الاكراه البدني وطبيعته القانونية حسب التشريع الجزائري

تعريف الإكراه البدني.

يعتبر تنفيذ الأحكام الصادرة عن القضاء عامة من أسمى الغايات التي كرسها المشرع لحماية حق اللجوء للقضاء المكرس دستوريا.
إذ للمحكوم عليه أن ينفذ اختياريا ما هو ملزم به قضاء. و في حالة امتناعه فإن القانون كفل للمحكوم له حق إتباع إجراءات التنفيذ الجبري إما مباشرة أو عن طريق الحجز.
و في كل الحالات فإن الموازنة بين حقوق و التزامات أطراف التنفيذ أدرجت قواعد من خلالها يتمكن المحكوم له ( الدائن- الدولة بمفهومها الواسع ) أن يطلب – إذا ما توافرت شروط حددها القانون -تهديد المحكوم عليه ( المدين – الملزم بسداد الغرامة و/أو المصاريف القضائية ) في جسمه نتيجة لعدم الوفاء .أو ما يصطلح عليه ب ” الإكراه البدني”.و الذي يمكن تعريفه بأنه “طريق من طرق التنفيذ يلجأ فيها إلى تهديد المحكوم عليه في جسمه بتحقيق حبسه إرغاما له على الوفاء بما هو ملزم به قضاءا بموجب أمر أو حكم أو قرار.”
أو هو “وسيلة ضغط لإجبار المحكوم عليه على الوفاء بما في ذمته من التزام”
و أمام هذا التعريف وجب تحديد الطبيعة القانونية للإكراه البدني لما لها من أهمية بالغة في فهم العديد من المسائل القانونية المرتبطة بالموضوع

الطبيعة القانونية للإكراه البدني.

هناك بعض التشريعات جعلت من طبيعة الإكراه البدني مزدوجة حسب السلطة التي أمرت به، فإذا صدر عن جهة الحكم فهو يعتبر جزاءا جنائيا يتضمن معنى العقوبة، وإذا أمرت به سلطة التنفيذ أي النيابة العامة اعتبر وسيلة تنفيذ وليس جزاء.
إلا أن هذا الرأي يعاب عليه في أن الإكراه البدني مجرد وسيلة للتنفيذ لا غير مهما اختلفت الجهة التي أمرت به أو النص الذي نظم أحكامه، و رغم أن تنفيذه سيودع الشخص السجن و يسلبه حريته إلا أنه لا يعد عقوبة و يختلف عن الحبس الوارد في المواد الجزائية من حيث السبب و الغاية، فالحبس التنفيذي أو الإكراه البدني سببه الامتناع عن الوفاء و الغاية منها إجبار المدين على الوفاء أما الحبس الجزائي فسببه إخلال الجريمة بالنظام العام و الأمن العام للمجتمع.
و بالرجوع لنص المادة 599 من قانون الإجراءات الجزائية نجدها تنص “يجوز تنفيذ الأحكام الصادرة بالإدانة و برد ما يلزم رده و التعويضات المدنية والمصاريف بطريق الإكراه البدني، و ذلك بقطع النظر عن المتابعات على الأموال حسبما هو منصوص عليه في المادة 597 ” ثم تنص المادة 610 “يجوز أن ينفذ الإكراه البدني من جديد على المدين الذي لم ينفذ الالتزامات التي أدت إلى إيقاف تنفيذ الإكراه البدني عليه و ذلك بالنسبة لمقدار المبالغ الباقية في ذمته، فلو كانت عقوبة لما أكره المحكوم عليه ثانية لنفس الالتزام الذي أكره من أجله في المرة الأولى، لأنه من المبادئ القانونية أن الشخص لا يعاقب على نفس الوقائع المتابع من أجلها مرتين.
أما بالنسبة للقضاء الفرنسي فقد وردت قرارات عن الغرفة الجنائية، منها القرار المؤرخ في 17 جوان 1953 و القرار المؤرخ في 12 ماي 1960 والقرار المؤرخ في 30 جويلية 1960 مفادها أن الإكراه البدني ليس بعقوبة ولكن وسيلة تنفيذ .
كما ورد في تقرير مجلس الشيوخ الأول في إطار التعليق على نص المادة 520 إجراءات جنائية أن “الإكراه البدني ليس عقوبة و إنما هو طريقة تنفيذ و لا يوجد محكوم عليه بالإكراه البدني”.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

آثار تطبيق الإكراه البدني و القيود الواردة عليه.

يترتب على توقيع الإكراه البدني إرغام المدين على دفع ما في ذمته تجاه الدائن و الذي قد يستجيب لذلك قبل توقيع الإكراه البدني أو قبل تنفيذه أو أثناء تنفيذه أو بعده طالما أن ذلك لا يعد وفاء.
و القاعدة العامة التي تحكم مسألة الإكراه البدني في مواجهة الدائن أو المدين، هو أن مباشرة التنفيذ بطريق الإكراه البدني لا يستلزم معه براءة ذمة المدين من الالتزام الواقع عليه إذا لم يقم هذا الأخير بالوفاء، حتى وإن استنفذ مدة الحبس المحكوم بها ضده، فالعبرة من توقيع الإكراه البدني هو تهديد المدين في نفسه لإرغامه على الوفاء فإن لم يأتي ذلك بنتيجة ظلت ذمته المالية المستقبلية ضامنة للوفاء بالتزاماته ما لم تسقط هذه الأخيرة بالتقادم. و ما على الدائن إلا تتبع إثراء ذمة مدينه بمنقولات أو عقارات لأجل أن يحجز عليها و يحصل على حقه طبقا للمادة 599/02 من ق إ ج.
هل يجوز توقيع إكراه بدني على إكراه بدني ؟
المبدأ العام هو أنه لا يجوز أن توقع على الشخص الدائن إجراءات التنفيذ بطريق الإكراه البدني مرتين لأجل الدين نفسه أو لأجل أحكام لاحقة على تنفيذ الإكراه البدني لأول مرة طبقا للمادة 611 من ق إ ج.
لكن استثناءا يجوز تنفيذ الإكراه البدني من جديد على المدين الذي لم ينفذ الالتزام الذي يقابل المبالغ المالية الباقية في ذمته، بعد أن أوقف تنفيذ الإكراه البدني لوفائه بجزء من الالتزام

القيود الواردة على حبس المدين .

يمكن للمدين المحكوم عليه أن يوقف إجراءات التنفيذ عليه بطريق الإكراه البدني في الحالات التالية:
ـإذا أثبت بعد تبليغه التنبيه بالوفاء و يوم تقديمه لوكيل الجمهورية للتنفيذ بأنه في حالة إعسار مالي، والذي يمكن إثباته وفقا لنص المادة 609 ق إ ج بتقديم شهادة الفقر مسلمة له من طرف رئيس المجلس الشعبي البلدي، أو شهادة الإعفاء من الضريبة مسلمة له من طرف مأمور الضرائب للبلدة التي قيم فيها.
ـ إذا قام المحكوم عليه بتقديم مبلغ يفي الوفاء بالدين الملزم به من أصل و مصاريف، فيمكن تدارك أو وقف إجراءات الإكراه البدني و هذا ما أجازته المادة 609 ق إ ج.
وهنا نلاحظ قصور المشرع في الأخذ بحالتين
*تقديم كفيل للوفاء بالالتزام.
*تقديم طلب من الدائن لإخلاء سبيل مدينه.
و تجدر الإشارة أن المادة 603 من ق إ ج في ظل الأمر 66/155 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية كان مضمونها يختلف عما ورد بها حاليا حيث نصت على أنه “تخفض مدة الإكراه البدني إلى النصف لصالح المحكوم عليهم الذين يثبتون لدى النيابة عسرهم المالي” فكانت مدة الإكراه البدني تخفض فقط و لا يعفي نهائيا، و النص الجديد أصبح يعفيه تماما، و هذا موقف إيجابي من المشرع اتجاه المدين فلا فائدة من إكراهه و قد قدم ما يثبت بأنه مدين بائس و معدم، فالأفضل أن يعفى من أن يبقى محبوسا بالمؤسسة بنصف المدة.
إجراءات التنفيذ بطريق الإكراه البدني في المواد الجزائية.
الأحكام المنظمة لإجراءات التنفيذ بالإكراه البدني في المواد الجزائية.

القواعد الخاصة بالمواد الجزائية.

