارات وتبينه لمناحيها، فله وحده أن يتعرف على حقيقة الألفاظ التي تمس الكرامة أو الحياة الشخصية أو المعتقدات الدينية أو تتضمن إفشاء لأسرارهم مما يضر بسمعتهم حسبما يحصله من فهم الواقع في الدعوى، ولا رقابة عليه في ذلك من محكمة التمييز طالما لم يخطئ التطبيق القانوني على الواقعة.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أن القصد الجنائي في جريمة المساس بكرامة الأشخاص المؤثمة بنص الفقرة السابعة من المادة (21) من القانون رقم 3 لسنة 2006 سالف الذكر، يتوافر إذا كانت المادة المنشورة في الصحف أو غيرها من وسائل التعبير المنصوص عليها قانوناً، تتضمن ما يخدش الشرف ويمس السمعة أو الاعتبار أو المركز الاجتماعي، فيكون علم الناشر عندئذ متحققاً ولا يتطلب القانون في تلك الجريمة قصداً خاصاً، بل يكتفي بتوافر القصد العام، واستظهار توافر هذا القصد أو انتفاؤه من وقائع الدعوى وظروفها من اختصاص محكمة الموضوع بغير معقب ما دام موجب هذه الوقائع والظروف لا يتنافر مع ما استخلصته المحكمة ومتى تحقق هذا القصد فلا يكون هناك محل للتحدث عن النقد المباح الذي هو مجرد إبداء الرأي في أمر أو عمل دون أن يكون فيه مساس بشخص صاحب الأمر أو العمل بغية التشهير به أو الحط من كرامته، فإذا تجاوز هذا الحد وجب العقاب عليه باعتباره مكونا لجريمة المساس بالكرامة.

لما كان ذلك، وكانت المحكمة قد خلصت – في نطاق – سلطتها التقديرية – في فهم الواقع في الدعوى، في منطق سائغ وتدليل مقبول يتفق وصحيح القانون على النحو السالف بيانه – إلى أن العبارات التي تضمنها المقال مثار الاتهام الذي نشره الطاعن الأول وأجازه الطاعن الثاني بصفته رئيساً لتحرير الجريدة قد انصرفت إلى شخص المجني عليه صراحة – خلافاً لما يزعمه الطاعن بأسباب طعنه – وأن من شانها المساس بكرامته والحط من قدره وأنها تخرج عن حدود النقد المباح، وهو ما يتوافر به في حق كل من الطاعنين الجريمة المسندة إليه بركنيها المادي والمعنوي، كما هي معرفة به في القانون، فإن ما يثيره الطاعنان بشأن عدم توافر ركني الجريمة المسندة إلى كل منهما وبأن ما تضمنه المقال بعد من قبيل النقد المباح وأن المقصود منه الصالح العام لأن المجني عليه مكلف بخدمة عامة، لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الأدلة، وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها مما لا شأن به لمحكمة التمييز.

لما كان ما تقدم فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

“فلهذه الأسباب”

حكمت المحكمة:

بقبول الطعن شكلاً؛ وفي الموضوع: برفضه، ومصادرة الكفالة.

وكيل المحكمة

أمين سر الجلسة

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *