بحث قانوني ودراسة عن الملكية الدستورية في ضوء الدستور الليبي “الجزء الأول”

بقلم: محمد أمين العيساوي

تمهيد:

الملكية الدستورية شكل من أشكال الحكم [1]، عرفها تاريخ الأنظمة السياسية منذ إندلاع الثورة الفرنسية [2]، فهي تمثل إحدى أهم ما أنتجته فلسفة الأنوار على الصعيد الدستوري والسياسي، وإنتصارا دستوريا على الإستبداد المطلق الذي عرفته أوروبا من خلال ملكيات التفويض الإلهي التي عاشتها في القرون الوسطى. وعرفت تطورات في مضامينها أملتها عليها ظروف كل بيئة سياسية وإجتماعية تبنتها منذ أن أحتضنتها الثورة الفرنسية الى وقتنا الحاضر.. فظروف تطورها في إنجلترا مثلا هي غير ظروف تطورها في فرنسا، وكل له خصوصيته التي تميزه عن غيره، سواء من حيث النشأة أو من حيث التطور الذي لحق به، ومع ذلك نجد هناك معايير أساسية للملكية الدستورية تميزها عن غيرها من الملكيات، وهو ما سنتناوله لاحقا في هذه المقالة، والتي سأتناول فيها بإذن الله مفهوم الملكية الدستورية كما أستقر عليه الفقه الدستوري وكيف تبناها دستور المملكة الليبية، في محاولة لتبسيط تلك المفاهيم والمباديء الدستورية لتقريب فهمها لغير المتخصصين، وهي محاولة لنزع النصوص من مثنها وجعلها تعيش بين كافة المواطنين لتحقيق الغاية المرجوة منها في دسترة المجتمع، وفي تقديري فإن مواضيع القانون الدستوري لأهميتها ليست مقتصرة على مدرجات كليات الحقوق، فهى مواضيع لا تهم ذوي الإختصاص القانوني فحسب وإنما يجب أن يلم بها كل المواطنين، اليس الدستور هو الذي ينظم العلاقات بين مؤسسات الدولة ويبين الحقوق والواجبات لكل مواطن؟ من هذا الإعتبار كان إهتمامي بهذا الموضوع وتناولي له، ولإعتبار آخر لا يقل عنه أهمية وهو تبني الدستور الليبي للملكية الدستورية شكلا للحكم في الدولة التي انشأها [3] مما صارت معه عنوانا له، فنحن حينما نتحدث عن الدستور الليبي، فإننا في الحقيقة نتحدث عن عنصرين أساسيين قام عليهما ذلك الدستور هما الملكية الدستورية كشكل للحكم، والنظام النيابي كنظام سياسي للدولة.

وإذا كانت الدساتير في حقيقتها هي إنتصارا لإرادات صانعيها، وأنها ترجمة لعقيدة النظام السياسي للدولة، فإن الدستور الليبي كان بحق إنتصارا لإرادة الإستقلال [4]، وترجمة لعقيدة الديمقراطية التي طمح اليها واضعوه، وهي عقيدة النظام السياسي الذي تبناه وضمّنه مواده ال 178 [5]، وعلى هذا الأساس فإن هذه المقالة سوف تقتصر على دراسة المؤسسة الملكية إن صح التعبير وهي التي عبر عنها الدستور بـ “الملك” من حيت وضعه الدستوري بين مؤسسات الدولة الأخرى [6] وعلاقته بتلك المؤسسات، دون التطرق الى المؤسسات الدستورية الأخرى إلا بالقدر الذي يخدم الموضوع لزيادة التوضيح، وسيكون تناولنا له من خلال المبحثين التاليين:

المبحث الأول: الملكية الدستورية (النشأة والمباديء)

أولا: الملك والسيادة
ثانيا: الثورة الفرنسية وتقييد إطلاق المؤسسة الملكية
ثالثا: ملك يسود ولا يحكم “بين الحقيقة والواقع” (النظام الإنجليزي والملكية الدستورية)
رابعا: المباديء الأساسية للملكية الدستورية

المبحث الثاني: الملكية الدستورية في ضوء الدستور الليبي

أولا : الملك والسيادة
ثانيا: الملك وعدم المسؤولية
ثالثا الملك ومؤسسة البرلمان
رابعا: الملك والسلطة التنفيدية “الحكومة”

وقبل أن أختم هذا التمهيد والشروع في تناول الموضوع، فإنني أودّ أن أشير الى مسألة ظل يرددها البعض كلما ورد الحديث عن الدستور الليبي، وهي أن هذا الدستور قد تم وضعه قبل ثماني وخمسون سنة، وحصل له إنقطاع ما يقارب الأربعون سنة ، مما يجعله غير صالحا لواقعنا الحالي بنصوصه التي تضمنها، ومن ثم تنعدم الفائدة من تناوله بالدراسة اللهم إلا من الناحية التاريخية، وأنا أقول لمن يعتقد ذلك أن في المسألة مغالطة للواقع، صحيح أن الدستور وضع منذ سنة 1951م، وأنه عاش تجربة عملية لمدة ثمانية عشر سنة، بعمر أربع برلمانات كتجربة إنتخابية، وهي إذا ما قورنت بالظروف المجتمعية في تلك الحقبة نجد أنها لا تمكن الباحث من تقييم تلك التجربة التي بطبيعة الحال سترتكب فيها العديد من الأخطاء سواء كان من المؤسسة الإنتخابية أو من جانب الإدارة/ السلطة، نظرا لحداثة العهد بالنظام النيابي، ومن ثم فإن تطور المجتمع مع متطلبات الدسترة لم يصل بالشعب الى مستوى الأسس والمباديء التي جاء بها الدستور، ففي ليلة إغتصاب الشرعية كانت الهوة ما زالت قائمة بين نصوص الدستور والواقع المعاش، إذ لم يرتقي الشعب بعد بالتجربة الى مستوى النصوص الدستورية، وكانت النخب السياسية المتجددة التي ستردم هذه الهوة بدأت بالفعل تتشكل، إلا أن ما حصل منذ 1/9/1969م الى يومنا هذا قد أعاد الواقع الليبي وللأسف الى ماقبل سنة 1951م فبقي البون شاسعا الآن بين الواقع الإجتماعي المعاش وبين نصوص الدستور، وتأمل معي أخي القاريء، شعب منقطع عن التجربة الإنتخابية البدائية وليست المتقدمة أي إنتخابات الدوائر الفردية وليست إنتخابات القائمة والبرامج الحزبية [7] ومغيب عن الحياة الحزبية لا يعرف عنها شيء سوى ما يشاهده على الفضائيات، هل ستتوقع منه نضج للتجربة الدستورية منذ الوهلة الأولى؟ بكل تأكيد سيحتاج الى وقت ليس بالقصير حتى يعيش ليس التطورات التي تحصل على دستور 1951م وإنما كي يعيش النصوص التي تضمنها الدستور، وأهم مافيها حق المواطنة الذي صودر من القاموس الليبي لمدة أربعون سنة.

لذلك فإنني ومن خلال معايشتي للواقع لم أر أي أثر سلبي لهذا الإنقطاع الدستوري العمدي على الدستور، فالواقع لم يتغير فيه شيء الى الأفضل بل كما قلت عاد الى نقطة البدء في سنة 1951م.

وإلى لقاء مع الأجزاء الأخرى، أستودعكم الله ودمتم في رعايته.

الهوامش

[*] أعني بالدستور الليبي “دستور 1951م”، ولقد تعمدت عدم ايراده بهذه التسمية لأن القول بدستور 1951م يعني هناك دستور آخر غيره والحقيقة أن ليبيا لم تعرف دستورا بالمعنى الدقيق للكلمة سوى ذلك الدستور، فإذن حينما نقول الدستور الليبي ينصرف الفهم الى الدستور الصادر في 7 أكتوبر 1951م.

[1] كثيرا ما يجري الخلط بين شكل الحكم، والنظام السياسي، فشكل الحكم يعبر عن أداته ملكية أو جمهورية أي بحسب صفة الرئيس الأعلى للدولة ملكا أو رئيس جمهورية أو أمير.. الخ، في حين أن النظام السياسي هو الذي يبين العلاقة بين المؤسسة التنفيدية والتشريعية، فحينما نجد تنائية للسلطة التنفيدية ومسؤلية أمام السلطة التشريعية فنحن أمام نظام برلماني وحينما نجد أن هذا النظام لم يعتمد حق الأستفتاء فنحن أمام نظام نيابي، وإذا كنا أمام نظام لا يعتمد مسؤلية السلطة التنفيدية أمام البرلمان فنحن أمام نظام رئاسي، هذه بصورة سريعة ومختصرة أما الديمقراطية والديكتاتورية ففي رأي انهما يمثلان عقيدة النظام السياسي سواء كان نيابيا أو برلمانيا أو رئاسيا.

[2] الملكية الدستورية تجد جدورها الفكرية قبل قيام الثورة الفرنسية أي منذ الجدل الفقهي والفلسفي الذي حصل حول مفهوم السيادة التي طرحها جون بودان في كتبه الستة عن الجمهورية، وإنما تجسيدها على أرض الواقع دستوريا كان مع الثورة الفرنسية حينما قيدت سلطات الملك لويس الرابع عشر.

[3] جاء في ديباجة الدستور ما نصه “بعد الاتفاق وعقد العزم على تأليف أتحاد بيننا تحت تاج الملك محمد ادريس المهدي السنوسي الذي بايعه الشعب الليبي ونادت به هذه الجمعية الوطنية التأسيسية ملكا دستوريا على ليبيا” فإننا نفهم من عبارة ملكا دستوريا أن شكل الحكم الملكي الذي أراده الدستور هو الملكية الدستورية، وسيأتي بيان ذلك بصورة أوضح في موضعه.

[4] لقد أعد الدستور في ظل صراع ليس بالهين بين إرادة الإستقلال وبين إرادة التسويف التي كانت تحركها قوى خارجية ، وليس خافيا الدور الذي لعبه عبد الرحمن عزام في المسألة الليبية، ولتوضيح أن الدستور هو إنتصار لإرادات صانعيه يحضرني الآن الدستور العراقي الحالي، أنظر الى مقدمته الإنشاء ستلاحظ على الفور إنتصار النزعة الطائفية مع التركيز على الحسينيات !! هذه النزعة التي نمت وترعرعت تحت جبّة ديكتاتورية صدام الإقصائية لمدة أربعون سنة ، وانفجرت بعده بحدة، كحدة اللغة التي صيغت بها المقدمة.

[5] صدر الدستور في 7 أكتوبر 1951م محتويا على 213 مادة، وأجري عليه تعديلان رئيسيان/ أولهما تم بموجب القانون الصادر في 7 ديسمبر 1962م، وبموجبه عدلت المواد 36، 172، 173، 179، 182، 184، وهي المواد التي بها تداخل بين إختصاصات الولايات والحكومة الإتحادية والغيت المواد 38، 180،181، 185، إن هذا التعديل الجوهري أفرغ النظام الإتحادي من محتواه ليمهد بالفعل الى الغائه في فترة وجيزة أى في 27 / ابريل / 1963 م أي بعد أربعة أشهر تقريبا حيت صدر قانون الالغاء في التاريخ المذكور وهو التعديل الثاني وشمل تلاث ملاحق تعديلية.

[6] مؤسسات الدولة الأخرى الى جانب المؤسسة الملكية أو الرئاسية هي: الوزارة “الحكومة” والى جانبها الإدارة التنفيدية التي عادة ما توضع تحت تصرف الحكومة. البرلمان “مجلس النواب والشيوخ إن وجد”. الجهاز القضائي كسلطة وليس موظيفة !. المؤسسة الأمنية والعسكرية، ويسمى بالمؤسسة النظامية. المؤسسة الإنتخابية (الناخب والمنتخب) وتسمى الجسم الانتخابي أو الكثلة الإنتخابية وهي غير الهيئة الانتخابية التي تقتصر على الناخب. يضاف الى ذلك مؤسسة الرقابة وفي غالبها الرقابة المالية كمؤسسة دستورية، أي بالنظر الى سند وجودها التشريعي وهو الدستور. وكذلك يضاف اليها “مؤسسات المجتمع المدني” أحزاب وجمعيات ونقابات وهيئات خاصة ذات نفع عام.

[7] تحضرني في هذا الصدد التجربة الإنتخابية المغربية التشريعية الأخيرة، بغض النظر عن عزوف الناخب المغربي، فإن ما لفت إنتباهي أن المغرب بلد له تجربة إنتخابية لا بأس بها وتجربة حزبية عريقة منذ الإستقلال مازال الناخب المغربي يصوت لصالح الشخص وليس لصالح برنامج حزبي، إذ الانتخابات الأخيرة تمت على أساس القائمة، ومن المعلوم أن هذه الآلية الانتخابية تعتمد على البرنامج الحزبي ودرجة وعي الناخب/ المواطن.