المشرع الجزائري لم يحصر طالب التنفيذ عن طريق الإكراه البدني بحبس المحكوم عليه في أشخاص معينة، فقد يكون شخصا طبيعيا وقد يكون شخصا معنويا، ما يهم هو أن يكون حاملا لسند تنفيذي مضمونه تعويضات مدنية أو غرامة مالية أو مصاريف قضائية أو رد ما يلزم رده :

أما الأشخاص المعنوية فتتمثل في:
ـ المؤسسات المالية الدائنة له بقروض نقدية مثلا.
ـ إدارة الضرائب فيما يتعلق بتحصيل الغرامات و المصاريف القضائية طبقا لنص المادة 597 من قانون الإجراءات الجزائية، فإذ كان الدين يتضمن مصاريف قضائية أو غرامة مالية فإنها تلتمس من السيد وكيل الجمهورية حبس المحكوم عليه بعد استنفاذ إجراءات المتابعة السالفة الذكر من طرف قابض الضرائب اتجاه المحكوم عليه، و ذلك بموجب استمارة يملؤها قابض الضرائب يدون فيها هوية المحكوم عليه و المبالغ المدين بها و يمضي عليها مع المدير و تؤشر من قبل وكيل الجمهورية الذي يحبسه بموجبها.
القبض على المحكوم عليه وحبسه.
الأصل أنه من بين مهام رجال الضبطية القضائية المنوه عنها في قانون الإجراءات الجزائية أنها تسعى للبحث عن المتهمين و المشتبه فيهم للقبض عليهم و تسليمهم للعدالة ، إلا أن المشرع حسب المادة 604 من نفس القانون قد خول لهم أيضا القبض على المحكوم عليهم بمبالغ مالية لإكراههم بدنيا.
وتطبق في ذلك إجراءات تنفيـذ أوامر القبض التي تحكمها المـواد من 119 إلى122 ق إ ج ، لكن لابد لذلك من توافر شرطين أساسيين و هما:
ـ تقديم طلب لوكيل الجمهورية لحبس المحكوم عليه.
ـ توجيه تنبيه بالوفاء من السيد وكيل الجمهورية يبلغه فيه أن له مهلة 10 أيام للتسديد تسري من تاريخ التبليغ ، فإذا انتهت المدة دون جدوى ودون أن يقدم ما يثبت إعساره طبقا لما نصت عليه المادة 603 ق إ ج الذي يترتب عنه وقف تنفيذ الإكراه البدني لصالح المحكوم عليه ، تم الشروع في مباشرة إجراءات التنفيذ و الأمر بحبسه و عندها يسلم لمدير المؤسسة العقابية بموجب أمر الحبس الصادر عن وكيل الجمهورية فيودع بها حتى صدور أمر مخالف.
و إذا كان المدين محبوسا لسبب آخر جاز للدائن أن يعارض في الإفراج عنه و منه يصدر أمرا من النيابة العامة إلى مدير المؤسسة العقابية بإبقاء المحكوم عليه في الحبس طبقا للمادة 605 ق إ ج.

مــدة الحبس:
على كل جهة قضائية جزائية حينما تصدر حكمها القاضي بعقوبة الغرامة أو رد ما يلزم رده أو التعويضات المدنية أو المصاريف أن تحدد مدة الإكراه البدني وفقا لنص المادة 602 ق إ ج كما يلي:
ـ مـن يومين إلى عشرة أيام إذا لم يتجاوز مقدار الغرامـة أو الأحكام المالية الأخـرى 5000 د ج.
ـ من عشرة أيام إلى عشرين يوما إذا كان مقدارها يزيد عن 5000 دينار و لا يتجاوز 10.000 د ج.
ـ من عشرين إلى ستين يوما إذا زاد على 10.000دج و لم يتجاوز 15.000 د ج .
ـ من شهرين إلى أربعة أشهر إذا زاد عن 15.000 د ج و لم يتجاوز 20.000 د ج
ـ من أربعة أشهر إلى ثمـانية أشهر إذا زاد على 20.000 د ج و لم يتجـاوز 100.000 د ج.
ـ من ثمـانية أشهر إلى سنة واحـدة إذا زاد على 100.000 د ج و لم يتجاوز 500.000 د ج .
ـ من سنة واحدة إلى سنتين إذا زاد على 500.000 د ج و لم يتجاوز 3.000.000 د ج.
ـ من سنتين إلى خمس سنوات إذا زاد المبلغ على 3.000.000 د ج.
ـ وإذا كان الأمر يتعلق بقضايا المخالفات فلا يجوز أن تتجاوز مدة الإكراه البدني شهرين في كل الحالات.
أما الإكراه البدني المطبق في الوفاء بعدة مطالبات سواء تضمنها حكم قضائي واحد أو عدة أحكام قضائية فإن مدته تبعا لمجموع المبالغ المحكوم بها.
إلا أن الممارسة القضائية أثبتت أن مدة الإكراه البدني غالبا ما تحدد بحدها الأقصى و هذا ما لا يتماشى و غاية المشرع في نص المادة 602 ق إ ج التي حددت مدة للحبس تختلف باختلاف المبالغ المحكوم (المعيار المالي).

المركز القانوني للمكره بدنيا داخل المؤسسة العقابية .

صنفت المـادة الرابعة مـن القـرار الوزاري رقم 025 المـؤرخ فـي 31 /12/1989 المتضمن القانون الداخلي للمؤسسات العقابية المكره بدنيا ضمن قائمة المحبوسين، إذ نصت على أنه “يعتبر محبوسين في نظر هذا القانون:
ـ الشخص المحبوس احتياطيا.
ـ الشخص المحبوس المحكوم عليه.
ـ الحدث المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية.
ـ الشخص المكره بدنيا “.
و بالتالي فهو سيخضع للقانون 05/04 المؤرخ في 06/02/2005 المتضمن قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين، و قد نصت المادة 14 من القرار الوزاري “يخضع المسجون المكره بدنيا لنفس نظام المحكوم عليهم و لا يمكن إلحاقه بعمل إلا إذا طلب ذلك و يستخدم بنفس الشروط المقررة للمحكوم عليه ” و قد وردت هذه المادة تحت عنوان القواعد الخاصة ببعض أصناف المساجين، و يعني ذلك أنه رغم اعتباره محبوسا إلا أنه مصنف تصنيفا خاصا.
و المكره بدنيا يودع بمؤسسات ذات بيئة مغلقة، فقد يكون في مؤسسة وقائية مع المحبوسين مؤقتا و المحكوم عليهم نهائيا بعقوبة سالبة للحرية تساوي أو تقل عن سنتين و من بقي منهم لانقضاء مدة عقوبتهم سنتان أو أقـل.و كذا بمؤسسات إعادة التربية مع المحبوسين مؤقتا، و المحكوم عليهم نهائيا بعقوبة سالبة للحرية تساوي أو تقل عن خمس سنوات، و من بقي منهم لانقضاء عقوبة خمس سنوات أو أقل. كما يمكن استقبالهم في مراكز متخصصة وهذا وفقا للمادة 28 من القانون 05/ 04.
و نظرا لهذا التصنيف الخاص فإنه لا يخضع للنظام التدريجي الذي يشمل الأطوار الثلاث من الحبس (السجن الانفرادي ليلا و نهارا ـ نظام الاحتباس الانفرادي ليلا فقط ـ نظام الاحتباس الجماعي) طبقا لنص المواد 44 إلى 50 من القانون رقم 05/04.
كما لا يمكن إلحاق المكره بدنيا بعمل (التسخيرة) إلا بناءا على طلبه و في حدود الشروط المقررة للمكوم عليه طبقا للمادة 140 من القرار الوزاري رقم 025 .
و قد نصت المادة 94 من مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمكافحة الجريمة ومعاملة المجرمين في جنيف مؤرخ في 30/08/1955 على “في البلاد التي ينص تشريعها على توقيع الحبس بسبب الديون، أو ينص على صور أخرى من الحبس الذي يصدر به حكم قضائي في دعوى غير جنائية، لا يجوز أن يخضع المسجونون في هذه الحالات لصور أو لنوع من المعاملة تزيد في شدتها عن الحد اللازم لحفظ الأمن والنظام، و يجب ألا يعاملوا بأقل مما يعامل به المتهمون مع مراعاة ما قد يلتزمون به من عمل”.

مصاريف التكفل بالمكره بدنياً :
كانت المادة 608 من ق إ ج تلزم طالب الإكراه البدني أي المحكوم له بتقديم مبلغ كافي لتغطية مصاريف إيداع مدينه المحكوم عليه بالحبس، و في حالة عدم تقديم المبلغ يفرج عن المحكوم عليه إلا إذا أثبت الدائن عسره المالي حينها تكون المصاريف على عاتق المؤسسة العقابية. وقد فعل المشرع حسنا حين ألغاها كونها تشكل إرهاقا لكاهل الدائن الذي يسعى من جهة للحصول على حقه و من جهة أخرى نلزمه مصاريف حبس مدينه، رغم أن هذا الإلغاء قد كرس فراغا قانونيا فيما يتعلق بهذه المسألة .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : الاكراه البدني وطبيعته القانونية حسب التشريع الجزائري
شارك المقالة

1 تعليق

  1. بوركتم،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني.