محاضرات هامة في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية / الجزء الثاني

المطلب الثاني:
الاختصاص النوعي للمجالس القضائية:

تم النص حصر الاختصاص النوعي للمجالس القضائية، بمقتضى نص المادتين 34 و35 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وبحسبهما فالاختصاص المنعقد لهـذه الجهات القضائية، قد يكون انتهائيا وقد يكون ابتدائيا وانتهائيا قابلا أو غير قابل لطرق الطعن.

أولا: الاختصاص الانتهائي للمجالس القضائية:
بمقتضى نص المادة نص المادة 34 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فالمجالس القضائية تختص بالنظر في الطعون بالاستئناف، المرفوعة ضد الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى، وفي جميع المواد، أي تلك الصادرة عن مختلف أقسام هذه المحاكم، حتى ولو كان وصفها خاطئا، كوصف الحكم بأنه انتهائي فيما أنه ابتدائي، أو وصفه بأنه ابتدائي، فيما أنه انتهائي، أو وصفه بأنه تحضيري فاصل في جزء من موضوع النزاع ، بما لا يقبل استئنافه إلا مع الحكم القطعي الفاصل في الموضوع،
بحكم المادة 334 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فيما أنه ابتدائي والعكس.
وينعقد الاختصاص للمجالس القضائية، بوصفها درجـة ثانيـة للتقاضي، للفصل انتهائيا في الطعون بالمعارضة، أو اعتراض الغير الخارج عن الخصومة، أو التماس إعادة النظر، المرفوعة ضد القرارات الصادرة عنها.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

ثانيا: الاختصاص الابتدائي والانتهائي للمجالس القضائية
ينعقد الاختصاص للمجالس القضائية، وبحكم المادة 35 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، للفصل في الطلبات المتعلقة بتنازع الاختصاص بين القضاة، متى كان النزاع متعلقا بجهتين قضائيتين واقعتين ضمن الدائرة الإقليمية لاختصاص المجلس المعني، إلى جانب النظر في طلبات الرد المرفوعة ضد قضاة المحاكم التابعة لدائرة اختصاص المجلس نفسه.
ويلاحظ بأن الاختصاص ينعقد للمجالس القضائية في مثل هذه القضايا، للفصل فيها ابتدائيا وانتهائيا، بقرار قابل للطعن بالنقض، فيما تعلق منها بتنازع الاختصاص بين القضاة ، طبقا للمادة 398 وما يليها من نفس القانون، وبقرار ابتدائي وانتهائي غير قابل لأي طريق من طرق الطعن، في جميع المنازعات المتعلقة برد قضاة محاكم الدرجة الأولى التابعة لها، وفقا لمقتضيات المادة 242 من القانون نفسه.

المطلب الثالث:
الاختصاص النوعي للمحكمة العليا

ينعقد الاختصاص النوعي للمحكمة العليا، بمقتضى نص المادة 349 من قانون الإجراءات
المدنية والإدارية، للنظر في الطعون بالنقض المرفوعة ضد الأحكام والقرارات ، الصادرة عن المحاكم وعن المجالس القضائية، في جميع المواد المدنية، الفاصلة في موضوع النزاع والصادرة في آخر درجة لتلك الجهات القضائية.
ويندرج ضمن تلك الأحكام والقرارات، تلك الصادرة في آخر درجة، والتي تنهي الخصومة إما بالفصل في أحد الدفوع الشكلية، أو بعدم القبول ، أو أي دفع عارض آخر، وذلك طبقا للمادة 350 من نفس القانون.
كما تختص المحكمة العليا أيضا، بالفصل في الطعون بالنقض المرفوعة ضد القرارات الصادرة في آخر درجة عن الغرفة الجزائية، إلى جانب القرارات الصادرة عن غرفة الاتهام،طبقا للمادة 495 من قانون الإجراءات الجزائية.
وينعقد الاختصاص للمحكمة العليا كذلك أيضا، للنظر في الطعون بالنقض المرفوعة ضد القرارات الابتدائية والانتهائية الصادرة عن محكمة الجنايات، طبقا للمادة 313 من قانون الإجراءات الجزائية، وكذلك الحال بالنسبة للأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية، وفقا للمادة 181 من قانون القضاء العسكري.
وتختص المحكمة العليا إلى جانب ذلك، بالفصل في تنازع الاختصاص بين محكمتين تابعتين
لأكثر من مجلس قضائي، أو بين محكمة ومجلس قضائي أو بين مجلسين قضائيين طبقا لنص المادتين 399 و400 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
كما تختص بالفصل في طلبات الرد المرفوعة لرد القضاة العاملين في المجالس القضائية، أو لرد رئيس مجلس قضائي، أو لرد قضاة المحكمة العليا، وفقا لنص المادة 244 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فضلا عن اختصاصها بالفصل في طلبات الإحالة بسبب الأمن العام المقدمة من النائب العام لدى المحكمة العليا، إعمالا لنص المادة248 من نفس القانون، وطلبات الإحالة بسبب الشبهة المشروعة المستهدف التشكيك في حياد الجهة القضائية، طبقا للمادة 249 من:(ق.ا.م.ا).
وخلافا لنص المادة 295 من قانون الإجراءات المدنية، فالطعن بدعوى التماس إعادة النظر ضد القرارات الصادرة عن المحكمة العليا لم تعد جائزة بحكم المادة 375 من:(ق.ا.م.ا.)

المطلب الرابع
اختصاص القضاء المستعجل

إذا كان حسن سير القضاء، يقتضي التزام التروي في تحقيق ادعاءات الخصوم ، وفي إصدار الأحكام، فهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا أخذت إجراءات التقاضي أوضاعها القانونية لاعتبارات يأتي في مقدمتها حماية مصالح الخصوم، لاسيما فيما يتعلق بتهيئة الوقت الكافي لإعداد وسائل الدفاع، وهي في مجملها أوضاعا يترتب عنها إطالة أمد التقاضي، وتأخر الفصل في الدعاوى المرفوعة، إما لتلك الاعتبارات، وإما لمماطلة الخصوم سيء النية، وهو تأخر قد يتسبب في الإضرار بمصالح الخصوم ضررا بليغا لا يمكن تجنبه.
لذلك رأى المشرع بأن اللجوء إلى قضاء الموضوع وحده، وضرورة إتباع إجراءاته العادية، قد يكون غير منتج في بعض الحالات، التي تتطلب سرعة الفصل قبل فوات الوقت، فنص على إنشاء القضاء الاستعجالي بجانب قضاء الموضوع، ينعقد اختصاصه لاتخاذ أي تدبير أو إجراء وقتي سريع ، يرمي إلى حماية مصالح الخصوم، وذلك من دون أن يتعرض لأصل الحق المتنازع عليه.
وبحسبه فاختصاص قاضي الاستعجال، وطبقا لنص المادتين 299 و300 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، يتقرر في حالات الاستعجال، وفي الحالات التي تقتضي البث في تدبير للحراسة القضائية، أو أي تدبير تحفظي آخر غير منتظم في إجراءات خاصة، وفي المواد التي ينص القانون صراحة على أنها من اختصاصه، وهذه مسائل تحتاج إلى تبسيط.

أولا: أركان دعوى الاستعجال :
تحتاج الدعوى الإستعجالية ، إلى قيام عنصرين أساسيين ، لانعقاد الاختصاص لقاضي
الاستعجال ونعني بهما قيام حالة الاستعجال ، ووقتية التدبير المطلوب :

أ) قـيام حالـة الاستعـجال :
أن قيام حالة الاستعجال ، وفقا لمقتضيات المادة 299 وما يليها من(ق.ا.م.ا) ، لا تتحقق
بمجرد حصول الرغبة لدى المدعي، في الحصول على حقه على وجه السرعة ،بل أنها تخضع لظروف وملابسات الحق المطلوب حمايته، أي وجود خطر داهم،أو ضرر محدق بذلك الحق ، والذي لا يمكن تفاديه، بلجوء طالب الحماية ،إلى إجراءات التقاضي العادية، بل تتم تلك الحماية عن طريق اتخاذ إجراء مستعجل.
لذلك فان تقدير قيام هذه المسألة من عدمها ، تبقى في الواقع متروكة لتقدير القاضي، في ضوء وقائع وظروف وملابسات كل قضية على حدة، إلا إذا اعتبرت ذات طبيعة استعجاليه بموجب نص خاص في القانون، شأن الحالات التي جاء بها نص المادة 57 مكرر من القانون 05/02 المؤرخ في 27/02/2005، المتضمن تعديل قانون الأسرة ، والـذي أجاز لقاض الأمـور المستعجلة التدخل وعلى وجه السرعة ، لاتخاذ التدبير المطلوب ، بالنسبة للحضانة والنفقة والزيارة والمسكن وذلك بموجب أمر على ذيل عريضة.

ب) وقتية التدبير المطلوب:
باستقراء نص المادة 299 من:(ق.ا.م.ا)، يتضح وأن قيام عنصر الاستعجال وحدة لا يكفي لانعقاد اختصاص قاضي الاستعجال، بل يتعين أن يكون الطلب متوقفا ، على اتخاذ تدبير وقتي ، لا يمس بأصل الحق.
وفي ضوء ذلك الاجتهاد القضائي، فقد اعتبرت الفصل في الدعوى ، التي تتسم بالجدية و بالاعتماد على تفحص الوثائق ، المتصلة اتصالا مباشرا بوقائع الدعوى ، إنما هي مسألة تمس بأصل الحق ، وزهو الحكم الذي يسري على طلب، ينشأ بشأنه نزاع بين الطرفين، حول مفهوم أو مدى فعالية عقد أو قانون لتبرير التدبير المطلوب اتخاذه.

ثانيا: تحديد المحكمة المختصة بالفصل في الدعوى الإستعجالية:
بعد الوقوف على عناصر الاستعجال ، كان لنا أن نتساءل عن الجهة القضائية ، التي تكون مختصة بالبث في التدبير المطلوب، وعن الإجراءات التي يتطلبها القانون لذلك ، وعن طبيعة الأمر الصادر فيه .

أ) المحكمة المختصة:
على الرغم من تعدد التدابير المطلوب اتخاذها ، سواء بالاستناد إلى قانون الإجراءات المدنية ، أو بالاستناد إلى أي نص خاص، فان الاختصاص النوعي بشأنها،ينعقد لقاضي الاستعجال ، وهو رئيس المحكمة أو من ينوب عنه من قضاتها، وذلك بصرف النظر عن طبيعة الإجراء ، الذي قرره القانون للتدبير المطلوب اتخاذه ، فيما إذا كان البث فيه يجري بموجب أمر على ذيل عريضة ، أو أنه يتطلب إقامة دعوى استعجاليه يتم الفصل فيها بموجب أمر استعجالي، وهي ذات الأحكام التي تخضع لها إشكالات التنفيذ ، القائمة بشأن أي سند من السندات التنفيذية .

ب) إجراءات الدعوى المستعجلة :
لعل فكرة الاستعجال المبررة لاتخاذ التدبير المطلوب ، قد دفعت المشرع إلى وضـع قواعد إجرائية بسيطة ، يمكن إتباعها للحصول عليه ، وهي قواعد تتميز بميزتين :
1) خاصية المهل القصيرة :
أنه وعلى الرغم من أن الطلب الرامي إلى اتخاذ التدبير الإستعجالي ، قد يقدم في شكل أمر على ذيل عريضة ، يتم البث فيه بموجب أمر ولائي ، وذلك من دون إعلانه للخصم ، وقد يرفع بموجب عريضة افتتاح دعوى استعجاليه ، يتم إعلانها للخصم ، وفقا للقواعد العامة للإعلان، فان المواعيد المقررة فيها ، يمكن تقصيرها ، إعمالا لنص المادة 301 من:(ق.ا.م.ا) وفقا للظروف ، كما يجوز تقديمها في غير الأيام والساعات المحددة لنظر القضايا المستعجلة ، عند قيام حالات الاستعجال القصوى، والذي يكون للقاضي المكلف بالقضايا الإستعجالية ، أن يأمر فورا بتحديد تاريخ الجلسة كما له أن يأمر بحضور الأطراف في الحال والساعة ، وله البث فيها ، ولو في أيام العطل.
2) خاصية النفاذ المعجل :
تعد الأوامر الصادرة في المواد الإستعجالية ، بطبيعتها مشمولة بالنفاذ المعجل ، بكفالة أو
بدون كفالة ، وللرئيس أن يأمر بتنفيذها ، بموجب المسودة ، وذلك حتى قبل الأمر، وهي بهذه الحالة
غير قابلـة لا للمعارضة ولا للاعتراض على النفاذ المعجل، وذلك بحكم المادة 303 من:ق.ا.م.ا)
وفي ضوء هذه الأحكام ، فان تنفيذها لا يتوقف على الصيرورة النهائية لها، والتي لا تتقرر للأحكام العادية إلا بعد تبليغها ،وانقضاء مواعيد الطعن فيها ، لأن ذلك يؤدي إلى إهدار الفائدة التي جاءت لتحقيقها ، مع مرور الوقت ، لذلك جعلها المشرع معجلة النفاذ بقوة القانون .
ج) طبيعة الأمر المستعجل:
متى كان الأمر المستعجل وقتيا وغير فاصل في أصل الحق المتنازع فيه ، فانه لا يتمتع بحجية الشيء المقضي فيه، لأن هذه الحجية لا تتمتع بها سوى الأحكام النهائية، الفاصلة في أصل الحق حسب متطلبات نص المادة 338 من القانون المدني.
غير أنه ومع ذلك ، فانه لا يجوز تعديله أو إلغاؤه، ما لم تتغير الظروف التي قام عليها وبخلاف ذلك فان طرأت ظروفا جديدة أمكن العدول عنه، حيث أثـر الأمر الإستعجالي القاضي بدفع نفقة مؤقتة لإعالة المحضون، يمكن العدول عنه إن قرر الحكم الصادر في الموضوع ، بحق الحضانة للمدين بتلك النفقة الوقتية.
وقد يضع هذا الامر الطرفين أمام أمر واقع يستحيل تغييره و محو آثاره، أو إزالة النتائج المترتبة عنه، فيؤثر في أصل الحق المتنازع فيه أمام قاضي الموضوع، فالأمر بمواصلة التنفيذ مؤقتا، لبيع المنتوج الزراعي المحجـوز عليه قبل تلفه، وفيما صرح قاضي الموضوع ببطلان الحجز ، فهو أمر يؤدي إلى استحالة استرداد الأشياء المحجوزة، نتيجة استهلاكها من قبل المشتري.

الفصل الرابع:
الاختصاص الإقليمي:

أن الاختصاص المنعقد لكل جهة من الجهات القضائية، وفضلا عن تحديده استنادا لمعيار قيمة الدعوى أو نوعها، فانه يتحدد كذلك أيضا على أساس معيار إقليمي، فيما يعبر عنه بالاختصاص الإقليمي أو المحلي أو المكاني، وإما على أساس معيار شخصي، فيما يعبر عنه بالاختصاص الدولي للمحاكم الجزائرية، للفصل في المنازعات المشتملة على عنصر أجنبي.

المبحث الأول:
الاختصاص الدولي للمحاكم الجزائرية

ثمة قاعدة قانونية تفيد، بأن لمحاكم الدولة ولاية على الأجانـب المقيميـن بها، فيمـا أن الأجنبي الذي لا يقيم في أرض الدولة، فالقاعدة العامة أنه لا يخضع لتلـك الولايـة، ومـع ذلـك فان تشريعات مختلف الدول، عادة ما تتضمن أحكاما تتعلق بمدى ولايتها على الأجانب الذين لا يقيمون بأراضيها، ومبرر ذلك يكمن في التيسير على مواطنيها حتى لا يحرموا من مقاضاة الأجنبي الذي تعامل معهم أمام محاكمها، إذ ليس من العدل أن يلجأ جزائري، إلى مقاضاة طرف أجنبي، يكون قد ارتكب في الجزائر، ما يؤدي إلى قيام مسؤوليته المدنية، بدعوى أنه لا يقيم في الجزائر، فينعقد الاختصاص جوازيا للمحاكم الجزائرية، متى كان أحد أطراف النزاع الرامي إلى تنفيذ الالتزامات المتعاقد عليها أجنبيا، أو متى قرر الطرفان بإرادتهما الخضوع للقضاء الجزائري.

المطلب الأول:
الاختصاص القضائي الدولي الجوازي للمحاكم الجزائرية:

ثمة حالتان يتقرر الاختصاص الدولي الجوازي فيهما للمحكم الجزائرية، تتعلق الأولى بالالتزامات التعاقدية التي تعاقد عليها أجنبي مع جزائري في الجزائر ولو لم يكن مقيما بها، أو التي تعاقد عليها جزائري مع أجنبي خارج الجزائر، وتتعلق الثانية بحالة الخضوع الإرادي لأطراف المنازعة للتقاضي أمام المحاكم الجزائرية.

أولا: الاختصاص القضائي الدولي بالنظر للالتزامات التعاقدية:
يمكن التمييز في هذه المنازعات، بين المركز القانون للطرف الجزائري، فيما إذا كان مدعيا أو مدعى عليه.

أ) جواز اختصام جزائري لأجنبي:
تنص المادة 41 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية،على أنه:( يجوز أن يكلف بالحضور كل أجنبي، حتى ولو لم يكن مقيما في الجزائر، أمام الجهات القضائية الجزائرية، لتنفيذ الالتزامات التي تعاقد عليها في الجزائر مع جزائري، كما يجوز تكليفه بالحضور أمام الجهات القضائية الجزائرية بشأن التزامات تعاقد عليها
في بلد أجنبي مع جزائريين).
ويلاحظ من خلال هذا النص، بأن المشرع الجزائري قد عقد الاختصاص للمحاكم الجزائرية، للنظر في كل دعوى يكون المدعى عليه فيها أجنبيا، وذلك بصرف النظر عما إذا كانت الالتزامات التعاقدية قد أنشئت بالجزائر أو في بلد أجنبي، وبصرف النظر عما إذا كان الطرف الأجنبي مقيما أو غير مقيم بالجزائر، وهي مسألة قد انفرد بها التشريع الجزائري، رغم اقترابه في مجال انعقاد الاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية، إلى حد بعيد بما هو منصوص عليه في التشريع المقارن.

ب) جواز اختصام الأجنبي لجزائري:

على غرار جواز اختصام الجزائري لاجنبي امام المحاكم الجزائرية، نتولى عرض جواز اختصام الاجنبي لجزائري امام المحاكم الجزائرية في كل من التشريع الجزائري وبعض التشريعات المقارنة
نصت المادة 42 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه:(يجوز أن يكلف بالحضور كل جزائري أمام الجهات القضائية الجزائرية بشان التزامات تعاقد عليها في بلد أجنبي، حتى ولو كان مع أجنبي)، وهو نص يقترب كذلك أيضا من بعض التشريعات المقارنة على النحو الاتي.

ثانيا: الاختصاص القضائي الدولي بالنظر للخضوع الإرادي للأفراد:

أ) السند القانوني للاختصاص القضائي الدولي:
يجد هذا النوع من الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الجزائرية سنده القانوني بالمادة 46 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فنصت على أنه:(يجوز للخصوم الحضور باختيارهم أمام القاضي، حتى ولو لم يكن مختصا محليا، يوقع الخصوم على تصريح بطلب التقاضي، وإذا تعذر التوقيع يشار إلى ذلك، يكون القاضي مختصا طيلة الخصومة، ويمتد الاختصاص في حالة الاستئناف إلى المجلس القضائي التابع له).
وترتيبا على ذلك فالمشرع الجزائري، لم يشترط في أن يكون الممارس لهذا الحق جزائريا، بل أنه تضمن النص عليه بصورة عامة ومن دون شروط ، وبالتالي فمن حق الأجانب الاستفادة منه، أكانوا مقيمين بالجزائر أو خارجها، وبصرف النظر أيضا عن الالتزامات المتنازع بشأنها، فيما إذا كانت ناشئة عن الإرادة أو عن الفعل الضار أو النافع.

ب) موقف الفقه من هذا الاختصاص القضائي الدولي:
على الرغم من أن اختصاص المحاكم الجزائرية أو المصرية في ضوء النصين أعلاه، يبقى متوقفا على الخضوع الإرادي لطرفي الخصومة، فثمة جانب من الفقه المصري على وجه الخصوص، قد ذهب إلى القول بأن القواعد المتعلقة بتنظيم مرفق القضاء، إنما هي نصوص متعلقة بالنظام العام ، ويبطل بالتالي كل اتفاق مخالف لتلك القواعد، وعلى هذا الأساس اعتبر هذا الاتجاه الفقهي، بأن جميع النصوص المتعلقة بقواعد الاختصاص، إنما هي متعلقة بالنظام العام، لا يجوز الاتفاق على خلافها، لذلك فنص المادة 32 من قانون المرافعات المصري، يعد جالبا للاختصاص للمحاكم المصرية وليس سالبا له.
غير أنه ومع ذلك، فالاختصاص الوارد بنص المادة 46 من قانون الإجراءات المدنية
والإدارية ، وعلى غرار نص المادة 32 من قانون المرافعات المصري، إنما هو اختصاص يلعب في واقع الأمر دورا مزدوجا، لأنه من ناحية أولى يعد جالبا للاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الوطنية، ومن ناحية ثانية يعتبر سالبا لهذا الاختصاص على حد سواء.

ج) الشرط السالب للاختصاص القضائي الدولي وتنفيذ الحكم الأجنبي:
قد يفيد تحديد الطبيعة القانونية لهذا النوع من الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الجزائرية، في التعرف عن إمكانية تنفيذ الحكم الأجنبي الصادر بمقتضى الشرط السالب للاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الوطنية.
1) في قانون الاجراءات المدنية:
لعل الأهمية العملية للبحث في طبيعة تلك القاعدة، فيما إذا كانت ماسة أو غير ماسة بالنظام العام، إنما تكمن فقط في تنفيذ الحكم الأجنبي، ذلك أنه ومن القواعد المتعارف عليها، أن المحاكم الجزائرية قد استقر العمل لديها في ظل سريان قانون الاجراءات المدنية، على أن تنفيذ الحكم الأجنبي في الجزائر، يتوقف على عدم تعارضه مع النظام العام الجزائري، ومن ذلك أن قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 13/11/1988 تحت رقم 51066 ، قد توصل إلى استخلاص مبدأ قانوني يفيد أنه:(من المقرر قانونا أن الأحكام والقرارات الصادرة من الجهات القضائية الأجنبية، التي تصطدم وتخالف النظام العام الجزائري، لا يجوز تنفيذها ، ومن تم فان القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد خرقا للقانون، ولما كان من الثابت من قضية الحال ، أن قضاة الاستئناف، أيدوا الحكم المستأنف لديهم ، الآمر بتنفيذ الحكم الأجنبي، القاضي على الطاعنة بتسديد الفوائد القانونية ، فإنهم بقضائهم كما فعلوا خرقوا القانون، ومتى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه).
ويبدو من خلال هذا القرار،أن الشرط السالب للاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الجزائرية، لم يكن يشكل عائقا لتنفيذ الحكم الأجنبي بالنسبة للقضاء في الجزائر، بل أن تنفيذهما كان يتوقف على عدم مخالفة الحكم الأجنبي للنظام العام وللقانون الداخلي أو الدولي.
2) في قانون الاجراءات المدنية والادارية:
تحت تأثير مقتضيات التشريع المقارن، فالمشرع الجزائري من خلال نص المادة 605 من قانون الإجراءاتالمدنية والإدارية، قد نحا بدوره نحو الأخذ بجملة من الشروط لتنفيذ الحكم الأجنبي، فنص على أنه:(لا يجوز تنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات الصادرة من جهات قضائية أجنبية، في الإقليم الجزائري، إلا بعد منحها الصيغة التنفيذية من إحدى الجهات القضائية الجزائرية، متى استوفت الشروط التالية: ألا تتضمن ما يخالف قواعد الاختصاص، حائزة لقوة الشيء المقضي به طبقا لقانون البلد الذي صدرت فيه، ألا تتعارض مع أمر أو حكم أو قرار سبق صدوره من محاكم جزائرية، وأثير من المدعى عليه، ألا تتضمن ما يخالف النظام العام والآداب العامة في الجزائر)، فيما أن نص المادة 608 من نفس القانون، قد نص على أن:(العمل بالقواعد المنصوص عليها في المادة 605 أعلاه، لا يخل بأحكام المعاهدات الدولية والاتفاقيات القضائية التي تبرم بين الجزائر وغيرها من الدول).

المطلب الثاني:
الاختصاص القضائي الدولي الوجوبي للمحاكم الجزائرية:

تكاد معظم تشريعات الدول العربية وغير العربية، تجمع على أن الاختصاص الدولي، إنما ينعقد وجوبا للمحاكم الوطنية، للنظر في العديد من المنازعات ، قد يكون من المفيد الإشارة ولو بإيجاز إليها، ثم التعرض إلى الضابط المستند إليه في تحديد البعض من حالات ذلك الاختصاص.

أولا: في التشريـع الجزائـري:
ثمة عدة حالات واردة في التشريع الجزائري، ينعقد فيها الاختصاص القضائي الدولي وجوبا للمحاكم الجزائرية،أهمها تلك المتعلقة بمال موجود فوق إقليم الدولة الجزائرية، أكان منقولا أو عقارا بصرف النظر عن المصدر المنشئ للمال، فيما إذا كان إراديا كالعقد والإرادة المنفردة، أو غير إرادي كالعمل النافع أو الضار.
وفي ظل مقتضيات هذا المبدأ نجد المشرع الجزائري، قد منح هذا الاختصاص القضائي الدولي الوجوبي للمحاكم الجزائرية، بموجب المادة 40 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وبحسبها فالمحكمة الواقع في دائرة اختصاصها، مكان افتتاح التركة، أو المحكمة التي يقع العقار في دائرة اختصاصها ، هي التي تختص بالفصل في المنازعة، حيث جاء بالمادة 08 ما نصه:(…ترفع الطلبات المتعلقة بالمواد المذكورة أدناه، أمام الجهات القضائية دون سواها على الوجه التالي: في الدعاوى العقارية أو الأشغال المتعلقة بالعقار، أو دعاوى الإيجارات بما فيها التجارية المتعلقة بالعقارات،أمام المحكمة التي يقع العقار في دائرة اختصاصها، وفي مواد الميراث أمام المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان افتتاح التركة…).
وقد طبقت المحاكم الجزائرية نص المادة 8 من:(ق.ا.م) المقابل لهذا النص في العديد من الدعوى المتعلقة بالحالات الواردة بالنص أعلاه، أما إذا كانت الدعوى متعلقة بالحقوق الشخصية العقارية، فقد اعتبرت الاختصاص منعقدا للجهة القضائية الواقع في دائرة اختصاصها موطن المدعى عليه، وهو الاتجاه الذي نلمسه من خلال قرار المحكمة العليا الصادر في ظل سريان القانون القديم بتاريخ 29/05/2002 تحت رقم 2599587 الذي أشار وبكل وضوح ، إلى أن المنازعة الرامية إلى استرداد التسبيق، الذي تم دفعه من أجل شراء عقار بعد فسخ العقد، إنما تعد منصبة حول حقوق شخصية، مع أنها ناجمة عن معاملة عقارية، وبذلك فهي حقوق منقولة، لا ينعقد الاختصاص بشأنها للمحكمة التي يقع العقار بدائرة اختصاصها، بل إلى المحكمة التي يوجد بدائرة اختصاصها موطن المدعى عليه، وهكذا.

ثانيا: في بعض التشريعات المقارنة:
لم ينفرد المشرع الجزائري وحده ، بالنص على انعقاد هذا الاختصاص القضائي الدولي الو جوبي للمحاكم الجزائرية، بل أن المشرع المصري قد تبنى هذا المبدأ أيضا، بموجب المادة 30 من قانون المرافعات المصري، فنصت على أنه:(تختص محاكم الجمهورية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في الجمهورية وذلك في الأحوال التالية: (إذا كان له في الجمهورية موطن مختار، إذا كانت متعلقة بمال موجود في الجمهورية، أو كانت متعلقة بالتزام نشأ أو نفذ أو كان واجبا تنفيذه فيها، أو كانت متعلقة بإفلاس أشهر فيها..).
ويلاحظ بأن هذا المبدأ لم يعرف في كل من الجزائر ومصر فقط، بل أنه مبدأ معروف بدرجة واسعة جدا في التشريعات المقارنة، ومن ذلك أن نص المادة 28 من قانون المسطرة المغربي، قد نص على أنه:(تقام الدعاوى خلافا لمقتضيات الفصل السابق أمام المحاكم التالية: في الدعاوى العقارية سواء تعلق الأمر بدعوى الاستحقاق أو الحيازة أمام محكمة موقع العقار المتنازع فيه…في دعاوى التركات أمام محكمة محل افتتاح التركة).
هذا ومن خلال المقارنة بين النصوص الواردة في تشريعات الدول الثلاث: الجزائر، مصر، المغرب، نجدها قد أخذت بضابط موقع المال، لانعقاد الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الوطنية.

المبحث الثاني
الاختصـــاص الإقليمي

على الرغم من أن قواعد الاختصاص الإقليمي، ليست كلها متعلقة بالنظام العام، فثمة بعض الضرورات العملية قد أوجبت انعقاد الاختصاص، لهذه الجهة القضائية دون تلك، وأدت إلى وجود قاعدة عامة له ، مع وجود بعض الاستثناءات بشأنها.

المطلب الأول
القاعدة العامة في الاختصاص الإقليمي وضرورات قواعدها

ثمة بعض الضرورات أوجبت قواعد الاختصاص الإقليمي، تستحق الإشارة إليها قبل التعرض للقاعدة العامة التي يقوم عليها.

أولا: ضرورة قواعد الاختصاص الإقليمي:
لقد كان لاتساع رقعة الدولة، وانتشار سكانها في ربوعها المختلفة، أثرا في تعدد المحاكم ذات الصنف الواحد، وتوزيعها على مختلف الأنحاء ، وقد شكل هذا التعدد إحدى الضرورات العملية، لوضع قواعد قانونية تعنى بتحديد الاختصاص الإقليمي لكل جهة من تلك الجهات القضائية.
يضاف إلى ذلك أن المشرع قد أولى بعض القضايا أهمية خاصة، لذلك أسند مهمة الفصل فيها لجهات قضائية معينة، كما هو عليه الحال بالنسبة لأقطاب المحاكم المتخصصة المنشأة على مستوى عدد محدود من المحاكم، ومع ذلك فان الاختصاص الإقليمي لها، يمتد إلى الأقاليم الواقعة ضمن اختصاص محاكم ومجلس قضائية أخرى، وفي انتظار تنصيبها فالمحاكم المنعقدة في مقر المجالس القضائية، هي التي تبقى مختصة بالفصل في معظم المنازعات المسندة لتلك الأقطاب، أي تلك المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة الأولى من قانون الإجراءات المدنيـة القديم، وكذلك المنازعات الموجهة ضد هيئة الضمان الاجتماعي، وقد شكل ذلك إحدى الضرورات لقواعد الاختصاص الإقليمي.
ويبقى أن نشير إلى أن الاختصاص المحلي للمجالس القضائية، يمتد لجميع الأحكام الصادرة عن المحاكم التابعة لكل مجلس قضائي، وكذلك للفصل في المنازعات المتعلقة بتنازع الاختصاص بين محكمتين واقعتين في دائرة اختصاص المجلس القضائي نفسه، فيما أن الاختصاص المحلي لمجلس الدولة ، وكذلك الاختصاص المحلي للمحكمة العليا، ومحكمة التنازع، فانه يمتد عبر كافـة التراب الوطني .

ثانيا: القاعدة العامة في الاختصاص الإقليمي:
يحتاج الإلمام بالقاعدة العامة في الاختصاص الإقليمي، إلى تحديد مضمونها وإبراز مبرراتها.

أ) مضمون القاعدة العامة في الاختصاص الإقليمي:
تقوم هذه القاعدة وفقا لنص المواد 37 و38 و803 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، على مفهوم مؤداه أن الجهة القضائية – عادية كانت أو إدارية- التي يقع موطن المدعى عليه بدائرة اختصاصها كقاعدة عامة، هي المختصة إقليميا بنظر الدعوى، وذلك بصرف النظر عن محل هذه الدعوى.
ومع ذلك فان لم يكن للمدعى عليه موطن معروف، فان الاختصاص الإقليمي ينعقد للمحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها آخر موطن له، وفي حالة اختياره لموطن، فالاختصاص ينعقد للجهة القضائية التي يقع بدائرة اختصاصها هذا الموطن المختار، ويترتب على هذه القاعدة إبراز مبرراتها، وتحديد بعض المفاهيم المتعلقة بها.

ب) مبررات القاعدة العامـــة:
لا غرو في أن معظم تشريعات دول العالم ، تكاد تتفـق على انعقاد الاختصاص الإقليمي، لمحكمة موطن المدعى عليه، ويكمن مبرر ذلك، في أن الأصل هو براءة الذمة، وبالتالي فان من يطالب خصمه بشيء، فعليه أن يسعى لأقرب محكمة لهذا الأخير، وأن القول بغير ذلك يعني إجبار البريء، على التنقل إلى مكان بعيد عن موطنه للدفاع عن نفسه، في دعوى قد يتضح في نهاية المطاف عدم صحتها، وهو أمر لا يتماشى ومقتضيات العدالة، التي ترفض أن تمنح لأي طرف من أطراف الدعوى أي امتياز على حساب الطرف الآخر، بل تتطلب التسوية بينهما.
هذا وثمة مبرر آخر، يكمن في كون المدعي وهو الذي أخذ المبادرة في إقامة الدعوى وفي الوقت المناسب له، فمتى كان له ذلك، ومن أجل اقتضاء التوازن بين مركزه، وبين مركز المدعى عليه فيها، فانه يتعين ألا يمكن أيضا من اختيار المحكمة التي يريدها، والتي تكون عادة في موطنه، بل يتعين أن تكون تلك المحكمة، التي يتعين عليه اللجوء إليها، هي تلك الواقعة في موطن المدعى عليه، وهي قاعدة من شأنها ضمان ذلك التوازن بين طرفي الدعوى.

المطلب الثاني :
المقصود بالموطــن

ينصرف مفهوم الموطن، إلى التعبير عن الموطن الأصلي أو العام ، وكذلك إلى التعبير عن الموطن القانوني ، وموطن الأعمال، والموطن المختار.

أولا: الموطـن الأصلـي:
يعد الموطن الأصلي، هو المكان الذي يأوي الإنسان على وجه الاعتياد، بغرض الاستقرار الدائم، ولا يجب أن يفهم من ذلك، بأن الإقامة يجب أن تكون متصلة وبدون انقطاع، بل أن هذه الإقامة قد تتخللها فترات غياب، أكانت متقاربة أو متباعدة ، ومع ذلك فليس من شأنه الإخلال بمبدأ الاعتياد، كما أن الإقامة في مكان معين بذاته، كالإقامة في منزل العائلة، لا يعد موطنا أصليا، مادامت نية الاستقرار لم تتوفر لدى المعني .
إن هذا المفهوم للموطن الخاص، من شأنه أن يسمح بأن يكون للشخص أكثر من موطن واحد، ويصدق ذلك على المتزوج بأكثر من واحدة ، لأنه يقيم لدى كل منهن ،عند انفراد كل واحدة منهن ببيت منفصل يكون موجودا في مكان مختلف عن مكان وجود بين الأخرى وهكذا وعند تحقق هذه الحالة، فانه يجوز إقامة الدعوى، أمام المحكمة الواقع في دائرة اختصاصها، أحد موطن المدعى عليه، كما يسمح بأن لا يكون للشخص أي موطن على الإطلاق، وفي هذه الحالة تكون المحكمة، التي يقع في دائرة اختصاصها آخر موطن له هي المختصة بنظر الدعوى.
هذا وتكون العبرة في تحديد الموطن الأصلي، بالوقت الذي رفعت فيه الدعوى، وبالتالي فاختصاص المحكمة لا يتأثر بتغيير الموطن بعد ذلك، وتكمن الغاية من وراء ذلك، في وضع حد لسوء نية المدعى عليه، المتمثلة في حرمانه المدعي من اختصامه أمام المحكمة المختصة في أي وقت أراد ، وذلك بإقدامه على تغيير موطنه، بمجرد علمه بإقامة الدعوى، الأمر الذي قد يحول دون تبليغه به تبليغا صحيحا، فيكون مصيرها الرفض.

ثانيا: الموطــن الخــاص :
بمقتضى المادتين 39 و40 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ثمة عدة حالات، ينعقد فيها الاختصاص الإقليمي لجهة قضائية دون غيرها، بالنسبة للعديد من المنازعات.
1) الدعاوى المختلطة:
تكون الدعوى مختلطة، متى كانت الحقوق المتنازع عليها عينية وشخصية في نفس الوقت،كالدعوى المتعلقة بنقل ملكية العقار، فهي تتعلق من جهة بحق عيني ناشئ عن العقار، وتتعلق من جهة بحق شخصي ناشئ عن العقد المبرم بشأنه، ومهما كان الحال، فالاختصاص الإقليمي للفصل في المنازعات الناشئة عنها، ينعقد إلى الجهة القضائية التي يقع بدائرة اختصاصها مقر الأموال، طبقا للمادة 39/01 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
2) دعاوى تعويض الضرر الناجم عن جناية أو جنحة أو مخالفة:
يتناول هذا النوع من المنازعات، جميع دعاوى التعويض القائمة على المسؤولية التقصيرية بوجه عام، أكانت قائمة على الخطأ الشخصي طبقا لنص المادة 124 من القانون المدني، أو كانت قائمة على الخطأ المفترض، اعمالا لنص المادة 134 وما يليها من نفس القانون، بخصوص مسؤولية متولي الرقابة مثلا ، وهي في مجملها دعاوى ينعقد الاختصاص الإقليمي للفصل فيها إلى الجهة القضائية التي وقع بدائرة اختصاصها الفعل الضار، ويستوي في ذلك أن يكون الضرر ناجما عن جناية أو جنحة أو مخالفة، أو عن فعل تقصيري قائم على الخطأ الشخصي أو على الخطأ المفترض، إعمالا لنص المادة 39/02 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
3) الدعاوى المرفوعة ضد شركة:
يتناول هذا النوع من المنازعات الدعاوى المرفوعة من الغير ضد الشركات، وبحسبها ينعقد الاختصاص الإقليمي، للفصل فيها، إلى المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها أحد فروع الشركة، طبقا لنص المادة 39/04 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
4) الدعاوى العقارية:
يتعلق هذا النوع من المنازعات، بمختلف الدعاوى العقارية، أو دعاوى الأشغال المتعلقة بالعقار، أو دعاوى الإيجارات بما فيها التجارية المتعلقة بالعقارات، وهي في مجملها ينعقد الاختصاص الإقليمي للفصل فيها، إلى الجهة القضائية التي يقع العقار في دائرة اختصاصها، وبالنسبة للأشغال المتعلقة بالعقار، فالاختصاص ينعقد للمحكمة التي وقع في دائرة اختصاصها تنفيذ الأشغال، وفقا لمقتضيات المادتين 40/01 و518 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
5) دعاوى الأشغال العمومية:
بمقتضى نص المادة 40/01 والمادة 804/02 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص الإقليمي، للفصل في هذا النوع من الدعاوى المتعلقة بالأشغال العمومية، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال.
6) دعاوى الميراث:
وفقا للمادة 40/02 وكذلك المادة 498 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص للفصل في مواد الميراث، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها موطن المتوفى، حتى ولو كانت بعض أموال التركة موجودة خارج دائرة الاختصاص الإقليمي لهذه المحكمة، ما لم ينص القانون على انعقاد الاختصاص الإقليمي لمحكمة أخرى.
7) دعاوى الطلاق والرجوع للمسكن الزوجي:
بمقتضى نص المادة 40/02 والمادة 426/03 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص للفصل في دعاوى الطلاق، أو دعاوى العودة للمسكن الزوجي، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مسكن الزوجية.
8) دعاوى الحضانة والزيارة والرخص الإدارية المسلمة للمحضون:
وينعقد الاختصاص للفصل في الدعاوى المتعلقة بالحضانة، وحق الزيارة، والرخص الإدارية المسلمة للقاصر المحضون، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان ممارسة الحضانة، وذلك إعمالا لنفس المادتين 40/02 و426 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
9) دعاوى النفقة:
وينعقد الاختصاص للفصل في الدعاوى المتعلقة بالنفقة، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها موطن الدائن بها، طبقا لنص المادتين 40/02 و426/05 من:ق.ا.م.ا.
10) دعاوى السكن لممارسة الحضانة:
طبقا لنص المادة 40/02 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص للفصل في الدعاوى المتعلقة بتوفير مسكن لممارسة الحضانة، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان وجود السكن، وهي حالة لم يضع لها قانون الإجراءات المدنية نصا خاصا، لذلك كان يعتد فيها بموطن المدعى عليه كأصل عام.
11) دعاوى الإفلاس أو التسوية القضائية للشركات ومنازعات الشركاء:
وينعقد الاختصاص للفصل في الدعاوى المتعلقة بالإفلاس أو التسوية القضائية للشركات، ومنازعات الشركاء مع بعضهم البعض، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان افتتاح الإفلاس، أو مكان افتتاح التسوية القضائية، أو مكان المقر الاجتماعي للشركة بالنسبة لمنازعات الشركاء، وذلك طبقا للمادة 40/03 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
12) دعاوى الملكية الفكرية:
بمقتضى نص المادة 40/04 من قانون الإجراءات المدنيـة والإداريـة،ينعقـد الاختصاص للفصل في الدعاوى المتعلقة بمواد الملكية الفكرية، إلى المحكمة المنعقدة في مقر المجلس القضائي الموجود في دائرة اختصاصه موطن المدعى عليه.
13) دعاوى الخدمات الطبية:
طبقا لنص المادة 40/05 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص للفصل في الدعاوى المتعلقة بالخدمات الطبية، إلى المحكمة التي تم في دائرة اختصاصها تقديم العلاج.
14) المنازعات المتعلقة بمصاريف الدعاوى وأجور مساعدي القضاء:
وفقا لنص المادة 40/06 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص للفصل في المنازعات المتعلقة بمصاريف الدعاوى، وأجور مساعدي القضاء،كالمحامين والموثقين والمحضرين والمترجمين والخبراء، إلى المحكمة التي فصلت في الدعوى الأصلية.
15) دعاوى الضمان:
ينعقد الاختصاص للفصل في المنازعات المتعلقة بدعاوى الضمان، إلى المحكمة التي قدم إليها الطلب الأصلي، إعمالا لنفس الفقرة السادسة من المادة 40 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
16) دعاوى الحجز:
وينعقد الاختصاص للفصل في المنازعات المتعلقـة بمواد الحجز، سواء تعلـق الأمر بالإذن به، أو بالإجراءات التالية له، إلى المحكمة التي تم الحجز في دائرة اختصاصها، تطبيقا للمادة 40/07 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
17) دعاوى إنهاء وتعليق عقد العمل بسبب حوادث العمل والأمراض المهنية:
وينعقد الاختصاص للفصل في المنازعات القائمة بين الأجير وصاحب العمل، بخصوص إنهاء أو تعليق عقد العمل، بسبب حادث عمل أو مرض مهني، إلى المحكمة التي يوجد بدائرة اختصاصها موطن المدعى عليه، وفقا لنص المادة 40/08 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وبذلك يكون المشرع هنا قد أخذ بالمبدأ العام في الاختصاص الإقليمي، المستند لموطن المدعى عليه في تحديد الجهة القضائية المختصة.
18) الدعاوى المستعجلة:
وينعقد الاختصاص للفصل في دعاوى الاستعجال، إلى الجهة القضائية الواقع في دائرة اختصاصها مكان التدبير المطلوب اتخاذه، أو مكان وقوع الإشكال التنفيذي، وإذا كان هذا الإشكال متعلقا بحكم صادر عن جهات القضاء الإداري، فالاختصاص ينعقد للجهة القضائية التي صدر عنها الحكم المستشكل في تنفيذه، وذلك طبقا لنص المادة 40/09 والمادة 804/08 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
19) الترخيص بالزواج والكفالة:
بمقتضى نص المادة 426/07 والمادة 492 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص للفصل في طلبات الترخيص بالزواج، إلى الجهة القضائية التي يقع بدائرة اختصاصها بموطن طالب الترخيص، أو الجهة القضائية التي يقع بدائرة اختصاصها طالب الكفالة.
20) الولاية على نفس وأموال القاصر:
طبقا لنص المادة 426/09 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص
للفصل في الدعاوى المتعلقة بإنهاء ممارسة الولاية على نفس القاصر، أو سحبها مؤقتا ، سواء من قبل أحد الوالدين ، أو من ممثل النيابة العامة، إلى المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان ممارسة الولاية، وهي نفس الجهة التي ينعقد لها الاختصاص ، للفصل في جميع الدعاوى المتعلقة بأموال القاصر طبقا لنص المادة 464 من نفس القانون.

ثالثا: الموطن الحكمي أو القانوني :
على الرغم من أن قواعد الاختصاص الإقليمي، الواردة بنص المواد 37 إلى 44 من قانون
الإجراءات المدنية والإدارية، قد أخذت بالتطور الواقعي للموطن كقاعدة عامة، فان المشرع واستثناء من هذه القاعدة العامة، قد يتصور وجود الموطن في مكان معين، وذلك بأن ينسب موطن معين لشخص، حتى ولو لم يكن يقيم فيه، مثلما هو عليه الأمر ، بالنسبة لعديمي الأهلية وناقصيها بسبب صغر السن، وكذلك الحال بالنسبة للمحجور عليهم ، بسبب أي عارض من عوارض الأهلية، إلى جانب المفقود والغائب، حيث يكون موطن هؤلاء هو موطن النائب عنهم، كالولي أو الوصي أو القيم عليهم، وبذلك فان كان الوصي أو القيم يقيم على سبيل المثال بسطيف، فالمحكمة المختصة بنظر الدعوى التي يمكن إقامتها في مواجهته، هي محكمة سطيف حتى ولو كان المعني مثلا يقيم بدائرة اختصاص محكمة أخرى غيرها.

رابعا: الاختصاص المشتـــرك :
قد ينعقد الاختصاص الإقليمي، للفصل في المنازعة لأكثر من محكمة، فيكون للمدعي أن يختار إحداها بالنسبة للعديد من المواد.
1) حالة تعدد المدعى عليهم:
طبقا لنص المادة 38 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص الإقليمي لنظر الدعوى في حالة تعدد المدعى عليهم ، إلى كل جهة من الجهات القضائية التي يتواجد بها موطن كل واحد من المدعى عليهم، وبذلك فالجهة القضائية التي يتم اختيارها من بين تلك الجهات تكون مختصة إقليميا بنظر المنازعة.
2) المنازعات المتعلقة بالتوريد والأشغال وتأجير الخدمات الفنية والصناعية:
ينعقد الاختصاص الإقليمي فيما يتعلق بهذه المواد، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام الاتفاق أو الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذه، حتى ولو كان أحد الأطراف لا يقيم فيه، وفقا للمادة 39/03 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
3) المنازعات التجارية غير الإفلاس والتسوية القضائية:
ينعقد الاختصاص الإقليمي، للفصل في الدعاوى المتعلقة بالمواد التجارية غير الإفلاس والتسوية القضائية، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان الوعد، أو مكان تسليم البضاعة، أو التي يجب أن يتم الوفاء في دائرة اختصاصها، طبقا للمادة 39/04 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
4) المنازعات المتعلقة بالمراسلات والأشياء الموصى عليها:
وينعقد الاختصاص للفصل في الدعاوى المتعلقة بالمراسلات البريدية، والأشياء الموصى عليها، ومختلف الارسالات ذات القيمة المصرح بها، وكذلك الحال بالنسبة لطرود البريد، إلى المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها، إما موطن المرسل ، وإما موطن المرسل إليه، طبقا للمادة 39/05 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
5) دعاوى الأجير وصاحب العمل:
بمقتضى نص المادة 40/08 و501/01 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ينعقد الاختصاص للفصل في المنازعات القائمة بين الأجير وصاحب العمل ، باستثناء ما تعلق منها بإنهاء وتعليق عقد العمل، بسبب حادث عمل أو مرض مهني، إلى المحكمة التي تم في دائرة اختصاصها مكان إبرام عقد العمل أو مكان تنفيذه ، أو التي يوجد بها موطن المدعى عليه.
6) دعاوى العقود الإدارية:
وينعقد الاختصاص للفصل في دعاوى العقود الإدارية، مهما كانت طبيعتها ، بما فيها تلك المتعلقة بالصفقات العمومية، إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام العقد الإداري، أو مكان تنفيذه، وذلك طبقا للمادة 804/03 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
7) الدعاوى ذات الطرف الأجنبي:
بمقتضى نص المادتين 41 و42 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية،ينعقد الاختصاص الإقليمي للفصل في الدعاوى ذات الطرف الأجنبي، والرامية إلى تنفيذ الالتزامات التي تعاقد عليها مع جزائري في الجزائر أو في بلد أجنبي ، إما إلى الجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام الاتفاق ، أو مكان تنفيذ الالتزامات المتعاقد عليها، متى أبرم أو نفذ الاتفاق بالجزائر، وإما إلى الجهة القضائية التي ينعقد الاختصاص الإقليمي لها ، وفقا لقواعد الاختصاص المشار إليها فيما تقدم، تبعا لطبيعة الطلب القضائي.
8) الدعاوى المرفوعة من أو ضد القضاة:
ينعقد الاختصاص للفصل في الدعاوى المرفوعة من القضاة أو ضدهم ، والتي يؤول الاختصاص فيها لجهة من الجهات القضائية، التابعة لدائرة اختصاص المجلس القضائي الذي يمارس فيه وظائفه، إلى جهة من الجهات القضائية التابعة لأقرب مجلس قضائي محاذ للمجلس الذي يمارس فيه مهامه، وذلك طبقا لنص المادتين 43 و44 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وهو اختصاص لم يتعرض قانون الإجراءات المدنية القديم إلى النص عليه.
9) الطلاق بالتراضي:
إذا كان المشرع في دعاوى الطلاق أو العودة إلى المسكن الزوجي، لم يترك للزوجين حرية اختيار الجهة القضائية التي ترفع إليها الدعوى، بل أنه قد عقد الاختصاص للفصل فيها إلى الجهة القضائية التي يقع بدائرة اختصاصها هذا المسكن، فانه وخلافا لذلك قد عقد الاختصاص في حالة الطلاق بالتراضي، إلى المحكمة التي يقع بدائرة اختصاصها مكان إقامة أحد الزوجين حسب اختيارهما، طبقا لنص المادة 426/03 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

المبحث الثالث:
ضيق الاختصاص واتساعه

إذا كان الاختصاص النوعي للجهات القضائية، يتحدد على أساس نوع الدعوى، أو قيمتها، أو أطرافها، وأن الاختصاص الإقليمي، يتحدد على أساس الدائرة الجغرافية لكل جهة قضائية كأصل عام، فان هذا الاختصاص ليس جامدا، إذ أن المنازعات المندرجة ضمن الاختصاص النوعي، أو الإقليمي لجهة قضائية معنية، قد تطرأ مستجدات أثناء سير الخصومة، فتثير بعض التساؤلات حول دخولها من عدمه، في اختصاص الجهة القضائية المختصة بالفصل في الطلب الأصلي.
وعلى الرغم من أن القاعدة العامة المقررة في هذا الإطار، أن كل ما يثار من مسائل متفرعة عن الطلب الأصلي، وعن الخصومة التي أنشأها، تدخل ضمن اختصاص الجهة القضائية المختصة بالطلب الأصلي، وهي القاعدة التي تبين مدى انطباقها، على ما يثور أثناء الخصومة من وسائل دفاع، ومن طلبات ، ومسائل عارضة، وهي حالات قد تؤدي إلى امتداد ولاية الجهة القضائية الأصلية.
واستثناء من هذه القاعدة، فقد نتوقف على بعض الشروط، تكون قـد تقررت في نصوص، لتنظيم كل مسألة متفرعة عن الخصومة الأصلية، حتى تمتد ولاية محكمة الطلب الأصلي لها، وعند انعدامها لا ينعقد اختصاصها بنظرها، وهي حالات يترتب عنها انحسار الاختصاص.

المطلب الأول
اتســـاع الاختصاص

تتعلق المسائل الفرعية ، التي تثور أثناء سير الخصومة، إما بموضوع الدعوى ، و إما بإجراءاتها، وأن المبدأ هو امتداد اختصاص المحكمة للفصل فيها، و الاستثناء غير ذلك.

أولا: المبـــدأ الــــعام
من أهم المبادئ العامة المقررة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، هو أن قاضي الأصل هو قاضي الفرع، وتظهر قيمة هذا المبدأ، متى كانت هذه المسائل الفرعية، لا تدخل في اختصاص القاضي بحسب الأصل، فيما لو عرضت عليه في صورة طلب أصلي، بل تكون في مثل هذه الحالة، من اختصاص قاض آخر، ومن ذلك أن وسائل الدفاع، التي يسوقها المدعي أو المدعى عليه، تأييدا أو دفعا لطلب، تعد داخلة في اختصاص قاضي الطلب، حتى ولو كان القانون، قد جعل الاختصاص بنظر هذه الوسائل لجهة قضائية أخرى، فيما لو قدمت على شكل طلب أصلي، وبذلك فان الاختصاص الأصلي لجهة قضائية معنية، يتحدد نوعيا وإقليميا ثم تكميليا، ليشمل كل ما يطرح على الجهة القضائية، من مسائل فرعية مرتبطة بالطلب الأصلي، وهو ختصاص سماه البعض الاختصاص التبعي .

ثانيا: مدى امتداد الاختصاص لوسائل الدفاع :
يقصد بوسائل الدفاع، تلك التي يسوقها المدعي تأييدا لطلباته، وتلك التي يـرد بها المدعى
عليه عن مزاعم المدعي، بما يعني الأدلة والدفوع، ولا يثور أدنى شك ، في انطباق قاعدة أن قاضي الأصل هو قاضي الفرع بشأنها، وبناء على ذلك، فان ما يثار من وسائل دفاع أثناء نظر الموضوع، يدخل في اختصاص المحكمة حتى ولو كان في الأصل من اختصاص جهة قضائية أخرى ، فيما لو تم عرضها عليها من خلال طلب أصلي.
غير أن تطبيق هذا المبدأ يعد نسبيا، ذلك أن وسيلة الدفاع التي يعتمد عليها أحد طرفي النزاع ، أمام جهة من جهات القضاء العادي، فيما لو تمثلت في سند إداري وتقدم الطرف الآخر بدفوع ترمي إلى الطعن فيها بالبطلان، فان هذه الجهة لا يكون من اختصاصها فحص السند المطعون فيه ، فيما إذا كان مشوبا بعيب من عيوب البطلان، لأن ذلك من اختصاص القضاء الإداري.

ثالثا: مدى امتداد الاختصاص لنظر المسائل الأولية :
ينصرف مدلول الوسائل الأولية، إلى وسائل الدفاع التي يجب إبداؤها، والفصل فيها مسبقا، قبل إثارة باقي وسائل الدفـاع الأخرى، وذلك تمهيدا للفصل في الطلب الأصلي، حتى ولو كانت وسائل الدفاع الأولية هذه، خارجة عن اختصاص الجهة القضائية المخولة بالفصل في الطلب الأصلي، لدخولها اختصاص جهة قضائية أخرى.
وان تعددت هذه الوسائل الاولية، وكان من بينها الدفع بعدم الاختصاص الإقليمي، تعين على المحكمة الفصل فيه أولا، قبل غيره من وسائل الدفاع الأولية الأخرى، مع أن هذه وحتى عند قبولها للدفع، فلها الحق في منح الخصوم أجلا، وقبل الفصل في الدفع بتصحيح الإجراء، وعند إتمامه فان آثاره تنسحب إلى تاريخ الإجراء المطعون فيه.

رابعا: مدى امتداد الاختصاص لنظر المسائل العارضة :
تتعلق المسائل العارضة، بكل مسألة تبدى أثناء الخصومة ، ولا يكون لها تأثير على نطاق المنازعة، بما يعني انطباقها على كل طلب ، يتعلق بالضم أو الفصل بين الخصومات، ووقفها أو انقطاعها أو سقوطها أو تركها ، وكذلك أيضا كل طلب ، يرمي إلى القيام بإجراء من إجراءات الإثبات، أو رد القاضي وغيرها.

وإذا كانت هذه المسألة، لا تضيف إلى موضوع الطلب الأصلي أي جديد، ولا يمكنها أن تؤثر في اختصاص المحكمة، فان هذه تعد هي الأجدر دون غيرها ، للفصل فيها على ضوء الوقائع الجارية أمامها ، إلا إذا وجد نص خاص ، يعطي الاختصاص لمحكمة أخرى بنظر المسألة العارضة، كما هو عليه الحال بالنسبة للطلب الرامي إلى رد القاضي.

خامسا: مدى امتداد الاختصاص للطلبات العارضة:
تختلف الطلبات العارضة عن المسائل العارضة، ذلك أنها وان كانت تتفق معها، فيما يتعـلق بتقديمها أثناء الخصومة، فإنها تختلف عنها فيما يتناولها، أحد عناصر المنازعة الأصلية فقط، وهي الموضوع والسبب والخصوم ، وذلك بتعديلها فتضيق أو توسع من نطاقها، وعلى هذا الأساس
يختلف نطاق امتداد اختصاص محكمة الطلب الأصلي إلى الطلب العارض.
والحال فمحكمة الطلب الأصلي، تكون مختصة بالطلب العارض ، المثار في دعوى قسمة المال الشائع ، ولو كان عقارا يقع في دائرة اختصاص محكمة أخرى، أو أن المحكمة المختصة بنظر الطلب العارض، هي التي يقع في دائرة اختصاصها موطن المدعى عليه، كما هو الشأن بالنسبة لعلاقات المديونية.
لكنه واستثناء من هذه القاعدة العامة، فان هذا الاختصاص وان كان يمتـد إلى الطلبات العارضة، المتعلقة بالاختصاص القيمي، أي المحدد بالنظر لقيمة الدعوى ، والذي يشكل إحدى حالات الاختصاص النوعي، متى كان الطلب الأصلي يتجاوز تلك القيم ، فانه لا يعد كذلك بالنسبة للطلبات العارضة المتعلقة بالمسائل الوقتية، أي كل طلب من شأنه أن يثير منازعة تنفيذ موضوعية، لأن الفصل فيها يكون من اختصاص قاضي الأمور المستعجلة.

المطلب الثاني :
ضيــق الاختصاص

على الرغم من أن الاختصاص ، قد ينعقد لجهة قضائية معينة دون غيرها بنص القانون، فقد توجد أسباب تمنعها من نظر الدعوى ، أو أن المنع يتعلق بقاض من قضاة المحكمة دون غيره ، وهي حالات يضيق فيها الاختصاص بدلا من امتداده ، وهو ما يعبر عنه بالانحسار.
وتكمن هذه الأسباب ، إما في اتفاق الخصوم ، على جعل الاختصاص لمحكمة غير المختصة قانونا بحسب الأصل ، والإحالة في أحوال الارتباط ، والإحالة بعد النقض ، ودواعي الأمن العمومي ، وسنوجز ذلك تباعا .

أولا: اتفــاق الخصـــوم
لا يمكننا أن نتصور قيام أي دور للخصوم، في توسيع أو تضييق الاختصاص النوعي، لأنه من النظام العام، وبالتالي فان ذلك الدور قد يقتصر على بعض حالات الاختصاص الإقليمي، ذلك أنه وبالرجوع لنص المادة 46 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، نجده قد أجاز لطرفي الخصومة أن يتفقوا على التقاضي أمام أية محكمة، ولو كانت غير مختصة إقليميا، إذ ينعقد اختصاصها آنذاك لنظر الدعوى طيلة أمد النزاع ، كما يكون المجلس الواقعة في دائرة اختصاصه تلك المحكمة، مختصا بنظـر دعوى الاستئناف لحين الفصل فيها، بما يعني وأن الاختصاص الذي جعله المشرع ، لمحكمة بحسب الأصل لا ينعقد إليها ، مما يترتب عنه انحسار اختصاصها، وفي ذات الوقت فالمحكمة التي تم الاتفاق على التقاضي أمامها، يكون اختصاصها قد توسع ، وبذلك فاتفاق الخصوم يلعب في الواقع دورا مزدوجا، فهو يعمل إما على امتداد الاختصاص ، و إما على انحساره .
ومن البديهي فاتفاق الخصوم، لا يشمل قواعد الاختصاص الإقليمي، التي هي في ذات  الوقت قواعد ختصاص نوعي، ومن ذلك أن المشرع وبموجب نص الفقرة السابعة من المادة 32 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، قد عقد الاختصاص النوعي والإقليمي للأقطاب المتخصصة، للنظر دون سواها في جميع المنازعات المتعلقة بالتجارة الدولية، والإفلاس، والتسوية القضائية، والمنازعات المتعلقة بالبنوك، ومنازعات الملكية الفكرية، والمنازعات البحرية والنقل الجوي، ومنازعات التأمينات، وبالتالي فانه لا يجوز لطرفي الخصومة، الاتفاق على عقد الاختصاص،للفصل فيها لجهة قضائية أخرى غير تلك الجهة لتعلقها بالنظام العام.
وتجب الإشارة إلى أن آثار اتفاق الخصوم ، على مخالفة قواعد الاختصاص الإقليمي لا تمتد إلى الغير، بل أن الاتفاق لا يلزم إلا طرفيه ، والمحكمة التي انعقد إليها الاختصاص دون غيرها، وبذلك فلا يقبل الدفع بعدم الاختصاص الإقليمي، من المدعى عليه التاجر الذي لم يرفع خصمه الدعوى في مواجهته أمام محكمته الأصلية، ما دام أنه قد اتفق معه على خلاف ذلك، كما أن المحكمة تعد ملزمة بالاتفاق، ولا يحق لها الحكم بعدم الاختصاص الإقليمي من تلقاء نفسها في هذه الحالة، لأنه غير متعلق بالنظام العام، وليس لها أن تقضي به إلا استجابة لدفع من طرفي الخصومة.

ثانيا: أحـوال الارتباط
يتوقف الارتباط على تلك الصلة الوثيقة بين دعويين، تجعل من المناسب ولحسن سير العدالة، ضمهما أمام محكمة واحدة ، لتعمل على تحقيقهما والفصل فيهما بحكم واحد، وذلك منعا لوجود أحكام حول نفس الموضوع وبين نفس الأطراف متضاربة، لأن الحكم الذي يتقرر في أحدهما ، قد يؤثر في الحل الذي يتقرر في الحكم الآخر، ومن أهم الأمثلة على أحوال الارتباط الدعوى الرامية إلى تنفيذ عقد، والدعوى الرامية إلى بطلانه، وكذلك دعوى الدائن على المدين، ودعواه على الكفيل للوفاء بنفس الحقوق.
وقد نصت المادة 54 من قانون الاجراءات المدنية والادارية ، صراحة على أنه يتعين على الجهة القضائية الأخيرة التي رفع إليها النزاع، أن تتخلى عنها لصالح الجهة الأخرى، بناء على طلب أحد الخصوم،كما يجوز للمحكمة أن تتخلى عنها من تلقاء نفسها، متى تبين لها قيام وحدة الموضوع بين الدعويين، وهو توجه يتفق وما هو مقرر في التشريع المصري، وبذلك فالنقص الذي اعترى نص المادة 91 من قانون الإجراءات المدنيةلم يعد له وجود، حيث من المتوقع أن يعرف تطبيق هذا النص قضاء مغايرا لدى جميع الجهات القضائية، التي أصبحت ملزمة وبمقتضى هذا النص في التصريح بالتخلي عن نظر الدعوى الأخيرة لصالح الجهة القضائية الأخرى، الأمر الذي يترتب عنه ضيق واتساع الاختصاص في نفس الوقت.

ثالثا: حالة الإحالة بعد النقض:
نصت المادة 364 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، على أنه وفي حالة نقض الحكم
المطعون فيه ، تحيل المحكمة العليا القضية إما إلى الجهة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار الذي تم نقضه، للفصل فيه من جديد بتشكيلة جديدة، وإما تحيلها أمام جهة قضائية أخرى من نوع ودرجة الجهة القضائية التي أصدرت الحكم الذي تم نقضه، وبذلك فان اختصاص هذه الجهة الأخيرة ، يكون قد توسع، لأنها في الأصل غير مختصة إقليميا بنظر الدعوى ، فيما أن اختصاص الجهة القضائية التي أصدرت الحكم الذي تم نقضه، والتي تعد مختصة في الأصل يكون قد انحسر، وهي الإحالة التي تقتضي بها المحكمة العليا، إما من تلقاء نفسها وإما بطلب من أحد الخصـوم.

رابعا: حالة الإحالة لدواعي الأمن العام:
نصت المادة 248 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية،على أنه يمكن للنائب العام لدى المحكمة العليا، إذا أخطر بطلب إحالة قضية لسبب يتعلق بالأمن العام، أن يقدم بهذا الشأن التماسات إلى المحكمة العليا، ترمي إلى الاستجابة لهذا الطلب، ويتعين على المحكمة العليا في هذه الحالة الفصل فيه خلال مهلة ثمانية أيام، في غرفة المشورة بهيئة متكونة من الرئيس الأول للمحكمة العليا ورؤساء الغرف، وبحسبه فمتى صرحت بقبول الطلب ، يتم إحالة ملف القضية من الجهة القضائية المختصة في الأصل بنظرها، إلى جهة قضائية أخرى هي في الأصل غير مختصة بالفصل فيها، وذلك لدواعي الأمن العمومي، وهي حالة يترتب عنها انحسار اختصاص الإقليمي للجهة القضائية المختصة من حيث الأصل بنظر الدعوى، وفي المقابل توسيع الاختصاص الإقليمي للجهة القضائية التي أحيلت إليها الدعوى، بما يعني وأن الإحالة لدواعي الأمن العمومي تلعب دورا مزدوجا، يتمثل في انحسار الاختصاص الإقليمي لجهة قضائية وتوسيعه لجهة قضائية أخرى من نفس النوع والدرجة.

خامسا: الإحالة بسبب الشبهة المشروعة
يهدف طلب الإحالة بسبب الشبهة المشروعة، وفقا لنص المادة 249 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، إلى التشكيك في حياد الجهة القضائية المعروضة أمامها القضية، وهو طلب يقدم من قبل أحد أطراف الدعوى، وفقا للأشكال المقررة قانونا لعرائض افتتاح الدعوى، إلى رئيس الجهة القضائية المعنية، الذي يتعين عليه الفصل فيه بموجب أمر خلال مهلة ثمانية أيام، وذلك إما بقبوله وإما بالاعتراض عليه، بما يعني وأن للأمر الصادر في طلب الإحالة بسبب الشبهة المشروعة حالتان:

أ) حالة قبول الطلب:
إذا تبين لرئيس الجهة القضائية المعنية، بأن الطلب مؤسس ، فان الأمر الذي يتولى إصداره في هذه الحالة يتخذ صورتان:
1) الأمر بتعيين تشكيلة جديدة:
قد يأمر رئيس الجهة القضائية ، حين قبوله طلب الإحالة بسبب الشبهة المشروعة، بتعيين تشكيلة جديدة تتولى الفصل في القضية، غير التشكيلة المعنية بالفصل فيها من حيث الأصل، وهو أمر من شأنـه أن يبقي الاختصاص الإقليمي منعقدا لنفس الجهـة القضائيـة، وبذلك فهو لا يؤدي أي دور، لا في انحسار هذا الاختصاص ولا في توسيعه.
2) الأمر برفع الطلب إلى الجهة القضائية الأعلى:
على الرغم من أن رئيس الجهة القضائية المعنية، قد يقبل الطلب الرامي إلى إحالة القضية بسبب الشبهة المشروعة، فانه قد يفضل تخلي الجهة القضائية التي يرأسها عن الفصل فيها، وفي هذه الصورة فانه يصدر أمرا برفع الطلب إلى رئيس الجهة القضائية الأعلى مباشرة فتتولى تعيين الجهة القضائية التي تحال إليها القضية للفصل فيها، الأمر الذي يترتب عنه انحسار الاختصاص الإقليمي للجهة القضائية المختصة من حيث الأصل بنظرها، وتوسيع نفس الاختصاص للجهة القضائية التي أحيلت إليها القضية للفصل فيها.

ب) حالة الاعتراض على الطلب:
إذا اعترض رئيس الجهة القضائية المعنية، على طلب الإحالة بسبب الشبهة المشروعة، قام برفع القضية مشفوعة ببيان أسباب الاعتراض، إلى الجهة القضائية الأعلى مباشرة، لتتولى الفصل فيها في غرفة مشورة خلال مهلة شهر، وذلك من دون قيامها باستدعاء الخصوم، بموجب أمر غير قابل لأي طعن، وهو أمر بدوره إما يصرح برفض الطلب، الأمر الذي يبقى معه الاختصاص الإقليمي منعقدا للجهة القضائية المعنية، وإما يصرح بقبوله ومن تم تعيين جهة الإحالة، وفي هذه الحالة تقوم الجهة القضائية التي قدم إليها الطلب بإرسال نسخة من قرارها، إلى الجهة القضائية المطلوب منها التخلي عن النظر في القضية، كما يتعين على الطرف الذي يهمه التعجيل ، أن يقوم بإجراء التبليغ الرسمي لقرار الإحالة إلى بقية الخصوم، الأمر الذي يترتب عنه انحسار الاختصاص الإقليمي للجهة القضائية التي تخلت عن نظر القضية واتساعه لتلك الني التي أحيلت القضية إليها للفصل فيها.

المبحث الرابع
مخالفة قواعــد الاختصاص:

إذا كنا قد توقفنا على المعايير المختلفة، التي استند إليها المشرع ، في توزيع الاختصاص الإقليمي على مختلف الجهات القضائية، فما هو الجزء الذي يترتب على مخالفة هذه القواعد.
إن الجواب على ذلك ، هو الحكم بعدم الاختصاص، على أن إعمال هذا الجزاء، يخضع
لشروط تختلف باختلاف نوع الاختصاص، فمن قواعد الاختصاص، ما يتعلق بالنظام العام ومنها ما لا يعد كذلك .

المطلب الأول :
النتائج المترتبة على تعلق قواعد الاختصاص بالنظام العام:

إذا كانت إرادة المشرع، قد انصرفت إلى عدم إسناد ولاية القضاء، لجهة قضائية واحدة، فان ذلك يعني بأن قواعد الاختصاص النوعي، إنما هي مسألة اقتضتها طبيعة المنظومة القضائية، وهذه مصلحة لا تهم الأفراد ، بقدر ما تهم المشرع نفسه، في تنظيمه لأسس التنظيم القضائي ، ولذلك فهي قواعد تتعلق بالنظام العام.
ويصدق هذا الحكم، على قواعد الاختصاص النوعي، بالنسبة لجميع الجهات القضائية، أي تلك المتعلقة بالاختصاص النوعي للقضاء العادي، بما فيها قواعد الاختصاص القيمي، والقواعد المتعلقة بالاختصاص المانع المنعقد لبعض أقسام القضاء العادي، أي العمالية، والتجارية، والعقارية، وشؤون الأسرة، ومحاكم الأقطاب، أو محاكم مقر المجلس حاليا، وكذلك القواعد المتعلقة بتوزيع الاختصاص النوعي بين محاكم الدرجة الأولى والمجالس القضائية واختصاص المحكمة العليا، أو قواعد توزيع الاختصاص بين قضاء الموضوع وقضاء الاستعجال، وهي في مجملها قواعد لها صلة بحسن سير القضاء، وهي بذلك تعد متعلقة بالنظام العام، يترتب على مخالفتها البطلان.

لكنه وخلافا لذلك فقواعد الاختصاص الإقليمي، قد لا تكون لها أية علاقة بالنظام العام، لأن القانون لم يرتب من حيث الأصل على مخالفتها البطلان، لذلك لا يجوز للقاضي الحكم بعدم الاختصاص الإقليمي إلا استجابة لدفع الخصوم، باستثناء تلك الحالات المتعلقة بحسن سير العدالة أكثر منها رعاية لمصالح الخصوم، لذلك فما هي الآثار المترتبـة عن مخالفة قواعد الاختصاص .

أولا: مدى إلزامية تعرض المحكمة لبحث الاختصاص من تلقاء نفسها.
إذا كانت القاعدة متعلقة بالمصلحة العامة، فانه يتعين على القاضي التحقق من سلامة إعمالها، لاسيما إذ تعلق الأمر باختصاصه النوعي ، وهو في ذلك لا يحتاج إلى وجود دفع بذلك من الخصوم، وأن هذا البحث لا يعد خروجا على مبدأ حياد القاضي ، لأن ذلك يندرج ضمن سلطة القضاء وولايته ، لا ضمن موضوع الدعوى الذي يتوقف عند مبدأ حياد القاضي.
وتأسيسا على ذلك ، فان كان أحد أطراف النزاع جهة إدارية، وتم عرض النزاع على محكمة عادية، وخول القاضي لنفسه صلاحية الفصل في الموضوع، كان حكمه باطلا ومعرضا للإلغاء،حتى ولو لم يتم الدفع أمامه بعدم الاختصاص النوعي، ما دام الأمر متعلقا بالنظام العام.
ويكون العكس إذا كان الاختصاص لا يتعلق بالنظام العام ، إذ لا يكون للمحكمة أن تثير مسألة الاختصاص من تلقاء نفسها، حتى ولو كان واضحا أمامها مخالفة قواعد الاختصاص، ومن ذلك أن ترفـع دعوى متعلقة بأموال منقولة في موطن المدعي ، بدلا من موطن المدعى عليه ، فعلى المحكمة في مثل هذه الحالة، أن تعتبر نفسها مختصة ، وتصدر حكمها في الموضوع ، دون خشية النعي بالخطأ في تطبيق قواعد الاختصاص، بل أن ذلك يعد قائما ، إذ حكمت من تلقاء نفسها بعدم الاختصاص.

ثانيا: مدى جواز الدفع بعدم الاختصاص لأطراف الدعوى .
إذا كان الاختصاص من النظام العام ، وتمت مخالفته من طرف المدعي ، ولم تتفطن المحكمة
لذلك، جاز لباقي أطراف الخصومة ، وهم المدعى عليه والمدخل والمتدخل فيها وكذلك النيابة العامة
إذا كانت طرفا أصليا، أو طرفا منضما في الدعوى الدفع بعدم الاختصاص.
هذا ومن مجالات انضمام النيابة العامة كطرف في الدعوى ، أو اعتبارها كطرف أصلي
فيها ، و حسب النصين أعلاه ، كل منازعات الأحوال الشخصية ، وكذلك المنازعات المتعلقة بالقصر ، إما لصغر السن ، أو لوجود أي عارض من عوارض الأهلية ، كالسفه والغفلة والجنون ، وكذلك مختلف المنازعات المتعلقة بالدولة والجماعات المحلية ، والمؤسسات العمومية ، والمصالح والهيئات والوصايا لصالح الخدمات الاجتماعية ، وكل المنازعات التي تتضمن دفوعا بعدم الاختصاص النوعي ، أو تنازع الاختصاص بين القضاة، ومخاصمة هؤلاء وإجراءات الطعن بالتزوير، وهي كلها قضايا متعلقة إما بالدولة وموظفيها وإما بحالة الأشخاص وأهليتهم.
غير أنه وفيما يتعلق بالاختصاص الإقليمي، فهو ليس من النظام العام، إذ لا يجوز للنيابة العامـة إثارته، إذا كانت طرفا منضما لا طرفا أصليا، إذ أن الحق في إثارته ، يبقى حكرا على المدعى عليه وحده ، بصفته صاحب الصفة والمصلحة فيه دون غيره.

ثالثا: مدى جواز الدفع بعدم الاختصاص في أية مرحلة تكون عليها الخصومة.
يمكن الدفع بعدم الاختصاص النوعي قبل إثارة أي دفع في الموضوع، أو دفع بعدم القبول، كما يمكن إثارته بعد ذلك، بما يعني وأن الاختصاص، متى كان متعلقا بالنظام العام، حق لأي طرف من أطراف الخصومة، إثارته في أية مرحلة من مراحل الدعوى ، أمام محكمة الدرجة الأولى، كما يجوز التمسك به ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف، وحتى أمام المحكمة العليا.
أما إذا كان الاختصاص لا يتعلق بالنظام العام، فانه يتعين على صاحب الصفة والمصلحة فيه، أن يثيره قبل مناقشة الموضوع، أو الدفع بعدم قبول الدعوى، وذلك تطبيقا للقاعدة العامة في الدفوع الشكلية، والذي يعد الدفع بعدم الاختصاص من بينها، والتي تقضي بفحص الاختصاص قبل غيره من المسائل الإجرائية الأخرى، لذلك فان قام المدعي برفع دعواه أمام المحكمة، التي يوجد بدائرة اختصاصها موطنه بشأن الأموال المنقولة، فعلى المدعى عليه أن يتمسك بعدم اختصاص المحكمة إقليميا، قبل إبدائه لأي دفع بعدم القبول، أو أي دفع موضوعي، وإذا فاته ذلك سقط حقه في إثارته أثناء نظر النزاع أمام المحكمة، كما لا يحق له إثارته، لا أمام محكمة الاستئناف ولا أمام المحكمة العليا.

رابعا: حالات عدم جواز اتفاق الخصوم على مخالفة الاختصاص .
متى انصب اتفاق الأطراف، على مخالفة قواعد الاختصاص المتعلقة بالنظام العام، فهو اتفاق لا يعتد به، ويمكن لأي منهما إثارة الدفع بعدم الاختصاص ، رغم سبق الاتفاق المبرم بينهما على خلاف ذلك، كما يتعين على المحكمة، إثارة مسألة الاختصاص من تلقاء نفسها، رغم الاتفاق الصريح من الخصوم ، والذي لا يعتد به لمخالفته للنظام العام، وتسري هذه الأحكام، على الاتفاقات الضمنية، والتنازل عن التمسك بالدفع بعدم الاختصاص النوعي الحاصل بين الخصوم، وبالتالي فالدفـع بعدم القبـول، أو الدفع في الموضوع ، لا يؤدي إلى إسقاط الحق في التمسك بعدم
الاختصاص النوعي، أو إثارته بصورة تلقائية من المحكمة.
ومن صور هذه الحالة، لجوء بعض المؤسسات العمومية ذات الصبغة التجارية، إلى التمسك في بعض العقود المبرمة بينها وبين المتعاملين معها، إلى انعقاد الاختصاص للقضاء الإداري، بدلا من القضــاء العادي، فهو اتفاق لا يعتد به لمخالفته للنظام العام .
أما إذا كان الاتفاق، بشأن الاختصاص الإقليمي، وهو غير متعلق بالنظام العام، فيصح الاتفاق على مخالفته، سواء قبل رفع الدعوى أو بعدها ، ويصح أن يكون الاتفاق صريحا أو ضمنيا، كما يصـح أن يكون التنازل عن التمسك به صريحا أو ضمنيا، كقيام صاحب الحق فيه، بإبداء دفوعه بعدم القبول أو في الموضوع ، وذلك قبل إثارته للدفع بعدم الاختصاص الإقليمي.

المطلب الثاني
مدى حجية الحكم الصادر بمخالفة الاختصاص وإمكانية الإحالة بموجبه.

يثير الحكم الصادر بمخالفة قواعد الاختصاص مسألتان، تتعلق الأولى بحجية هذا الحكم بالنسبة للجهات القضائية الأخرى، فيما تتعلق الثانية بإمكانية الإحالة على الجهة القضائية المختصة بعد صدور مثل هذا الحكم.

أولا: مدى حجية الحكم الصادر بمخالفة الاختصاص
إذا كانت الجهة القضائية قد فصلت في موضوع الدعوى، رغم توافر شروط الحكم بعدم الاختصاص النوعي، أو رغم الدفع من صاحب الصفة والمصلحة بعدم الاختصاص الإقليمي، فالجزاء الذي يترتب على ذلك بطبيعة الحال هو بطلان الحكم، وهو الأمر الذي يتقرر إما في دعوى الاستئناف، وإما في دعوى الطعن بالنقض، حسب طبيعة الحكم، فيما إذا كان قابلا للاستئناف، أو أنه يكون غير قابل لذلك ، بحيث لا يكون للمتضرر منه ، سوى مباشرة حق الطعن بالنقض فيه، إن كان قد صدر نهائيا، كما هو عليه الحال بالنسبة للحالات المنصوص عليها بالمادة 33 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
ومع ذلك فقد يحدث وأن يبلغ الحكم ولا يتم الطعن فيه، سواء بالاستئناف أو النقض خلال المواعيد القانونية فهل يصبح بذلك هذا الحكم نهائيا ؟.
إن الجواب يكون بالإيجاب، إذ أن هذا الحكم يعتبر حجة بما فصل فيـه من حقوق، ويصير
واجب الاحترام بالنسبة لجميع المحاكم، كما لو كان حكما سليما صادا عن محكمة مختصة.

ثانيا: مدى إمكانية الإحالة بعد الحكم بعدم الاختصاص.

متى رفعت دعوى قضائية ، أمام محكمة غير مختصة ، وتوافرت فيها شروط الحكم بعدم الاختصاص فهل يجب على هذه المحكمة ، أن تصدر حكما بعدم اختصاصها ، بما يعني تخليها عن نظر الدعوى ، ويكون بصفة تلقائية لصاحبها حق رفعها من جديد ، أمام الجهة القضائية المختصة أم تقوم المحكمة المرفوعة أمامها تلك الدعوى ، بإحالتها على هذه الجهة القضائية المختصة ؟.
للإجابة على هذا التساؤل، ذهب جانب من الفقه، إلى أنه وأخذا بمبدأ الاقتصاد في الإجراءات، مع ما يترتب عن ذلك من إهدار للوقت والمال ، فالمحكمة تكون ملزمة بإحالة الدعوى على الجهة القضائية المختصة، وهي بذلك لا تقف عند إصدار حكم بعدم الاختصاص النوعي ، لأن ذلك يعني دفع المدعي ، إلى إعادة رفع دعوى من جديد ، أمام الجهة القضائية المختصة ، مع ما تتطلبه من إجراءات ونفقـات جديدة ، و إهدار لما اتخذ في الدعوى الأولى من إجراءات ، بالنسبة للسير فيها ، أو بالنسبة لإثبات الحقوق الواردة بها ، وبذلك فمن الأنسب ، ومن أجل تبسيط الإجراءات والنفقات ، فالمحكمة يجب ألا تتخلى عن النظر في الدعوى فقط، بل يتعين عليها إحالتها إلى المحكمة المختصة بنظرها.
لكنه وعلى الرغم من وجاهة هذا الرأي الفقهي، فلا وجود لأي نص في قانون الإجراءات المدنية القديم، يلزم الجهة القضائية، غير المختصة بنظر الدعوى، بإحالتها على الجهة القضائية المختصة، لذلك فان العمل مستقر لدى مختلف الجهات القضائية (العادية والإدارية)، على التصريح بعدم الاختصاص النوعي أو الإقليمي، بما يعني تخليها عن نظر الدعوى، ومن دون قيامها بإحالتها على الجهة القضائية المختصة للفصل فيها، على أن يبقى لمن له مصلحة فيها، إعادة قيدها لدى هذه الأخيرة لتتولى الفصل في موضوعها.

الفصل الخامس
نظرية الدعــوى القضائية
يعتبر الحق غير المعزز بدليل حقا ضائعا،كما يعتبر الحق الذي لا تحميه دعوى حقا معدوما، لذلك فالدعوى ما هي إلا وسيلة حماية، من شأنها أن تجعل للحق قيمة، وهي تبقى ساكنة إلى حين استعمالها، حسب الأدوات القانونية التي رسمها المشرع، وهي مختلفة باختلاف موضوع الطلـب، لذلك يتعين دراسة ما هيتها، وشروط قبولها، مع بيان تصنيفاتها، وتحديد مفهوم وأنواع الطلبات والد فوع القضائية.

المبحث الأول
ماهية الدعــــوى:

تثير دراسة ماهية الدعوى تعريفها، والتمييز بينها وبين ما يختلط بها من مفاهيم ومصطلحات.

المطلب الأول :
تعريف الدعوى وتمييزها عما يختلط بها من مفاهيم.

لعل اللغة القانونية المستعملة لتعبير الدعوى، من المشرع، ومن رجال القضاء، قد أدى إلى وجود خلاف حول تعريفها، فتعدد بتعدد معاني لفظ الدعوى، وبذلك فهي تحتاج إلى تعريفها وتمييزها عما يختلط بها من مفاهيم.

أولا: تعريــف الدعــــوى
لم يكن موقف المشرع من تعريف الدعوى ، هو نفس موقف الفقه.

أ) على المستوى التشريعي:
يعد الحق مجردا من أية قيمـة، ما لم تكن لصاحبه وسائل لحمايتـه، لذلك استقـر الأمـر في المجتمعات المتمدينة، على أن مهمة حماية الحقوق فيها، قد أنيطت بسلطة مستقلة، يتمتع أفرادها بضمانات تكفل حيادهم، وهي السلطة القضائية، عن طريق ممارسة الدعوى، وهو أمر يقتضي تعريفها.
لكنه ومع ذلك فالمشرع سواء من خلال قانون الإجراءات المدنية، أو من خلال قانون الإجراءات المدنيـة والإداريـة الحديث لم يعن بتعريفها، استجابة للدعوة الفقهية المنادية بضرورة هذا التعريف، وبتحديد شروط قبولها، اعتقادا من المشرع بأن هذه المسألة تبقى ذات صبغة فقهية محضة، لذلك خلا القانون الإجرائي من تعريفها، وهو بذلك يكون قد ترك للفقه الاعتناء بوضع تعريف لها.
ولم ينفرد المشرع الجزائري في الابتعاد عن تعريف الدعوى، بل أن قوانين المرافعات في كل من فرنسا ومصر والمغرب والأردن ولبنان بدورها، جاءت خالية من أية إشارة إلى تعريف الدعوى،
وتحديد كافة شروطها، والعناية بمختلف تفصيلاتها.
ولعل السبب في عدم اعتناء المشرع بتعريف الدعوى، يرجع إلى أن الدعوى القضائية في حد ذاتها تشغل مركزا وسطا بين القانون المدني وقانون الإجراءات المدنية والإدارية، ذلك أن تعريف الدعوى وتحديد شروطها، وبيان الأشكال التي تظهر بها، تعتبر في مجملها من متممات القانون المدني من جهة، ومقدمة لا غنى عنها لدراسة قانون الإجراءات المدنية والإدارية من جهة أخرى، يضاف إلى ذلك أن تعبير الدعوى، يستعمل في بعض الأحيان للدلالة عن المطالبة أو عن الخصومة القضائية، بما يؤدي إلى اختلاط مفهومها مع تلك المفاهيم، وحتى مع الحق في حد ذاته في بعض الأحيان، وهي في مجملها مسائل تفرض التوقف مع بعض التعاريف الفقهية لها.

ب) على المستوى الفقهي:
إذا كان القانون قد منح للفرد سلطة اللجوء إلى القضاء، للحصول على الحماية القانونية لحقوقه، فانه يكون قد منحه الحق في الدعوى، ومع ذلك فثمة عدة تعاريف فقهية لها، فمجلة الأحكام العدلية عرفتها في المادة 1613 منها بأنها:(طلب أحد حقه بحضور الحاكم ويقال للطالب المدعي وللمطلوب المدعى عليه)، وهو التعريف الذي أخذت به محكمة التمييز الأردنية، في قرار لها يحمل رقم 196/82 ، حيث أشارت فيه إلى أن:( المقصود بالدعوى الوارد في المادة 115 من قانون العمل الباحث عن ميعاد التقادم لرفع الدعوى، هي الدعوى بتعريفها القانوني وهو طلب أحدد حقه من آخر في حضور الحاكم المنصب من قبل السلطان لفصل المخاصمة بين الناس كما هو صريح في المادتين 1613 و1785 من المجلة)
وذهب جانب من الفقه إلى تعريف الدعوى بأنها:(السلطة القانونية الممنوحة لشخص ما، لحماية حقه بواسطة القضاء، دون غيره من سلطات الدولة)، فيما ذهب البعض إلى تعريفها على أنها:(الحق المقرر لكل إنسان بمراجعة السلطة القضائية للحصول على حق مجحود أو مغتصب)
وقد عرف جمهور الفقهاء الدعوى بأنها:(الوسيلة التي خولها القانون صاحب الحق في الالتجاء إلى القضاء لتقرير حقه أو حمايته)، وبهذا المعنى فالدعوى تتميز عن غيرها من الحقوق والمطالبات القضائية.

ثانيا: تمييز الدعوى عما يختلط بها من مفاهيم
تتميز الدعوى عن الحق الذي تحميه، وعن المطالبة القضائية، التي تباشر الدعوى بواسطتها غالبا، وعن الخصومة التي تنشأ عن مباشرتها في هذه الحالة ، وعن مجرد حق اللجوء إلى القضاء.

أ) التمييز بين الدعوى والحق.
1) في الفقه التقليدي:
اعتبر الفقه التقليدي، بأن الدعوى هي ذات الحق الذي تحميه، وكل ما في الأمر أن الحق وقت إقامة الدعوى، يكون في حالة حركة، بحيث نجد الحق الموضوعي،كما هو الشأن بالنسبة للملكية، أو جبر الضرر الناجم عن المسؤولية العقدية، أو التقصيرية، أو حق الدائنية هادئا، وبمجرد الاعتداء عليه يتحرك فيأخذ صورة الدعوى، بغرض الحصول على القرار بالحق أو بسط الحماية القانونية الواجبة لحمايته.
2) في الفقه الحديث:
يرى الفقه الحديث بانه وعلى الرغم من أن الارتباط وثيق، بين الحق ودعوى حمايته، فان ذلك لا يعني وحدتهما، نتيجة الاختلاف في سبب وموضوع كل منهما:
**بالنسبة للسبب:
يلاحظ بأن سبب الحق، هو الواقعة القانونية المنشئة له،كالعقد، أو الإرادة المنفردة، أو العمل غير المشروع، أو الإثراء بلا سبب، وغير ذلك من الوقائع القانونية، فيما أن سبب الدعوى، هو الاعتداء على الحق، أو هو النزاع القائم بين الخصوم بشأنه.
**بالنسبة للموضوع:
يكمن موضوع الحق ، فهو المنفعـة التي يخولها القانون لصاحب الحق، فيما أن موضـوع الدعوى هو الحصول على قرار من المحكمة بما يدعيه ممارسها، أو بما يدحض هذا الإدعاء، بما يعني وأن ذلك الارتباط بينهما ومع قيامه، فانه لا يعني بحال أنه لا يمكن وجودهما إلا معا، طالما أنه يمكننا تصور وجود الحق دون وجود الدعوى، شأن الحق الناقص، الذي لا تقابله من جانب المدين سوى التزامات طبيعية، وفي ذات الوقت فانه يمكننا تصور وجود الدعوى دون وجود الحق، مثلما هو عليه الحال في دعوى الحيازة ، التي لا يشكل المركز الذي تحميه حقا.

ب) التمييز بين الحق والمطالبة القضائية
لا يمكن لمختلف الجهات القضائية، أن تباشر وظيفة حماية الحقوق والحريات من تلقاء نفسها، بل أنها تتولى هذه الوظيفة، بناء على الطلب الذي يتقدم به صاحب الحق أمامها، والذي يفتح بموجبه خصومة مع خصمه، فيما يعرف بالمطالبة القضائية.
1) تمييز الدعوى عن الطلب القضائي:
لذلك فالطلب القضائي، وان كان بدوره يعد وسيلة لاستعمال الحق في الدعوى، فهو بهذا المعنى قد يختلط بها، لاسيما وأن ثمة جانب من الفقه، قد اعتبر بأن الدعوى هي نفسها الطلب القضائي.
والظاهر أن الواقع يفيد غير ذلك، لأن الدعوى توجد قبل الطلب القضائي، كما أنها قد تظل قائمة رغم زوال هذا الطلب، أي عند زوال الخصومة دون الحكم في موضوعها، إذ يكون لصاحب الحق في إقامتها استعماله مرة أخري وبطلب جديد، فضلا عن كون وجود الطلب القضائي، يبقى مرهونا بثبوت حق مقدمه في إقامة الدعوى، بما يعني وأن وجود الطلب القضائي، قد ينتهي معه الأمر، إلى أن مقدمه لا يملك الحق في إقامة الدعوى.
وإذا كان الطلب القضائي، هو الأداة الوحيدة لإقامة الدعوى، فله مجالات أخرى قد يوجد فيها دون وجود دعوى، كالطلب الولائي والعريضة والدفع، ما دامت العريضة وسيلة لاستعمال الدعوى بدون خصومة، والدفع وسيلة لاستعمال الدعوى بواسطة المدعى عليه.
2) تمييز الدعوى عن حق اللجوء الى القضاء:
هذا وتجب الإشارة إلى أن حق اللجوء إلى القضاء، يشكل إحدى الحقوق المدنية، التي كفلتها مختلف دساتير الدولة للأفراد، فيكون لأي فرد ممارسته، حتى عند انعدام شروط الدعوى لديه، طالما أن قيام هذه الشروط من عدمها، لا يمكن فحصها والتحقق منها، إلا بعد إقامته للدعوى أمام القضاء، ومن هنا نلاحظ بأن الدعوى لا تؤدي نفس المعنى، الذي يؤديه حق اللجوء إلى القضاء، بل يبدو وأنهما مختلفان تمام الاختلاف، ومع ذلك فان تبين بعد رفع الدعوى، بأن من أقامها هو صاحب الحق في ذلك، كانت الدعوى وحق اللجوء إلى القضاء شيئا واحدا، بما يعني وأن كل استعمال للدعوى، ما هو في الواقع إلا عبارة عن مباشرة حق اللجوء إلى القضاء ، وفي المقابل فليس كل لجوء إلى القضاء ، هو استعمال للدعوى.

ج) التمييز بين الدعوى والخصومة القضائية.
يتم مباشرة الدعوى عن طريق الطلب القضائي، لأنه يؤدي في العادة إلى إنشاء علاقة قانونية بين الخصوم وبعضهم البعض ، وبينهم وبين القاضي، وهي العلاقة التي تبقى مستمرة الى حين صدور حكم بإنهائها، وهذه العلاقة هي التي نسيمها الخصومة القضائية، لذلك فهي عبارة عن الوسط الإجرائي، الذي تعيش فيه الدعوى، التي تم استعمالها بواسطة الطلـب القضائي، إلى غاية إنهائها بحكم .
والظاهر من خلال ذلك، أن الدعوى ليست هي الخصومة، لأن هذه الأخيرة تقوم بمجرد اتخاذ الإجراءات الشكلية، التي نص عليها القانون، ويأتي الطلب القضائي في مقدمتها، وتظل نتيجة ذلك هذه الخصومة متتابعة، حتى ولو كانت شروط قبول الدعوى غير متوافرة كما أن زوال الخصومة لا يؤدي إلى انقضاء الحق في إقامة الدعوى من جديد، طالما أنه يمكن لصاحبه استعمال الدعوى من جديد بغرض حمايته، وذلك عن طريق إنشاء خصومة جديدة.
هذا ويجب التذكير إلى أن الخصومة الأصلية، قد تؤدي إلى نشوء خصومات فرعية، شأن الطلب العارض، والطلب الرامي إلى الطعن الفرعي بالتزوير، ومجموع هذه الخصومات الفرعية، مع الخصومة الأصلية، هي ما نصطلح على تسميته بالقضية، وبذلك فهذه الأخيرة لا تختلط بالدعوى، شأنها في ذلك شأن الخصومة القضائية.

المطلب الثاني :
شــروط قبــول الدعـــوى

على الرغم من أن الدعوى، ما هي إلا عبارة عن وسيلة لحماية الحق، فان ذلك لا يعني بأن
كل من يستخدمها بالفعل هو صاحب حق، لأن التأكد من ذلك، لا يتم إلا بعد نظرها، وهذه مسألة من شأنها إثارة بعض التساؤل، حول ما إذا كانت كل دعوى قضائية، تستحق النظر فيها ؟.
للإجابة على هذا التساؤل، تجب الإشارة إلى أن التشريعات الإجرائية، عادة ما تضع شروطا معينة، يجب توافرها في الدعوى، حتى تكون صالحة لنظرها، وهي الشروط المتعلقة بقبول الدعوى أي قبول نظرها، بصرف النظر عما إذا كانت تستند إلى حق أم لا، طالما أن المحكمة قد تصرح بقبول الدعوى، وعند النظر في موضوعها، يتضح لها وأن رافعها، لم يكن صاحب حق فيها والعكس صحيح، فقد يكون هذا الحق قائما، ولكن شروط قبول نظر الدعوى غير مستوفية، فلا تنظر المحكمة في موضوعها.
ويبدو أن لتلك الشروط مبررات، تمكن في كونها تكشف ابتداء ، عما إذا كان للمدعي حقا ظاهرا أم لا، وهي مسألة تمكن من تفادي إرهاق القضاء ، بدعاوى ليس لرافعيها أية حقوق، وبذلك فان هذا النوع من الدعاوى، وفضلا عن كونها تشكل تعسفا في استعمال حق اللجوء إلى القضاء ، فإنها مضيعة للوقت، لذلك أوجب المشرع توافر تلك الشروط لقبولها، لاسيما شرط الصفة، والمصلحة، والأهلية، وانعدام الصلح، والتحكيم، وسبق الفصل، وهي شروط عامة، إلى جانب بعض الشروط الخاصة ببعض الدعاوى، كالمدة في دعوى الحيازة، والتظلم المسبق في بعض الدعاوى الإدارية، أو دعاوى الضمان الاجتماعي، أو الدعاوى العمالية، وشهر العرائض الافتتاحية بالنسبة لبعض الدعاوى العقارية، وغيرها من الشروط المستوجبة لرفع العديد من الدعاوى.

الفقرة الاولى: الشروط العامة لقبول الدعوى:
ثمة ستة شروط عامة أوجبها القانون لقبول الدعوى، ثلاثة منها نصت المادة 13 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 459 من قانون الإجراءات المدنية على ضرورة توافرها، وهي على هذا الأساس عدت ايجابيـة، وثلاثـة منها أوجبت نصوص أخرى– نأتي على ذكرها لاحقا- عدم توافرها، وهي لذلك اعتبرت سلبية.

أولا: الشروط العامة الايجابية لقبول الدعوى:
باستقراء نص المادة 13 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 459 من قانون الإجراءات المدنية القديم، نستخلص بأن الشروط العامة الايجابية الواجب توافرها تحت طائلة عدم قبول الدعوى، هي: المصلحة والصفة والأهلية.

أ) شرط المصلحــــة:
يقصد بالمصلحة تلك الفائدة العملية، التي يرغب صاحب الحق في الدعوى الحصول عليها من خلال ممارسته لهذا الحق، وهو شرط يتطلبه القانون في كل دعوى ، أكانت مرفوعة أمام محكمة أول درجة أو محكمة استئناف ، وحتى أمام المحكمة العليا، كما يتطلبها أيضا في كل طلب عارض ، أو طلب ولائي ، أو دفع من الدفوع ، بحيث أن القضاء ، لا يجب أن ينشغل بادعاءات لا مصلحة من ورائها، وهذه المصلحة، قد تتصف بأوصاف ثلاثة هي:
1) وصف المصلحة القانونية:
يفهم من عبارة:(وله مصلحة قائمة أو محتملة يقرها القانون) الواردة بنص المادة 13 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وأن المصلحة التي يحميها القانون تنحصر في المصلحة القانونية، بما يعني وأن المصلحة العملية، لا تخضع لهذا الشرط ، ومنها مثلا أن الدعوى التي ترفعها المخطوبة ضد خطيبها، لمطالبته بالزواج منها ، للعلاقة الوثيقة التي نشأت بين الطرفين وهي علاقة لا توجد قاعدة قانونية، تحمي مثل هذه المصلحة الأدبية الناشئة عنها، لأن الخطبة وحسب نص المادتين 05 و06 من قانون الأسرة ، لا تعدو أن تكون مجرد وعد بالزواج وأن الآثار القانونية المترتبة عن عدول أي طرف عنها، تبقى متوقفة على حق المطالبة بالتعويض، مع رد أو فقدان الهدايا المقدمة ليس إلا، بما يعني وأن المصلحة التي يحميها القانون في مثل هذه الحال، هي التعويض أو رد الهدايا المقدمة ما لم تستهلك، دون أن يمتد ذلك إلى حق المطالبة بإبرام العقد النهائي.
وخلافا لهذا الوعد بالزواج، الذي لا وجود فيه لأية مصلحة يحميها القانون، فالمشرع قد يرتب عن الوعد بإبرام عقد معين وجود تلك المصلحة، حيث المادة 72 من القانون المدني مثلا، قد منحت الحق للموعود له في مطالبة الواعد بإبرام العقد النهائي، متى تم تعيين جميع المسائل الجوهرية للعقد، وكان الوعد مستوفيا شكل إتمامه إن كان القانون يتطلب ذلك، وبحسبه فالمصلحة التي يحميها القانون في مثل هذا الوعد، تتمثل في إبرام العقد النهائي المستوفي للشروط المستوجبة قانونا لإبرامه.
2) وصف المصلحة القائمة والحالة :
يفهم من عبارة:(وله مصلحة قائمة) الواردة بنص المادة 13 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وأن المصلحة التي يحميها القانون هنا هي المصلحة القائمة أو الحالة:
**المصلحة القائمة:
تعد المصلحة قائمة عند المساس بالحق فعلا، وهو ما يتحقق إما عن طريق إنكار الحق، وإما عن طريق التشكيك فيه.
**المصلحة الحالة:
تعد المصلحة حالة، عندما يكون المساس بالحق ، قد أحدث نتائجه الضارة، وعلى هذا الأساس فان لم يحدث الاعتداء على الحق، فذلك يعني بأن القاعدة القانونية المقررة لحمايته لم يتم خرقها، ولا حاجة إلى حماية ذلك الحق، بما يعني وأن المصلحة لم تصر حالة.

**وقت البحث عن قيام وحلول المصلحة:
يتم فيه البحث عن المصلحة القائمة والحالة، في الوقت المحدد لنظر الدعوى، فقد تكون هذه
المصلحة عند رفعها غير موجودة، لكنها وعند نظرها تكون قد وجدت، كما هو الحال بالنسبة للدعوى المتعلقة بدين مؤجل، الذي لم يكن أجله قد حل عند رفعها، بل أن أجله يعتبر قد حان عند نظرها، لسقوط حق المدين في الأجل مثلا لشهر إفلاسه، إعمالا لنص المادة 211 من القانون المدني.
3) وصف المصلحة المحتملة:
على الرغم من أن القاعدة العامة في هذا المجال، تقضي بأن تكون المصلحة قائمة، فالمشرع من خلال عبارة: (وله مصلحة قائمة أو محتملة) الواردة بنص المادة 13 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، قد أقر حماية المصلحة المحتملة، لذلك فالدعوى يمكن أن تكون مقبولة لحماية هذه المصلحة المحتملة، والدعوى التي تكون فيها هذه المصلحة يمكن وصفها بالدعوى الوقائية، ومن أهم تطبيقاتها الدعوى المستعجلة، التي ترمي إلى اتخاذ تدبير وقتي، من شأنه تلافي الأضرار المحتمل وقوعها مستقبلا،حفاظا على حقوق الأطراف، ومع ذلك فلهذه الدعوى الاحتمالية صورتان هما:
** الصورة الاولى: دعاوى الاحتياط:
تتعدد هذه الدعاوى بتعدد موضوعها ، ومع ذلك يمكننا إجمالها في ست دعاوى:
1) الدعاوى الوقتية:
وهي الدعاوى الرامية إلى مواجهة الخطر الممكن وقوعه، من جراء التأخر الحاصل، نتيجة تباطؤ إجراءات التقاضي العادية، فيما يتم اللجوء إلى رفعها للمطالبة باتخاذ تدبير وقتي، من شأنه المحافظة على أصل الحق، وهي في الواقع استعجاليه، ومن صورها الدعـوى الرامية إلى تعيين حارس قضائي ، وهي دعوى لا تهدر حقا ولا تؤكده.
2) الدعاوى التقريرية :
لا تؤدي هذه الدعاوى بدروها إلى نشوء حق، بل أنها ترفع لتقريره، ومن صورها دعوى بطلان العقد، بحيث أن المصلحة فيها، ليست مستمدة من الاعتداء على الحق ، بل ترمي إلى اتقاء الاعتداء في المستقبل على المركز القانوني المستمد من الحق، وبذلك فالمصلحة فيها تعد محتملة.
3) دعوى الإلزام المستقبلية :
تتعلق هذه الدعاوى بكل دعوى قضائية، ترمي إلى إلزام المدعى عليه، بالأداء الفـوري للدين غير الحال الأداء، بالنسبة للعقود المستمرة ، بمناسبة المطالبة بالحقوق الحالة، متى ثبت تقصير المدين في الوفاء بالحقوق الحالة، كالمطالبة ببدل إيجار لم يحل أجله بمناسبة المطالبة ببدل الإيجار، الذي حل أجله وتقاعس المستأجر في الوفاء به بتاريخه.
4) دعوى قطع النزاع :
من أهم صور هذه الدعوى، تلك المرفوعة من وارث، ضد شخص يحتمل أن يكون هو الآخر وارثا، وهي دعوى ترمي إلى إلزام هذا الأخير بإثبات صفته كوارث، وبالتالي فهي تستهدف مطالبة من يدعي بحق الإرث إثباته، وإلا تم الحكم بعدم أحقيته في رفع دعوى مستقبلا بشأنه، متى عجز عن إثبات تلك الصفة،كالدعوى التي يرفعها الابن ضد الحفيد للمطالبة بعدم تنزيله منزلة أبيه، إما لكون الجد قد أوصى له أو أعطاه في حياته بلا عوض مقدار ما يستحق بهذه الوصية مثلا، إعمالا لنص المادة 171 من قانون الأسرة، وهي دعوى ترمي إلى قطع أي نزاع من الحفيد مستقبلا، بشأن تنزيله منزلة أبيه ومطالبته بحصة أبيه في تركة جده.
5) دعوى وقف الأعمال الجديدة:
تعد هذه الدعوى إحدى دعاوى الاحتياط، وهي دعوى حيازة، كتلك المتعلقة بوقف الأشغال التي تم الشروع فيها، على الرغم من أن تلك الأشغال، فيما لو اكتملت هي التي تبرر وجود الاعتداء، وبذلك فالمصلحة فيها لا تعد لا حالة ولا قائمة، بل أنها لم تولد بعد، ومع ذلك فالقانون أجاز رفعها.
6) الدعوى الاستفهامية :
تتعلق هذه الدعوى ، بتلك التي يطالب من خلالها رافعها المدعى عليه ، بتحديد موقفه من حق الخيار، الذي أجاز المشرع له ممارسته خلال فترة معنية، كالقاصر الذي له حق إبطال العقود التي أبرمها من قبل متى بلغ سن الرشد ، وهي دعوى يريد من خلالها المتعاقد مع القاصر، استقرار مركز ه القانوني بعد بلوغ هذا الأخير سن الرشد.
**الصورة الثانية: دعاوى الأدلة:
يندرج هذا النوع من الدعاوى، ضمن الإجراءات التي يلجأ إليها أحد طرفي الدعوى للحصول على دليل لإثبات حقه، أو التخلص منه في دعوى أصلية، وبذلك فهي عبارة عن دعاوى فرعية، وأن المصلحة فيها تعد قائمة لا محتملة، لوقوع الاعتداء على الحق باستعمال السند المطعون فيه بموجبها في الدعوى الأصلية المقامة، ومن أشهر صورها، دعوى مضاهاة الخطوط، ودعوى تزوير العقود العرفية، ودعوى تزوير العقود الرسمية، اللتان يمكن إقامتهما بموجب دعوى تزوير فرعية، أما إذا تمت إقامتهما بموجب دعوى تزوير أصلية، فالمصلحة فيهما تكون محتملة لأن الاعتداء على الحق لم يقع بعد، بما يعني وأن إقامة بعض دعاوى الأدلة، يمكن اللجوء إليه حتى عند انعدام دعوى أصلية أمام قاضي الموضوع، وفي جميع الأحوال فلهذه الدعاوى عدة صور.
1) دعوى مضاهاة الخطوط :
تنصب هذه الدعوى على السندات العرفية دون السندات الرسمية، في ضوء مقتضيات المواد 76و77و78 من قانون الإجراءات المدنية، المقابلة للمواد 164 إلى 174 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وذلك في الوقت الذي تكون فيه هذه السندات، مثبتة لحق في جانب المدعي أو المدعى عليه، فيجرى اختصامه بواسطتها، لإثبات صحة نسبها لهذا الطرف أو ذاك أمام المحكمة لدحض إنكاره، وعلى هذا الأساس فهي دعوى تهدف إلى إثبات أو نفي صحة الخط أو التوقيع على
المحرر العرفي.
ويصح تقديم دعوى مضاهاة الخطوط ،كدعوى فرعية أمام القاضي المعروضة عليه الدعوى الأصلية، ويكون حينها مختصا بنظر هذه الدعوى إعمالا للقاعدة القائلة: بأن قاضي الأصل هو قاضي الفرع، كما يجوز تقديمها كدعوى أصلية أمام الجهة القضائية المختصة، أي أمام المحكمة الجزائية.
وبهذا فدعوى مضاهاة الخطوط تشترك مع دعوى التزوير الأصلية، في كون المصلحة فيها قائمة، حتى عند انعدام دعوى أصلية، كما تتفق معها في كونها دعوى وقائية، لأنها ترمي إلى تفادي الضرر المحتمل حصوله مستقبلا، وتختلف عنها في كون الغاية منها ، لا ترمي إلى هدم دليل ظاهـر بل إلى تدعيم دليل قائم.
2) دعوى التزوير:
قد يعلم شخص بوجود مستند رسمي مزور، في يد شخص آخر، يخشى معه اعتماده عليه مستقبلا، في إقامة دعوى للمطالبة بما ورد في مضمون هذا المستند ، أو احتجاجه به ، لذلك قد يبادر إلى الطعن فيه بالتزوير، بموجب دعوى أصلية، وهذه الدعوى في واقع الأمر، ما هي إلا دعوى جزائية من اختصاص النيابة العامة مباشرتها، في إطار مقتضيات المادة 29 وما يليها من قانون الإجراءات الجزائية، بمجرد علمها بذلك، أي حتى انعدام طعن من طرف المتضرر من ذلك السند.
وقد يتم الطعن في السند بموجب دعوى فرعية، تهدف إلى إثبات تزييف أو تغيير سند سبق تحريره أو إضافة معلومات مزورة إليه، وقد تهدف دعوى التزوير إلى إثبات الطابع المصطنع لهذا السند، وذلك إعمالا لنص المادة 179 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
وسواء تم الطعن بالتزوير في السند الرسمي بدعوى أصلية أو دعوى فرعية، فان إثارته يجب أن يتم بموجب مذكرة تودع أمام القاضي المعروضة أمامه الدعوى الأصلية، وهي المذكرة التي يجب أن تبين بدقة الأوجه المستند إليها من طرف الطاعن الفرعي لإثبات التزوير، تحت طائلة عدم قبول الادعاء الفرعي بالتزوير، كما يتعين تبليغ مذكرة الطعن الفرعي بالتزوير إلى الخصم، الذي يحدد له القاضي أجلا للرد على هذا الطلب.
وتأسيسا على ذلك، فدعوى التزوير بهذا الوصف، إنما هي دعوى ترمي إلى هدم الدليل على وجود الحق، وذلك بصورة مستقلة عن الدعوى التي يتعلق بها هذا الحق، بما يعني وأنها تندرج ضمن الدعاوى الوقائية، لكون المصلحة فيها هي مصلحة محتملة.

ب) شـرط الصفــــة
قد يحدث اعتداء على حق ما ، فينشأ الحق بالتبعية ، في إقامة دعوى للمطالبة بحمايته ومع ذلك يبقى السؤال حول الشخص الذي يسمح له القانون بإقامة هذه الدعوى ؟
مما لاشك فيه، فالذي له السلطة القانونية لاستعمال حق الدعوى ، هو صاحب الحق المعتـدى عليه، باعتباره الوحيد الذي يمكن أن تعود عليه المنفعة من الفصل في الدعوى ، أي أنه هو وحده الذي يحتاج إلى القضاء لحماية حقه ، وعلى هذا الأساس فالمضرور، أو صاحب الحق ، أو صاحب المصلحة الشخصية ، وهو الذي درج القانون على التعبير عنه بشرط الصفة، وهذه إما تكون أصلية ، أو استثنائية ، أو تمثيلية.

1)الصفة الأصلية :
متى منح القانون ، سلطة استعمال الحق، في إقامة دعوى لشخص بنفسه ، نتيجة توافر مصلحته الشخصية المباشرة ، فصفته في هذه الحالة ، يعبر عنها بالصفة الأصلية ، وترتيبا على ذلك ، فالصفة في إقامة دعوى المديونية ، تكون في الأصل للدائن ، وفي دعوى المطالبة ببطلان عقد تكون لأطرافه، وفي دعوى التعويض عن الفعل الضار تتقرر للمضرور، وذلك بصرف النظر عن كون الدعوى، تكون قد رفعت من صاحب الصفة نفسه ، أو من وكيله الإتفاقي باسم موكله ولحسابه ، متى تصرف في حدود الوكالة الممنوحة له.

2) الصفة الاستثنائية :
هناك حالات يسمح فيها القانون للمدعي برفع الدعوى، على الرغم من عدم توافر المصلحة الشخصية المباشرة لديه، بل أن هذه قد تعود لغيره، ومن تطبيقاتها دعاوى النيابة العامة، والتي تعد مخولة قانونا بسلطة رفع الدعاوى المتعلقة بالنظام العام ، وكذلك الحال بالنسبة لبطلان انعقاد الجمعيات والمظاهرات العمومية، ودعاوى النقابات المهنية المرفوعة للمطالبة بحق نقابي لأحد أعضائها ، وهو ذات الحكم الذي تخضع له الدعوى غير المباشرة ، والتي يستعمل الدائن من خلالها حق مدينه ، في رفع دعوى للمطالبة بحق من حقوق هذا المدين ولحسابه، حسب مقتضيات المادة 189 وما يليها من القانون المدني .
لكنه ومع ذلك فهذه الصفة الاستثنائية، لا يمكنها أن تؤدي إلى حرمان صاحب المصلحة الأصلية الشخصية والمباشرة ، من سلطة استعمال حقه في رفع الدعوى ، ومتى قام بذلك، لم يبق لصاحب الصفة الاستثنائية، سوى استعمالها بصفة تبعية، أي عن طريق التدخل الإنضمامي.

3) الصفة التمثيلية :
قد لا يستطيع صاحب الصفة الأصلية، ممارسة الحق في الدعوى، أو غيرها من الأعمال والتصرفات القانونية، بل أنه قد يكون لشخص آخر، لا يتمتع بذلك الحق، سلطة مباشرة الدعوى بوصفه ممثلا لصاحب الصفة الأصلية، وهو نتيجة ذلك يسمى بالممثل القانوني.
إن سلطة التمثيل هذه أمام القضاء، تتوفر لكل من الولي والوصي، نيابة عن القاصر أو عن المحجور عليه، والممثل القانوني نيابة عن الشخص الاعتباري ، وهي بذلك تختلف عن الصفة الأصلية والاستثنائية ، لأن الممثل القانوني يطالب بحق لغيره لا لنفسه ، بما يعني وأنه عبارة عن صاحب صفة إجرائية لا غير.
لذلك فتخلف شرط الصفة في الدعوى ، يترتب عنه عدم قبولها ، ونظامها هذا يختلف عن
نظام الدفوع الإجرائية، كما أن زوال الصفة الأصلية خلال سير الدعوى، يؤدي إلى عدم قبول الدعوى ، فيما أن زوال الصفة الإجرائية، يؤدي فقط إلى مجرد انقطاع للخصومة ليس إلا.

ج) شـــرط الأهليـــة
لم يعط القانون لصاحب الحق سلطة اللجوء إلى القضاء، للمطالبة بحماية حقه الذي تم إنكاره أو التشكيك فيه، إلا إذا كان يتمتع بأهلية التقاضي، بما يعني وأن فاقدي الأهلية وناقصيها لا يمكنهم استعمال تلك السلطة، ومع ذلك يجب أن نشير إلى أن مسألة الأهلية هذه، لا تعد في الواقع شرطا لقبول الدعوى، بقدر ما هي شرط لصحة الخصومة، لأن الدعوى المرفوعة من طرف صغير السن ، أو من المجنون ، أو من السفيه ، أو من ذي الغفلة ، أو الغائب أو المفقود ، بوساطة الولي أو الوصي أو المقدم تكون مقبولة ، وسنعود إلى معالجة هذه المسألة بمناسبة الحديث عن الخصومة .

ثانيا: الشروط العامة السلبية لقبول الدعوى :
ثمة شروط عامة أخرى، يجب عدم توافرها لقبول الدعوى، وعلى العكس من ذلك فان توافرها يؤدي إلى عدم قبولها، وعلى هذا الأساس فهي شروط سلبية، بالمقارنة مع شروط الصفة والمصلحة والأهلية باعتبارها شروطا إيجابية، وتنحصر هذه الشروط العامة السلبية، في انعدام سبق الفصل في الدعوى ، انعدام الصلح ، وعدم الاتفاق على التحكيم.

أ) شرط انعدام سبق الفصل في الدعوى :
الحكم القطعي هو الحكم الفاصل في أصل النزاع، أو في مسألة متفرعة عنه، وهو ما يعني بأنه لا يجوز للمحكمة التي فصلت في نزاع أن تنظر فيه مرة أخرى، كما لا يجوز كذلك أيضا للمحاكم الأخرى أن تنظر فيه، وذلك تطبيقا لمبدأ حجية الأمر المقضي فيه، وهذه المسألة هي ما يصطلح على تسميتها بسبق الفصل في الدعوى.
ويشترط في الحكم حتى تكون له هذه الحجية، أن يكون قطعيا ونهائيا، ومتعلقا بحقوق لها نفس المحل ونفس السبب ، وقائم بين الخصوم أنفسهم حسب مقتضيات المادة 338 من:ق.م.
هذا ويلاحظ بأن حجية الأمر المقضي فيه، ما هي إلا عبارة عن قرينة قانونية قاطعة، مؤداها أن الحقيقة القضائية، هي أمر مطابق للحقيقة الواقعة، لذلك نجد بأن المشرع قد رتب عليها آثارا قانونية، متمثلة في كون الأحكام الصادرة عن مختلف الجهات القضائية ، تشكل حجة بما فصلت فيه من حقــوق، وهي قرينة يجوز نقضها بأي دليل عكسي.
لذلك فقوة الحجية هنا، لا تعد من النظام العام، إذ لا يكون للمحكمة أن تقضي بها من تلقاء نفسها، ومع ذلك فثمة جانب من الفقه يرى بأن حجية الأمر المقضي فيه ، لا تعد قرينة قانونية لأنها تنطوي على معنى الدليل ، بل على قاعدة موضوعية، قصد المشرع بها، وضع حد للمنازعات التي تكون أية جهة قضائية قد تولت الفصل فيها، وبالنتيجة فلا يجوز رفع دعوى جديدة بشأنها .
غير أن هذا الرأي، وبصرف النظر عن قيام وجاهته من عدمها ، فانه يبقى بحثا نظريا صرفا، على اعتبار وأن المشرع وما دام يملك سلطة وضع القواعد الموضوعية، ومختلف القواعد القانونية المتعلقة بالقرائن القانونية، أو قواعد الإثبات، فانه قد اعتبر حجية الأمر المقضي فيه مجرد قرينة قانونية ليس إلا، مما لا يسمح بإعطاء أي وصف لهذه الأحكام غير الوصف الذي أراده المشرع.

ب) انعدام الاتفاق على التحكيم
على الرغم من أن الدعوى ، هي عبارة عن سلطة اللجوء إلى القضاء ، من أجل الحصول على الحماية المقررة لهذا الحق أو ذاك، فالمشرع قد سمح في بعض الحقوق ، باللجوء إلى التحكيم وفقا لأحكام المادة 442 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية، المقابلة للمادة 975 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
هذا ويقصد بالتحكيم، عرض النزاع القائم بين الطرفين، على شخص أو أشخاص معنيين، للفصل فيه بدلا من القضاء ، ويستوي أن يكون الاتفاق على التحكيم ، قد أبرم بين الطرفين قبل بداية النزاع ، أو أثناءه ، أو بعده ، وهو بذلك من شأنه أن ينهي النزاع ، فلا يجوز إعادة عرضة على القضاء من جديد ، وإلا كانت الدعوى غير مقبولة، بما يعني وأن القانون وخلافا لقرارات لجان التأديب، قد أعطى للحل الذي يتوصل إليه المحكم، صورة الحكم القضائي القطعي، وهي صورة استثنائية، على اعتبار وأن وصف الحكم ، لا يعطي في واقع الأمر ، إلا للأحكام الصادرة عن الجهات القضائية المختصة.
لذلك فان تم التوصل إلى اتفاق بين طرفين على التحكيم ، وأراد أحدهما نقضه واللجوء إلى القضاء للمطالبة بالحماية القانونية ، كان لخصمه الحق في منع المحكمة من نظر الدعوى، بإثارته لدفع منبثق من سبق الاتفاق على التحكيم ، وهو دفع يندرج ضمن الدفوع الأولية بعدم قبول نظر الدعوى ، وفي ذات الوقت فهو دفع ينكر بموجبه المدعى عليه، سلطة خصمه في اللجوء إلى القضاء العام للمطالبة بالحماية القانونية ، بشأن الحقوق المتنازع عليها.
وتجب الإشارة أخيرا إلى أن الدفع بالتحكيم، لا يتعلق بالنظام العام، وبذلك فالجهة القضائية المعروضة عليها الدعوى، لاحق لها في إثارته من تلقاء نفسها، بل يتعين عليها أن تستمر في نظر الدعوى، إلا إذا أثاره من له مصلحة فيه، فعليها في هذه الحالة أن تقتضي به، استجابة للدفع المثار أمامها، متى ثبت لها وجاهته.

ج) انعــدام الصلــح
قد يقترن الحق، الذي يمكن اللجوء إلى القضاء لحمايته بالشك، وبذلك فالاتفاق الذي يقوم بين طرفي الخصومة والقاضي، بتنازل أحدهما عما يدعيه لفائدة الطرف الآخر، هو الاتفاق الذي يصطلح على تسميته بالصلح، وهو اتفاق من شأنه ازالة ذلك الشك، بما يعني وأنه لم يعد ثمة أي
نزاع بينهما ، حول ذلك الحق لاستئثار أحدهما به.
وقد أجاز المشرع للطرفين القيام بإجراء الصلح بينهما، بمقتضى المواد 990 إلى 993 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وبحسبها فللخصوم القيام به تلقائيا أو بسعي من القاضي في جميع مراحل الخصومة، على أن تتم محاولة إجرائه في هذه الحالة في المكان والوقت الذي يراهما القاضي مناسبين.
كما تم النص على الصلح بموجب المادة 459 وما يليها من القانون المدني ، وهو بحكم المادة 461 من نفس القانون، لا يجوز في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام، إلا ما تعلق بالمسائل المالية ، ويشترط في طرفيه أن يكونا متمتعين بأهلية التصرف في الحقوق المشمولة بعقد الصلح.
وبحكم المادة 992 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، يجب أن يثبت الصلح في محضر يوقع عليه الخصوم والقاضي وأمين الضبط، ويودع بأمانة ضبط الجهة القضائية، شأنه في ذلك شأن الحكم القضائي، بما يفيد وأنه يتمتع بقوة السند التنفيذي، بحيث يكون لكل ذي مصلحة استلام نسخته التنفيذية، ومباشرة إجراءات التنفيذ بموجبها، للوفاء بالحقوق التي تضمنها، وذلك إعمالا لنص المادة 993 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
وفي ضوء وجوده، فان لجأ أحد أطراف الصلح ، إلى القضاء للمطالبة بالحماية في صورة تقرير الحق، كان للطرف الآخر، أن يمنع المحكمة من نظر الدعوى، لسبق الصلح القائم بينهما، بشأن الحقوق التي انصب عليها، وهو دفع يندرج ضمن الدفوع المتعلقة بعدم قبول الدعوى، التي نضمها المشرع بمقتضى نص المواد 67 إلى 69 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

الفقرة الثانية: الشروط الخاصة لقبول بعض الدعاوى
قد يتطلب القانون إلى جانب تلك الشروط العامة، بعض الشروط الخاصة التي يتعين توافرها لقبول بعض الدعاوى، ومن ذلك أنه يشترط خضوع العريضة الافتتاحية لترتيب معين، و إلا كانت الدعوى غير مقبولة، وهي شروط تجد مجال تطبيقها على وجه الخصوص في العرائض الافتتاحية للدعاوى الجبائية ، والعرائض الافتتاحية للدعاوى الرامية إلى الطعن في السندات المشهرة بالمحافظة العقارية، وهي في معظم الأحيان سندات ناقلة للملكية، وكذلك شرط المدة في دعاوى الحيازة وبعض الدعاوى الإدارية، لاسيما ما تعلق منها بدعاوى الإلغاء ودعاوى التفسير ودعاوى مدى المشروعية، وشرط التظلم المسبق في البعض من هذه الدعاوى الإدارية، أو بعض دعاوى الضمان الاجتماعي، أو بعض دعاوى التعويض عن حوادث المرور الموجهة ضد الصندوق الخاص بالتعويضات في حالة سقوط الضمان، وغيرها كثير، لذلك سوف يقتصر حديثنا على البعض منها.

أولا: الشرط الخاص بشهر العرائض الافتتاحية لبعض الدعاوى العقارية:
يتطلب القانون شروطا أخرى خاصة، يجب توافرها في العريضة الافتتاحية للدعوى، وإلا كانت غير مقبولة، ومن ذلك أن كل عريضة افتتاحية ، ترمي إلى نقض أو إبطال أو فسخ أو تعديل للحقوق العينة العقارية القائمة على عقود تم شهرها، يجب إشهارها لدى المحافظة العقارية، و إلا كانت غير مقبولة ، حسب متطلبات نص المادة 85 من المرسوم رقم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري، وأحكام المادة 519 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
وتطبيقا لنص المادة 85 من المرسوم 76/63 ، فالمحكمة العليا في العديد من قراراتها، قد اعتبرت بأن النص على شهر العريضة الافتتاحية للدعوى، إنما جاء لحماية مصالح خاصة، وهي بذلك مسألة غير متعلقة بالنظام العام، بما يعني وأن عدم شهر العريضة الافتتاحية، لا يمكن معه للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها، بل يتعين عليها القضاء به، استجابة لدفع يكون قد أثاره أحد أطراف الدعوى، وهو مبدأ قد كرسه على وجه الخصوص قرارها الصادر في 27/9/2000 تحت رقم 196021.
وقد لا يستقر الحال على هذا الاجتهاد القضائي، بالنظر لمضمون المادة 519 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، التي أوجبت مراعاة العريضة الافتتاحية للدعوى العقارية لهذه الأحكام، الخاصة بشهر دعاوى الفسخ أو الإبطال أو التعديل أو نقض حقوق قائمة على عقود تم شهرها، بما يفيد وأن هذا النص، قد اعتبر شهر العريضة الافتتاحية للدعوى، مسألة متعلقة بالنظام العام، يكون للقاضي إثارتها من تلقاء نفسه.

ثانيا: شرط التظلم المسبق في بعض الدعاوى:

إذا كان المشرع بمقتضى نص المادة 830 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المحال إليها بالمادة 907 من نفس القانون، قد أخضع قبول دعوى الإلغاء أو التفسير أو تقدير مدى المشروعية، الموجهة ضد القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية، إلى شرط خاص يتعلق بتقديم تظلم مسبق إلى الجهة الإدارية مصدرة القرار المطعون فيه، فثمة دعاوى أخرى يخضع قبولها لشرط التظلم المسبق، مع أنها تخضع للقانون الخاص، لا القانون الإداري، أي أن الفصل فيها يكون من اختصاص القضاء العادي لا القضاء الإداري، ونعني بها بعض الدعاوى الموجهة ضد الضمان الاجتماعي، وبعض الدعاوى المتعلقة بالتعويض عن حوادث السير.

أ) شرط التظلم المسبق لقبول دعوى التعويض عن حوادث السير عند سقوط الضمان:
نصت المادة 15 من المرسوم رقم 80/37 المؤرخ في 16/02/1980المتضمن شروط تطبيق المادتين 32 و34 من الأمر رقم 74/15 المؤرخ في 30/01/1974 المشار إليه فيما تقدم، والمتعلقتين بقواعد سير الصندوق الخاص بالتعويضات والأجهزة الضابطة لتدخله، على أنه يجب على المصاب أو ذوي حقوقه، المتوفرة فيهم شروط المطالبة بالتعويض لهم من الصندوق الخاص
بالتعويضات، أن يقدموا طلبا بالتعويض، لهذا الأخير قبل اللجوء إلى القضاء لإقامة أية دعوى قضائية.
وبحسبها فأي طلب قضائي، يقدم في مواجهة الصندوق الخاص بالتعويضات، لا يكون مقبولا ما لم يكن مسبوقا بتظلم مسبق ، يوجه إلى هذا الصندوق لمطالبته بدفع التعويض.
وإذا سبق وأن صدر حكم قضائي، بتعويض المصاب أو تعويض ذوي الحقوق في الحالات المشار إليها في المادتين 12 و13 من نفس المرسوم، والذي يمكن إعمالا لهما أن تحل الدولة أو الولاية أو البلدية أو كل هيئة عمومية في دفع التعويض لأعوانها، الذين كانوا ضحية الحادث محل هؤلاء الأعوان في حقوقهم في حدود المبلغ المدفوع لهم، أو إذا كانت المسؤولية الكاملة أو الجزئية عن الحادث مسببة من القيادة في حالة سكر، أو تحت تأثير الكحول أو المخدرات أو المنومات المحظورة، والتي لا يكون معها للسائق المطالبة بأي تعويض، وهي الأحكام التي لا تسري على ذوي حقوقه في حالة وفاته، فانه يجب إرفاق طلب التعويض الذي يوجهه المصاب أو ذوي حقوق إلى الصندوق الخاص بالتعويضات، بنسخة رسمية من ذلك الحكم، تحت طائلة عدم قبول دعوى التعويض.

ب) شرط التظلم المسبق لقبول بعض دعاوى الضمان الاجتماعي:
إذا كان نص المادة 06 القانون 83/15، قد نص على وجوب رفع الاعتراضات التي تلحق من حيث طبيعتها بالمنازعات العامة إلى لجنة الطعن الأولى، القائمة على مستوى هيئة الضمان الاجتماعي، قبل اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة، تحت طائلة عدم قبول هذه الدعوى، فان هذا التظلم وبحسب المادة 09 من نفس القانون، يرفع من طرف المعني إلى لجنة الطعن الأولى، المشكلة على مستوى هيئات الضمان الاجتماعي، من ممثلين عن العمال المؤمن لهم، ومن ممثلين عن أصحاب العمل، والتي يتولى أمانتها أحد أعوان هيئة الضمان الاجتماعي، وهي لجنة تختص بالفصل في جميع الخلافات الناجمة عن القرارات المتخذة من طرف هيئات الضمان الاجتماعي.

ثالثا: الشروط الخاصة بالمواعيد القانونية:
بمقتضى هذا الشرط، أوجب القانون لقبول العديد من الدعاوى، رفعها ضمن مواعيد معينة، بعضها يخضع للقانون العام وبعضها الآخر يخضع للقانون الخاص.

