كانت الفقرة(أ) من المادة(48) من قانون الشركات التجارية لسنة 1957 تنص على انه (عند طرح الأسهم للاكتتاب العام على المؤسسين ان ينشروا بتواقيعهم (بيانا)يتضمن الأمور الآتية: …الخ). ونصت الفقرة(ثالثا)من المادة(39)من قانون الشركات لسنة1983، تحت عنوان (الاكتتاب العام براس المال)، على انه ، بعد اكتتاب المؤسسين (تطرح الأسهم الباقية على الجمهور خلال ستين يوما من تاريخ الموافقة على تأسيس الشركة(ببيان) يصدره المؤسسون ويتولى المسجل نشره في النشرة وفي صحيفتين يوميتين في الأقل ، ويتضمن ما يأتي : ….الخ). وهو تقريبا نفس ما اعادت الفقرة الثالثة من المادة(39) من قانون الشركات اللاحق(الحالي) لسنة1997 النص عليه، وان قلصت المدة من ستين يوما الى ثلاثين يوما، ولكن أضاف اليه الامر المرقم2004/64 ،قبل جملة(ويتضمن ما يلي : ) ، عبارة (وذلك بعد موافقة المسجل وتصدر موافقة المسجل خلال تلك الفترة الزمنية ما لم يجد المسجل ان أوراق التسجيل تضلل المستثمرين، وفي حالة رفض المسجل طلب طرح الأسهم للاكتتاب ، يحيل الموضوع الذي يقع في مجال اختصاصه الى سلطة الدولة ذات الاختصاص في أسواق الأسهم والأوراق المالية). ويتبين من ذلك، ان المشرع العراقي استعمل واحتفظ في جميع قوانين الشركات بمصطلح(بيان الاكتتاب)، وهو نفس المصطلح الذي استعمله المشرع اللبناني ، وكذلك المشرع السوري حتى إصداره قانون الشركات لسنة2008، إضافة الى المشرعين الكويتي، والبحريني.

بينما استعمل المشرع الأردني، ومثله المشرع العماني، وأخيرا المشرع السوري في قانون الشركات لسنة2008 ، مصطلح(نشرة الإصدار)، واستعمل كل من المشرع المصري والسعودي والاتحادي الاماراتي واليمني والقطري مصطلح(نشرة الاكتتاب). وهذا البيان او النشرة، ما هو الا الايجاب ممن يصدره، فان اقترن بتوقيع المكتتب الذي يعد قبولا له، انعقد عقد الاكتتاب بين الطرفين. انما ينبغي ملاحظة اختلاف مصدر الايجاب في الحالة التي يجري فيها الاكتتاب قبل اكتساب الشركة الشخصية المعنوية، عن مصدره في الحالة التي لا يجري فيها الاكتتاب الا بعد اكتساب الشركة هذه الشخصية. ففي الحالة التي يجري فيها الاكتتاب قبل اكتساب الشركة الشخصية المعنوية، يصدر الايجاب من مؤسسي الشركة، فيثير ذلك طائفة من التساؤلات القانونية التي لم يتفق الفقه والقضاء قط على الإجابة عليها،. خلافا للحالة التي لا يجري فيها الاكتتاب الا بعد اكتساب الشركة الشخصية المعنوية، حيث يصدر فيها الايجاب من الشركة المتمتعة بالشخصية القانونية المستقلة عن اشخاص المؤسسين والمساهمين عموما، فعند اقترانه بقبول المكتتبين في أسهمها المطروحة على الجمهور، يتم الاكتتاب بينها وبينهم ، وفي ذلك تسهيل للعلاقات القانونية الناشئة عنه. وهذا هو الحل الذي كان قد اخذ به المشرع العراقي في قانون الشركات التجارية لسنة1957، بنصه في المادة(43)منه على انه

(1- بعد صدور قرار الاجازة ، يقوم المسجل بالإجراءات التالية:

• استيفاء رسم التسجيل بالنسب المعينة في الجدول الملحق بهذا القانون .

• يسجل مضمون القرار مع البيان الكافية عن الشركة .

• يصدر شهادة التأسيس.

2- تكتسب الشركة الشخصية المعنوية عند صدور شهادة التأسيس ولا يجوز لها الدعوة للاكتتاب بأسهمها قبل الحصول على هذه الشهادة).

في حين ذهب المشرع في قانون الشركات لسنة1983، الى عكس ذلك تماما ، بنصه في البند(ب) من الفقرة(أولا) من المادة(21) على انه( في الشركة المساهمة تصدر شهادة التأسيس بعد اكتتاب الجمهور بأسهمها وخلال خمسة عشر يوما من تاريخ تقديم مؤسسيها المعلومات المنصوص عليها في المادة(46) من هذا القانون) ، وهي جميع(المعلومات عن عملية الاكتتاب بما في ذلك أسماء المكتتبين وعدد الأسهم التي اكتتب كل منهم بها وعناوينهم ومهنهم وجنسياتهم والمبالغ المدفوعة عن قيمة الأسهم). وهو نفس ما نص عليه أيضا، بعد ذلك، في البند(2) من الفقرة (أولا) من المادة(21) من قانون الشركات اللاحق(الحالي) لسنة1997 ، ولم يمسه امر سلطة الائتلاف المؤقتة المرقم2004/64 بتغيير. وهنا يعرض السؤال عن ماهية العلاقات القانونية التي تكون قد نشأت قبل صدور شهادة التأسيس، أي قبل اكتساب الشركة شخصيتها القانونية. وبكلمة أخرى، عن التكييف القانوني للشركة في دور، أي اثناء، الاعمال الممهدة لتأسيسها، وبالتالي طبيعة الروابط القائمة بين مؤسسيها والاغيار الذين تعاقدوا معهم قبل نشوء الشركة قانونا.

