العلاقة بين عملية الاصلاح و الكتل النيابية في النظام الدستوري الأردني

د.ليث كمال نصراوين

يعتبر موضوع الكتل النيابية من الموضوعات الدستورية المهمة التي تتصدر المشهد السياسي والدستوري هذه الأيام نظرا لارتباطها الوثيق بعملية الإصلاح وتحديدا تشكيل الحكومات في الأردن، فقد أكد جلالة الملك في أكثر من مناسبة أن الآلية التقليدية في تشكيل الحكومات قد انتهت إلى غير رجعة، وأن اختيار رئيس الوزراء والوزراء سيكون من داخل مجلس النواب وبالتشاور مع الكتل النيابية.

– مفهوم الكتلة النيابية وواقعها:

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

الكتلة النيابية هي عبارة عن تجمع لعدد من النواب وتوافقهم على مجموعة من المبادئ والأفكار المشتركة، حيث تتشكل الكتل النيابية عادة بعد ظهور نتائج الانتخاب وقبل انعقاد دورات المجلس، إذ يتفق بعض النواب على أجندة عمل لتنفيذها أثناء انعقاد المجلس وعلى خطوط عريضة لبرنامج عمل مشترك يجمعهم. كما يمكن تشكيل الكتل النيابية في أي وقت أثناء انعقاد الفصل التشريعي بأن يتوافق عدد من النواب على آلية معينة للتعامل مع مستجدات العمل النيابي والموضوعات التي يتم طرحها على الدورة البرلمانية.

إن كلا من نصوص الدستور الأردني والنظام الداخلي لمجلس النواب قد جاءت خالية من أي أحكام صريحة لتنظيم الكتل النيابية من حيث إنشائها أو الرقابة عليها أو آلية عملها أو حتى انتهائها وأحكام الانسحاب منها. فالنظام الداخلي لمجلس النواب لا يعترف بوجود الكتل النيابية ويتعامل معها باعتبارها من الأعراف البرلمانية، وهو ما أبقى هذه الكتل خارج أي دعم مالي أو لوجستي من قبل مجلس النواب نفسه، وحرمها من الاستقرار والثبات وأضعف دورها في العمل النيابي.

أما واقع الكتل النيابية في مجالس النواب السابقة فيتمثل في أن تشكيلها لم يكن قائما على أسس برامجية أو سياسية، إنما على أساس العلاقات الشخصية أو المصلحية أو الجهوية بين النواب، فهي كانت دائما بعيدة كل البعد عن أية ايديولوجيات سياسية أو برامجية مشتركة تلزم كافة أعضائها المنتسبين لها.

وفي دراسة أعدّها مرصد البرلمان الأردني عن تشكيل الكتل النيابية وأدوارها الوظيفية في مجلس النواب السادس عشر بعنوان “تشكيلات الكتل النيابية وأدوارها الوظيفية في الدورة العادية الثانية للمجلس الـ16” فقد ثبت أن تشكيل الكتل النيابية في مجلس النواب السابق كان يقوم على مبادئ لا ترقى إلى مستوى البرامج السياسية، وأن تشكيلها كان دائما ما يبدأ من خلال نواب أقوياء يملكون قدرات مالية واسعة وينجحون باستقطاب نواب آخرين إلى كتلهم التي يريدون تشكيلها، مما ساهم كثيرا في إبقاء عمل الكتل في إطار النادي أو الجمعية الداخلية أو التجمع المصلحي. كما اشارت الدراسة إلى أن اهتمام الكتل النيابية بالقضايا المحلية كان يقتصر فقط على قضايا معينة بذاتها وذلك لعدم وجود وحدة أيديولوجية بين أعضائها ورؤية مشتركة للعمل البرلماني. فالكتل النيابية تتأسس على مبدأ الفزعة، وهذا ما يجعلها تعتمد مبدأ حرية التصويت وتعويمه كونها لا تملك سياسة واضحة لتفرضها على أعضائها النواب. فتصويت أعضاء الكتل النيابية في مجلس النواب لا يعتمد على التضامن الكلي بين أعضاء الكتلة، بمعنى أنه يترك الأمر لنواب الكتلة الواحدة للتصويت وفق قناعتهم الشخصية بعيدا عن إلزامهم بموقف موحد ومشترك. فأهم عمليات التصويت في مجلس النواب سواء على الثقة بالحكومات وبيانها الوزاري أو على حجب الثقة عنها وعن الوزراء تعد قرارات شخصية للنائب لا علاقة له بموقف كتلته النيابية.

وقد كان لهذا الوضع المتردي للكتل النيابية في مجلس النواب السادس عشر أثر سلبي في قصور أدائها وعدم مقدرتها على القيام بواجباتها النيابية على أكمل وجه، فلم نسمع عن أي دور موحد للكتل النيابية من التعديلات الدستورية الأخيرة لعام 2011. وعلى صعيد مكافحة الفساد ورغم تصويت مجلس النواب على تشكيل لجان تحقيق نيابية في ملفات فساد مختلفة، إلا أن تصويت النواب على إحالة ملفات الفساد إلى القضاء من عدمه كان شخصيا بحيث قام كل نائب من نواب الكتل النيابية وعلى هواه الخاص ضمن سياسة تعويم المواقف بالتصويت مما ساهم في تذويب الهوية البرلمانية للكتل النيابية. وأمام هذا الوضع غير المستقر للكتل النيابية، فلم يكن من المستغرب أن تفشل الكتل في المحافظة على وحدتها الداخلية، فكانت تتعرض إلى حركات انشقاق وسلسلة استقالات متتالية أضفى عليها وصف الكتل الهلامية أو الرملية. فأهم مبرر لتشكيل الكتل النيابية في مجلس النواب الأردني هو خوض الانتخابات الداخلية لمجلس النواب مع بداية كل دورة عادية بهدف التفاوض مع مرشحين لمقعد رئاسة المجلس ومقاعد المكتب الدائم ضمن اتفاقات لحفظ حقوق اعضاء كل كتلة بالحصول على مقاعد قيادية في اللجان الدائمة في المجلس، وسرعان ما ينتهي نشاطها الموسمي بتوزيع مغانم الانتخابات الداخلية من مقعد رئاسة المجلس والمكتب الدائم.

– أهمية الكتل النيابية في عملية الإصلاح:

تنبع أهمية الكتل النيابية في مجلس النواب السابع عشر من أنها ستكون الأساس في تشكيل الحكومات واختيار رئيس الوزراء والوزراء. ففي ظل صعوبة تطبيق مفهوم الحكومة البرلمانية بشكلها الكامل والتي تتمثل في اختيار رئيس الحزب الفائز في الانتخابات رئيسا للوزراء، فإن البديل يكون في إشراك الكتل النيابية في اختيار شخص رئيس الوزراء، حيث تعهّد جلالة الملك في أكثر من مناسبة وآخرها الورقة النقاشية الثانية بتغيير آلية اختيار رئيس الوزراء ابتداء من الانتخابات الأخيرة بأن يقوم بالتشاور مع إئتلاف الأغلبية من الكتل النيابية لاختيار رئيس الوزراء.

فإذا لم يبرز ائتلاف أغلبية واضح من الكتل النيابية، فإن عملية التكليف ستتم بالتشاور مع جميع الكتل النيابية. وبعد ذلك سيقوم رئيس الوزراء المكلّف بالتشاور مع الكتل النيابية لتشكيل الحكومة الجديدة والاتفاق على برنامجها، والتي ينبغي عليها الحصول على ثقة مجلس النواب والاستمرار بالمحافظة عليها. إن هذه الآلية الجديدة من إشراك الكتل النيابية في تشكيل الحكومات في الأردن تستدعي مراجعة الممارسات الخاصة بالكتل النيابية في مجلس النواب وإيجاد نظام قانوني خاص بها في النظام الداخلي لمجلس النواب ينظم كيفية تشكيل الكتل النيابية وآلية عملها والانسحاب منها، حيث يجب على النظام الداخلي أن يتشدد في أحكام انسحاب النواب من الكتل النيابية لوقف لعبة الكراسي المتحركة التي يقوم بها السادة النواب من خلال الانتقال من كتلة إلى كتلة أخرى. فالأهمية الدستورية للكتل النيابية في تشكيل الحكومات ستدفع بالسادة النواب إلى الحركة بشكل أكثر بين الكتل النيابية في المجلس الجديد على ضوء قوتها وزيادة نفوذها. كما أن حق الكتل النيابية في اختيار أشخاص الوزراء يجب أن يتم التعاطي معه بأسلوب قانوني سليم لمنع أي تأثيرات خارجية من الأشخاص المستوزرين على النواب المستقلين لدفعهم للانضمام إلى كتلة معينة مؤقتا لغايات ترشيحهم لمناصب وزارية مختلفة ثم الانسحاب منها.

لقد ذهب البعض إلى رفض فكرة تنظيم الكتل النيابية في النظام الداخلي لمجلس النواب بحجة مخالفة ذلك لأحكام المادة (83) من الدستور التي تعطي مجلسي الأعيان والنواب صلاحية وضع أنظمة داخلية لضبط وتنظيم إجراءاته. إن هذا القول غير سليم ولا يقوم على أساس قانوني ودستوري صحيح ذلك أنه إذا لم يتم تنظيم الكتل النيابية في النظام الداخلي لمجلس النواب فأين سيتم تنظيمها؟ كما أن القرار التفسيري الذي صدر عن المجلس العالي لتفسير الدستور رقم (1) لسنة 2001 والذي تطرق إلى أحكام النظام الداخلي لمجلس النواب قد اعتبر أن ما لا يجوز تضمينه في النظام الداخلي هو الأحكام الموضوعية التي لا علاقة لها بجلسات مجلس النواب وتسييره لأعماله وطريقة مباشرته لمهامه، حيث قرر المجلس العالي عدم دستورية المادة (65/ب) من النظام الداخلي لمجلس النواب التي تعطي الحق لمجلس الوزراء سحب واسترداد مشروع أي قانون قبل التصويت على إحالته للجنة المختصة، وهو الحكم الذي لا ينطبق على الكتل النيابية ذات الصلة بإجراءات المجلس وكيفية مباشرته لمهامه أسوة باللجان النيابية.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : العلاقة بين عملية الإصلاح والكتل النيابية في النظام الدستوري الأردني