كما هو معروف أن للأطباء وحدهم الحق في ممارسة مهنة الطب، فلهم استئثار علمي وقانوني فيما يتعلق بمزاولة هذه المهنة، وأن مباشرة العمل الطبي بوساطة طبيب يُعدّ سبباً من أسباب الإباحة التي تحول دون مساءلة الطبيب، فللأطباء الحرية في اختيار من يتعاقد معهم فلهم الحق في رفض التعاقد مع مريض معين، وهذا جاء تطبيقاً لمبدأ حرية الفرد في اختيار من يتعاقد معهم، فما دام للمريض الحق والحرية في اختيار الطبيب الذي يعالجه فانه يصبح من حق الطبيب أيضاً أن يختار المريض الذي يتعاقد معه. وهذا ما أكدته تعليمات(1). السلوك المهني للأطباء في العراق(2). في البند (خامساً) الذي نص على ما يأتي: (للطبيب حق الخيار في تقديم خدماته لمن يريد لأسباب مهنية أو لأسباب شخصية إلا في حالة الطوارئ أو حالة الضرورة وفي حالة ارتباطه بالعناية بمريض…….). كما نصت المادة (15) من لائحة آداب وميثاق شرف مهنة الطب البشري المصري لعام 1974 على أنه: (يجوز للطبيب أن يعتذر عن معالجة أي مريض منذ البداية لأسباب شخصية أو تتعلق بالمهنة).

وقضت المادة (13/ف ح) من الدستور الطبي الأردني بأنه: (فيما عدا حالات الطوارئ والإسعاف للطبيب الحق في رفض المعالجة لأسباب مهنية أو شخصية). كما نصت الفقرة (د) من المادة نفسها على أنه: (يمكن للطبيب أن يمتنع عن معالجة مريضه بشرط 1. …….. 2. ……..). كما أكد قانون الآداب الطبية اللبناني ذو الرقم (288) الصادر في 22/2/1994 على حق الطبيب في اختيار مرضاه في المادة (27/ف 12) والتي جاء فيها: (على الطبيب أن يترك للمريض في …….. حرية اختيار الجراح ولهذا الأخير أن يرفض كل قرار باجراء عملية….. ولأي سبب شرعي آخر). كما نصت المادة (44) من مدونة أخلاقيات الطب الجزائري رقم (92- 276) في 1992(3). على أنه: (للمريض حرية في اختيار طبيبه أو جراح أسنانه أو مغادرته ويبقى للطبيب أو جراح الأسنان أن يحترم حق المريض هذا ….. ويمكن للطبيب وجراح الأسنان أن يرفض لأسباب شخصية تقديم العلاج).

كما أشار قانون المهن الصحية اليمني(4). إلى حرية الأطباء وحقهم في اختيار مرضاهم وذلك في المادة (5/ف و) من الفصل الرابع التي جاءت تحت عنوان حقوق وواجبات ذوي المهن الصحية(5).إذ نصت على أنه: (يتمتع ذوو المهن الصحية بالحقوق والواجبات التالية: و. الامتناع عن تقديم الخدمات الطبية تحت شروط الإكراه أو الإملاء….). أما عن موقف المشرع الفرنسي فقد قضت المادة (47) من قانون أخلاقيات مهنة الطب لعام 2002 بما يطابق هذه النصوص إذ نصت على ما يأتي: (ومهما كانت الظروف فانه ينبغي ضمان استمرار العناية بالمرض وباستثناء الحالات المستعجلة أو حالة الضرورة أو الحالة التي يقصر فيها الطبيب في القيام بواجباته الإنسانية فان من حقه رفض القيام بأعمال العناية لأسباب مهنية أو شخصية وإذا ما تخلص من مهمته فان عليه عندئذ إخطار المريض…..).

فمن خلال النصوص القانونية المذكورة آنفاً نجد أن المشرع العراقي قد أعطى للطبيب الحق والحرية في تقديم خدماته لمن يشاء من المرضى بمعنى أن إرادته حرة في اختيار مريضه ولا يجبر على ذلك باستثناء حالة الضرورة، وكان الأولى بمشرعنا(6). أن يضيف إلى حالة الضرورة حالة المستشفيات العامة لأن الطبيب في هذا الفرض أيضاً يفقد حريته باختيار مرضاه، كما يؤخذ على النص الذي جاءت به تعليمات السلوك المهني للأطباء مأخذ آخر ألاَّ وهو الصيغة التي جاء بها، إذ لم يصغ بصياغة قانونية دقيقة والدليل على ذلك العبارة التي جاء فيها (تقديم خدماته لمن يريد)، في حين أن مهنة الطب مهنة تنطوي على الطابع الإنساني الرفيع، فالأولى أن تعاد صياغة هذه المادة بطريقة قانونية دقيقة معبرة عن رفعة ومكانة مهنة الطب الإنسانية مقارنة بالمهن الأخرى، ونأمل أن يكون النص بالشكل الآتي: (يجوز للطبيب أن يعتذر عن معالجة مرضاه لأسباب شخصية أو تتعلق بالمهنة إلا في حالة الطوارئ أو حالة الضرورة وحالة المستشفيات العامة).

كما أن للطبيب وفقاً للمشرع الحق في تقديم اعتذاره لمن يرغب عن معالجته من المرضى أي بمعنى أن له كامل الحرية في اختيار مرضاه، كما أشار المشرع الأردني إلى حق الطبيب في اختيار مرضاه إذ بامكانه أن يرفض المعالجة لأسباب مهنية أو شخصية باستثناء حالة الضرورة وأشار المشرع اللبناني إلى ذلك إلا أن النص اقتصر على حق الطبيب الجراح، في حين أن حق الطبيب باختيار مرضاه لا يقتصر على الأطباء الجراحين فقط، إنما يشمل كل طبيب وبجميع الاختصاصات، أما عن موقف المشرع الجزائري واليمني والفرنسي فقد اتفقوا أيضاً على مبدأ عام باعطاء الطبيب الحق في اختيار مرضاه، وبعبارة أخرى يمكننا القول أن جميع القوانين المقارنة وإن اختلفت في التعبير فهي متفقة في المعنى على إعطاء الطبيب الحق والحرية في اختيار مرضاه لكن أهذه الحرية مطلقة، أم هناك من الاعتبارات والحدود ما يحول أو يحد منها؟! للإجابة عن هذا السؤال المطروح نقول أن الطب ما هو إلا وظيفة اجتماعية يتعين بمقتضاها على الطبيب أن يلتزم بأدائها وفقاً لما تمليه مصلحة المجتمع والحالة الإنسانية، وعليه لايحق للطبيب أن يمتنع عن تلبية إغاثة أو دعوة المريض، ولا يحق له أن يتخذ موقفاً سلبياً لا يخدم مصلحة المجتمع والحالة الإنسانية، فالتطور الاجتماعي اتجه بالنظام القانوني إلى تعزيز فكرة الوظيفة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي، فتقررَّ مبدأ حرية الطبيب في اختيار مرضاه إلا أن هذا المبدأ لايبدو مطلقاً إذ وردت عليه استثناءات كحالة التعاقد بين الطبيب وإحدى المنشآت، وحالة الضرورة، وحالة كون الطبيب عضواً في الفريق الطبي. لكن هل يُّعَدُ الطبيب في حالة ايجاب دائم؟! للإجابة عن ذلك لابد من الرجوع أولاً إلى نص المادة (80) فقرة (2) من القانون المدني العراقي إذ نصت على أنه: “2. أما النشر والإعلان وبيان الأسعار الجاري التعامل بها وكل بيان آخر متعلق بعروض أو بطلبات موجهة للجمهور وللأفراد فلا يعتبر عند الشك ايجاباً وإنما دعوة إلى التفاوض“. فوفقاً لهذا النص يعد الأطباء الذين يعلنون عن أسمائهم واختصاصاتهم وتحصيلهم الدراسي في حالة ايجاب وهذا بيّن من العبارة التي جاء بها النص (الإعلان) لأن لوحة الدلالة تقوم مقام الإعلان إلا أن طبيعة العقد الطبي وخصوصيته تدفعنا إلى القول بعكس ذلك، إذ أننا نرى أن الطبيب في مثل هذه الفروض يكون في حالة دعوة إلى التعاقد وليس في حالة ايجاب موجهة للجمهور وذلك للأسباب الآتية:

1. ان العقد الطبي من عقود الثقة التي تقوم على الاعتبار الشخصي وهذه الثقة لا تقتصر على ثقة المريض بالطبيب، بل تمتد إلى ثقة الطبيب بعلمه وفنه وخبراته وإمكانياته في القيام بالتداخلات العلاجية أو الجراحية، فلا ينعقد هذا العقد بمجرد دخول المريض إلى طبيبه، إنما ينعقد في اللحظة التي يتطابق فيها الايجاب بالقبول وهذا لا يتم إلا بعد دخول طرفيه في حوار ومناقشة حول نوع التدخل الطبي وطبيعته ومخاطره وآثاره وحتى نتائجه، لان المريض بدخوله إلى طبيبه يعد ذلك ايجاباً منه ،ومن ثم فان من حق الطبيب ان يقبل بعلاج المريض من عدمه، فاذا قبل ذلك عد هذا قبولا للايجاب ومن ثم انعقد العقد بين طرفيه لتطابق الايجاب القبول.

إذ ان التطابق يعني ان ينصرف القبول إلى كامل الايجاب وعليه فان أي إضافة أو تعديل صادر عن القابل بخصوص الايجاب يمنع التطابق(7). أما إذا رفض الطبيب تقديم خدماته الطبية للمرضى انعدم العقد ،لان ايجاب المريض لم يصادفه قبول، إذ من حق الطبيب ان يمتنع عن تقديم خدماته الطبية للمرضى يشرط ان لا يكون متعسفا في استعمال حقه هذا.

2. وما يؤكد القول بأن الطبيب بهذا الفرض في حالة دعوة إلى التعاقد هو، أنه لو عددناه في حالة ايجاب، فانه يشترط في الايجاب ذاته قيام شروط معينة وهي أن يكون محدداً ومؤكداً وقاطعاً، إلا أن تحديد الأطباء أجرة الفحص لا يكفي للقول بأن الطبيب في حالة ايجاب دائم، لأنه لابد أن يكون الايجاب مؤكداً وقاطعاً في الوقت نفسه وكي يكون كذلك يجب أن يكون كلاً من طرفي العقد قد أرادا التعاقد حقيقةً وألا يكون لدى أي منهما تحفظات على التعاقد، لكن في الواقع أن طرفي العقد الطبي قد يبديان نوعاً من التحفظ بعد أن يدخل المريض في حوار ومناقشة مع طبيبه على نوع التدخل الطبي وطبيعته. إذاً، فان الطبيب بهذا الفرض يعد في حالة دعوة إلى التعاقد خاصةً وأن الدعوة إلى التعاقد لا تتضمن شروط العقد الجوهرية، إنما الهدف منها هو حدوث اتصال بين الطرفين لمناقشة هذه الشروط وتحديدها بغية التوصل إلى اتفاق بشأنها، أي أن الأسس المقترحة لم تحدد بعد في صفة نهائية(8).. ومع ذلك فقد تبين لنا من خلال الاستبيان الذي أجريناه على عينة من الأطباء العاملين في المستشفيات الأهلية (الخاصة) والحكومية والعيادات الخاصة في مدينة الموصل أن ما يقارب (43.5%) من الأطباء يعتبرون أن مجرد دخول المريض إلى عيادة الأطباء بمثابة قبوله بالعقد الطبي وهذه النسبة قليلة لا يعول عليها، في حين أن (56.5%) منهم يذهبون إلى عكس ذلك وهذا هو الاتجاه الموافق للقانون، إذ لا يمكن أن نعدّ مجرد دخول المريض إلى طبيبه بمثابة قبوله للعمل الطبي أياً كان، مالم يقترن ذلك بحوار ومناقشة وأخيراً اتفاق بين الطرفين(9).

___________________________

– أصدرها مجلس نقابة الأطباء استناداً لحكم الفقرة (أولاً) من المادة (22) من القانون رقم (81) لسنة 1984 بقراره المرقم (6) المتخذ بالجلسة (8) في 19/5/1985.

2- كما أشار مشروع دستور السلوك المهني الطبي العراقي لعام 2002 في الفقرة (ثالثاً) منه إلى نص مطابق حرفياً لما أشارت إليه تعليمات السلوك المهني بهذا الخصوص.

3- تم الحصول على هذا القانون عن طريق الانترنيت على الموقع: [email protected].

4- القرار ذو الرقم (32) لسنة 1992، نشر في الجريدة الرسمية، العدد (7) في 15/4/1992.

5- وقضت المادة (7/ف1) من قانون ممارسة مهنة الطب البشري الكويتي لعام 1981 على أنه:
(لايجوز لأي طبيب أن يمتنع عن علاج مريض مالم تكن حالته خارجة عن اختصاصه أو قامت لديه أسباب واعتبارات تبرر هذا الامتناع).

6- وحتى القوانين المقارنة كان الأولى بها أن تضيف إلى حالة الضرورة حالة المستشفيات العامة باعتبارها ضمن الحالات التي يفقد فيها الطبيب حريته باختيار مرضاه.

7- د. يزيد أنيس نصير، التطابق بين القبول والايجاب في القانون الأردني والمقارن، بحث منشور في مجلة الحقوق، العدد 4، السنة 27، 2003، ص99.

8- ينظر في التمييز بين الايجاب والدعوة إلى التفاوض: د. رجب كريم عبد اللاه، التفاوض على العقد، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص87 ؛ د. محمد ابراهيم دسوقي، الجوانب القانونية في إدارة المفاوضات وابرام العقود، الإدارة العامة للبحوث، دون مكان طبع، 1995، ص29؛ د. سعد حسين عبد ملحم، التفاوض في العقود عبر شبكة الإنترنت، ط1، جامعة النهرين، 2004، ص9.

9- ينظر: الملحق رقم (2).

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .