بحث في قوة الحكم الشرعي أمام محكمة الجنح

فيما يختص بالشهادة التي أسند إليها
حكمت بعض المحاكم بأن دعوى تزوير الشهادة لا يجوز رفعها من جهة المحكوم عليهم في الخصومة الشرعية، لأن المناقشة في صحة الشهود من جميع نواحيها كانت محل بحث أمام المحكمة الشرعية، وكان الكلام في أنهم كاذبون مزورون محل مناقشة بين الفريقين، وفي حكم المحكمة بالوراثة تصديقًا للشهود.

يقولون وعلى هذا فالمحكمة الأهلية أمام حكم انتهائي صادر من جهة مختصة، يقتضي بصحة وراثة، ويقتضي أن الشهود قرروا حقًا، ولا تستطيع محكمة الجنح أن تقرر أن الشهود قد زوروا الشهادة، وأن الوراثة غير صحيحة، بدون أن تمس بقوة الحكم الشرعي، وهو حكم انتهائي يجب احترامه، فالدعوى غير مقبولة.

الرأي تراه لأول وهلة، كأنه مسند إلى العقل والقانون معًا، وكل معقول لدى النظرة الأولى جذاب سهل القبول، فرأت بعض المحاكم، أن النزاع هناك أي نزاع المحكمة الشرعية هو بذاته النزاع الذي يراد طرحه في دعوى التزوير، وأن ما فصل فيه هناك هو ما يطلب الفصل فيه من جديد، لأن واقعة الدعوى الشرعية، وواقعة الدعوى المرفوعة هي بذاتها واقعة الشهادة.

ولقد كان لتلك السهولة في التدليل من الأثر اعتبار أن الحكم الشرعي مثله مثل كل حكم مدني صادر من قضاء ذي ولاية عامة، يتقيد به القضاء العام جنائي ومدني، على ما تقتضيه قاعدة الشيء المحكوم فيه، وسار البحث من جهة اتحاد الموضوع والسبب، وصفات الخصوم.

توزيع الولاية القضائية
الواقع أن في المسألة بحثًا أعلى مرتبة وأعلق بأصول الولاية القضائية، إذ هو راجع إلى أصول النظام القضائي، وإلى توزيع الولاية القضائية، وتقسيمها إلى قسمين مستقلين، فقضاء له الولاية العامة، التي تشمل جميع الخصومات بأنواعها، ثم قضاء له ولاية استثنائية، لا تعمل إلا في الحدود المعينة لها.

هذا التوزيع الأصلي بين القضاءين يتبعه أن كل حكم يصدر من محكمة تابعة لقضاء ذي ولاية عامة، له قوة الشيء المحكوم فيه أمام كل محكمة أخرى سواء كانت من *** قضائه، أو من نوع آخر، وذلك بالشروط الثلاثة المعروفة.

أما القضاء الاستثنائي، فإنه محدود الولاية، لا قيمة لحكمه، إلا إذا فصل في حدود ولايته المعينة، وفيما تقرر من اختصاصه بنصه الصريح، فإذا تجاوز هذه الحدود المعينة فقد خرج على نظامه، وثار على أصل وجوده، وخلق لنفسه ولاية قضائية لا يستطيع أن يخلقها، وتعدى على ولاية القضاء العامة، فعمله لا قيمة له.

الفرق بين أن لا ولاية وبين عدم الاختصاص
لا نذهب إلى أن قوة الشيء المحكوم فيه موقوفة على اختصاص القاضي الذي صدر منه الحكم بل نعلم أن الحكم باقٍ أثره وإن صدر من المحكمة خطأ على خلاف قواعد الاختصاص، غير أن تطبيق هذه القاعدة، وهي نفاذ القضاء ولو من قاضٍ غير مختص، إنما مقامه أن يكون الحكم صادرًا من قاضٍ يعمل في دائرة ولاية القضاء العامة كما قدمنا، فالتمسك بقوة الشيء المحكوم فيه والبحث في توفر شروطها إنما يكون في حالة عرض نزاع إلى قاضٍ سبقه إلى الفصل فيه قاضٍ آخر كلاهما تابعان إلى نظام واحد، تقرر لكل منهما اختصاصًا عامًا في نوع ما سبق الفصل فيه.

ليس البحث في الولاية القضائية بحثًا في الاختصاص، بل الأمر هنا يرجع إلى الأنظمة القضائية وإلى أصل تأسيسها، فبينما أننا في مجال الاختصاص العادي نرى أنه لا جناح على القاضي إذا أخطأ، فحكم في نزاع لم يكن في الواقع مختصًا به، فإن القوانين قد اعتبرت من الجنايات التي فرضت عليها عقوبات معينة خروج القاضي عن حدود ولايته، فنرى القانون الفرنسوي، بعد أن قسم الولاية القضائية بين المحاكم الإدارية، والمحاكم القضائية، وضع في المواد (127) وما بعدها عقوبات على من يتجاوز حدوده من رجال السلطتين، ولا يحتاج أحد للتدليل على أن الحكم الذي يصدر في هذه الحالة والذي ينص القانون على أنه هو بذاته مظهر لجناية لا بد لها من عقوبة يصح أن يكون حكمًا محترمًا، له قوة الشيء المحكوم فيه.

كذلك عندنا قد قسمت الولاية القضائية في لائحة ترتيب المحاكم وهى الدستور القضائي إلى نوعين، فولاية عامة للمحاكم الأهلية، وولاية خاصة للمحاكم الشرعية، وقد أعطيت أيضًا عدة ولايات خاصة استثنائية، لسلطات أخرى كالبطريكخانات، والمجالس المحلية، والمجالس الحسبية ولجان الري، وكل هذه سلطات قضائية خاصة، لا تعمل إلا في حدود ولايتها فإذا خرجت عن تلك الحدود، فلا يحترم عملها ولا يمكن اعتباره قضاء يصح أن يبحث في هل توفرت فيه شروط قوة الشيء المحكوم فيه أو لم تتوفر:

كذلك وضع قانون العقوبات المصري، وإن كان تشريعه ناقصًا مبهمًا في المواد (107) و(108) و(136)، عقوبات لمن يتجاوز حدود ولايته، أو يعبث في أصل النظام بين الولايات القضائية المختلفة، وهذا يجعل البحث في قوة الشيء المحكوم فيه، من إحدى الجهتين أمام الأخرى بحثًا عقيمًا لا أصل له بل لا يحتمل أن يكون.

أمام هذين القضائيين، لا يوجد سوى بحث واحد، ووجهة نظر واحدة، هي هل النزاع الذي يعرض الآن على القضاء داخل ضمن حدود ولايته، أو غير داخل، فإن كان داخلاً في حدود ولايته القضائية النوعية، وجب على القاضي أن يفصل فيه، لأنه لا ولاية لغيره عليه، فلا محل للبحث في هل نظر غيره في هذا النزاع المعروض أو لم ينظر، لأنه مع التسليم بأنه نظر وفصل، فإنما عمله اعتداء على النظام لا يرتبط به القضاء صاحب الولاية الأصلية، ولا يؤثر لا على ولايته ولا على حقوق المترافعين.

وحدة الواقعة
قد تكون الواقعة واحدة، لكن الحقوق التي تتفرع عنها متنوعة مختلفة، وقد يدخل كل حق منها في ولاية قضاء خاص، وهذا لا يكون من شأنه الخلط بين الولايتين القضائيتين المستقلتين، ولا أخذ حكم إحدى السلطتين في الحق الذي يدخل في ولايتها حجة أمام السلطة الأخرى في ما كان داخلاً ضمن حدود ولايتها هي أيضًا.

إن القضاء لا يحكم في الواقعة بذاتها ومن حيث هي إلا في مقام العقوبات، أما في الحقوق المدنية فإنه ينظر في الوقائع لا لذاتها ولكن باعتبارها دليلاً للحق المتنازع عليه وهو الذي يتصل به قضاؤه وحده.

لهذا تقرر أن الدليل لا يدخل في قضاء، فلكل من السلطتين أن تبحث في أصل الواقعة، بحثًا مستقلاً، وذلك لتصل به إلى تكوين رأي في الحق المتنازع عليه، وهو داخل في ولايتها، وإن تناقضت السلطتان في كيفية توجيه الرأي وفي إثبات الواقعة ونفيها، فذلك لا أهمية له، لأن التناقض الممنوع إنما هو في تقرير الحقوق من حيث هي لا في توجيه الأدلة، ولا في اختلاف وجهة النظر في مقام الاستدلال، والاستنتاج، وهذا حتى بين محكمتين تابعتين لولاية قضائية واحدة.

