بحث و دراسة كبيرة عن جريمة الغدر في القانون

 

دراسة مقارنة و معمقة عن جريمة الغدر في القانون

جريمة الغدر

دراسة مقارنة

جريمة الغدر

خطة البحث :
مقدمة : تتضمن ماهية جريمة الغدر
التمييز بين الغدر والرشوة
التمييز بين الغدر والاحتيال
الفرع الأول : صفة الفاعل ومحل الجريمة
الفرع الثاني : القصد الجرمي ورد الفعل الاجتماعي
خاتمة

مقدمة

بات اليوم الفساد هو المعول الهدام والمرض الأخطر الذي يهدد كيانات الدول ويهدد كياناتها ويمس بالقيم الاجتماعية السامية التي تسود مجتمعاتها , ولعل منن أبرز صور الفساد والتي تثقل كاهل الحكومات والمواطنين بأن معاً تلك الجرائم والانتهاكات التي تمس مبشرة بالمصلحة العامة وخاصة تلك التي ترتكب من قبل الموظفين والذين يمثلون جسم الدولة ولسان حالها فيما يتعلق بتأدية الخدمات العامة , هذه الجرائم التي تأخذ صوراً متعددة منها على سبيل المثال الرشوة والجرائم الملحقة بها واختلاس المال العام والتزوير والغدر .

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على جريمة الغدر وتحليل النص الذي جاء به قانون العقوبات السوري وتقييمه من خلال مقارنته بنظيره في قانون العقوبات المصري , خصوصاً في ظل غياب وجود تطبيقات قضائية لهذا النص من أحكام واجتهادات تبين ماهية هذه الجريمة وتميزها عن غيرها .
وستتناول هذه الدراسة المقارنة جريمة الغدر ( التعسف في الجباية ) في كل من التشريعين السوري والمصري كإحدى الجرائم الماسة بنزاهة الوظيفة العامة والتي تمارس في معرض قيام الموظف العام بواجباته , وعليه فإننا سنبحث ماهية هذه الجريمة في فرع أول , ثم ننتقل إلى بحث أركان هذه الجريمة في فرع ثان ومن ثم عقوبتها في فرع ثالث على التوالي:

بحث قانوني ودراسة تفصيلية عن جريمة الغدر

ماهية جريمة الغدر

لم يرد لجريمة أخذ غير المستحق تعريف في كل من التشريعين السوري والمصري,وإنما اكتفى المشرع في كل من البلدين بذكر النص القانوني الذي يحكمها , حيث نصت المادة 351 من قانون العقوبات السوري على أن ” كل موظف أكره شخصاً من الأشخاص أو حمله على أداء أو الوعد بأداء ما يعرف أنه غير واجب عليه أو يزيد عما يجب عليه من الضرائب والرسوم وما سوى ذلك من العوائد يعاقب بالحبس سنة على الأقل وبغرامة أدناها ضعفا قيمة ما يجب رده.
كما نصت المادة 114 من قانون العقوبات المصري على أن ” كل موظف عام له شأن في تحصيل الضرائب أو الرسوم أو العوائد او الغرامات أو نحوها, طلب أو أخذ ما ليس مستحقاً أو ما يزيد على المستحق مع علمه بذلك يعاقب بالإشغال الشاقة المؤقتة أو السجن “.

“وقد جرى الفقه الجنائي المصري على تسمية هذه الجريمة بالغدر , وهي تسمية مأخوذة من قانون العقوبات الفرنسي وهي مرادفة للمصطلح الفرنسي ( la concussion ) ويطلق عليها البعض اسم ( التعسف في الجباية) أو ( فرض المغارم )”[1].
ويبدو أن عبارة ( جريمة التعسف في الجباية ) أفضل من مصطلح ( الغدر ) كونها الأقرب في الدلالة على ماهية هذه الجريمة,ذلك أن هذه الأخير لا يوحي بشكل جلي عن ماهية الجريمة ,فهو من ناحية ليس من الجنس اللغوي المكون لركنها المادي كما جرت العادة في تسميات الجرائم ,ومن ناحية أخرى فالغدر نعت من لسلوك الموظف في طلب أو أخذ ما ليس مستحقاً من الضرائب والرسوم لكنه ليس السلوك ذاته ولا أحد مكوناته .

التمييز بين جريمة الغدر وجريمة الرشوة :

تتلاقى الجريمتين في وحدة المصلحة القانونية المعتدى عليها ألا وهي نزاهة الوظيفة العامة , إلا أنه يجب ألا يقع خلط بينهما , إذ أنه يمكن التمييز بينهما من عدة وجوه..
فمن حيث نطاق الركن المادي نجده يقتصر في جريمة الغدر على صورتي الأخذ والطلب كما سيأتي بيانه لاحقاً بينما يتسع في جريمة الرشوة ليشمل فضلا عن هاتين الصورتين صورة القبول.
ومن حيث المقابل نجد الرشوة تستهدف دائماً تلقى مقابل للجعل يتمثل في قيام الموظف المرتشي بعمل من أعمال وظيفته أو بالامتناع عن عمل من أعمالها أو بالإخلال بواجب من واجباتها, بينما الغالب ألا يكون لحصول الموظف على ما لا يستحق في جريمة الغدر أي مقابل , فالضرائب أو العوائد أو الغرامات لا تفترض تقديم مقابل من الموظف الذي يحصلها.
على أن أهم ما يميز بين الجريمتين هو سند التحصيل , فإذا طلب الموظف المال أو أخذه من الفرد زاعماً وجود سند تشريعي يلزمه بذلك كانت الجريمة غدراً , أما إذا استند في طلبه أو أخذه المال إلى أنه عطية أو هدية لقاء تحقيق غرض الرشوة دون أن يكون هناك إلزام بها فالجريمة رشوة , وتطبيقا لذلك فإنه إذا طلب الموظف المختص من شخص يريد أن يستخرج بطاقة تموينية , مبلغاً من المال , فتكييف الجريمة يتوقف على سند هذا المبلغ , فإذا زعم الموظف أنه رسم لإخراج البطاقة فالجريمة غدر , أما إذا كان المبلغ مجرد عطية لقيام الموظف بالعمل المطلوب فالجريمة رشوة .

التمييز بين جريمة الغدر وجريمة الاحتيال:

تتفق جريمة الغدر مع الاحتيال في كونهما استيلاء على مال الغير دون وجه حق , كما تتفق معها في أحدى صور الركن المادي للجريمة وهي إذا قام الموظف بحمل الممول على على دفع غير المستحق أو ما يزيد على المستحق بوسائل احتيالية ولكنهما تختلفان من عدة نواح هي :
1. الجاني في جريمة الغدر هو موظف عام له شأن في تحصيل العوائد المالية المستحقة للدولة , وبالتالي إذا انتفى هذا الشرط المفترض انتفت جريمة الغدر , أما جريمة الاحتيال فإنها لا تتطلب هذا الشرط في الجاني .
2. الركن المادي في جريمة الغدر أوسع من نظيره في جريمة الاحتيال , لأن الجريمة تقوم بإكراه المجني عليه على الدفع أو من خلال حمله على الدفع سواء بالطلب أو باستخدام وسائل احتيالية أو بالأخذ , في حين أن الاحتيال لا يتم إلا باستخدام وسائل احتيالية مترافقة مع الكذب تخلق الوهم في نفس المجني عليه وتدفعه لتسليم المال .
3. لإرادة المجني عليه دوراً أساسياً في جريمة الاحتيال , إذ عن طريق الخداع يوجه المحتال إرادة المجني عليه إلى تسليم المال , في حين أنه لا عبرة لإرادة المجني عليه او رضائه في جريمة الغدر فهي تقع ولو كان المجني عليه عالما بأن ما يطلبه أو يأخذه الموظف غير مستحق أو يزيد عن المستحق .
4. من حيث المال محل الجريمة : فهو في جريمة الغدر ما لا يستحق أو ما يزيد عن المستحق من الأعباء المالية العامة والتي تأخذ شكل النقود غالباً, أما محل جريمة الاحتيال فقد يكون فقد يكون منقولاً أو عقاراً أو سندات .
وبعد أن بينا ماهية جريمة الغدر وميزناها عن كل من جريمتي الرشوة والاحتيال , ننتقل في الفرع الثاني لدراسة كل من صفة الجاني ومحل الجريمة.

الفرع الأول: صفة الجاني ومحل الجريمة

يتطلب قيام جريمة الغدر توافر صفة معينة في الجاني لا تقوم الجريمة بدونها وهي صفة الموظف العام بالإضافة للركن المادي المتمثل في السلوك المادي لجريمة الغدر والذي يرد على ما هو غير واجب من الأعباء المالية العامة آو ما يزيد عما هو واجب منها .
وعليه فسيتركز البحث في هذا الفرع على صفة الجاني في جريمة الغدر ومن ثم محلها.

أولاً : صفة الجاني:

يشترط لقيام جريمة الغدر أن تتوفر في الجاني صفة الموظف العام وذلك بصريح نص المادة 351 من قانون العقوبات السوري بقولها ” كل موظف أكره شخصاً…..”.
وكذلك المادة 114 من قانون العقوبات المصري بقولها “” كل موظف عام له شأن في تحصيل الضرائب” .
كما يلزم فوق ذلك أن يكون للموظف شأن في تحصيل الضرائب أو الرسوم أو الغرامات أو العوائد ونحوها , ومتى كان للموظف شأن في ذلك فلا عبرة بعد ذلك لكون هذا الشأن كبيراً أو صغيراً كما لا يشترط أن تكون وظيفة الجاني هي التحصيل بنفسه , بل يكفي أن يكون له الإشراف أو المساهمة في ذلك [2]

وبالمقارنة بين النصين نجد أن المشرع المصري كان أوضح من مشرعنا في الدلالة على هذا الشرط بقوله ” كل موظف عام له شأن في تحصيل الضرائب أو الرسوم أو العوائد او الغرامات أو نحوها”, في حين أن مشرعا لم يشر صراحة إلى ضرورة توافر هذا الشرط , وإن كان هذا الشرط مستفاد ضمناً من طبيعة الجريمة .

ويترتب على هذا الشرط ضرورة توفر صلة بين اختصاصات الموظف وبين عملية التحصيل ويكفي للقول بتوفر هذه الصلة ان يكون التحصيل مسنداً إلى الموظف أو مسموحاً له به بمقتضى القانون أو اللائحة أو بمقتضى القرار الإداري أو من مجرد التكليف الشفهي وتنظيم العمل في المكتب أو المصلحة .

ويترتب على اشتراط هذه الصلة أنه إذا كان المتهم فرداً عادياً أو موظفاً لا شأن له بتحصيل الأعباء العامة وادعى رغم ذلك أن له هذا الشأن فهو لا يرتكب جريمة غدر وإنما يرتكب جريمة احتيال أو شروع في احتيال حسب الأحوال , كما لا بعد مرتكباً لهذه الجريمة أرباب المهن الحرة الذين يطالبون بأتعاب تزيد على ما هو مستحق لهم ولو تجاوزوا بذلك التعريفة التي يقررها القانون أو اللائحة [3]
ويثور التساؤل عن مدى انطباق هذا النص على الموظفين الحكميين , فهل يعاملون معاملة الموظف فيما يتعلق بهذه الجريمة أم لا ؟

المشرع المصري نص في المادة 111 من قانون العقوبات على الأشخاص الذين يعاملون معاملة الموظفين العموميين فيما يتعلق بالخضوع لأحكام الجرائم الواقعة على المصلحة العامة .
وبالتالي يخضع هؤلاء بلا شك لأحاكم جريمة الغدر و يطالهم التجريم عند اقترافهم الفعل .
أما المشرع السوري فقد أخضع الموظفين الحكميين لأحكام جريمة الرشوة في المادة 341 ق ع س , في حين أقتصر في المادة 351 على ذكر الموظف .

وقد يقول قائل بأن المشرع السوري لم يشمل الموظفين الحكميين بأحكام المادة 351 ق ع س , وأنه لو أراد ذلك لذكرهم صراحة في نص المادة 351 على غرار م افعل في المادة 341 المتعلقة بجريمة الرشوة وهو تحليل فيه وجهة نظر , وبالتالي كان على المشرع أن يزيل هذا اللبس فيما يتعلق بالموظف الحكمي ويورد ذكره صراحة في نص المادة 351 لكي لا يبقى هذا الأخير خارج نطاق التجريم , وبالتالي يفلت من العقاب .

بعد أن انتهينا من دراسة الركن المفترض لجريمة الغدر ننتقل إلى دراسة ركنها المادي وصوره .

ثانياً :محل الجريمة :

يتمثل محل جريمة الغدر إفي السلوك المادي الذي يأخذ صورتي الطلب او الأخذ والمنصب على ما هو غير واجب من الأعباء المالية غير المستحقة , أو ما يزيد عما هو مستحق منها .
وعليه فإننا سنبحث على التوالي كل من صور السلوك المادي المكون لجريمة الغدر , ومن ثم طبيعة المال الذي يرد عليه هذا السلوك .

صور السلوك المادي لجريمة الغدر : يقوم الفعل المكون للركن المادي لجريمة الغدر إكراه الموظف للممول أو حمله على أداء ما هو غير مستحق أو ما يزيد عن المستحق من الأعباء العامة , وذلك واضح من نص المادة 351 ق ع س عندما قالت ” كل موظف اكره شخصاً أو حمله….. ” حيث عاقب المشرع الموظف على مجرد حمله للمكلف على الأداء ,
والحمل إما أن يتم بالطلب أو باستخدام وسائل احتيالية لغرس القناعة لدى الممول بأنه ملزم بالمبلغ غير المستحق أو الذي يزيد على المستحق الذي يريد الموظف تحصيله منه.

وكذلك فإن المشرع المصري عاقب على مجرد الطلب واعتبر الجريمة تقع تامة بمجرد صدوره عن الموظف وذلك بحسب المادة 114 ق ع م عندما قالت “كل موظف عام له شأن في تحصيل الضرائب أو الرسوم …..طلب ….”.
وحسناً فعل المشرع السوري عندما ذكر الحمل على الاداء كصورة من صور السلوك المادي لجريمة الغدر ولم يقتصر كما فعل المشرع المصري على الطلب , فالحمل على الاداء أوسع من الطلب ويشمله.

وإذا كان السلوك المادي المكون للجريمة يتم بمجرد الطلب فمن باب أولى أن تقع الجريمة عندما يأخذ الموظف المكلف بالجباية ما هو غير مستحق أو ما يزيد عن المستحق , وذلك كما لو زعم الموظف بأنه يترتب على المواطن المراجع رسم لخزينة الدولة لا وجود له حقيقةً أو كما لو كان مبلغ الضريبة المستحق على الشخص 1700 ل س فأخذ الموظف 2000 ل س..
وقد غطت المادة 114 ق ع م هذه الصورة من صور الركن المادي لجريمة الغدر عندما جاء فيها ” كل موظف عام له شأن في تحصيل الضرائب ……طلب أو أخذ ….”.

في حين أن مشرعنا السوري أغفل هذه الصورة تماماً في نص المادة 351 من قانون العقوبات السوري الأمر الذي خلق قصورا كبيراً في نص هذه المادة لجهة استيعاب جريمة الغدر التي تأخذ صورة الأخذ , علماً أن هذه الصورة هي الغالبة الوقوع من قبل الموظفين على الصور الأخرى .فالمادة 351 عالجت السلوك المادي السابق على دفع المكلف للمبلغ عندما نصت على أن ” كل موظف أكره شخصاً أو حمله على أداء ……” ولم تعالج حالة أخذ الموظف لمبلغ غير مستحق أو أخذ ما هو زائد عن المستحق من الأعباء العامة , فالجريمة تقع بالطلب دون الأخذ وفقاً للمادة 351 ولكن ماذا عن الأخذ دون الطلب ؟؟؟؟.
وتجدر الإشارة إلى أنه متى تحقق فعل الطلب وفقاً للتشريعين السوري والمصري والأخذ وفقاً للتشريع المصري منفرداً فلا أهمية بعد ذلك إذ1 ما كان لحساب الموظف الطالب أو الأخذ أو لغيره بل إن الجريمة تكون محققة حتى ولو كان المبلغ المطلوب أو المأخوذ قد أثبت كله في الأوراق الرسمية ليتم توريده لخزانة الدولة [4].

ولابد من الإشارة أخيراً إلى أن المشرعين السوري والمصري قد اتفقا على استبعاد القبول كصورة لوقوع جريمة الغدر ,فإذا أخطا الممول في تحديد المبلغ المستحق عليه فظنه أكثر من حقيقته ووعد الموظف أن يدفعه في المستقبل ,فقبل الموظف منه هذا الوعد فهو لا يرتكب هذه الجريمة .

ب- طبيعة المال الذي ترد عليه جريمة الغدر:

يُشترط لقيام جريمة الغدر قانوناً أن ينصب سلوك طلب أو أخذ غير المستحق على الضرائب أو الرسوم أو الغرامات أو ما سوى ذلك من التكاليف المالية العامة .
ويتفق المشع السوري مع المصري في أن كلاهما أوردا ذكر هذه التكاليف العامة على سبيل المثال لا الحصر حيث جاء في المادة 351 ق ع س ” من الضرائب والرسوم وما سوى ذلك من العوائد” كما جاء في المادة 114 من قانون العقوبات المصري ما يلي “” كل موظف عام له شأن في تحصيل الضرائب أو الرسوم أو العوائد او الغرامات أو نحوها,
ومعيار الأموال التي ينصب عليها سلوك الغدر هو التكليف العام من الدولة الذي يرد على الأفراد بفرض التزامات مالية معينة اتجاهها ويمكنها اقتضاؤها قهراً بوصفها سلطة عامة , فموضوع الجريمة إذا يرد على ما ليس مستحقاً من أعباء مالية عامة .
وبناء على ذلك لا يعد في حكم هذه الأموال المبلغ المستحق للحكومة كأجرة لعقار من أملاكها الخاصة أجرته إلى أحد الأفراد وكذلك الأقساط المستحقة على المزارعين لمصرف التسليف , فلا تعتبر عبئاً مالياً عاماً وبالتالي فالمطالبة بمبلغ يزيد عليها لا تقع به جريمة الغدر , وكذلك لا يُعد مرتكباً لهذه الجريمة المحضر الذي يحصل لحساب المحكوم له من ثمن بيع منقولات المحكوم عليه على مبلغ يزيد عما قضي له به .
بعد أن انتهينا من دراسة صفة الجاني في جريمة الغدر ومحلها ننتقل في الفرع الثاني إلى دراسة القصد الجرمي لهذه الجريمة باعتبارها من الجرائم القصدية والتي يشترط لقيامها وجود هذا الركن ,ومن ثم رد الفعل الاجتماعي عليها .

الفرع الثاني: القصد الجرمي ورد الفعل الاجتماعي

أولاُ : القصد الجرمي:

جريمة الغدر جريمة قصدية لابد لقيامها قانوناً من توافر القصد الجرمي , ويكفي هنا توفر القصد العام , وهو اتجاه إرادة الفاعل إلى طلب أو اخذ العبء المالي مع علمه بأن المطلوب أو المأخوذ ليس مستحقاً أصلاً للدولة , أو لا تتوافر فيه بعد شروط استحقاقه أو يزيد على مقدار ما هو مستحق .
ويترتب على ذلك انتفاء القصد الجرمي لدى الفاعل وبالتالي انتفاء الجريمة , إذا كان يجهل بأن المبلغ الذي طلبه أو أخذه ليس مستحقاً أصلاً , أو يزيد على ما هو مستحق , أو وقع في غلط بشأن مقدار المبلغ .
ولا أهمية بعد ذلك لما إذا كان جهل الموظف أو غلطه على هذا النحو مرده إلى عدم إلمامه بقواعد القانون المالي أو الإداري المنظمة لمثل هذه الأمور , إذ القاعدة بأن الجهل بأحكام قانون غير جزائي يأخذ حكم الجهل بالوقائع , وينفي بالتالي وجود القصد الجرمي .

وتطبيقاً لذلك إذا خلط الموظف بين شخصين فطالب احدهما بالمبلغ الواجب على الاخر , أو أساء تحديد وعاء الضريبة أو وقع في خطاً حسابي أو أخطاً في فهم أو تطبيق القاعدة التي تحدد نسبة الضريبة أو حالات الإعفاء منها أو المبالغ التي يحق للممول خصمها من الوعاء الضريبي , ففي كل هذه الحالات ينتفي القصد الجرمي .
ويترتب على ذلك انتفاء القصد الجرمي وبالتالي انتفاء الجريمة إذا كان الموظف يجهل بأن المبلغ الذي طلبه أو أخذه ليس مستحقاً أصلا أو يزيد على ما هو مستحق , أو وقع في غلط بشأن مقدار المبلغ , ولا أهمية بعد ذلك لما إذا كان جهل الموظف أو غلطه على هذا النحو مرده إلى عدم إلمامه بقواعد القانون المالي أو الإداري الناظمة لمثل هذه الأمور , إذ القاعدة أن الجهل بأحكام قانون غير جزائي يأخذ حكم الجهل بالوقائع وينفي بالتالي وجود القصد الجرمي .[5]
ولا عبرة في توافر القصد الجرمي بالباعث الذي حدا بالموظف إلى إكراه أو حمل الممول على دفع غير المستحق من الأعباء المالية العامة, ( إذ القاعدة أن الباعث بمعنى المحرك النفسي لسلوك الفاعل ) لا يدخل في تشكيل القصد الجنائي , وبالتالي تقوم الجريمة في حق الموظف ولو كان الباعث عليها زيادة إيرادات الدولة .

ثانياً : رد الفعل الاجتماعي :

نصت المادة 114 من قانون العقوبات المصري على أن ” كل موظف عام له شأن في تحصيل الضرائب أو …………يعاقب بالإشغال الشاقة المؤقتة أو السجن “.
في حين نصت المادة 351 من قانون العقوبات السوري على أن ” كل موظف أكره شخصاً أو حمله على أداء …….. يعاقب بالحبس سنة على الأقل وبغرامة أدناها ضعفا قيمة ما يجب رده ) .
فالمشرع المصري يعاقب على جريمة الغدر بالأشغال الشاقة أو بالسجن , وبغرامة نسبية تساوي ما حصله الجاني أو طلبه من مال غير مستحق أو يزيد على المستحق على ألا تقل عن خمسمائة جنيه, فضلاً عن العزل والرد في حالة الأخذ.( م 18 ق ع م )
أما المشرع السوري فيعاقب الجاني بالحبس سنة على الأقل بالإضافة إلى غرامة تساوي ضعفي قيمة ما يجب رده , بالإضافة إلى ما يترتب على الموظف من عقوبات مسلكية.

وبالمقارنة بين النصين المصري والسوري نجد أن المشرع المصري تشدد في العقوبة الماسة بالحرية فجعلها عقوبة جنائية ( الأشغال الشاقة أو السجن ) , وذلك خلافاً لمشرعنا الذي جعل العقوبة جنحية الوصف بحيث لا تقل عن الحبس لمدة سنة .
أما بالنسبة للعقوبة المالية , فقد قرر المشرع المصري عقوبة الغرامة النسبية التي تساوي ما حصله الجاني أو أخذه على الا تقل عن 500 جنيه , في حين فرض المشرع السوري غرامة نسبية تساوي ضعفا قيمة ما يجب رده .
وكان حرياً بمشرعنا أن يشدد من العقوبة الماسة بالحرية لهذه الجريمة فيجعلها جنائية على غرار ما فعله المشرع المصري , وذلك لتكون أكثر ردعا وأبلغ أثراً في الحد من ارتكاب هذه الجريمة .

أما بالنسبة للعقوبة المالية فقد فعل المشرع السوري حسناً عندما جعلها غرامة نسبية تساوي ضعفي قيمة ما يجب رده , إلا أنه كان من الأفضل لو قرر حداً أدنى للغرامة على غرار ما فعل المشرع المصري .

الخاتمة:

إن جريمة الغدر كما هو واضح من هذه الدراسة جريمة خطيرة لما فيها مساس بنزاهة الوظيفة العامة, وما يترتب على هذا المساس من تهديد للدولة وكياناتها ومؤسساتها.

وعلى ضوء هذه الدراسة يمكننا وضع الملاحظات التالية :

  • أولا:إن مشرعنا جرم في المادة 351 من قانون العقوبات على صورتي الإكراه والحمل على دفع ما هو غير مستحق أو ما يزيد عن المستحق, في حين أنه أغفل الصورة الأهم والأكثر شيوعاً التي من الممكن أن يقع بها الركن المادي لهذه الجريمة وهي الأخذ, فلو ذهب أحد المشتركين ليسدد فاتورة الهاتف المترتبة عليه , وكانت قيمتها 1800ل س , فأعطى للموظف المكلف بالتحصيل مبلغ 2000 ل س ,فهنا إذا أخذ الموظف مبلغ المئتي ليرة الباقية , فلن يكون بالإمكان ملاحقته بجريمة الغدر , لأن مشرعنا ( وكما أسلفنا الذكر ) أغفل تجريم الأخذ كصورة من صور الركن المادي لجريمة الغدر .
  • ثانياً: جرم المشرع الموظف العام الذي يرتكب جريمة الغدر في حين أنه أغفل الموظفين الحكميين واستبعدهم من دائرة التجريم , وكان من الأفضل لو أنه شَمل هؤلاء بأحكام المادة 351 من قانون العقوبات وذلك على غرار ما فعل بتجريمه للموظفين الحكميين في جريمة الرشوة وفقاً للمادة 341 ق ع س .
  • ثالثاً :اعتبر المشرع الغدر جريمة جنحية الوصف وفرض لها عقوبة الحبس سنة على الأقل , وكان من الأجدى لو اعتبرها جريمة جنائية نظراً لم تشكله من تهديد لنزاهة الوظيفة العامة .
  • رابعاً : فرض المشرع ع على مرتكب الجريمة غرامة نسبية تساوي ضعفا قيمة ما يجب رده , ولكنه لم يضع حداً أدنى لهذه الغرامة على عكس المشرع المصري الذي نص على ألا تقل الغرامة عن 500 جنيه , فحبذا لو قرر حداً أدنى لهذه الغرامة بما يرفع من جدواها الردعية.

وأخيراً لابد من القول بأن العقوبة ما هي إلا وسيلة من الوسائل العلاجية لمكافحة الجريمة عموماً وجرائم المصلحة العامة ومنها جريمة الغدر خصوصاً , ولابد أن تترافق هذه الوسيلة بوسائل أخرى وقائية وأكثر نجاعةً في مكافحة هذه الظاهرة , ابتداء من غرس القيم النبيلة والسامية في نفوس الناشئة من خلال المؤسسات التربوية والتعليمية ووسائل الإعلام وانتهاء بتطبيق الأنظمة الرقابية والمحاسبية الفعالة في مجال الوظيفة العامة بما يقلل قدر الإمكان من وقوع هذا النوع من الجرائم , فدرهم وقاية خير من قنطار علاج .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.