مقال قانوني هام بعنوان مدى دستورية إشراف الهيئة المستقلة على الانتخابات البلدية

قرر مجلس الوزراء تكليف الهيئة المستقلة للانتخاب الإشراف على الانتخابات البلدية المنوي إجراؤها نهاية شهر آب المقبل، وذلك تطبيقا لأحكام الفقرة الثانية من المادة (67) من الدستور التي تنص على أن تنشأ بقانون هيئة مستقلة تشرف على العملية الانتخابية النيابية وتديرها في كل مراحلها، كما تشرف على أي انتخابات أخرى يقررها مجلس الوزراء كالانتخابات البلدية. مثل هذا التكليف يثير مجموعة من التساؤلات الدستورية والقانونية حول الدور المتوقع من الهيئة المستقلة في الانتخابات البلدية القادمة في ظل تعارض النصوص القانونية في قانون البلديات الأردني مع قانون الهيئة المستقلة للانتخاب.

بادئ ذي القول لا بد من الإشارة إلى أن قانون البلديات الأردني قد عرف الجهة المشرفة على الانتخابات بأنها اللجنة المشكلة وفق أحكام المادة (25) من القانون، وهي لجنة مكونة من رئيس وأربعة أعضاء يسمي رئيس المجلس القضائي رئيسها وعضوا فيها من قضاة الدرجة العليا ويسمي رئيس الوزراء الأعضاء الثلاثة الآخرين، أو الهيئة المستقلة للانتخاب. إلا أن هذه الإحالة القانونية في قانون البلديات على الهيئة المستقلة لا تكفي بحد ذاتها لكي تقوم الهيئة بالدور الدستوري المأمول منها والمتمثل في الإشراف الكامل على الانتخابات البلدية، وذلك لوجود نصوص أخرى عديدة في قانون البلديات تحد من أي دور محتمل للهيئة المستقلة في الإشراف على الانتخابات المقبلة.

إن الفقرة (ب) من المادة (3) من قانون الهيئة المستقلة للانتخاب قد حددت دور الهيئة وواجباتها المتمثلة في اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لتمكينها من أداء مهامها بنزاهة وشفافية وحياد، حيث جاء هذا النص القانوني مطلقا ليشمل ليس فقط دور الهيئة في الإشراف على الانتخابات النيابية وإدارتها، بل أي انتخابات أخرى يقرر مجلس الوزراء تكليف الهيئة الإشراف عليها. فبغض النظر عن الانتخابات الموكل إلى الهيئة المستقلة متابعتها، وبغض النظر عما إذا كان دور الهيئة يمتد ليشمل الإشراف والإدارة أو الإشراف فقط، فإنها تكون ملزمة بموجب قانونها باتخاذ القرارات والإجراءات كافة التي تراها مناسبة للقيام بمهامها على أكمل وجه بما يحقق النزاهة والشفافية والحياد.

وبالعودة إلى قانون البلديات الأردني نجد أنه لا يتضمن بين ثناياه أي سند قانوني يعطي الهيئة المستقلة الحق في إصدار مثل هذه القرارات والإجراءات اللازمة لكي تشرف على الانتخابات البلدية. وعلى فرض القول إن الهيئة المستقلة تملك الحق القانوني بإصدار مثل هذه القرارات والإجراءات بموجب القانون الذي أنشأها، إلا أنه لا مجال لتطبيقها على أرض الواقع ذلك أن قانون البلديات قد تناول وبشكل كامل مراحل إجراء الانتخابات البلدية كافة ابتداء من إعداد الجداول الانتخابية الأولية والطعن بها وتحديثها ونشرها، مرورا بيوم الاقتراع من تصويت وفرز وإعلان النتائج. حيث أسند كل مرحلة من هذه المراحل إلى هيئات خاصة لها الحق في إصدار التعليمات اللازمة لتمكينها من القيام بالمهام المسندة إليها بموجب أحكام القانون.

فدائرة الأحوال المدنية والجوازات ومديرياتها في المحافظات والمكاتب المرتبطة بها ستقوم بإعداد جداول الناخبين وفق تعليمات خاصة تصدر لهذه الغاية. كما سيقوم رئيس الانتخاب في كل بلدية، والمعين من قبل وزير الشؤون البلدية، باستلام طلبات الترشيح وتدقيقها، وإصدار القرار المناسب حولها، وتحديث الطلبات على ضوء القرارات الصادرة عن المحاكم والانسحابات التي يقوم بها المرشحون إما بنفسه أو من خلال مساعد رئيس الانتخاب بموجب التعليمات الصادرة إليه من رئيس الانتخاب، وذلك استنادا لأحكام الفقرة (ز) من المادة (17) من قانون الانتخاب.

أما الإشراف على الاقتراع وإدارته، فقد أناطه قانون البلديات بلجنة اقتراع تتكون من رئيس وعضوين وكاتب للجنة من موظفي الحكومة يعينها رئيس الانتخاب في كل مركز اقتراع وفقا للتعليمات الخاصة بذلك والمحددة في المادة (12) من قانون البلديات. كذلك الحال في مرحلة الفرز وإعلان النتائج؛ حيث يعين رئيس الانتخاب لجنة أو أكثر لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة لفرز أصوات الناخبين وإحصاء ما نال كل مرشح منها وفق أحكام خاصة بذلك واردة على سبيل الحصر في المادة (23) من قانون البلديات فيما يتعلق بآلية الفرز واحتساب الأصوات، وتنظيم الضبوط لصناديق الاقتراع، وإعلان النتائج الخاصة بالمرشحين والمرشحات، وحفظ أوراق الاقتراع في محكمة البداية التي تقع البلدية ضمن اختصاصها إلى أن تنتهي المدة المخصصة للطعون في نتائج الانتخابات.

ولا يرد القول إنه في ظل غياب النصوص القانونية في قانون البلديات التي تعطي الهيئة المستقلة الحق في إصدار القرارات والإجراءات اللازمة للقيام بعملها أن دور الهيئة سيقتصر فقط على تقديم النصيحة والموعظة للجان المشرفة على الانتخابات البلدية، ذلك أن مثل هذا القول يخالف أحكام المادة (4) من قانون الهيئة المستقلة التي حددت آلية مباشرة الهيئة لمهامها من خلال اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لذلك، ولا يوجد هناك أي سند قانوني حول إسداء النصح والمشورة. كما أنه ومن خلال قراءة أحكام الفقرة (ب) من المادة (25) من قانون البلديات التي تلزم الهيئة المستقلة للانتخاب باعتماد ممثلين لها في كل منطقة انتخابية نجد أن مثل هذا الدور الذي أسنده القانون للجهة المشرفة يخرج عملها من نطاق تقديم النصح والإرشاد إلى التدخل الفعلي في الانتخابات البلدية ومتابعة مجرياتها على أرض الواقع. وهنا يثور التساؤل حول كيفية تنظيم العلاقة بين الهيئة المستقلة كجهة إشراف وبين ممثليها في كل منطقة بلدية، إذ لا بد وأن تصدر الهيئة المستقلة تعليمات تنفيذية لتحقيق هذه الغاية.

ومن خلال استعراض باقي أحكام المادة (25) من قانون البلديات نجد أنها تجعل من الهيئة المستقلة للانتخاب جهة مشرفة تابعة لوزير الشؤون البلدية ورئيس الوزراء؛ حيث تلزمها الفقرتان (د) و(هـ) من المادة السابقة بتقديم أي ملاحظات أو توصيات تتوصل إليها الهيئة خلال إشرافها على العملية الانتخابية لوزير الشؤون البلدية، كما تفرض عليها أن تقدم تقريرا تفصيليا لرئيس الوزراء عن العملية الانتخابية بجميع مراحلها بعد إعلان النتائج النهائية.

ولا يرد القول إن مثل هذه الأحكام تتوافق مع المادة (20) من قانون الهيئة المستقلة التي تلزم الهيئة بمراعاة أحكام التشريعات ذات الصلة بالانتخابات الأخرى التي تشرف عليها، ذلك أن أي أحكام أخرى تطبق على الهيئة المستقلة يجب أن لا تتعارض مع المبادئ الدستورية التي تقوم عليها وأهمها استقلاليتها المقررة بموجب أحكام الدستور. كما تقرر استقلالية الهيئة في المادة (3) من قانون الهيئة المستقلة للانتخاب التي تنص على أن تتمتع الهيئة بشخصية اعتبارية وباستقلال مالي وإداري عن الأجهزة والمؤسسات الحكومية كافة. وقد تكرس هذا الاستقلال في الفقرة (س) من المادة (12) من قانون الهيئة المستقلة للانتخاب التي تلزم الهيئة بإصدار تقرير نهائي تفصيلي عن كل عملية انتخابية نيابية بجميع مراحلها لترفعه إلى الملك. فإذا كان القانون قد ربط الهيئة المستقلة مباشرة بالملك فيما يتعلق بإجراء الانتخابات النيابية ضمانا لاستقلاليتها المقررة دستوريا، فإنه من غير المقبول قانونا أن يتم ربطها بوزير الشؤون البلدية ورئيس الوزراء عند إشرافها على الانتخابات البلدية.

هذا بالإضافة إلى أن الفقرة (ب) من المادة (25) من قانون البلديات قد حددت الممثلين الذي يجب على الهيئة المستقلة للانتخاب تسميتهم في كل منطقة بلدية على سبيل الحصر ليشملوا قضاة محاكم البداية والصلح وموظفي الدوائر الحكومية أو المؤسسات الرسمية أو العامة الذين يسميهم رئيس الوزراء بناء على طلب الهيئة المستقلة. فهذه المادة في قانون البلديات غير دستورية كونها تحد من استقلالية الهيئة المقررة بموجب أحكام الدستور، وتربطها برئيس الوزراء لغايات تسمية ممثليها في الانتخابات البلدي

وعلى الفرض الساقط أن دور الهيئة المستقلة سيقتصر فقط على تقديم النصح والمشورة للجان المشرفة على الانتخابات البلدية، فإنه نظرا للاختلاف الكبير بين أحكام إجراء الانتخابات البلدية وتلك الخاصة بالانتخابات النيابية التي أجرتها الهيئة المستقلة واكتسبت خبرة حولها، فإنه سيتعذر على الهيئة المستقلة تقديم أي نصيحة أو مشورة حول الانتخابات البلدية. ففئة الناخبين في الانتخابات البلدية تمتد لتشمل العسكريين ورجال الأمن العام والدفاع المدني والمخابرات الذين يحق لهم بموجب قانون البلديات التصويت في الانتخابات البلدية وذلك على خلاف الانتخابات النيابية. كما أن إجراءات التصويت والاقتراع في الانتخابات البلدية مختلفة تماما عن تلك المطبقة في الانتخابات النيابية، إذ إنها تعتمد فقط على الجداول الورقية من دون الإلكترونية أو البطاقات الانتخابية أو الحبر السري، وهي الآليات التي ابتكرتها الهيئة المستقلة وطبقتها على الانتخابات النيابية، والتي يمكن القول إنها تملك أن تقدم النصح والمشورة حولها عند إجراء الانتخابات البلدية في حال كانت إجراءات التصويت واحدة.

كما ما زال قانون البلديات يعتمد تصويت الأمي والعاجز عن القراءة والكتابة من خلال أحد أعضاء لجنة الاقتراع الذي يختاره الناخب لكتابة اسم المرشح الذي يمليه عليه على مسمع ومرأى من أعضاء اللجنة استنادا لأحكام الفقرة (و) من المادة ( 22) من قانون البلديات. هذا الحكم يخالف أحكام تصويت الأمي في الانتخابات النيابية الذي اعتمدته الهيئة المستقلة من خلال التأشير على صورة المرشح أو رمز القائمة الوطنية، مما يجعل الهيئة المستقلة غير قادرة على إسداء النصح والمشورة حول هذه الآلية الخاصة بتصويت الأميين وغير القادرين على القراءة والكتابة في الانتخابات البلدية.

ولا تقتصر الاختلافات الجوهرية بين الانتخابات النيابية والبلدية على مجريات التصويت فحسب، بل تمتد لتشمل إجراءات الفرز وإعلان النتائج والطعن بنتائج الانتخابات. ففي حال تساوي الأصوات بين مرشحين أو أكثر في الانتخابات البلدية يجري رئيس الانتخاب القرعة بين المرشحين بحضورهم أو حضور وكلائهم وبالطريقة التي يتفق مع هؤلاء عليها استنادا لأحكام الفقرة (ب) من المادة (24) من قانون البلديات، في حين أن حكم تساوي المرشحين في عدد الأصوات بموجب أحكام المادة (48) من قانون الانتخاب وتعليمات الهيئة المستقلة هو إعادة الانتخاب في تلك الدائرة الانتخابية بين المرشحين المتساويين في عدد الأصوات. أما الطعن بنتائج الانتخابات البلدية فينعقد الاختصاص به لمحكمة البداية التي تقع البلدية ضمن اختصاصها بموجب أحكام المادة (30) من قانون البلديات، في حين أن الطعن بنتائج الانتخابات النيابية ينعقد لمحكمة الاستئناف بموجب أحكام المادة (71) من الدستور الأردني والتعليمات الخاصة بذلك الصادرة عن الهيئة المستقلة للانتخاب.

خلاصة القول،

إن الاختلاف الكبير بين أحكام قانون البلديات التي ستجري بموجبه الانتخابات البلدية وقانون الانتخاب والتعليمات التنفيذية التي أصدرتها الهيئة المستقلة للإشراف وإدارة الانتخابات النيابية يثير تساؤلا حول قدرة الهيئة على القيام بأي دور يتعلق بالإشراف على الانتخابات البلدية. كما أنه يثير مخاوف جدية من الطعن بعدم دستورية نتائج الانتخابات البلدية لمخالفة قانون البلديات أحكام الدستور فيما يتعلق بإنكار استقلالية الهيئة التي تصر الحكومة على الزج بها في الانتخابات البلدية.
لذا وتجنبا لأي مشاكل دستورية، فإننا ندعو الحكومة إلى التراجع عن قرارها تكليف الهيئة المستقلة الإشراف على الانتخابات البلدية، وأن يتم إجراؤها بإشراف القضاة وفق أحكام القانون، وذلك لوجود شبهات مخالفة قانون البلديات لأحكام الدستور فيما يتعلق بإنكار استقلالية الهيئة المستقلة للانتخاب المقررة بموجب أحكام المادة (67) من الدستور

تكلم هذا المقال عن : إشراف الهيئة المستقلة على الانتخابات البلدية في مقال قانوني قيم