ماهية التحكيم الالكتروني .. مزايا ومعوقات ومراحل التحكيم الالكتروني .

تطورات مستمرة يشهدها العالم تصل إلى حد الثورات المتتالية التى بدأت بالثورة الزراعية مروراَ بالثورة الصناعية حتى ثورة الإتصالات والمعلومات التى تُشكل أحد العناوين البارزة للمرحلة التاريخية الراهنة من تاريخ الإنسانية، التى  بدأت تفرض نفسها كمحرك جديد للتنمية الاقتصادية حتى أصبحت وسائل الاتصال الحديثة وعلى رأسها الانترنت.

شبكات الإتصال زالت الحدود الجغرافية، وتغير الزمان باتجاه الاختصار والاقتراب بدرجة كبيرة حتى أصبح العالم مجرد قرية صغيرة أو كما يطلق عليها البعض قرية واحدة إلكترونية، ولقد انعكس هذا التطور المعلوماتي حتى على التصرفات القانونية حتى ازدهرت بنتيجة العولمة عقود كثيرة تتم عبر الإنترنيت.

أولا التعريف

وفى هذا الصدد يقول يقول رجب السيد قاسم، المحكم الدولى و الخبير القانونى، أنه يمكن تعريف التحكيم الالكتروني على أنه أسلوب اتفاقي على إخضاع المنازعة التي نشأت أو ستنشأ مستقبلاً من علاقات تجارية الكترونية أو عادية إلى التحكيم بإجراءات الكترونية.

وأضاف «قاسم» فى تصريح لـ«صوت الأمة» أنه انطلاقاً من هذا التعريف يتبين لنا أن التحكيم الالكتروني ما هو إلا تحكيم تقليدي يعتمد على وسائل الاتصال الالكترونية في جميع مراحله، بدءً من إبرام اتفاق التحكيم مروراً بإجراءات خصومه التحكيم وحتى صدور الحكم التحكيمي، حيث أن التحكيم الالكتروني يتميز بأنه يتم في عالم افتراضي حيث لا وجود للورق والكتابة التقليدية، كما أنه لا داعي للحضور المادي لأطراف النزاع أو أعضاء هيئة التحكيم في مكان محدد، أضف إلى ذلك حتى حكم التحكيم يصدر بشكل الكتروني ومذيلاً بتوقيع إلكتروني ويرسل إلى الأطراف جاهزاً باستخدام وسائل الاتصال الإلكترونية، لاسيما البريد الالكتروني.

ثانياً – مزايا التحكيم الإلكتروني

1-السرعة الكبيرة في فصل النزاع

 إن أهم ميزة للتحكيم الإلكتروني هي السرعة في فصل النزاع، وهذه الميزة تفوق كثيراً سرعة الفصل في المنازعات المعروضة على التحكيم التقليدي والذي يحتاج إلى مدة أطول بكثير مما يتطلبه هذا التحكيم .  

والسبب في توفير الوقت يرجع إلى أنه لا يلزم في التحكيم الإلكتروني انتقال أطراف النزاع وحضورهم المادي أمام المحكمين، فحتى سماع المتخاصمين وشهودهم يمكن أن يتم عبر وسائل الاتصال الإلكترونية. كما أن التحكيم الإلكتروني يُمكّن من تبادل المستندات والأدلة فيما بين أطراف خصومة التحكيم في ذات اللحظة عبر البريدالإلكتروني أو أية وسيلة إلكترونية أخرى.

2-السرية العالية العملية التحكيم :

وهي ميزة تتمتع بها جميع أنواع التحكيم ويجب احترامها في كل المراحل التي يمرّ بها التحكيم، فالأصل في أي تحكيم عدم العلانية وذلك حتى لا يؤدي إلى إلحاق الضرر بسمعة الأطراف المحتكمين ونشاطاتهم .   

والواقع أن السرية التي يكفلها التحكيم الإلكتروني تبدو أكثر أهمية في مجال العلاقات التجارية الدولية التي تبرم بطريقة إلكترونية ، ذلك أن الاتصالات الالكترونية تنجز بسرعة فائقة ومن ثم فإن انتشار الأخبار التي تنطوي على أسرار تجارية أو صناعية أو مالية أو اقتصادية سيتم فضحها بسرعة غير متوقعة.

3-ضآلة نفقات التحكيم :

يحقق التحكيم الالكتروني خفض كبير في النفقات لأنه لا يستدعي سداد نفقات انتقال وإقامة ولا حتى استقرار المحكمة بمكان محدد، وهذا يجعله أكثر ملائمة للمنازعات التي تفرزها عقود التجارة الإلكترونية والتي تكون في الغالب الأعم ذات قيمة متواضعة.  

ولاشك أن استخدام نظم الوسائط المتعددة التي تتيح استخدام الوسائل السمعية والبصرية (Video conference)  فيعقد جلسات التحكيم على الخط المباشر للأطراف وللخبراء يُساهم أيضاً في تجنب نفقات السفر والانتقال.

4-تولي التحكيم أشخاصاً أكثر حيدة وخبرة :

في الغالب يتم اختيار المحكمين في التحكيم الالكتروني بعيداً عن المعرفة المسبقة بأطراف النزاع، ومن ثم فان المحكمين فيه يتمتعون بقدر أكبر من الحيدة والاستقلالية تجاه الطرفين .  

ومن جهة أخرى يستلزم حلّ المنازعات التي تنشأ عن إبرام وتنفيذ العقود الإلكترونية أشخاصاً يتمتعون بخبرات في هذا المجال وهي خبرات لا تتوافر، غالبا ، في القاضي أوالمحكّم الوطني.

ثالثاً – معوقات التحكيم الالكتروني

1-عدم مواكبة النظم الحالية للتطورات التي تحصل في مجال التجارة الالكترونية :

فبعض النظم القانونية لم تُشرّع حتى الآن قواعد خاصة بالمعاملات الالكترونية، وبعضها الآخر يعاني من جمود القواعد القانونية فيما يتعلق بإجراءات التقاضي والتحكيم، وقد لا يعترف أصلاً بصحة إجراء التحكيم بوسائل الكترونية، الأمر الذي يطرح إشكالية حقيقية حول الاعتراف بحكم التحكيم الالكتروني وقابليته للتنفيذ جبراً.

2-عدم التزام المحكّم بتطبيق القواعد الآمرة المنصوص عنها في القانون الوطني :

كثيراً ما يخشى الأطراف – لاسيما الضعفاء منهم – اللجوء إلى التحكيم الالكتروني خاصةّ ، لأنه لن يضمن الاستفادة من القواعد الآمرة الحمائية المنصوص عنها في القانون الوطني .  

فعلى سبيل المثال لو كان أحد أطراف النزاع مستهلكاً وصدر حكم التحكيم الفاصل للنزاع دون مراعاة أحكام قانون المستهلك الوطني لكان هذا الحكم عرضة للبطلان واستحال تنفيذه.

مراحل التحكيم الالكتروني

مراحل التحكيم الالكتروني تشبه إلى حد كبير مراحل التحكيم التقليدي، مع ذلك فإن مباشرة التحكيم بوسائل الكترونية له خصوصيته فيما يتعلق باتفاق التحكيم والتبليغ وتحديد مكان التحكيم وإصدار الحكم وتنفيذه.

أولاً : اتفاق التحكيم الالكتروني

اتفاق التحكيم الالكتروني هو اتجاه إرادة طرفين على اللجوء إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو قد تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونيه معينه عقدية أو غيرعقدية عبر وسائل الاتصال الالكترونية ، ومن هنا يظهر أن اتفاق التحكيم الالكتروني في مضمونه لا يختلف عن أي اتفاق تحكيم آخر سوى أنه يتم بشكل الكتروني.

 هذا ويشترط لصحة اتفاق التحكيم الالكتروني شروط موضوعية تتمثل بشكل رئيسي في أهلية أطراف التحكيم وخلو العقد (أو الاتفاق) من عيوب الإرادة وقابليه النزاع للتسوية عن طريق التحكيم، وهذه الشروط لا تثير أية مشكلة في اتفاق التحكيم الالكتروني بالمقارنة مع شرط الشكلية أو الكتابة الواجب توفره في اتفاق التحكيم.

فمعظم القوانين الوطنية تشترط الكتابة في اتفاق التحكيم ليكون ملزماً لأطرافه.  

إشكالية التحكيم الإلكتروني من الفروض التقليدية والحديثة

وهنا نجد أن النطاق القانوني لتطبيق نظام التحكيم الإلكتروني يثير عدة مسائل: –

المسألة الأولى : وهى مسألة إشتراط الكتابة فى التحكيم

يقابلنا العديد من الصعوبات الشكلية وليست الموضوعية فى عقد إتفاق التحكيم بالطرق الإلكترونية، وذلك فى كيفية إبرامه وفى إثارة مسألة الكتابة وبيان إتفاق أطرافه، ونجد أن الغالب الأعم من المشرعين تتطلب أن يكون إتفاق التحكيم مكتوبا.

أمثلة:

فنجد المشرع السورى والكويتى قد تناولوا تلك المسألة بقولهم لا يثبت التحكيم إلا بالكتابة، ونجد المشرع البحرينى أوجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا ويعتبر الإتفاق مكتوبا إذا ورد فى وثيقة موقعة من الطرفين أو تبادل الرسائل أو تلكسات أو برقيات أو غيرها من وسائل الاتصال السلكى واللاسلكي تكون بمثابة سجل للإتفاق أو فى تبادل المطالبة والدفاع الذى يدعى فيها أحد الطرفين وجود اتفاق ولا ينكره الطرف الآخر وتعتبر الإشارة فى عقد ما إلى مستند يشتمل على شرط التحكيم بمثابة إتفاق تحكيم شريطة أن يكون العقد مكتوبا وأن تكون الإشارة قد وردت بحيث تجعل ذلك الشرط جزءا من العقد. 

والمشرع المصرى والأردنى والجزائرى أوجب أيضا أن يكون إتفاق التحكيم مكتوباً وإلا كان باطلا ويكون إتفاق التحكيم مكتوباً إذا تضمنه محرر وقعه الطرفان أو إذا تضمنه ما تبادله الطرفان من رسائل أو برقيات أو غيرها من وسائل الإتصال المكتوبة.

والمشرع الفيدرالى الأمريكى جعل الكتابة شرط لصحة عقد التحكيم وشرط لإعطائه القوة الملزمة.

وأوضح «قاسم» أن ما أثاره المشرعين وخاصة المصرى والأردنى والبحرينى فى المواد التى تناولت شرط الكتابة أجد أنه قد إتسع لكل ألوان التحكيم ومنها التحكيم الإلكترونى فمعنى الكتابة هنا لا يتطرق لنوعية التحكيم ولكن مهما كانت تلك النوعية يكون إتفاق التحكيم باطلا وهنا القاعدة آمرة لايجوز الإتفاق على ما يخالف حكمها، ولكن السعه هنا فى قول المشرع أوغيرها من وسائل الإتصال المكتوبة وهنا يمكن إبرام الإتفاق عبر وسائل الإتصال الإلكترونية, وذلك من خلال التواصل عبر شبكة المعلومات أو تبادل المستندات عبر الفاكسات أو التلكسات ولا فرق بين الكتابة المادية والكتابة الإلكترونية مادامت تخرج من العالم الإفتراضى إلى العالم المادى.

المسألة الثانية : مسألة الحضور الإفتراضى لأطراف النزاع .

التحكيم العادى تنعقد جلساته بحضور أطرافه بشكل مادى والتعامل مع المحكمين وتبادل المذكرات والمرافعات وسماع الشهود، والإثبات، وتحديد مكان التحكيم حيث أن المكان يثير تحديد القانون الواجب التطبيق.

والإتفاق على التحكيم إليكترونيا يتم بتأكيد قبول التحكيم ممن وجه إليه وهو الطرف الثانى، بالإضافة لهذا يتم قبل ذلك مراجعة طلب التحكيم للتأكد من صحة كافة البيانات، والأمم المتحدة قد أقرت في مادتها العاشرة جواز التعاقد عن طريق وسائل الإتصال الفوري المختلفة ومنها طريق الإنترنت.

 ومسألة الإثبات الإلكترونى أصبحت فى محل الحل بعد أن صدر القانون 15 لسنة 2004 المصرى والقانون 85 لسنة 2001 الأردنى، فجعلت المحرر الإلكترونى يحوز حجية المحرر الرسمى والعرفى فى المواد المدنية والتجارية متى إستوفت الشرائط التى تطلبها القانون وبالنسبة للقانون الواجب التطبيق لايمثل أى مشكلة حيث يمكنهما الإتفاق على أى قانون يحكم مسألة النزاع الواقع على عقود المصنفات الرقمية، وبالتالى تصبح مسألة الاثبات لاتمثل أى معضلة وتتم وفقا لرغبات وإختيار أطراف التحكيم الذين إمتثلوا لهذا الطريق مختارين.

وأشار «قاسم» إلى أن مسألة الحضور الإفتراضى فى التحكيم الإلكترونى وخاصة الواردة على نزاعات التعاقدات الخاصة بالمصنفات الرقمية المختلفة وغيرها من العقود، يجب أن يكون لها حل من أرض الواقع وأقترح بأن يكون من الطبيعى أن لكل شخص بجانب شخصيتة الطبيعية، شخصية إفتراضية لها سمات وتعريفات إليكترونية، يتم تأمينها بطرق تقنية كتأمين التوقيعات الإلكترونية بمقتضى التشريعات الصادرة.

وتصبح تلك الشخصية معروفة ومؤمنة عبر الشبكات فبمجرد إظهار ذلك الملف الخاص بها، تصبح الشخصية الإفتراضية تمثل شخصية صاحبها الطبيعى عبر تلك الشبكة ويستطيع القيام بكافة المعاملات من مكتبه عبر العالم الغير محدود ويكون ذلك الملف فى العالم الإفتراضى كالبصمة الوراثية فى العالم المادى سواء بسواء، وعلى هذا يمكن إجراء التحكيم كليا بالطريق الإلكترونى دونما حاجة لجلسات مادية وذلك بالإضافة لكون المحكم أيضا إفتراضى وهنا يلزم أن يتم تغذية المحكم الإفتراضى بكافة النزاعات المفترضة والمختلقة وكيفية حلها آليا وذلك وفق إتفاق أطرافها أيضا آليا وبالكيفية الإفتراضية المعبرة عن شخصياتهم كما أسلفنا.

المسألة الثالثة : التنفيذ الوطنى لقرار التحكيم الإلكترونى

«إن أثر العمل القانونى يتبع طبيعته وليس العكس مما يعنى أن طبيعة العمل القانونى هى أساس أثره» فكان من العصى فى الأوقات السابقة تنفيذ أى قرار.

تحكيمى صادر بالإسلوب الإلكترونى لأن الدول تركن إلى تنفيذ قوانينها الداخلية والمعاهدات والإتفاقات الدولية التى صدقت عليها ودخلت حيز التنفيذ بالنسبة لها وبالتالى ليس على الدولة تكليف بتنفيذ أحكام التحكيم الإلكترونى التى تمت بإتفاقات خاصة، ولكن الآن وبعد أن بدأت الدول فى الدخول فى تأسيس الإتحادات الخاصة بالتحكيم الإلكترونى كما أسلفنا فستصبح المسألة مستساغ تطبيقها.

إعادة نشر بواسطة محاماة نت