لقد اختلفت اراء الفقهاء وتعددت النظريات التي قيلت في هذا الصدد. فمن قائل بأن المؤسسين يؤلفون فيما بينهم قبل تسجيل الشركة وصدور شهادة تأسيسها، شركة مدنية او شركة محاصة معدومة الشخصية المعنوية، الى قائل باعتبار المؤسسين فضوليين او وكلاء لحساب الشركة المنوى تأسيسها، والى قائل بوجوب تفسير الالتزامات التي تنشأ بفعل المؤسسين على أساس نظرية الاشتراط لمصلحة الغير. بل ذهب البعض الى أن المؤسسين انما يتعاقدون بأسمائهم ولحسابهم الخاص، لينقلوا الى الشركة، عند تمام تأسيسها الحقوق والالتزامات الناشئة عن التصرفات والعقود التي أبرموها قبل ذلك(1). ولكننا نعتقد، مع أستاذنا بول كاري Paul carry، أنا أيا من هذه الآراء والنظريات لا يكفي لتفسير الأوضاع الخاصة الناشئة من وجود شركة في دور التكوين.. التي هي أقرب ما تكون الى جنين في بطن أمه، يحيط به نفس الغموض الذي يحيط بالسدم في الفضاء الكوني (2). وفي هذا الاتجاه، يرى الدكتور مصطفى كمال طه، (أن للشركة شخصية معنوية خلال فترة التأسيس وبالقدر اللازم للتأسيس، قياسا على الشخصية المعنوية التي تحتفظ بها الشركة في دور التصفية بالقدر اللازم للتصفية. وهذه الشخصية ليست كاملة بل هي شخصية في طور التكوين (كشخصية الجنين قبل ميلاده)، وهي محدودة بالقدر اللازم لتأسيس الشركة، والمؤسسون انما يتعاقدون في فترة التأسيس بوصفهم ممثلين للشركة تحت التأسيس…الخ)(3). ولكنه يستدرك، بعد ذلك، قائلا (على أن هذه الشخصية المعنوية المقررة للشركة تحت التأسيس محدودة بالقدر اللازم للتأسيس. ولذلك لا تسري العقود والتصرفات التي أبرمها المؤسسون خلال فترة التأسيس في حق الشركة بعد تأسيسها الا اذا كانت ضرورية لتأسيس الشركة …الخ)(4)،وليختتم رايه بقوله(كما ان هذه الشخصية المعنوية المقررة للشركة تحت التأسيس مشروطة بتمام تأسيسها تأسيسا صحيحا(كما هو الشأن في الجنين )الذي تكون صلاحيته في اكتساب الحقوق قبل ميلاده موقوفه على شرط تمام ولادته حيا . ويتفرع على ذلك انه اذا فشل مشروع الشركة اعتبرت هذه الشخصية المعنوية كأنها لم توجد ابدا ،ومن ثم يلتزم المؤسسون بصفة شخصية بالعقود والتصرفات التي قاموا بها في فترة التأسيس، سواء تعاملوا مع الغير باسمهم الخاص او باسم الشركة تحت التأسيس)(5

ولكن القياس مع فارق. حيث ان المادة (29) من القانون المدني المصري ، بعد ان نص في الفقرة(1)منها على انه (تبدا شخصية الانسان بتمام ولادته حيا، وتنتهي بموته)، استدرك في الفقرة (2) منها بالنص على انه (ومع ذلك فحقوق الحمل المستكن بعينها القانون)(6)، وهو نفس ما نصت عليه المادة(34) من القانون المدني العراقي مع اختلاف في عبارة الفقرة (2)منهما ، المتضمنة انه (ومع ذلك فحقوق الحمل يحددها قانون الأحوال الشخصية).وليس في هذين القانونين ،او في غيرها، نص مماثل ل(جنين الشركة)،وخصوصا ان هذين القانونين وغيرهما قد حددت وعددت الأشخاص (الاعتبارية)،حسب التعبير المصري (7)،او (المعنوية)،حسب التعبير العراقي، ومنها الشركات التجارية والمدنية ، مختتمة تعدادها بعبارة(كل مجموعة من الأشخاص او الأموال تثبت لها الشخصية (الاعتبارية) بمقتضى نص في القانون)، حسب تعبير المادة(52)من القانون المدني المصري (7)، وكذلك المادة(47)من القانون المدني العراقي، ولكن بعبارة (كل مجموعة من الأشخاص والأموال يمنحها القانون شخصية المعنوية)، وما من نص قانوني على ذلك في أي من هذين القانونين أو غيرهما. يرى الدكتور مصطفى كمال طه أن لرأيه سندا في التشريع المصري، الذي يعترف بالحقوق للشخص المستقبل، اذ يصبح فيه الاشتراط لمصلحة شخص مستقبل (م156 مدني)، كما أنه له سندا في نصوص القانون رقم (159) لسنة 1981 التي نصت المادة (13) منه على سريان العقود والتصرفات التي أجراها المؤسسون باسم الشركة تحت التأسيس في حق الشركة بعد تأسيسها متى كانت ضرورية للتأسيس)، على أساس أن (هذا النص يتضمن اعترافا واضحا بأن للشركة تحت التأسيس شخصية كافية لكي تلتزم بتصرفات المؤسسين تحت فترة التأسيس )(8). وهذا ما يراه أيضا الدكتور محمد فريد العريني، الذي يجد له سندا اخر في المادة (20) من نفس القانون رقم (159) لسنة 1981 القاضية بوجوب إيداع المبالغ المدفوعة من القيمة الاسمية للأسهم لحساب الشركة تحت التأسيس في أحد البنوك المرخص لها بذلك، إضافة الى الحكم الذي أصدرته محكمة النقض بتاريخ 1963/1/24 في اعتبار شركة المساهمة في فترة التأسيس ممثلة بالمؤسسين(9). ولكننا نعتقد ان ما نصت عليه المادة (156) من القانون المدني المصري، ومثلها المادة (154) من القانون المدني العراقي(10)، وكذلك ما نصت عليه كل من المادة (13) والمادة (20) من القانون المصري رقم (159) لسنة 1981، وحتى قرار محكمة النقض المصرية في 1963/1/24، المذكور أعلاه، غير كاف لقياس الشركة في دور التأسيس على الجنين في بطن أمه. والأولى بالمشرع، أن يحسم الأمر بنص صريح، بدلا من تركه (تائها) وسط الأحكام المبعثرة في مختلف التشريعات والمبادئ العامة للقانون. وهل من صعوبة لا يمكن تذليلها في ايراد مثل هذا النص الصريح؟

______________

1- في ذلك، الدكتور احمد إبراهيم البسام، الشركات التجارية في القانون العراقي، الطبعة الثانية بغداد 1967 بند 79، ص 103وما بعدها والمصادر المذكورة فيها، والدكتور طالب حسن موسى، الموجز في الشركات التجارية، الطبعة الثانية، بغداد 1975، بند 91، ص 139 و149، والدكتور عزيز العكيلي، شرح القانون التجاري ، الجزء الرابع في الشركات التجارية، عمان1998 ، بند 31، ص 206 – 202، والوسيط في الشركات التجارية، عمان2007، بند 131، ص 197 – 194، والمصادر المذكورة فيهما، والدكتور ب باسم محمد صالح والدكتور عدنان احمد ولي العزاوي ،القانون التجاري الشركات التجارية ،بغداد 1989، ص 181 187-، والمصادر المذكورة فيه، والدكتور احمد زيادات والدكتور إبراهيم العموش، الوجيز في التشريعات التجارية الأردنية،عمان 1996 ص 238 – 241.

2- محاضرات عن تأسيس شركة المساهمة، جامعة جنيف 1959. بنفس المعنى فريتز دشتايغر f.desteiger، قانون الشركات المساهمة في سويسرة، طبعة كوز اندي، لوزان 1950، ص 133 والمصدران المذكوران فيه: شتاوب staub في شرحه القانون التجاري الألماني، وليهمان lehmann، الشركات المساهمة.

3- مؤلفنا الوجيز في شرح القانون التجاري العراقي ، الجزء الثاني في الشركات التجارية ،الطبعة الثانية، بغداد 1972، ص 179.

4- نفس المصدر، بند175،ص180.

5- نفس المصدر ،بند175، ص180. وبنفس المعنى الدكتور محمد فريد العريني، الشركات التجارية، الإسكندرية 2000، بند 71،ص215، وبالاشتراك مع الدكتور محمد فريد العريني والدكتور محمد السيد فقي، القانون التجاري، بيروت 2003، بند 239،ص 443.

6- وهو نفس ما نصت عليه المادة (30) من القانون المدني الأردني ، مع اختلاف في عبارة الفقرة(2)منها المتضمنة انه (ويعين القانون حقوق الحمل المستكن).

7- او (الحكمية) حسب التعبير الأردني.

8- ومثلها المادة (50) من القانون المدني الأردني، ولكن دون وصف الشخصية(الاعتبارية) وانما بوصفها لحكمية.

9- نفس المصدر، بند 175، ص 179.

10- المصدر السابق، بند 171، ص 214 و 215، بالإشارة الى مجموعة أحكام النقض، السنة 14، ص 180. والراي مذكور كذلك في مؤلفه بالاشتراك مع الدكتور محمد السيد الفقي، المصدر السابق، بند 239، ص 442 و442.

11- والمادة (212) من القانون المدني الأردني.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .