الاختصاصات القانونية للمحاكم في إلغاء الأوامر الإدارية

هل الأمر الذي يصدره مدير قلم المطبوعات بمصادرة مجلة معدة للنشر في المطبعة
وبمصادرة بعض كليشيهاتها يعتبر أمرًا إداريًا تمتنع المحاكم الأهلية بمقتضى المادة (15) من لائحة ترتيبها من تأويله أو إيقافه ؟

نصت المادة (15) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية على أنه ليس لهذه المحاكم أن تؤول معنى أمر يتعلق بالإدارة ولا أن توقف تنفيذه……..، وإنما تختص بالحكم في كافة الدعاوى التي ترفع على الحكومة بطلب تضمينات ناشئة عن إجراءات إدارية تقع مخالفة للقوانين أو الأوامر العالية:

وفي كل يوم تحتك جهات الحكومة والإدارة بالأفراد احتكاكًا من شأنه أن يولد كثيرًا من المشاكل، ويثير أنواعًا من الاعتداءات على ما يعتقد الأفراد أنه حق من حقوقهم، من موظف مخدوع في حدود سلطته أو في أساس الحق المخول له بمقتضى القوانين واللوائح أو متعمد الخروج على القوانين والاعتداء على الحقوق، فيضطر الفرد الذي كان ضحية لشيء من هذا أن يطلب حماية القضاء ويسارع إلى رفع الأمر إليه طالبًا إيقاف العمل الذي يعتقد أنه مخالف للقوانين أو إلغاءه، فهل تقف المادة (15) حائلاً دائمًا بين القضاء وبين تأويل الأمر الإداري وهل يجب عليه دائمًا أن يرضخ لعمل الموظف الإداري ويحيطه بنوع من العصمة والتقديس بحيث لا يتعرض الحكم بإيقافه أو إلغائه ؟

إن ظاهر النص قد يوهم بذلك ولكن في الأمر تفصيلاً وبيانًا، فللجهات الإدارية أن تباشر أعمالها في حدود السلطة المخولة لها بمقتضى القوانين واللوائح (بشرط أن لا تخرج هذه اللوائح عما يقضي به القانون ولا تخالفه) فإذا خرج الموظف عن الحد المرسوم له كان عمله اغتصابًا للسلطة usurpation de pouvoir من شأنه أن يجعله في نظر القانون غير موجود inéxistant .
ولكن ما هي الدائرة التي يجوز للموظف أن يعمل فيها تحت حماية المادة (15) وبالتالي ما هو القياس الذي بمقتضاه يتيسر للقاضي أن يتبين إن كان ما عمله الموظف اغتصابًا للسلطة يجعل العمل الإداري غير موجود أو تعسفًا في استعمالها وتجاوزًا لها، من شأنه أن يجعل الإدارة مسؤولة عن التعويض.

قد يكون من أدق الأمور إيجاد هذا القياس خصوصًا إذا لاحظنا أن للإدارة سلطة وضع اللوائح فليست كل سلطتها وحقوقها محدودة في القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية ولكن هنالك اللوائح ووضعها وتنفيذها، على أنه يجب أن لا يغفل من حسابنا أن سلطة وضع اللوائح المنفذة للقوانين لم تمنح جزافًا بل أنها مقيدة بقيود (سنتكلم عنها فيما بعد) وأهمها أن لا تصدر مخالفة لنص القانون الذي وضعت لتنفيذه واحترامه.

ويرى هوريو في كتابه عن القانون الإداري طبعة سنة 1927 صـ 30 (أن حياة الفرد هي الأصل وهي الحقيقة الأولية وأن الحياة العامة هي الاستثناء الذي يعرض لحياة الأفراد ويحد منها، ويرى في هذا المبدأ حجر الزاوية في نظام حرية الأفراد).
ويتلخص الرأي الذي يكاد ينعقد عليه الإجماع فيما يلي (أنه لا يمكن القول بوجود عمل إداري إلا إذا كان الموظف قد استعمل حقًا خولته القوانين واللوائح لجهة الإدارة وكان استعماله طبقًا للإجراءات المحددة في اللوائح).
فإذا اتخذت جهة الإدارة إجراء من الإجراءات لم يخول لها إجراؤه بنص صريح في القوانين أو اللوائح كان عملها اعتداءً أو عملاً من أعمال القوة أو اغتصابًا لسلطة Voiés de fait.

وكذلك يعد عملها اغتصابًا للسلطة واعتداءً، إذا استعملت حقًا أو اتخذت إجراءً يخولها القانون اتخاذه، ولكنها لم تراعِ احترام الإجراءات التي وضعها الشارع لاستعمال هذا الحق حماية لحقوق الأفراد وصيانة لهم.

ففي الحالتين اعتداء واغتصاب أساس الأول عدم وجود سند من القانون وأساس الثاني عدم احترام الإجراءات الشكلية التي ينص عليها القانون أو اللائحة.
وقد ضربوا لذلك مثلاً بالنسبة للحالة الأولى بأنه ليس للإدارة في غير حالتي نزع الملكية للمنفعة العامة والتعبئة العسكرية أن تستولي على شيء مملوك للأفراد وبخاصة ليس لها حق المصادرة، كذلك ليس لها حق تعبئة الناس بشكل سخرة في غير القرعة العسكرية وصيانة الطرق القروية، كما أنها ليس لها أن تستبقى وطنيًا في السجن بأمر البوليس بدون حكم (نقض 3 أغسطس سنة 1824 قضية هاس ضد فلنتين) ولا أن تطرد فرنسيًا من فرنسا بأمر إداري:
ومثلوا للحالة الثانية بهدم عمارة آيلة للسقوط دون مراعاة الإجراءات التي نص عليها القانون في ذلك فإنه ولو أن جهة الإدارة تستند في إجراءاتها إلى قانون ونصوص صريحة إلا أنها بمخالفتها الإجراءات الشكلية الموضوعة لتقييدها في مباشرة عملها تكون بمثالة من يعمل بدون سلطة أو تفويض شرعي sans pouvoir (راجع سيري 1904 باب 3 صـ 17)، ولكن يجب أن يلاحظ أنه لا يكفي أن يرتكب الموظف خطأ أو إهمالاً في الإجراءات التي اتبعت بل يجب أن تكون جهة الإدارة قد تجاهلت هذه الإجراءات تجاهلاً تامًا.

وعلى كل حال ففي الحالتين يعتبر عمل الموظف اعتداءً وعملاً من أعمال القوة ولا يصح مطلقًا اعتباره عملاً من أعمال الإدارة وعلى ذلك فمن حق جهة القضاء العادية أن تأمر بإعادة الحق لصاحبه أو تقضي بالتعويضات إن كان لها محل بل ولها أكثر من ذلك أن تأمر بمنع الإجراء أن يتم بقرار مستعجل ويكون للمجني عليه في هاتين الحالتين أن يطالب بالتعويضات (حتى في فرنسا أمام جهات القضاء العادية لا أمام مجلس الدولة) إما ضد الموظف شخصيًا أو ضد جهة الإدارة، وتصبح المحاكم العادية مختصة لأنها ليست بصدد عمل إداري بل بصدد عمل من الأعمال العادية التي ليست له الصفة الإدارية Un fait de droit commun et non pas d’une opération administrative. ولا محل للبس بين الاعتداء الذي تكلمنا عنه وبين عمل الموظف في المصلحة faute de service أي الخطأ الذي يرتكبه الموظف في عمله فإنه يسأل عنه أمام المحاكم الإدارية، أما اغتصاب السلطة فهو بطبيعته يخرج عمل الموظف بعيدًا بالمرة عن نطاق الإدارة وإجراءاتها وبالتالي عن عمل الوظيفة.

كذلك لا يصح اللبس بين الاعتداء الذي تكملنا عنه وبين تجاوز حدود السلطة (éxcés de pouvoir) فالعمل الذي حصل فيه تجاوز لحدود السلطة أو غلو هو بالرغم من ذلك عمل إداري…، ويلاحظ أن الاعتداء بسبب فقدان الحق أو السند القانوني يقرب من تجاوز حدود السلطة من جهة أنه في الحالتين يخرج الموظف عن اختصاصه ولكنه في الحالة الأولى عدم اختصاص يصل إلى اغتصاب السلطة بحيث لا يوجد أقل ظل للاختصاص (لافريير جزء (2) نمرة (493))، وكذلك الاعتداء بسبب فقدان الإجراءات أو مخالفتها يقرب من تجاوز السلطة بمخالفة الشكل ولكن مخالفة الشكل تصل إلى درجة فقدان احترام الشكل بالمرة في الحالة الأولى.
هذا ما يقرره الأستاذ (هوريو ويمكن تلخيصه في أنه ليس للسلطة الإدارية أن تتخذ قرارات إدارية في شؤون غير داخلة في اختصاصها بالمرة، ومن غير مراعاة الإجراءات التي تنص عليها اللوائح والقوانين فإن فعلت كانت إجراءاتها لا قيمة لها بالمرة ووجب على القضاء أن لا يعبأ بعملها وأن يتخطاه بل يلغيه.

فمتى ثبت أن الأمر الموصوف بكونه أمرًا إداريًا خارج عن اختصاص السلطة الإدارية فلا تمنع المحاكم من تأويله ولا من إيقاف تنفيذه لأن هذا يكون اعتداءً وللسلطة القضائية أن ترد الاعتداء وتعيد الحق إلى نصابه.

ونكرر هنا ما سبق إيضاحه من أن هذا قاصر على الحالتين اللتين حددناهما أما في حالة ما يتجاوز الموظف الحد بأن أجرى عملاً هو في الأصل من اختصاصه ولكن حصل تجاوزه، ففي هذه الحالة الأخيرة وحدها تكون المحكمة ممنوعة من إيقاف التنفيذ ومن التأويل والتفسير.
(راجع هوريو صـ 32 وما بعدها).
وإتمامًا للبحث نستعرض هنا آراء بعض الشراح في فرنسا، وقضاء المحاكم في مصر:
1 – آراء الشراح بفرنسا:
1/ رأي العلامة ديجوي في مؤلفه عن الدستور جزء ثالث طبعة ثانية صـ 30 نبذة 55.

1) ليس لرجال السلطة الإدارية أن يعملوا عملاً مما يدخل في اختصاص السلطة القضائية إلا إذا أعطاهم القانون هذا الاختصاص بنص صريح، فإذا أقدم موظف إداري على عمل مما يدخل بطبيعته في حدود اختصاص السلطة القضائية ارتكب ما يعتبر اغتصابًا للسلطة وأصبح عمله غير موجود وكان آثمًا لارتكابه عملاً من أعمال القوة يستوجب مسؤوليته.

2) وقال في صـ 48 بعد أن تكلم عن اختصاص مجلس شورى الدولة وتاريخ إنشائه ومصدر سلطته: (إن قاعدة أنه ليس للجهة القضائية أن تفسر الأمر الإداري أو أن تفصل في مشروعيته لها استثناءً هام فإن للمحكمة القضائية التي يحصل التمسك أمامها بلائحة إدارية كل الاختصاص في تفسيرها لمعرفة ما إذا كانت تلك اللائحة في الواقع عملاً إداريًا أم لا، على أننا لو دققنا في الأمر لا نجد أن في إعطاء القضاء سلطة تفسير اللوائح مساسًا بمبدأ انفصال السلطات، لأن اللائحة إن كانت عملاً إداريًا لأنها صادرة من سلطة إدارية فإنها من الجهة المادية قانون أي قاعدة عامة ملزمة للأفراد ومن ورائها السلطة القضائية تكفل احترامها ولهذا كان للسلطة القضائية بل عليها واجب تفسير القوانين التي تكلف بتطبيقها، والقول بغير ذلك من شأنه أن يعوق القضاء عن القيام بمهمته.

وقال في صـ 50 (على أنه ليس للجهة القضائية فقط أن تفسر اللوائح الإدارية التي يحصل التمسك بها أمامها، بل لها أيضًا أن تبحث في مشروعيتها وانطباقها على دستور البلاد، فإذا تمسك أحد بعدم قانونية اللائحة كان هذا الدفع مقبولاً ووجب الفصل فيه.

وإذا وجدت المحكمة المطروح أمامها النزاع أن اللائحة المتمسك بها هي في الواقع مخالفة للقانون فيجب أن تعلن ذلك، حقيقة أنه لا يصح أن تعلن إلغاء اللائحة بل يكفي أن تعلن عدم مشروعيتها وأنها لن تطبقها على النزاع المطروح أمامها وقضاؤها في ذلك يكون قاصرًا على النزاع المذكور، وتبقى اللائحة قائمة………

وهذه السلطة المعترف بها للقضاء في إعلان بطلان اللوائح الإدارية المتمسك بها أمامها هي في الواقع استثناءً لمبدأ انفصال السلطات، ولكن تعليل ذلك سهل، إذ يجب أن نذكر أن قانون العقوبات الصادر في سنة 1832 نص في المادة (471) منه على أن (يعاقب بغرامة)……. من يخالفون أحكام اللوائح العمومية أو المحلية الصادرة من جهات الإدارة العمومية أو البلدية أو المحلية..، وبأخذ هذه المادة على ظاهرها يتضح أن الغرض منها أن يسمح لمحاكم المخالفات بالفصل في مشروعية اللوائح التي على أساسها تقدم المخالفات إليها للفصل فيها: وهو أمر معقول إذ من البديهي أن لكل محكمة جنائية السلطة التامة والاختصاص الكامل بتقدير العناصر المكونة للجريمة التي هي موضوع المحاكمة أمامها، ومن أهم العناصر المكونة للمخالفة هو بلا شك مشروعية اللائحة.

فالمنطق السليم يقضي بضرورة الاعتراف لجهة القضاء بحق تقدير قانونية اللائحة.
…. وقد أصبح هذا أمرًا مسلمًا به، وما كان مبدأ خاصًا فقط بتطبيق لوائح البوليس أصبح الآن مبدءًا عامًا منطبقًا على كافة اللوائح وأصبح استثناءً هامًا واردًا على مبدأ انفصال سلطتي الإدارة والقضاء.
(محكمة النقض بفرنسا سيري سنة 1903 جزء أول 21 صـ 489).

(5 – ثم تكلم في نبذة 100 صـ 709 عن تعريف اغتصاب السلطة فقال (يوجد اغتصاب السلطة في كل عمل مادي أو إجراء تنفيذي على الأشخاص أو الأموال بحيث يخرج به الموظف الإداري من دائرته الإدارية، إذ بحسب التشريع الفرنساوي كل إجراء تنفيذ على الأشخاص أو الأموال يجب أن يقوم به موظف قضائي وبهذا يقضي مبدأ انفصال السلطات……

ثم فرق بين هذا العمل وبين تجاوز حدود السلطة éxcés ou abus du pouvoir فقال (إن تجاوز السلطة يكون عندما يعمل الموظف الإداري عملاً ماديًا في دائرته الإدارية أو عملاً تنفيذيًا على النفس أو المال يعطيه له القانون بنص صريح….، ولكنه يرتكب خطأ إما لأن الموظف الذي قام بالعمل شخص غير الذي أناطه القانون بعمله وإما لأنه وإن كان يرمي إلى غاية إدارية إلا أنه كان موجهًا عمله إلى غاية أخرى لم يقصدها القانون..

وقرر في صـ 712.. أن محكمة النقض والإبرام بفرنسا قررت في سنة 1913 أن وضع الأختام على معمل بسبب عدم ملاءمته للشروط الصحية عمل تنفيذي على الأموال من اختصاص السلطة القضائية دون غيرها، وقالت في حكمها (إنه إذا كان لمدير البوليس الحق في إنذار الشركة بأن توقف أعمالها الخاصة باستثمار حمض الكبريت الأسود حتى تحصل على رخصة فإنه يعتبر متجاوزًا السلطة إذا أمر بوضع أختام على المحلات التي تستثمر فيها تجارتها، لأن هذا العمل هو في الواقع إجراء تنفيذي ليس لأحد أن يأمر به إلا جهة القضاء (7 نوفمبر سنة 1913 مجموعة صـ 1055)، وقال في صـ 714 وما بعدها.

(يوجد اغتصاب للسلطة في عمل الموظف الإداري إذا خرج عن دائرته الإدارية ويكفي أن نقرر هنا زيادة على ما قررناه قبلاً أن الموظف الإداري في نظر المشرع الفرنساوي يخرج من دائرته الإدارية في كل مرة يتخذ فيها قرارًا يمس مباشرةً الحرية الشخصية أو ملكية الأفراد من غير أن يوجد نص صريح يخوله هذه السلطة، كأن يصدر موظف إداري في غير الأحوال المنصوص عليها في قانون تحقيق الجنايات أمرًا بالقبض على فرد، أو بمصادرة ملكيته أو يتخذ إجراءً تنفيذيًا على مال بطريق الإكراه.

وقرار كهذا ليس باطلاً فقط بل هو غير موجود وكأنه لم يكن، وما دام الموظف الإداري قد خرج من دائرة اختصاصه الإداري فأمره ليس إلا واقعة أو فعلاً من الأفعال Fait ليس له أية صفة ولصاحب الشأن أن يتصرف كما لو كان الأمر لم يصدر مطلقًا، وإذا قامت في سبيل ذلك عقبة من العقبات فإنها تكون من اختصاص القضاء العادي لأننا لسنا بصدد تفسير أمر إداري لأن الأمر غير موجود، بل أن نفس الموظف مسؤول شخصيًا أمام المحكمة العادية ولقد قلنا فيما سبق إن العلامة Laferrière قد قرر بطريقة قاطعة في جلائها ووضوحها أن الموظف الإداري عندما يتعدى اختصاصه الإداري بالفعل الذي يعمله ليس فقط باطلاً بل غير موجود ويعتبر اغتصابًا للسلطة وأنه يصح الالتجاء إلى المحاكم القضائية العادية كما يصح رفع مسؤولية الموظف شخصيًا إليها وهذه ترجمة حرفية:

(هناك حالة لا يكون للعمل الذي يعمله الموظف الإداري أية صفة إدارية من شأنها أن تبعده عن اختصاص القضاء العادي، تلك هي الحالة التي لا يخرج فيها الموظف عن دائرة اختصاصه فقط بل عن دائرة العمل المباح للسلطة الإدارية، فمثلاً إذا صادر موظف إداري ملكية فرد من الأفراد أو حرم وطنيًا من حريته الشخصية أو ألغى جريدة أو حرم عليه تجارة أو صناعة فإن مبدأ انفصال السلطات لا يمنع الشخص الذي ناله الضرر من أن يستعين بالقضاء العادي على درء هذا الاعتداء بل أنه يستوجب بالعكس أن اختصاص هذه المحاكم يجري بتمام الحرية كما لو كان القرار الإداري غير موجود، فإن هذا القرار لا يكون فقط محلاً للإبطال بل أنه يكون غير قائم قانونًا لأنه بموضوعه غريب عن اختصاص الموظف الإداري (جزء أول صـ 479 طبعة ثانية).

(وعلى هذا الرأي أيضًا هوريو فقد قرر أن السلطة الإدارية ترتكب عملاً من أعمال القوة أو اغتصاب السلطة قهرًا إذا استعملت حقًا لم ينص عليه قبل ذلك في تشريع خاص….، وفي أعمال القوة نكون دائمًا بصدد عمل شخصي للموظف، لا عمل إداري للسلطة التي يمثلها).

….. ولقد أوضحت في نبذة (72) من كتابي كيف أن الموظف يخرج نفسه بعيدًا عن نطاق السلطة الإدارية إذا كان موضوع الأمر الذي يصدره أو الغاية المقصودة منه لا تتفق في شيء مع طبيعة الولاية على السلطات الإدارية العامة ولا محل للعودة إلى هذه المسألة وإنما يكفي هنا أن ألاحظ أن مسؤولية الموظف شخصيًا لا تنفي وجود طرق الطعن الأخرى التي يكون لصاحب الشأن أن يلجأ إليها لمنع استمرار الحالة الغير الشرعية الناشئة من اغتصاب السلطة.

(ولا ضرورة مطلقًا إلى التمسك ببطلان العمل أمام المحكمة الإدارية لأنه ما دام العمل غير قائم فلصاحب الشأن الحق في الالتجاء إلى كافة الطرق القانونية ورفع الأمر أمام القضاء العادي فمثلاً إذا أمرت جهة الإدارة بمصادرة ملكية شخصية كان الشيء المصادر لا يزال في حيازتها فلصاحب الشأن أن يرفع ضدها دعوى باسترداد هذه الأشياء أمام المحاكم القضائية العادية) أهـ.

وينبني على هذا أنه لا يمكن أن يقال إن المادة (15) تلزم القضاء باحترام كل عمل يصدر عن الإدارة دون بحث فيه أو تفسير له أو تأويل لمعناه لمعرفة إن كان أمرًا إداريًا في حدود سلطة المصدر له وبالطريقة والإجراءات المنصوص عليها أم لا ؟

قد يقال إن المادة (15) تمنع المحاكم من أن تؤول معنى أمر يتعلق بالإدارة بصفة مطلقة وظاهر النص يوهم بأن الأمر متى كان صادرًا من الإدارة فيجب الامتناع عن تفسيره أو إيقاف تنفيذه، ولكن الواقع أن المشرع لم يرد شيئًا من هذا وما كان من المعقول أن يقصده، إذ أنه قبل أن يمنع القضاء من المساء بأمر إداري، يجب أولاً أن يثبت له أنه أمر إداري أو أمر متعلق بالإدارة، فمن حق القضاء بل من واجبه عندما تتمسك الحكومة أمامه بأمر إداري أصدرته أن يبحث في حقيقة الأمر ومعناه، لا في اسمه ومسماه فقد يكون ما تسميه الحكومة أمرًا إداريًا هو في الواقع حكم قضائي اعتدت حين أصدرته على سلطة القضاء فهل يرضخ القضاء لهذا الاغتصاب ويقره.

قال الأستاذ أحمد صفوت في كتابه شرح قانون العقوبات صـ 10 ما نصه (وعلى القاضي أن يتأكد من شرعية اللوائح والقرارات الإدارية بموافقتها للقانون من أوجه: 1 – أنها صدرت وفقًا لقانون يجيز إصدارها.

2 – من سلطة فوضها القانون بإصدارها.
3 – في موضوع خصها بإصدارها فيه.
ويقول القاضي مسينا Messina في كتابه عن الاختصاص الإداري صـ 7 (إذا كان أساس الدعوى هو الضرر الناشئ عن عمل إداري مخالف للقانون أي غير مطابق للقوانين واللوائح فإن القيود التي أوردتها المادة (11) مختلط المقابلة للمادة (15) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية) على اختصاص القضاء بالنسبة لمنعه من تأويل الأمر الإداري أو إيقاف تنفيذه لا يمكن لجهة الإدارة أن تتمسك بها ما دامت قد عملت خارج دائرة اختصاصها وما دامت هذه القيود لم توضع إلا لحماية الإجراءات التي تباشرها الإدارة في دائرة هذه الحدود، إذ المادة (11) قاصرة على حالة ما تمس حقوق الأفراد بحق ولأسباب متعلقة بالمصلحة العامة.

وقد زاد هذا إيضاحًا في كتابه صـ 32 (بقوله إن الأعمال الإدارية التي تحرم المحاكم المختلطة من الفصل فيها أو تأويلها أو إيقاف نفاذها هي الأعمال التي من حيث الشكل: صدرت من السلطة الإدارية في دائرة اختصاصها وبالشكل الذي يشترطه القانون: ومن حيث موضوعها ترمي إلى تحقيق مصلحة عمومية:

(S’il est vrait que les Tribunaux de la Réforme ne peuvent ni intérpréter, ni arréter l’exécution d’une mésure administrative, la défense ne s’applique q’au eas où cette mesure a été prise:
(a) dans le cercle des attributions qui appartiennent au Guvernment: (R. O. VII p. 145; Borrelli p. 10 No. 14: application au cas d’une saisie, pratiquée pour assurer le recouvrement d’un impôt don’t la légalité était contestée par les puissances)……..
(b) et plus précisement dans le cercle des attributions de l’autorité administrative compétente pour l’ordonner. Et
(c) conformément à la loi et dans le formes par elle réquises: démolition d’un mur qui avait été construit sans contrevenir aux réglements du Tanzim; fermeture d’un imprimerie (Borelli p. 62. No. 2); etablissement d’un canal sans l’observance des formalité; et (c) dans l’interêt general, dans un but d’utilité publique.

وجاء فيه في صفحتي 80 و81 عما إذا كان للجهة القضائية أن تفسر الأمر الإداري وتؤول معناه لمعرفة مبلغ انطباقه على القانون من عدمه ما نصه (أن نص المادة (11) قد تجاوز غرض المشرع بتحريمه على المحاكم في عبارة عامة مطلقة تفسير الأمر ولو روعي ظاهر النص تمامًا لاستحال العمل خصوصًا مع عدم وجود سلطة جعل من اختصاصها هذا التفسير – وحتى لو أمكن العمل مع ظاهر النص لكان الأمر من الغرابة بمكان في بلد كل قانونها الوضعي صدر لغاية اليوم بشكل قانون أو لائحة أو مرسوم في صورة عمل حكومي acte du gouvernment وكيف يتيسر للقضاء أن يفصل في مخالفة عمل إداري للقانون أو لحقوق الأفراد إذا لم يكن له أن يفسر هذا الأمر ويفهم معناه دع حالة ما يكون الأمر غامضًا ويحتاج الحال في تنفيذه إلى تفسيره فإن هذه حالة ممنوعة فيها المحاكم من التفسير).

ويقول الدكتور عبد السلام بك ذهني في كتابه عن مسؤولية الحكومة المصرية (إذن للقضاء أن يؤول – ولكنه في الواقع لا يؤول بل هو يسعى لمعرفة حقيقة الموضوع الذي أمامه: يقول Vaccelli من المسائل الهامة أن تمتنع السلطة القضائية من إصدار أحكام يكون من شأنها تعطيل الأعمال الإدارية، ولكن من طريق آخر لا تلزم بالأخذ بأي عمل إداري بمجرد صدوره من السلطة الإدارية وإلا أصبحت حماية القضاء للحقوق الشخصية كأنها لغو ولا أثر لها، ومن هنا تنشأ الحدود الفاصلة بين السلطتين وهي هذه: منع السلطة القضائية من إلغاء العمل الإداري، اختصاصها بمعرفة ما إذا كان العمل الإداري مطابقًا للقانون أم لا، التزامها باحترام الأعمال الإدارية والأخذ بها متى كانت متعلقة بمسائل داخلة في دائرة اختصاصها.

وجاء في صـ 412 منه عن ضرورة احترام الحكومة لشكل الإجراءات أيضًا ما نصه (كلما يطرح أمام القضاء عمل إداري مطعون وجب عليه أن يبحثه من الوجهة الشكلية لمعرفة ما إذا كان مطابقًا في شكله للشرائط القانونية وما إذا كان صادرًا من السلطة المختصة أم لا…، فإذا رآه صحيحًا نفذ المادة (11) فلا يؤوله ولا يوقف تنفيذه).
وجاء في صـ 327 ما نصه (بهذا قضى على المبدأ القائل بعدم مسؤولية الحكومة متى كانت أعمالها مطابقة شكلاً فقط للقوانين واللوائح.. لأنه لا بد أيضًا من الأخذ بروح القانون…، وأنه لا يجوز الوقوف في الأعمال الإدارية عند مراعاة الشكل فقط…. بل يجب أن يذهب بعيدًا أيضًا في صبر غور القانون ومعرفة غرض الشارع من إصداره حتى لا تلعب به أيدي اللاعبين فيستخدمونه في قضاء مآرب لهم ممقوتة بما يلبسون به أعمالهم الإدارية من موافقتها شكلاً للقانون واللوائح ومخالفتها لها موضوعًا…. وراجع أيضًا صـ 329 صـ 33.
ويقول المسيو دوهلتس في كتابه عن القانون المدني جزء أول صـ 354 وما بعدها نبذة 63.

(من مميزات الأعمال الإدارية:

1 – أن يقوم بها موظف إدارية.
2 – أن تنفذ طبقًا للسلطات التي تمنحها لهم هذه الصفة في دائرة اختصاصها.
فالأمر الذي يصدره موظف إداري حتى ولو كان معتمدًا في إصداره على هذه الصفة، ولكنه يخرج بالكلية عن اختصاصاته كالأمر الذي يصدره مأمور الجمارك في شؤون الري لا يعد أمرًا إداريًا ولكنه اغتصاب للاختصاص يستوجب مسؤولية فاعلة شخصيًا من غير أن يترتب عليه مسؤولية على الحكومة (؟)، وللمحاكم كذلك أن توقف تنفيذ مثل هذه الأوامر (نبذة (64) صـ 355)، ولكن الأمر يستبقي صفته كأمر إداري إذا كان الموظف وهو يعمل في حدود اختصاصاته لم يزد عن كونه تجاوز الحد في السلطات التي تخوله إياها صفته مبالغة منه في استعمال هذه السلطات).

2/ قضاء المحاكم الأهلية:

1) حكمت محكمة العطارين في 7 يناير سنة 1919 حكمًا منشورًا بمجلة الحقوق سنة خامسة وثلاثين صـ 45 جاء فيه (قضت المادة (15) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية بمنعها من نظر أي قضية يكون في موضوعها تأويل معنى أمر يتعلق بالإدارة أو إيقاف تنفيذه فإذا اتخذت الإدارة إجراءات نزع ملكية أطيان بالطريقة الإدارية المنصوص عليها في قانون 15 مارس سنة 1880 وباعتها فعلاً ورغب مالك الأطيان الأصلي استرداد أطيانه بناءً على بطلان إجراءات الإدارة فقاضاها أمام المحاكم طالبًا رد الأطيان إليه وإلغاء البيع الحاصل عنها والمطعون فيه كانت المحاكم مختصة بسماع الدعوى لأن طلبات المدعي فيها لا يقصد منها تأويل أمر إداري ولا إيقاف تنفيذه بل إبطال إجراءات وقعت مخالفة لنصوص القانون ونتج منها مساس بحقوق المدعي.

2) محكمة طنطا الابتدائية يونيه سنة 915 مجلة الحقوق سنة ثلاثين صـ 285:
يشترط في الأمر المتعلق بالإدارة المنصوص عنه في المادة (15) من لائحة الترتيب شرطان:
الأول: أن يكون صادرًا من إحدى جهات الحكومة.
والثاني: أن يكون متعلقًا بوظيفتها بصفتها سلطة عمومية فإن فقد شرط من هذين الشرطين فلا منع، وعلى ذلك تكون الجهات الخارجة عن الحكومة مهما كانت رابطتها بها وكذلك جهات الحكومة عن أعمالها التي تؤديها بصفتها الشخصية خاضعة لأحكام المحاكم.
3) حكم محكمة المنصورة بتاريخ 2 يناير سنة 926 المنشور بمجلة الحقوق سنة سادسة صـ 243:
(إذا باشر المجلس البلدي بمعرفته نزع ملكية عقار للمنفعة للعامة قبل صدور الأمر العالي وقبل إعلانه لأصحاب الملك وبدون مراعاة القيود والشروط الواردة في قانون نزع الملكية وجب الحكم بإبطال إجراءاته، ويصح الحكم ببطلان الإجراءات التي يتخذها على وجه الاستعجال ما يصح شمول الحكم الصادر ببطلان الإجراءات بالنفاذ المعجل إذا كانت هناك ضرورة للاستعجال) [(1)].
(2)

2 – أحكام المحاكم المختلطة:

ذكر المسيو بوريللي في كتابه صـ 10 أحكامًا كثيرة تعليقًا على المادة (11) القديمة من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة نذكر منها ما نشره تحت نمرة (11) و(14) و(15) و(21).
( أ ) حكم محكمة الاستئناف المختلطة في 27 يناير سنة 1881 وهو يقضي بأن نظام المطابع الذي كان العمل جاريًا عليه في مصر خاضع للمواد (167) إلى (172) من قانون العقوبات الجديد وبناءً عليه فلا يمكن إصدار أمر بإقفال مطبعة إقفالاً مؤقتًا أو نهائيًا إلا بواسطة المحاكم في الأحوال المنصوص عنها قانونًا وتبعًا للحكم في مخالفة اللوائح الخاصة بهذا الموضوع، ولا يمكن بأي حال أن يصدر هذا الأمر بمجرد أمر إداري.

(ب) وحكمت في 20 إبريل سنة 1882 بأن منع المحاكم المختلطة من تأويل معنى أمر إداري أو إيقاف تنفيذه لا ينطبق إلا على الحالة التي يكون فيها هذا الأمر صادرًا في حدود اختصاصات الحكومة بدون منازع فيها من جانب الدول الأجنبية وبناءً عليه فإن المحاكم المختلطة مختصة بالفصل في صحة الحجز المتوقع من الحكومة صد أحد الأجانب إذا كان الغرض من هذا الحجز تحصيل ضريبة تنازع هذه الدول في شرعيتها.

(ج) وحكمت في 25 مايو سنة 1882 بأن للمحاكم الحق في أن تبحث فيما إذا كان الأمر متعلقًا بالإدارة وصدر بشأن مصلحة عمومية وطبقًا للقوانين والأوامر العالية الجاري العمل بها.

(د) وحكمت في 16 ديسمبر سنة 1886 بأنه ولو أن المحاكم ممنوعة من تأويل معنى أمر إداري ومن إيقاف تنفيذه فإن ذلك تحت شرط أن يكون هذا الأمر قد اتخذ لغرض منفعة عمومية لأجل الصالح العام وطبقًا للقوانين والأوامر العالية الجاري العمل بها، وفي حدود اختصاصات العامل الذي أصدره، وبناءً عليه فإن الأمر الصادر من المهندس المكلف بتنظيم توزيع المياه بين أملاك المتجاورين بفتح أو إقفال بعض المساقي يعطي للمالك المضرور حق رفع دعوى منع التعرض.

(هـ) وجاء في مجلة التشريع والقضاء المصري المختلط سنة ثامنة وعشرون صـ 105 حكم صادر من محكمة الاستئناف المختلطة في 13 يناير سنة 1916 بأن إجراءات نزع الملكية التي تجريها الحكومة لتحصيل الضرائب لا تعد أصلاً أوامر متعلقة بالإدارة بالمعنى المقصود من المادة (11) فيجوز إذن للمحاكم المختلطة إلغاؤها لعدم استيفائها الشروط المطلوبة.

(و) أما الحكم الصادر في قضية المستر كارتر فلم يخرج عن هذا المبدأ مطلقًا وذلك أن حكم محكمة الاستئناف المختلطة الصادر في 12 إبريل سنة 1924 في تلك القضية صدر في الظروف التالية.

كانت مصلحة الآثار التابعة لوزارة الأشغال منحت امتيازًا بالترخيص للورد كارنارفون ثم لأرملته من بعده بالبحث والتنقيب في وادي الملوك على شرط أن يقوم كارتر بالأعمال، وبشرط أن كل مخالفة للشروط المقررة يترتب عليها حتمًا وبدون إنذار أو غير ذلك من الإجراءات إلغاء الترخيص ثم تتخذ مصلحة الآثار الإجراءات اللازمة بالطرق الإدارية: خالف كارتر الشروط فأصدرت وزارة الأشغال في 20 فبراير سنة 1924 قرارًا بموجبه ألغت الامتياز الممنوح للأدى كارنارفون وكلفت مدير مصلحة الآثار باتخاذ التدابير اللازمة لصيانة الآثار، رفع كارتر الدعوى فقضت محكمة الاستئناف ضده وقالت في أسباب حكمها (تحديدًا للمعنى الذي أراده المشرع بالعمل الإداري).

(وحيث إنه يجب أن يكون المقصود بذلك الأمر كل تصريح بإرادة يصدر به قرار من الإدارة بصفة كونها سلطة عمومية وفي حال قيامها بوظائفها التي يسندها إليها القانون ويكون مستوفيًا للأوضاع المقررة قانونًا وفي سبيل مصلحة عامة وهذا على خلاف الأعمال التي تقوم بها الإدارة لا بصفة كونها سلطة عمومية بل بصفة كونها طرفًا متعاقدًا).

(وحيث إن القرار المشار إليه الذي أصدرته الإدارة المختصة في 20 فبراير سنة 1924 بصفة كونها سلطة عمومية وفي حدود الوظائف المسندة إليها التي تتناول على التخصيص حراسة وحفظ الآثار التي لا حاجة بنا لبيان كونها حائزها لصفة المصلحة العامة هذا القرار لا شك في أنه مستوفٍ لجميع الشرائط المطلوبة لتكوين الأمر الإداري….).
تبين من كل ما تقدم أن من حق القضاء العادي دائمًا أن يبحث في حقيقة الأمر الذي تتمسك به جهة الإدارة لمعرفة مبلغ مطابقته للقانون واحترامه للإجراءات التي وضعها لكفالة الحريات الخاصة والعامة وحقوق الأفراد فإذا ظهر له من بحثه أن الإدارة قد خرجت عن دائرة حقها بأن أصدرت أمرًا لا تجد لها من القانون سندًا لإصداره أو أصدرته متجاهلة ما ينص عليه القانون من إجراءات قضت بإلغائه لأنها ليست بصدد أمر إداري يكفل له القانون الحماية والاحترام، بل بصدد اعتداء واغتصاب.

الدستور المصري وقانون المطبوعات

وقد أخذت محكمة مصر الاستئنافية بحكمها الذي أصدرته (في قضية الست روز اليوسف [(2)] ضد وزارة الداخلية) بهذا المبدأ (يراجع الحكم في هذا العدد في باب الأحكام الكلية).
كانت نظرية محكمة الاستئناف في هذا الحكم أن الأوامر الإدارية التي منع الشارع المحاكم الأهلية من تأويلها أو إيقاف تنفيذها ونص على قصر حق تقاضي الأفراد بشأنها على المطالبة بالتعويض إنما هي الأوامر والإجراءات التي تدخل في الاختصاصات التي تخولها القوانين واللوائح للسلطة الإدارية فإذا تعدت اختصاصها لا يكون أمرها أمرًا إداريًا محترمًا وإنما يقع باطلاً ليس له أية صفة قانونية ثم رجعت المحكمة إلى قانون المطبوعات وقررت أن الدستور في المادة (15) نص على حرية الصحافة في حدود القانون كما نص على منع الرقابة على الصحف أو إنذارها أو وقفها بالطريق الإداري فألغى بذلك المادة (13) وما يرتبط بها من مواد الأمر العالي الصادر في نوفمبر سنة 1881.

وحيث إن الدستور لم يتعرض لباقي نصوص قانون المطبوعات فكل مواده التي لا تتعارض ولا تتناقض مع نصوص الدستور الصريحة تبقى نافذة.

وحيث إن المادة (10) من قانون المطبوعات نصت على أنه يجوز للحكومة ضبط ومصادرة جميع الرسومات والنقوشات……… متى تراءى لها أنها مغايرة للنظام العمومي أو الآداب أو الدين وهو نص عام يدخل تحته الجرائد والمجلات وأنه يستحيل عمليًا مصادرة النقوشات والرسومات التي تطبع في عدد من جريدة أو مجلة بغير مصادرة العدد نفسه.
وحيث إن نص المادة (10) لم يتعرض له الدستور بالإلغاء ولا يمكن القول بأن بينه وبين المادة (15) من الدستور أي تعارض أو تناقض لأن ضبط ومصادرة الرسومات والنقوشات ليس من قبيل الوقف أو الإلغاء لأن الإلغاء هو منع الصحيفة من الصدور نهائيًا والوقف هو منعها منعًا مؤقتًا لمدة معينة وبناءً على ذلك رأت أن الإجراء الذي اتخذه البوليس يستند إلى قانون نافذ فالمحكمة ممنوعة من تأويله، أما البحث في سداد هذا الأمر أو عدالته فإن محله دعوى التعويض.

يستدعي البحث مناقشة المسائل الآتية: 

أولاً: أثر صدور الدستور المصري في قانون المطبوعات.
ثانيًا: إثبات أن المادة العاشرة من قانون المطبوعات لا تنطبق على الجرائد والمجلات.
ثالثًا: إثبات أن الحكومة في تصرفها قد خالفت القوانين المرعية وتعسفت.

عن المسألة الأولى:
صدر الدستور المصري كافلاً لحرية الرأي على اختلاف صورها ومظاهرها فنصت المادة (14) منه على أن (حرية الرأي مكفولة)، ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك في حدود القانون.
ونصت المادة (15) على (أن الصحافة حرة في حدود القانون، والرقابة على الصحف محظورة، وإنذار الصحف أو قفلها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور كذلك، إلا إذا كان ذلك ضروريًا لوقاية النظام الاجتماعي).
وهنا يعرض السؤال التالي وهو هل أراد واضع الدستور بعبارة في حدود القانون التي وردت في المادتين (14) و(15) من قانون المطبوعات وبفرض أنه أراده فهل أراد كل نصوصه أو أن بعضًا منها نسخ.
قبل أن نجيب على هذا السؤال نقدم بين يدي بحثنا طائفة من الوثائق الرسمية التي صدرت قبل الدستور أو معه وهي تلقي كثيرًا من النور على هذا الموضوع وتكشف عن وجه الحق فيه.

أولاً: مناقشات لجنة الدستور:
يكفينا هنا أن نلخص المناقشة التي دارت في لجنة الدستور فقد افتتح المناقشة المرحوم المكباتي بك طالبًا تغيير عبارة (بشرط أن تراعي حدود القانون) بعبارة ([شرط أن تراعي حدود القوانين العامة)، وقد أيده علي ماهر بك في رأيه حيث قال على أثره بعد أن قدم اقتراحًا خاصًا شرحه فيما يلي (أريد من إثبات هذا النص أنه لا يمكن ولا للبرلمان وخصوصًا في الأحوال العادية وضع الصحافة تحت أي رقابة ولا أن يكون للسلطة الإدارية الحق في منع أحد من إصدار صحيفة، أرى أن يكون هذا الحق ثابتًا مطلقًا من كل قيد فإذا أساء أحد استعماله بأي نوع من أنواع الإساءة ففي القانون العادي غنى وكفاية.
وقام على إثره (عبد العزيز فهمي بك) وقال إن رأيه (أن تطلق الحرية الصحافية إطلاقًا تامًا والحرية نفسها كفيلة بتنظيم نفسها وتطورها مع الزمن إلى الأصلح والأنفع… أني أميل الآن الرأي الثاني وهو إطلاق الحرية للصحافة.
تساءل بعد ذلك (محمد علي بك) قائلاً هل يعطي للبرلمان الحق في سن القوانين اللازمة للصحافة تأمينًا للنظام وصونًا للأعراض أم لا.
علي ماهر بك: هذا تكفل به قانون العقوبات، والذي أريد أن لا يكون للبرلمان قوانين تبيح للحكومة مراقبة الصحف أو عدم الترخيص بإصدارها وظاهر من هذا إذًا أن المناقشة كانت دائرة حول تقييد سلطة البرلمان في إصدار قوانين خاصة بالصحافة ففريق كان يرى أن لا محل لتقييد سلطة البرلمان في التشريع ما دام قد وضع الأساس الكافل لحرية الصحافة ومنع مراقبتها ورفع يد الإدارة عنها، وفريق كان يرى أن قانون العقوبات كفيل بمؤاخذة الصحفي الذي يرتكب إثمًا وفيه غنى وكفاية ولا محل لوضع قانون آخر ولكن لجنة الدستور رأت أن لا تأخذ بالرأي الأخير أي أنها تركت للبرلمان أن يشرع للصحافة ويجعل لها قانونًا ما دام تشريعه يكون متفقًا مع ما قرره من المبادئ الأساسية الكفيلة بحرية الصحافة وحرية الرأي وما دامت هذه الحرية أصبحت من المبادئ الأساسية التي لا يجوز لأية سلطة من سلطات الدولة اقتراح تعديلها (مادة (156) من الدستور).
فعبارة (في حدود القانون) التي جاءت في صدر المادة (15) وفي عجز المادة (14) ليس المقصود منها الإحالة على قانون المطبوعات مطلقًا وإنما أريد منها قانون العقوبات الحالي.

ثانيًا: مذكرة لجنة الدستور:
على أن كل شك في الأمر يزول بالاطلاع على مذكرة لجنة الدستور وهي تفسر المادة (15) حيث تقول (قد كان مما ينظم أمور الصحافة عندنا قانون المطبوعات وفيه إثبات حق الإدارة في إنذار الجرائد وتعطيلها ووقفها وإذ هي لم تكن من حيث ما يكتب فيها إلا صورة خاصة من إبداء الرأي رأت اللجنة للتسوية بينها وبين صورة الأخرى في الحكم ألا يكون حسابها على ما يقع منها إلا بطريق القضاء وعلى حسب ما يضعه القانون من الحدود، ولذلك حذرت إنذارها أو وقفها أو إلغاءها من أجل ما ينشر فيها بالطرق الإدارية…. إلخ) (راجع الجلسة التاسعة والثلاثين من محاضر لجنة الدستور).
فظاهر من هذا أن اللجنة ما فكرت لحظة واحدة أن قانون المطبوعات سيظل قائمًا بعد الدستور فعبرت عنه بالفعل الماضي، وقررت في صراحة أن حساب الصحف في المستقبل على ما يقع منها سيكون بطريق القضاء (لا بطريق الإدارة) وعلى حسب ما يضعه القانون من الحدود.

ثالثًا: مذكرة وزير الحقانية:
تأكد هذا المعنى مرة أخرى بمذكرة وزير الحقانية التي نشرها يوم صدور الدستور وجاء فيها (وقد ضمنت حرية الصحافة بالمادة (15) من الدستور وهذه الحرية لا تقيد فيما بعد مبدئيًا إلا بنصوص قانون العقوبات فلا يمكن إقامة الرقابة المنعية عليها ويمتنع إنذار الصحف أو تعطيلها أو إلغاؤها بواسطة الإدارة فكل نظام قانون المطبوعات الذي سن في 26 فبراير سنة 1881 يجب أن يجعل مطابقًا للمبادئ الجديدة، ولكن يبقى هنالك استثناء واحد لإنذار الصحف أو تعطيلها أو إلغائها بالطرق الإدارية فإن بعضًا من الحرية الدستورية لا يمكن تطبيقه على حملات تحمل على أساس الهيئة الاجتماعية كخطر الدعوى البلشفية الموجود الآن فإنه يضطر جميع الحكومات إلى اتخاذ تدابير قد تكون منافية للمبادئ المقررة بالدستور لأجل ضمان حرية أهل البلاد المساكين، فلكي يمكن إنشاء تشريع لمكافحة أمثال هذه الدعوى الضارة نص في المادة (15) على أن إنذار الصحف وتعطيلها وإلغائها بالطرق الإدارية قد يجوز في حالة ما تقضي الضرورة بالالتجاء إليه لحماية النظام الاجتماعي (يراجع كتاب التشريع السياسي لعبد اللطيف محمد بك جزء (2) صفحة 666).

رابعًا: مذكرة أخرى للحقانية في يوليه سنة 1925:
وفي يوليه سنة 1925 وقت تعطيل البرلمان لأول مرة أصدرت وزارة زيور باشا مرسومًا بقانون بتعديل المادة (162) عقوبات ونشرت مذكرة مذيلة بإمضاء (معالي عبد العزيز فهمي باشا وزير الحقانية إذ ذاك) جاء فيها (كانت الصحافة قبل إعلان الدستور تحت رحمة السلطة الإدارية التي كان لها الحق في تعطيل الجرائد والرسائل الدورية بل وفي إلغائها لكن الدستور قد قرر مبدئيًا حريتها ورفع عنها يد السلطة الإدارية على أنه كان من الطبيعي أن هذه الحرية يحدها حق المجتمع والأفراد في أن لا يساء استعمالها لذلك قرر الدستور بأن الصحافة حرة في حدود القانون.

ولما كان في بعض نصوص قانون العقوبات الحالي الخاصة بالجنح الصحفية شيء من الغموض يستلزم الإيضاح وقليل من النقص يستلزم التكميل.. فقد رئي إدخال شيء من التعديل على بعض أحكام قانون العقوبات الخاصة بالجنح الصحفية، وهذا مع عدم المساس أي مساس بمبدأ حرية الصحف ولا بمالها من الحقوق المشروعة

إلخ (راجع التشريع السياسي جزء ثالث لعبد اللطيف بك محمد صـ 952).
كل هذه الوثائق متضافرة في إثبات أن القانون الذي تشير إليه المادة (15) من الدستور هو قانون العقوبات وليس هناك ما يفهم منه أنها قانون المطبوعات بالذات على أن المادة (167) من الدستور أتت بنص حاسم حيث قالت (كل ما قررته القوانين والمراسيم والأوامر واللوائح والقرارات من الأحكام وكل ما سن أو اتخذ من قبل من الأعمال والإجراءات طبقًا للأصول والأوضاع المتبعة يبقى نافذًا بشرط أن يكون نفاذها متفقًا مع مبادئ الحرية والمساواة التي يكفلها هذا الدستور).

فقانون المطبوعات بالنسبة لما جاء به ماسًا بمبادئ الحرية التي كلفها الدستور يعتبر ملغيًا وغير قائم فنصوصه الخاصة بتعطيل الصحف أو مصادرتها أو إنذارها أو المراقبة عليها منسوخة حكمًا وبالنص الصريح وأما باقي النصوص الخاصة بالشروط الإدارية لإصدار الصحف وعنوان المطبعة وتاريخ الصدور إلى غير ذلك مما لا علاقة له بحرية الصحافة فهي قائمة.

وقد اتفق الحكم الذي صدر في الدعوى المستعجلة معنًا على أن المادة (13) من قانون المطبوعات المذكورة أصبحت ملغاة وبقي أن نناقش هل المادة العاشرة منه ألغيت أم لا.
على أنه قبل الإجابة على هذا السؤال يهمنا أن تعرف مدى ما نسخ من سلطة الإدارة بصدور الدستور وبالرجوع إلى ما أثبتناه هنا من المناقشات والمذكرات يتبين.

أولاً: أن لجنة الدستور كانت متفقة على منع جهات الإدارة من إرسال إنذارات إلى الصحف أو وقفها بغير حكم قضائي (وأقوال عبد العزيز بك فهمي في آخر محضر جلسة 39 في 16 أكتوبر سنة 1922)، وعلى أن المراد هو منع تسلط الإدارة على الصحف بأي طريقة من الطرق (علي ماهر بك في نفس الجلسة).
ثانيًا: أن اللجنة رأت (أن لا يكون حساب الصحف على ما يقع منها إلا بطريق القضاء وعلى حسب ما يضعه القانون من الحدود ولذلك حذرت إنذارها أو وقفها أو إلغاءها من أجل ما ينشر فيها بالطرق الإدارية) ومذكرة لجنة الدستور، كتاب عبد اللطيف بك محمد صـ 665 جزء ثانٍ).
ثالثًا: لا تقيد حرية الصحف إلا بنصوص قانون العقوبات فلا يمكن إقامة الرقابة المنعية عليها ويمتنع إنذار الصحف وتعطيلها أو إلغائها بواسطة الإدارة (مذكرة وزير الحقانية).
فإذا كان مجرد الإنذار وهو لا يمس الجريدة في صدورها ولا يتعرض لحرية النشر ولا لحرية الناشرين محرمًا بعد الدستور فهل يتصور متصور أن المصادرة تكون جائزة بعد الدستور، والمصادرة أبعد مدى من الإنذار فهي تعطيل مؤقت ومنع من الصدور يومًا أو أكثر، وهلا يكون واضع الدستور عابثًا بحرية الصحف وهازلاً حين يمنع الإدارة من إنذار الصحف أو مراقبتها سواء بعد أو قبل النشر وفي الوقت نفسه يبيح لها أن تمنع جريدة من الصدور أو تصادرها وتعدمها وأي خيال يبقى لحرية الصحافة بعد ذلك وماذا يلغي من قانون المطبوعات إذا كان مباحًا للإدارة في ظل الدستور أن تصادر أي عدد يطبع من جريدة لأسباب نراها يقول حكم محكمة مصر (أن نص المادة (10) لم يتعرض له الدستور بالإلغاء ولا يمكن القول بأن بينه وبين المادة (15) من الدستور أي تعارض أو تناقض لأن ضبط ومصادرة الرسومات والنقوشات ليس من قبيل الإلغاء أو الوقف لأن الإلغاء هو منع الصحيفة من الصدور نهائيًا والوقف هو منعها منعًا مؤقتًا لمدة معينة) مناقشة لفظية لا تستشعر شيئًا من روح الدستور ولا معناه وخطأ بين فبينما يرى حكم محكمة مصر المستأنف أن الدستور يحظر وقف الجريدة أي منعها منعًا مؤقتًا من الظهور نراه في الوقت نفسه يبيح منع الجريدة من الظهور يومًا أو أكثر بسبب مصادرة العدد بعد طبعه وأي فرق في النتيجة بين أمر يصدر للجريدة وقبل أن تطبع ينبه عليها بأنها موقوفة يومًا وبين انتظار تمام الطبع ومصادرة عدد اليوم المذكور ومنع الجريدة من الصدور وإذا دام تكرار هذه المصادرة بأن أوقفت الإدارة جنديًا على باب المطبعة يمنع صدور إعداد جريدة من الجرائد في كل يوم بحجة أن بها رسمًا لا يروق لوزير الداخلية (مثلاً) فهلا يكون من وراء ذلك أن الجريدة معطلة نهائيًا.

الدستور يمنع الرقابة على الصحف قبل نشرها أو بعده وبعبارة أخرى يحظر على وزير الداخلية أن يصدر أمرًا لجريدة من الجرائد بأن لا تنشر صورة معينة لأنه يرى في نشرها خطرًا على الأمن أو الآداب فهل إذا كان ممنوعًا من إصدار هذا الأمر قبل الطبع تزيد سلطته بعد الطبع فينقلب أمره إلي فعل وإلى مصادرة مادية تنتهي بإعدام العدد كله ؟ هل إذا كان مستحيلاً عليه أن يصدر أمرًا للصحيفة بعدم النشر يكون له في الوقت نفسه سلطة مصادرة الجريدة نفسها ؟ أظن أن هذا عبث لا يقدم عليه واضع الدستور ولا أي مشروع في الوجود.

يقول حكم محكمة مصر أن الدستور في المادة (15) لم يحرم المصادرة بالنص وفاتها أن النص الذي يحرم مجرد الإنذار والرقابة لا يمكن أن يبيح المصادرة وهي تعطيل مؤقت أو وقف.
مناقشة المادة (10):
أن المادة العاشرة من قانون المطبوعات إما أن تكون شاملة الصحف والمجلات وإما أن تكون مقتصرة على الصور المجردة والكليشيهات والنقوش فإن كانت الأولى فقد ألغاها الدستور بالنسبة لما يخص الصحف وإن كانت الثانية فقد انتهى الجدل بيننا وبين الحكومة.

على أننا نثبت الآن أمرين:
الأول: أنها لا يمكن أن تكون متعلقة بالصحف والمجلات.
والثاني: أن ما تنص عليه من المصادرة لا يمكن أن يتم إلا بحكم قضائي.
أما عن النقطة الأولى وهو أن المادة العاشرة ليست خاصة بالصحافة على الإطلاق فدليلنا عليه ما يلي:
أولاً: نص الفتوى التي كتبها المسيو ببولا كازيللي سنة 1924 عندما أستشير في أمر قانون المطبوعات فقد قسم فتواه إلى قسمين:
القسم الأول: خاصًا بنصوص القانون المتعلقة بالمطابع.
والقسم الثاني: من الفتوى وهو المتعلق بنصوص قانون المطبوعات الخاصة بالصحافة.
وظاهر من الرجوع إلى الفتوى المقدمة أن المسيو بيولا كازيللي قد ذكر المادة العاشرة ضمن النصوص الخاصة بالمطابع ولهذا ارتأى أنها باقية ويصح تطبيقها لأنها لا دخل لها بحرية الصحافة على الإطلاق ولا تبيح مصادرة جريدة أو مجلة، ولو أنه وجدها منطبقة على الصحف لقطع بعدم بقائها.

ثانيًا: على أنه بالرجوع إلى سنة 1909 وهي السنة التي أعادت الحكومة فيها العمل بقانون المطبوعات نجد أنها أعادت كل النصوص الخاصة بالجرائد التي تنشر بالقطر المصري (المادة الأولى من قرار مجلس النظار الصادر في 25 مارس سنة 1909)، ولما رأت الحكومة أن هذا لا يشمل العمل بالمادة العاشرة لأنها غير خاصة بالصحافة وضعت نصًا خاصًا هو أن المادة الثالثة من القرار وقالت فيه (ثالثًا يجوز في كل وقت للحكومة عند الاقتضاء استعمال السلطة المنصوص عنها في المادة العاشرة….).
فما دامت المادة العاشرة باعتراف الحكومة غير خاصة بالصحافة فتكون غير منطبقة على المجلات مطلقًا لأنها جريدة وليست نقشًا مستقلاً ولا رسمًا والقول بأنها تشمل الصحف أيضًا من باب القياس غير مقبول لأننا بصدد قانون جزاءات لا محل فيه للأخذ بالقياس ولا بد من نص صريح.

ولكن محكمة مصر في حكمها السابق زعمت أن المصادرة من أجل رسم ولكن الحكومة لم تقل ذلك، على أننا لو فرضنا صحة هذا السبب فإن المادة العاشرة لا تنطبق مطلقًا على مجلة مصورة لأن وضع صورة كاريكاتورية في مجلة أو صحيفة لا ينبني عليه أن الجريدة كلها تتلاشى ولا يبقى إلا نقش أو رسم ينطبق عليه المادة العاشرة، يقول الحكم إنه يستحيل عمليًا مصادرة رسم في صحيفة من غير مصادرة الصحيفة أو المجلة نفسها، ولكن هذه الاستحالة نفسها هي التي كانت توجب الحكم بأن المادة العاشرة لا تنطبق على مصادرة الصورة أو الرسم لأن هذا يمنع مصادرة المجلة كلها أي أن الفرع ينقلب أصلاً، بل لقد نص الحكم أن الصورة المرسومة في مجلة أو صحيفة ليست نقشًا ولا رسمًا ولكنها رأي أو فكرة والمادة العاشرة لا تسمح بمصادرة غير النقوش والرسوم المجردة عن الإعراب عن رأي والمادة الرابعة عشرة من الدستور تنص على أن حرية الرأي مكفولة ولكل إنسان الإعراب عن فكرة بالقول أو بالتصوير في حدود القانون.

ولا شك أن الحد الذي تقف عنده حرية الإعراب عن الرأي بالتصوير هو النصوص الخاصة بذلك في قانون العقوبات كالمادة (148) عقوبات وما بعدها.

أما السماح بمصادرة الرأي مرسومًا في نقش مطبوع في مجلة فيحرمه الدستور في مادة من مواده الأساسية التي لا يمكن اقتراح تعديلها والتي نسخت المادة (167) من الدستور كل نص متعارض معها من أي قانون أو لائحة.

وهنا ملاحظة أساسية، وهي أنه بفرض أن المادة العاشرة تنطبق على الصحف والمجلات فسلطة المصادرة بمقتضى قرار مجلس النظار في مارس سنة 1909 وبمقتضى الدستور لا تكون إلا للقضاء لا للإدارة وإليك الدليل:
أولاً: في نفس اليوم الذي أصدر مجلس النظار قراره القاضي بإعادة العمل بقانون المطبوعات أصدر قرارًا.
ثانيًا: ذكر فيه (تكليف سعادة ناظر الداخلية بإقامة الدعوى أمام المحاكم عن المخالفات التي تقع من الجرائد ما لم يستصوب تنفيذ المادة الثالثة عشرة من القانون للوصول إلى الغاية المقصودة).

وظاهر من هذا أن إعادة العمل بقانون المطبوعات سنة 1909 لوحظ فيها أن يكون حساب الصحف على ما يصدر منها من مخالفات للقانون أمام المحاكم ومنع وزير الداخلية من استعمال سلطته المنصوص عليها في القانون ولكن بقي هناك سلطة احتياطية لمجلس النظار وهي استعمال السلطة التي تخوله إياها المادة الثالثة عشرة وهي الخاصة بتعطيل الجريدة نهائيًا بعد إنذارين أو من غير إنذارات وفيما عدا هذا الحق الذي احتفظ مجلس النظار بحق استعماله يكون وزير الداخلية مكلفًا برفع لدعوى أمام المحاكم.

ثانيًا: بالرجوع إلى ما قررناه فيما مضى يتضح أن لجنة الدستور رأت أن الصحافة بعد صدور الدستور لا تؤاخذ إلا بطريق القضاء على ما يصدر منها والمصادرة عقبة لا يصح توقيعها إلا بحكم قضائي مبني على نص صريح.
وعلى هذا فيكون ما اتخذه قلم المطبوعات من إجراءات المصادرة ضد المجلة المذكورة خروجًا على القوانين وعملاً من أعمال الاغتصاب ويكون من حق القضاء الحكم بإلغائه، وإلزام الحكومة بتعويض الضرر الناشئ عن هذا التصرف.
وقد أخذت محكمة مصر الابتدائية بهذه النظرية وقضت بإلزام الحكومة بالتعويض بحكمها الصادر في مايو سنة 1929.
وقد نشرناه في باب أحكام المحاكم الكلية.