هل تعد النهوة العشائرية جريمة حسب القانون العراقي

 

قضاة: “النهوة العشائرية” جريمة.. و الحد منها يحتاج لتعديل تشريعي

لم يفلح تطور المجتمع وانفتاحه المدني في إنهائها، ومازالت المحاكم تروي قصص طلاق، بل انتحار وحكايات قتل بشعة بسببها حتى هذه الأيام. فايروس متفش في المجتمعات العشائرية، كبت لحرية المرأة واستلاب لحق الاختيار.

 

“النهوة” عرف عشائري قديم جداً يقضي بمنع الفتاة من الزواج برجل غريب عن العشيرة، ويُمكّن هذا العرف ابن العم او العم بالنهي على الفتاة بغية تزويجها بأحد أقاربها.

ويعدّ القضاة “النهوة العشائرية” جريمة يحاسب مرتكبها بعقوبات مختلفة، لكنهم أكدوا ان القانون العراقي لم يفرد لها مادة أو فقرة، مشيرين إلى أن “النهوة” يمكن اعتبارها أحد أنواع التهديد.

يقول قاضي التحقيق دريد قحطان محمد “ليس للنهوة العشائرية عمر محدد للذكر أو الأنثى ولا يؤخذ فارق العمر بنظر الاعتبار”، مشيرا الى ان “ابن عم الفتاة او عمها هم من يخولهما العرف العشائري بالنهي على البنت ومنعها من الزواج بشخص غريب”.

و أضاف محمد، وهو قاضي اول مكتب التحقيق القضائي في الكاظمية، ان “المواد 431 و430 من قانون العقوبات العراقي تكيف النهوة العشائرية على إنها جريمة تهديد ويعاقب عليها بالحبس”.

واضاف قاضي التحقيق “اذا كانت الفتاة بالغة لسن الرشد فان القانون يسمح لها بتحريك دعوى قضائية ضد من نهى عليها، كما ان ذويها باستطاعتهم تقديم شكوى ضد الناهي في حال لم تبلغ البنت السن القانونية”.

ولفت محمد في حديث الى (المركز الاعلامي للسلطة القضائية) الى انه “من الممكن ان تعترض الفتاة التي لم تتجاوز السن القانوني على النهوة غير أن اهلها لا يريدون ذلك، وفي هذه الحالة لا تطيع الفتاة تحريك الشكوى”، منبها إلى أن “قانون العقوبات العراقي بحاجة الى تعديل في هذا الجانب”.

وتابع محمد “و في حالة اخرى يكون عم الفتاة هو من ارتكب جريمة النهوة، الا ان ولده يعترض على هذا الفعل ولكن القانون لا يسمح له بتقديم شكوى ضد والده اذ ان المادة 3 من قانون المحاكمات الجزائية تقضي بان الشكوى لا تتحرك الا بناءً على طلب المجني عليه او من يخوله قانونيا والمجنى عليه هنا الفتاة”.

وأضاف “احيانا تحضر الفتاة الى المحكمة وهي مجبرة على الزواج من ابن عمها بسبب النهوة العشائرية وفي هذه الحالة يرفض القاضي تزويجهما الا ان القانون لا يعطي للقاضي الحق بتحريك دعوى قضائية ضد من اجبر الفتاة على الزواج الا في حال طلبت الاخيرة”. لافتا الى ان “دور القاضي المجتمعي يقتصر على النصح والإرشاد لأن القاضي يطبق القانون ولا يستطع تجاوزه”.

ويشرح قاضي التحقيق كيفية اثبات جريمة النهوة على المدعى عليه، بالقول “حين تقدم شكوى تحريرية بوقوع جريمة النهوة تحال القضية الى التحقيق وتدون اقوال المدعي وبعدها تطالب المحكمة المشتكي بالإثبات”.

وبين محمد انه “عادة ما يكون الإثبات عن طريق الشهود الحاضرين والقريبين من اطراف الدعوة لان النهوة لا تجري بين شخصين اذ يقتضي هذا العرف العشائري الاشهار”، متابعا “ثم يدون المحقق اقوال المدعى عليه وحين نتأكد من صحة الادعاء يحال المتهم الى محكمة الموضوع المختصة وحسب قانون العقوبات وطبيعة القضية”.

ويرى قاضي التحقيق ان “قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969يحتاج الى تعديل تشريعي اذ انه اقر في سنة 1969 وبهذا فهو لا ينسجم مع مجتمع متطور حديث”.

وعن امكانية تشريع قانون خاص ينظم القضايا العشائرية افاد محمد بأنه “ليس من مصلحة المجتمع ان يشرع قانون لكل قضية اذ في هذه الحالة سوف تكثر القوانين”.

و يطرح محمد حلولا لتحجيم هذه الظاهرة منها “أن تشدد العقوبة على مرتكبي النهوة العشائرية لوضع حد لهذا العرف”، معتبرا النهوة العشائرية “خلافا للنصوص القانونية و لمعايير حقوق الانسان وخلافا لطبيعة البشر خاصة في الوقت الحاضر الذي تطالب به الدول بحرية المرأة وحقوقها”.

واضاف “كما يحتاج الموضوع الى التوعية القانونية اذ أن كثيرا من الناس لا يعلم ان النهوة العشائرية جريمة يعاقب عليها القانون فضلا عن ان بعض النساء لا يعرفن حقوقهن وكيفية الحصول عليها”.

واشار محمد الى ان “النهوة قد تكون احد أسباب الطلاق اذا توافرت معها مقومات الانفصال الاخرى”. مؤكدا أن ظروف هذه الجريمة تتوفر في “المناطق غير الحضرية والتي تسودها العادات العشائرية وتكون فيها رابطة القبلية قوية جدا”.

لكن حيدر البيراوي، وهو قاضي تحقيق آخر رأى أن للنهوة العشائرية “حجما اكبر في السابق، لكنها ضعفت في الوقت الحالي” ويعرف البيراوي “النهوة العشائرية من الناحية القانونية على انها جريمة عاقب عليها القانون ونص عليها قانون الاحوال الشخصية معتبرا “إياها جناية وقد تصل عقوبتها الى10سنوات”.

وأضاف “احيانا يكون الولد هو ايضا ضحية هذه العادة العشائرية اذ يجبر على الزواج من قريبته التي قد تكبره بفارق كبير في السن”. منبها الى انه “في كلا الحالتين تكون الحياة مستحيلة”.

ويروي البيراوي قصة فتاة اجبرت على الزواج من ابن عمها الذي يكبرها بسنوات كثيرة، بسبب النهوة العشائرية فقررت الفتاة الانتحار بحرق نفسها بعد ايام من الزواج

ويوضح البيراوي وهو قاضي تحقيق في مكتب تحقيق الكاظمية ان هذا العرف ينتشر في المناطق الريفية الذي ينحصر الزواج فيها داخل العشيرة وتخير الفتاة اما الزواج من اقاربها او البقاء دون زواج وهذا سبب كثير من المشاكل”.

تزوجها ثم أحرقها

ولا تغيب عن ذهن البيراوي جريمة قتل تسببت بها النهوة العشائرية فكما يروي “تزوج رجل من ابنة عمه رغم اكراهه، بعد ان نهى عم الفتاة عليها واجبر ولده على الزواج منها وبعد فترة من الزواج بدأت الخلافات تدب بينهما بسبب تباين شخصيتيهما وازدادت المشاكل”.

وتابع انه “في احد الايام حين كانت الزوجة نائمة قام زوجها بحرقها وقبل ان تفارق الزوجة الحياة قالت إن زوجي هو من قتلني”.

وعن دور القضاء قال البيراوي “لنا دور مجتمعي خاصة في مجال القضايا التي تخص الأسرة فالمحكمة هنا تنظر إلى الجانب الإنساني إضافة إلى المادة القانونية والعقابية حفظاً منها على وحدة الأسرة إذ أن هدف القاضي الأول الحفاظ على كيان الأسرة”.

موضحا أنه “في كثير من الأحيان تأتي البنت إلى المحكمة وتكون رافضة للزواج ولكن لا تستطع البوح برفضها، إلا أن القاضي يستنتج عدم الرغبة من تصرفاتها وتعابير وجهها وهنا يبرز دور القضاء”.

وأوضح أن “القاضي يقوم باستدعاء الباحثة الاجتماعية الموجودة في محاكم الأحوال الشخصية لتسأل الفتاة بمعزل عن أهلها ويتأكد فيما لو كانت مجبرة على الزواج وفي كثير من الأحيان تجهش الفتاة بالبكاء أمام الباحثة الاجتماعية وتصارحها بعدم موافقتها”.

واضاف أنه “في هذه الحالة لن يعقد القاضي الزواج ويؤشر الرفض رسميا”، مشيراً الى أن “دور القضاء ينتهي إلى هذا الحد إذ لا يسمح له القانون بتحريك دعوى ضد والد الفتاة أو من اجبرها على الزواج إلا في حال طلبت الفتاة ذلك”.

ولفت القاضي الى انه “في حال تنازلت البنت عن حقها الشخصي في قضية النهوة لا يطلق سراح الجاني لان القضية أصبحت حقا عاما وتصرف الجاني مس هذا الحق “.

وذكر البيراوي انه “في المحافظات الجنوبية عرضت علي كثيرا من هذه القضايا إذ تقدم الفتاة شكوى ضد ابن عمها وأحيانا يتولى الأهل تقديم الشكوى”، مضيفا “أصدرت المحكمة كثيرا من أوامر القبض بحق مدانين”.

وخلص البيراوي إلى أن “قانون الأحوال الشخصية بحاجة إلى تعديل إذ رغم التعديلات التي جرت عليه إلا أنها لم تواكب التطور المستمر في الحياة فقد ظهرت كثير من المشاكل التي تحتاج الى تشريع قانوني”.

دعاء آزاد

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.