تحددت ولاية المحاكم الشرعية بالمسائل الشخصية، فلا يجوز أن يتعدى قضاؤها، هذه المسألة بحدودها، ولا قوة لحكمها في غيرها مهما كانت الوقائع التي يتناقش فيها الخصوم لدى المحكمة متصلة بتلك الحالة الشخصية، لأن مجرد اتصال واقعة من الوقائع بحالة شخصية، لا يجعل تلك الواقعة بذاتها من اختصاص قاضي الأحوال الشخصية إذا كان القانون يخرجها بنص صريح من ولاية قضائه.

في حادثتنا هذه حالة شخصية هي الوراثة، فصل فيها القاضي الشرعي، وهو مختص بلا شك في الحكم فيها، ثم توجد بجانب هذه الحالة الشخصية واقعة أخرى قد يفهم البعض أنها تتصل بها اتصالاً بينًا، هي شهادة الشهود بتلك البنوة، قدمت للقاضي دليلاً فأخذ بها وحكم بالوراثة في دائرة اختصاصه، فالحكم بالوراثة هذا لا يتعدى الحالة الشخصية بحال من الأحوال ولا يكون حكمًا أيضًا في دعوى تزوير الشهادة.

قد تقول إن قاضي الأصل هو نفسه أيضًا قاضي الفرع، لكن هذا أيضًا خطأ، فإن تقدير الأدلة ليس نزاعًا فرعيًا، فالقاضي في تقدير الأدلة لا يفصل فيها بذاتها، كما يفصل في نقطة عرضية أو في نزاع ملحق، بل تقدير الأدلة طريق لتكوين عقيدته، للفصل في الحق المعروض عليه، وما قال أحد إن الدليل يرتبط به الاختصاص أو يدخل في قضائه فنحن بعيدون عن هذه القاعدة وهى لا تفصل في المسألة أصلاً.

ويلحق بهذا الخطأ القول إن الحكم بالبنوة والوراثة، هو حكم ضمني بصحة الشهادة، والأحكام الضمنية، لها قوة الشيء المحكوم فيه كالصريحة.

نقول هذا خطأ ملحق بالسابق أو متفرع، عنه بل هو افتراض للمحال، لأنه ما دام من المقرر أن ولاية القاضي الشرعي محدودة حتمًا، بالحالة الشخصية وحدها، ولا ولاية له فيما تعداها، وإن اتصل بواقعة واحدة وهى النظر في الشهادة، فالقول بأنه قد حكم ضمنًا برفض دعوى التزوير – إنما هو قول بالمحال – فالذي لا يستطيع أن يصدر حكمًا صريحًا في أمر معين لا يمكنه أن يصدر في شأنه حكمًا ضمنيًا، وبعبارة أخرى أنه ما دام أن النظر أصلاً في توقيع العقوبة على شهادة مزورة خارجًا عن اختصاص القاضي الشرعي فهو لا يستطيع النظر في هذا التزوير لا ضمنًا ولا صراحةً، وإن كان من واجباته تقدير الشهادة، باعتبارها دليلاً، ليحكم في مسألة الوراثة المعروضة عليه.

على أنه لا يوجد في حدود التفكير القانوني الصحيح شيء اسمه (حكم بصحة الدليل)،
فإن الأحكام تقضى في حق، أما الدليل ورقة كان أو شهادة، فلا يقبل حكمًا، ولا هو محل نزاع لذاته، لكن القاضي يبحثه كما قلنا ليصل من طريقه إلى الفصل في الحق المتنازع عليه في حدود ولايته، وحكمه يقف عند إعلان هذا الحق ليس إلا.

استحالة اتصال حكم القاضي الشرعي بالتزوير
على أن نظام القضاء الشرعي نفسه، يحول بينه وبين النظر في تزوير الشهادة على الطريقة التي قررها القانون الأهلي وجعل النظر فيها من ولاية القضاء الأهلي.

وفي الواقع فإن القضاء الشرعي ممنوع من سماع تزوير الشهادة سواء عرض عليه هذا البحث في طريق الفصل في الدعوى الشخصية فقط، أو عرض عليه لتوقيع العقوبة.

أما لتوقيع العقوبة فالأمر ظاهر، وأما للنظر في تقدير الشهادة للحكم في أصل الدعوى فلعل الباحث تأخذه الدهشة، ولكن الأمر حقيقي واقعي، فمن المقرر في الأحكام الشرعية، أن الشاهد إذا طعن عليه بأنه لقن الشهادة وأنه يلقيها حفظًا كاذبًا مزورًا، فهذا لا يعتبر طعنًا على الشهادة، ولا يستوقف القاضي، بل لا يجوز أن يكون موضع بحثه، إنما تنحصر كل مأموريته في طلب شهود التزكية، فإذا شهدوا حكم في الدعوى وانتهى الأمر، (راجع منتخبات الأحكام الشرعية جزء أول صفحة 205).

بل القاضي الشرعي ممنوع من جهة أخرى، من البحث في مناقشة الخصوم في دعوى تزوير الشهادة، ولو في سياق الدعوى، لأن الشهادة عنده لا تقبل الدعوى بتزويرها بغير اعتراف الشهود اعترافًا صريحًا.
ورد في الهندية مجلد 3 صفحة 533 (قال صاحب القضية، وشاهد الزور عندنا المقر على نفسه بذلك فيقول كذبت فيما شهدت متعمدًا).

بل هناك ما هو أبلغ في موضوعنا، فإن الشريعة لا تقبل بحثًا في شهادة الشهود بعد حكم القاضي، والأحكام تصدر تباعًا من المحكمة العليا على هذا المبدأ، ويعبرون عن هذه القاعدة بقولهم (البينة إذا اتصل بها القضاء لا سبيل لنقضها) (راجع الأحكام الشرعية، صفحة 215، و320، و221).

كذلك من الأحكام الشرعية، أن شاهد الزور حتى إذا اعترف لا يعاقب بغير التشهير به، ولا يضرب ولا يحبس (الهندية جزء 3، صفحة 533، وصفحة 538).

يظهر لك من هذا، أنه لا سبيل للقول، بأن تزوير الشهادة كما تفهمه موضوعًا لنظر القاضي الأهلي، يصح أن يعرض على القاضي الشرعي فيجوز أن يصدر قضاؤه فيه، لا من طريق صريح ولا من طريق ضمني، لأنه ممنوع من ذلك من كل جهة، سواء بمقتضى الدستور القضائي العام، أو بمقتضى دستوره الخاص.

ويظهر لك أن الاستقلال بين القضاءين كما تراه إنما هو استقلال متسع الأطراف والمرامي، فلا يمكنك أن تجمع بين القضاءين الشرعي والأهلي لا في نوع الولاية، ولا في طريق البحث، ولا في ترتيب المسؤوليات وشروطها.

من أجل هذا كان إسناد الرأي المخالف، إلى أن تزوير الشهادة سبق البحث فيه أمام القضاء الشرعي، لأنه ورد في دفاع المترافعين وفي مذكراتهم، وكان موضع حكم، إنما هو قول بالظواهر التي يظهر لنا التأمل أنها في الواقع قول بالمحال، واقعيًا وقضائيًا، فليست كل كلمة تطرح أمام قاضٍ وإن خرجت عن ولايته مكونة لدعوى، ولا كل رأي يبديه في حدود ولايته، وبمقتضى نظامه الخاص يكون حكمًا ملزمًا لكل سلطة أخرى فيما كان من اختصاصها وحدها.

نظرية قوة الشيء المحكوم فيه لدى المحاكم الشرعية نفسها
على أن المحاكم الشرعية، لا تنطق نظرية قوة الشيء المحكوم فيه على النحو الذي نذهب إليه، بل تذهب في نظريتها بتحقيق استقلال القضاءين إلى مدى لا نراه معتدلاً.
قتل شخص، فكان موته هذا أصلاً يتفرع عنه أمران مستقلان عقوبة القاتل، ثم إثبات الوراثة، وهى حالة شخصية.

أما عقوبة القاتل، فمن اختصاص المحاكم الأهلية فتنظر فيها وحدها وطبقًا لقانونها، أما الوراثة فينظر فيها القضاء الشرعي، لكنه عند النظر في هذه الحالة الشخصية، هل تراه يتقيد بحكم القضاء الأهلي في شأن الواقعة المادية وهى أن الرجل قد مات فعلاً ؟ !

يأبى القضاء الشرعي هذا التسليم كل الآباء، ونراه في هذا مبالغًا جدًا، فإنه يترك الحكم الأهلي كأنه لم يصدر ويكلف مدعي الوراثة بإثبات وفاة مورثه بشهادة الشهود !!!

لعلك تفهم أنها إجراءات صورية ؟ كلا !! بل هي إجراءات جدية يصل فيها القاضي الشرعي إلى أقصى نتائجها، فقد قتل ابن المرحوم حسن زايد باشا، وحكمت محكمة جنايات طنطا بالأشغال الشاقة، على القاتلين في 17 إبريل سنة 1923، ثم تقدم الورثة يطلبون إثبات ميراثهم ضد واضع اليد على التركة، فلم تأخذ المحكمة الشرعية بحكم محكمة الجنايات دليلاً على واقعة الوفاة وطلبت بينة شرعية، فتعذر على المدعين تقديمها كما تريد أحكام الشريعة، فحكمت المحكمة، باعتبار المقتول بحكم المحكمة الأهلية لا يزال حيًا !!! لكنه غائب غيبة منقطعة !!! ورفضت دعوى الوراثة وعينت مديرًا لأمواله !!

لا ننسى مع هذا، أن الحكم الأهلي قد صدر في حدود ولاية القضاء الأهلي لأن القتل من اختصاصه وحده، وكان يجب حتمًا على القضاء الشرعي احترام هذا الحكم فيما يختص بواقعة أنه مات، كما يجب على القضاء الأهلي احترام كل حكم شرعي في أية حالة شخصية، بدون أي بحث فيها بذاتها، وبدون إمكان إنكارها، لكن القاضي الشرعي يرى أن استقلاله، في حدود ولايته يقتضي تمامًا استقلاله في بحث الوقائع جميعها، ولا يهمه أن يذهب أربعة إلى الأشغال الشاقة بقضاء المحاكم الأهلية !!! وهو في حل من أن يقرر بأن ذلك الرجل لم يمت وهو لا يزال حيًا !! فلم يقتله أحد !!!

لا يتوهمن القارئ أن هذا حكم وحيد أو أنه رأي شاذ، بل هذا هو فقه القضاء الشرعي على الإطلاق وبغير استثناء.
(راجع منتخبات الأحكام الشرعية صفحة 30، وصفحة 316، و317).

القضاء المختلط
كذلك كان من مظاهر توزيع الولاية القضائية في مصر إنشاء المحاكم المختلطة، بجانب المحاكم الأهلية، وقد عرض البحث أمامها في هل يحتج بأحكام المحاكم الأهلية لديها فقررت على الدوام أن الاستقلال بين القضاءين يمنع هذا الاحتجاج منعًا مطلقًا.

(استئناف مختلط 12 مارس سنة 1911، 12 إبريل سنة 1893، 16 مايو سنة 1793، 7 يناير سنة 1896).

الاختصاص الجنائي لا يتأثر برأي القاضي المدني
هذا أيضًا نوع آخر من تقسيم الولاية القضائية، وإن كان في نوعه أخص من ذلك التقسيم الأعم فلو تركنا ذلك التقسيم الأصلي، ثم نزلنا من قمة النظام القضائي وافترضنا أننا بين سلطتين لا يفصل بينهما سوى الصفتين المدنية والجنائية، فمن الأصول الكلية أن كل ما يرويه القاضي المدني في حكمه من الآراء والتقديرات لا يرتبط بها القاضي الجنائي بحال من الأحوال بل يبقى اختصاصه كاملاً إذا عرضت عليه الواقعة يفصل فيها كما يريد.

إذا كان هذا مقررًا حتى في حق القاضي المدني العام فما بالك بمحكمة استثنائية، تحددت ولايتها بالحالة الشخصية دون غيرها، وصدرت القوانين بتنظيم قضاء مستقل، يفصل في الأمور الأخرى جميعها عملاً بتشريع يخالف ذلك التشريع القديم.

أنه لا يملك أحد إرجاع ذلك التشريع القديم بأحكامه وسلطانه إلى القاضي الشرعي، كما أنه لا يملك أحد أن يجرد قضاءً معينًا من ولايته. لا بحكم قضائي صريح ولا بأي عمل آخر.

استحالة اتحاد الموضوع
بناءً على هذا فلا محل للبحث، في هل نفس الموضوع الذي عرض على المحكمة الشرعية، هو بذاته الذي يعرض على المحكمة الأهلية، لأنه من المحال أن يوجد في مصر حق واحد، يصح عرضه على القضاء الشرعي مرة، ثم عرضه على القضاء الأهلي مرة أخرى، لأن تقسيم الولايتين يجعل هذا الاحتمال وهمًا يستحيل أن يتحقق.

فلتكن الواقعة المادية واحدة، لكن إذا تعددت الحقوق المتفرعة عنها وكان النظام يقتضي إدخال كل حق منها في ولاية سلطة مستقلة، فكل منها تنظر في الحق الداخل ضمن ولايتها بدون تأثر بما ورد في أسباب قرار السلطة الأخرى، ولا تتقيد من أحكامها إلا بنص الحكم الفاصل في أصل الحق بذاته وكل ما خرج عن هذا وإن تعلق به أو أثر عليه أو ارتبط به فلا يدخل ضمن القضاء لأن النظام قد فصل بين الأمرين فصلاً باتًا قاطعًا.

استحالة اتحاد السبب
كذلك لا يمكن البحث في هل السبب واحد أو متعدد، لأن أسباب الخصومة، هو الحق المتنازع عليه بذاته، وما دام القانون قد قسم بين الحقين وجعل لكل حق قاضيًا خاصًا فأحكام كل قاضٍ سببها ذلك الحق من حيث هو رابطة قانونية نظرية صرفه، وتلك الرابطة هي التي تدخل ضمن قضاء القاضي، وهي مختلفة بحكم النصوص والأنظمة الأصلية عن الحق والرابطة القانونية الأخرى التي جعلها الشارع من ولاية قضاء آخر.

مصادرة الدفع لنصوص القانون
على أن المسألة لم تكن في حاجة إلى هذا البحث، بل نرى أن الخلاف فيها غريب فلو صح الرأي المخالف لأبطلت عقوبة الشهادة المزورة، ولا نحصر إمكان توقيع العقوبة، إذا كان التزوير ظاهرًا وكان القاضي المدني قد لحظه وحكم على خلاف الشهادة، أي انحصرت العقوبة في حالة عدم حصول الضرر من الشهادة.

أما إذا جازت حيلة الشاهد على القاضي وعلى الخصم، ووقع الضرر المقصود منها وقد يكون توقيع عقوبة الإعدام على من شهد الشاهد ضده فلا تجوز العقوبة !!!

ألا ترى أن هذا كلام جسيم النتائج لا يقبله أحد، ومن حسن الحظ أن الشارع قد نص صراحةً على محاكمة شاهد الزور حتى إذا قضى بناءً على شهادته بالإعدام، ولم يفترض لقول من يذهب أن قضاء القاضي على اعتبار الشهادة صحيحة يجعلها في مقام المحكوم بصحتها.

ألا ترى هذا التناقض الغريب، فبينما أن محكمة الجنايات التي يجوز لها ومن اختصاصها بل من واجباتها أن تحكم على الشاهد في الجلسة إذا ظهر لها أنه مزور، لا يعتبر حكمها بالعقوبة بناءً على شهادة الشاهد وعلى اعتبار صحة شهادته، مانعًا من دعوى تزوير الشهادة بعد القضاء بصحتها لكن القاضي الشرعي الذي لا يجوز له بحكم قانونه، أن يبحث في تزوير الشهادة، وليس هو مختصًا بالحكم بتزويرها، يكون من أثر حكمه في حالة شخصية، تقديس الشهادة وجعلها فوق كل بحث، فلا تجوز الدعوى الجنائية بعد ذلك.

هذا غريب، ولولا الرغبة في تقرير المبادئ، ولولا تعوُد أهل المنطق على كل بحث، لما كان لمثل هذا الخلاف أثر.

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني في قوة الحكم الشرعي أمام محكمة الجنح