أ) شرط الميعاد لقبول بعض الدعاوى الخاضعة للقانون المدني:
على غرار دعاوى الطعن في القرارات الإدارية، هناك عدة دعاوى ومع خضوعها للقانون الخاص، فقد أوجب القانون لقبولها، وجوب رفعها خلال مواعيد قانونية معينة، تحت طائلة عدم قبولها، كدعاوى الحيازة مثلا، و يوجب القانون الاستمرار في الدعوى خلال ميعاد معين، وإلا كانت غير مقبولة، حال إعادة السير في الدعوى بعد الخبرة مثلا، تحت طائلة سقوط الدعوى، أو سقوط الحكم الصادر قبل الفصل في الموضوع، وأمام كثرتها سوف نقصر الحديث في هذا المقام، عن دعاوى الغبن والبطلان والضمان والشفعة، وتأجيل الحديث في دعاوى الحيازة، والاستمرار في الدعوى، لحين الحديث عن دعوى الحيازة وعوارض الخصومة.

1) شرط الميعاد في دعوى الغبن:
بالرجوع لنص المادة 90 من القانون المدني، نجدها قد أجازت للقاضي، بناء على طلب المتعاقد المغبون، أن يبطل العقد أو أن ينقص التزامات هذا المتعاقد، متى تم رفع هذه الدعوى خلال مهلة سنة، تسري اعتبارا من تاريخ العقد، تحت طائلة عدم قبولها، وبحسبه فان رفع الدعوى خلال هذا الميعاد، يعد شرطا خاصا لقبوا دعوى الغبن، وبانقضائه يسقط حق المتعاقد المغبون في إقامتها، وبذلك فإنها لا تقبل.
كما نصت المادة 359 من نفس القانون، على أن دعوى تكملة الثمن بسبب الغبن، تسقط بالتقادم إذا انقضت ثلاث سنوات من يوم انعقاد البيع، وبالنسبة لعديمي الأهلية، فمن يوم انقطاع سبب العجز.
وقد طبقت المحكمة العليا هذا النص في قرارها الصادر بتاريخ 12/05/1999 تحت رقم 188918، الذي شارت من خلاله، إلى أن دعوى تكملة الثمن بسبب الغبن، تسقط بالتقادم ، إذا انقضت ثلاث سنوات من يوم انعقاد البيع، وأن القضاء بسقوط دعوى تكملة الثمن بسبب الغبن التي رفعها الطاعن، اعتمادا على تاريخ رفع الدعوى الثانية المؤرخة في 17/10/1996 هو تأسيس خاطئ، إذ كان ينبغي احتساب بداية مدة التقادم، من تاريخ رفع الدعوى الأولى المؤرخة في17/10/1995، الذي يعتبر إجراء قضائيا يوقف سريان التقادم المحدد بثلاث سنوات، ابتداء من تاريخ انعقاد البيع، مما يجعل دعوى تكملة الثمن قد رفعت ضمن الأجل القانوني، ومتى كان كذلك ، فان قرار المجلس قد خرق أحكام المادة 359 من القانون المدني يستوجب نقضه.

2) شرط الميعاد في دعوى البطلان:
إذا كان المشرع قد أجاز بمقتضى المادة 99 من القانون المدني، لأحد المتعاقدين الحق في المطالبة بإبطال العقد، فانه قد أوجب بموجب المادة 100 من نفس القانون، سقوط الحق في إبطال العقد، إذا لم يتمسك به صاحبه خلال خمس سنوات، وهي المهلة التي تسري في حق ناقص الأهلية من اليوم الذي يزول فيه هذا السبب، وفي حالة الإكراه من يوم انقطاعه، غير أنه ومع ذلك فان التمسك بحق الإبطال لغلط أو تدليس أو إكراه، لا يجوز إذا انقضت عشر سنوات من وقت تمام العقد.
وقد طبقت المحكمة العليا هذا النص، في قرارها الصادر بتاريخ 13/11/1996 تحت رقم 136433 ، وأشارت من خلاله إلى أن الحق في إبطال العقد، يسقط إذا لم يتمسك به صاحبه خلال خمس سنوات، ويبدأ سريان هذه المهلة في حالة نقص الأهلية، من اليوم الذي يزول فيه هذا السبب، ومن تم فقضاة الموضوع لما قضوا بإبطال العقد العرفي المتنازع من أجله، رغم أن المطعون ضدهم لم يتمسكوا بإبطاله خلال المدة المذكورة، كما أن أصغرهم سنا عندما بلغ سن الرشد لم يتمسك به هو الآخر، وعليه فان حقهم في طلب إبطال العقد قد سقط بحكم القانون.
كما نصت المادة 102 من القانون المدني، على أنه إذا كان العقد باطلا بطلانا مطلقا، جاز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بهذا البطلان، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، ولا يزول البطلان بالإجازة، وتسقط دعوى البطلان بمضي15 سنة، من وقت إبرام العقد.
وقد طبقت المحكمة العليا كذلك أيضا هذا النص، في قرارها الصادر بتاريخ 20/06/2001 تحت رقم 247506 ، فأشارت من خلاله إلى أن قضاة الموضوع، لما أسسوا قضاءهم بسقوط دعوى البطلان العقد، على المادة 102 من القانون المدني، فان ذلك لا يعني أن العقد الباطل قد انقلب إلى عقد صحيح، فهو مازال عقدا باطلا، لأن دعوى بطلانه سقطت بمضي المدة القانونية.

3) شرط الميعاد في دعوى الضمان:
نصت المادة 383 من القانون المدني، على أنه تسقط دعوى الضمان بانقضاء سنة من يوم تسليم المبيع، حتى ولو لم يكتشف المشتري العيب إلا بعد انقضاء هذا الأجل، ما لم يلتزم البائع بالضمان لمدة أطول، غير أنه لا يجوز للبائع أن يتمسك بسنة التقادم، متى تبين أنه أخفى العيب غشا منه.
وقد سمحت الفرصة للمحكمة العليا بتطبيق هذا النص، في قرارها الصادر بتاريخ 02/03/1983 تحت رقم 20921، الذي أشارت من خلاله إلى أنه متى أخضع القانون سقوط دعوى ضمان العيب في المبيع بالتقادم لانقضاء سنة من يوم تسليم المبيع، لشرط عدم قيام البائع بإخفاء العيب على المشتري غشا منه، فان القضاء برفض الدعوى على أساس السقوط بالتقادم القصير، يكون قد اخطأ في تطبيق الفقرة الأخيرة من المادة 383 من القانون المدني، ولما كان الثابت أن المجلس القضائي، الذي بعد إلغائه الحكم القاضي على البائع بأدائه تعويضا للمشترية، من جراء وجود مستأجر في العين المبيعة، أبطل الدعوى على أساس أنها لم تقم إلا بعد مضي أكثر من سنتين، يكون أغفل البند المدرج في العقد المتضمن تصريح البائع بخلو العمارة من المستأجرين، واخطأ في تطبيق القانون.

4) شرط الميعاد في دعوى الشفعة:
نصت المادة 802 من القانون المدني، على أنه يجب على طالب الشفعة، أن يرفع دعواه على البائع والمشتري، أمام المحكمة الواقع في دائرة اختصاصها العقار، خلال مهلة ثلاثين يوما، تسري ابتداء من تاريخ الإعلان بالرغبة في ممارسة حق الشفعة المنصوص عليه بالمادة801 من نفس القانون، تحت طائلة سقوط الحق في إقامة دعوى الشفعة.
وبحسب المادة 799 من نفس القانون، فعلى من يريد الأخذ بالشفعة، أن يعلن رغبته إلى كل من البائع والمشتري خلال أجل ثلاثين يوما، تسري اعتبارا من تاريخ الإنذار الموجه من البائع أو المشتري، وإلا سقط حقه في المطالبة بالشفعة، وهو الإعلان الذي أوجب نص المادة 801 من هذا
القانون، بأن يتم بموجب عقد رسمي، يعلن عن طريق كتابة ضبط المحكمة، تحت طائلة بطلانه.
وقد تعرضت المحكمة العليا إلى شرط الميعاد لقبول دعوى الشفعة، في قرارها الصادر بتاريخ26/09/1985 تحت رقم 34707، الذي أشار إلى أن نص المادة 799 من القانون المدني، قد أوجب على كل من يريد الأخذ بالشفعة، أن يعلن رغبته فيها إلى كل من البائع والمشتري، في أجل ثلاثين يوما من تاريخ الإنذار الذي يوجهه إليه البائع أو المشتري وإلا سقط حقه.
ب) شرط الميعاد لقبول بعض دعاوى قانون الاسرة:
نكتفي بالاشارة هنا الى دعوى اللعان ودعوى الحضانة.

1) شرط الميعاد في دعوى اللعان:
على الرغم من أن المشرع من خلال نص المادة 40 وما يليها من قانون الأسرة، قد نص على أن ثبوت النسب، يتم بالزواج الصحيح وبالإقرار وبالبينة وبنكاح الشبهة وبكل زواج تم فسخه بعد الدخول، فانه لم يورد أية أحكام صريحة، تتعلق بنفيه عند قيام الزواج، فيما يعرف باللعان، وما إذا كانت ثمة مدة للتمسك به.
وفي معرض الإجابة على هذا التساؤل، نجد بأن الأمر قد استقر لدى المحكمة العليا، في قرارها الصادر بتاريخ25/12/2002 تحت رقم 296020، على أن المدة المقررة لرفع دعوى اللعان هي أسبوع واحد، تسري اعتبارا من يوم رؤية الزنا أو العلم بالحمل.
2) شرط الميعاد في دعوى المطالبة بالحضانة:
نصت المادة 68 من قانون الأسرة، على أنه إذا لم يطلب من له الحق في الحضانة مدة تزيد عن سنة بدون عذر سقط حقه فيها، وبذلك يكون هذا النص، قد أوجب رفع دعوى المطالبة بالحضانة خلال مهلة سنة، تسري اعتبارا من تاريخ ثبوت الحق فيها، ما لم يكن ثمة عذر مقبول، تحت طائلة عدم قبول الدعوى.
وقد تمسكت المحكمة العليا، بإعمال هذا النص في قرارها الصادر تحت رقم 58220 بتاريخ 05/02/1990، الذي صرحت من خلاله بأن الحضانة إذا لم يطلبها من له الحق فيها مدة تزيد عن سنة بدون عذر سقط حقه فيها، ولما كان الثابت في قضية الحال، أن مدة السنة لم تمض بعد على المطالبة بالحضانة من قبل الأم، وهي لازالت متمسكة بها، فان قضاة المجلس بحرمانهم الأم من حق الحضانة، وإسنادها للجدة من الأب، يكونوا قد خالفوا القانون.

المبحث الثاني :
تصنيـف الدعــــاوى

يتطلب تصنيف الدعاوى النظر في المعايير المعتمدة في تقسيمها، وطبيعة الدعوى المستعملة، ودعوى الحيازة.

المطلب الأول
معايير تقسيم الدعـــاوى

ثمة عدة معايير يمكن الاستناد إليها في تقسيم الدعاوى، يمكن إيجازها في ثلاثة معايير أساسية، تتمثل في معيار طبيعة الحق، ومعيار موضوع الحق ، ومعيار طبيعة الحماية المطلوبة.

أولا : تقسيم الدعاوى طبقا لطبيعة الحق.
تنقسم الدعاوى طبقا لمعيار طبيعة الحق، إلى ثلاثة دعاوى، تتمثل في الدعاوى العينية، والدعاوى الشخصية، والدعاوى المختلطة.

أ) الدعاوى العينيــة :
ينحصر هذا النوع من الدعاوى، في كل دعوى ترمي لحماية حق عيني ، والمتعلقة أساسا إما بدعوى ملكية المنقول، أو ملكية العقار، أو حيازته، وإما بدعوى حق الانتفاع، أو أي حق عيني آخر، كالارتفاق والرهن، وهي كلها دعاوى، يمكن ممارستها في مواجهة أي شخص، يدعي أن له حقا عينيا على الشيء.

ب) الدعاوى الشخصية.
يرمي هذا النوع من الدعاوى إلى حماية الحقوق الشخصية، والتي لا يمكن حصرها، طالما أنه يمكن للأطراف إنشاء ما يريدون من حقوق شخصية، ومن تطبيقاتها تلك الدعاوى الناشئة بين المؤجر والمستأجر، وبين المقرض والمقترض، ودعاوى المضرور على المتسبب في الضرر، وبحسبها فشخص المؤجر وشخص المستأجر، أو المقرض والمقترض، تكون محل اعتبار بالنسبة لهذا النوع من الحقوق، وأن الأمر لا يختلف فيما يتعلق بتعويض الأضرار الناجمة عن الفعل غير المشروع، في ضوء مقتضيات المادة 124 من القانون المدني، التي تقوم على أساس الخطأ الشخصي، والتي لا يمكن في مجال إعمالها مساءلة إلا الشخص الذي ارتكب الخطأ وهو هنا المتسبب في الضرر.

ج) الدعاوى المختلطة :
يتناول هذا النوع من الدعاوى، الحقوق العينية والشخصية معا، لذلك فنطاق تطبيقها هو العقود الواردة على نقل ملكية العقار، والتي ينبثق عنها حق عيني ناشئ عن العقار، وحق شخصي ناشئ عن العقد، وهي بهذا تعد دعوى مختلطة، ومن صورها دعوى المشتري على البائع بتسليم المبيع، تنفيذا للعقد القائم بينهما.
هذا وتجب الإشارة إلى أن هذه الدعوى، قد لا تجد مجالا لاستعمالها من الناحية العلمية، لأن المشترى عادة ما يتعجل استلام العقار المبيع، وان حدث وأبقاه تحت يد البائع ورفض هذا إخلاءه، فانه لا يلجأ إلى مطالبته وفقا لذلك الأساس، بل عادة ما يؤسس طلبه، على أن بقاءه بالعين المبيعة، إنما كان على سبيل الإحسان، أو الإعارة، أو الإيجار وهكذا.
لكنه ومع ذلك فلهذه الدعوى أهمية عملية – على الأقل – من حيث تحديد الجهة القضائية المختصة إقليميا بنظر الدعوى، لأن طبيعة الحق المتنازع فيه بين الطرفين، هو الذي يعتد به في تحديد الاختصاص الإقليمي للمحاكم ، فمحكمة موطن المدعى عليه وحسب القاعدة المنصوص عليها بالمادة 37 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 08/2 من قانون الإجراءات المدنية، هي التي تكون مختصة بنظر الدعوى المتعلقة بالحق الشخصي، فيما أن الاختصاص بنظر الدعوى العقارية، ينعقد للمحكمة الواقع بدائرة اختصاصها العقار المتنازع عليه، طبقا للمادة 40/01 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 08/01 من قانون الإجراءات المدنية، وعلى العكس من ذلك، فالاختصاص بنظر الدعاوى المختلطة، ينعقد للجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها مقر الأموال، إعمالا لنص المادة 39/01 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 09/01 من قانون الإجراءات المدنية.
هذا والى جانب ذلك ، فثمة أهمية عملية أخرى للدعوى المختلطة، بالنسبة لإجراءات المرافعة في الدعوى، فنجد الدائن في الدعوى الشخصية، هو وحده صاحب الصفة والمصلحة في إقامتها وفي متابعة إجراءاتها، وبالتبعية فإنها لا ترفع إلا في مواجهة المدين نفسه، فيما أن صاحب الصفة في إقامة الدعوى العقارية، قد لا يكون مالكا، لأي حق عيني عقاري، مثلما هو عليه الحال بالنسبة لحائز العقار أو مستأجره.

ثانيا: تقسيم الدعاوى طبقا لمعيار موضوع الحق :
تنقسم الدعاوى وفقا لمعيار موضوع الحق، إلى دعاوى عقارية، ودعاوى منقولة :

أ) الدعاوى العقاريــة :
الدعوى العقارية هي الدعوى المتعلقة بكل حق عيني عقاري، كحق الملكية، وما يتفرع عنه من حقوق، كحق الانتفاع، و الارتفاق وغيرهما من الحقوق الواردة على العقار، أي المتصلة به اتصال قرار، بحيث لا يمكن فصلها عنه مع بقائه على حالته، وذلك بالإضافة إلى المنقولات المرصودة لخدمته ، والمسماة عقارا بحسب المآل.
وتأسيسا على ذلك، فان كان الطلب الأساس للمدعي والوارد في العريضة الافتتاحية للدعوى، متعلقا بأي حق من تلك الحقوق، كدعوى بطلان عقد بيع منصب على عقار، أو فسخه أو تعديله، وكذلك دعوى إخلاء عقار، أو إزالة ما أقيم به من منشآت وأغراس ، أو قسمته، أو وضع معالم الحدود بين الأملاك العقارية المتلاصقة، وتخصيص الارتفاقات الإيجابية والسلبية وغيرها، وكذلك دعوى وقف الأعمال الجديدة ، ودعوى منع التعرض ، ودعوى استرداد الحيازة وغيرها هي كلها دعاوى عقارية.

ب) الدعوى المنقولــة :
الدعوى المنقولة هي تلك التي يكون المطلوب فيها مالا منقولا، أو أن محل الحق الذي تستند إليه تلك الدعوى هو منقول، ويقصد بالمنقول كل ما لا يعد حقا عقاريا، وبذلك فجميع الدعاوى غير العقارية، هي دعاوى منقولة، ومنها دعوى تسليم البضاعة، ودعوى الوفاء بثمن البضاعة، أو دعوى رد الأموال المقترضة، أو المعارة ، وكذلك دعوى تسليم بدل الإيجار، ولو كانت العين المؤجرة عقارا.
ويبدو من خلال هذه التقسيمات، أن كلا من الدعوى العينية والدعوى الشخصية، قد تكون منقولة أو عقارية، بما يعني وأنه يمكن تقسيم الدعوى إلى دعوى عينية منقولة، كتلك المتعلقة باسترداد منقول بعينه، والى دعوى عينية عقارية، كتلك المتعلقة باستحقاق العقار من جهة.

كما يمكن تقسيم الدعوى إلى دعوى شخصية منقولة، شأن الدعوى الرامية إلى استعادة السيارة المؤجرة لمستأجر من دون سائق، والى دعوى شخصية عقارية،كدعوى المشتري لعقار بعقد غير مسجل في مواجهة البائع، للتصريح بصحة العقد، واعتبار الحكم ناقل للملكية، مع إيداعه بالمحافظة العقارية من جهة أخرى.
لكنه ومع ذلك، وعلى الرغم من شيوع هذا النوع من الدعاوى، على مستوى المحاكم والمجالس القضائية، والتي عادة ما يتمسك من خلالها المدعي، التصريح بصحة البيع العرفي، وإلزام المدعى عليه بإتمام إجراءات البيع أمام الموثق، فهي دعوى قد أصبحت من غير ذي أساس قانوني- على الأقل- مند صدور قرار المحكمة العليا رقم 136156 الصادر في 18/02/1997.

ثالثا: تقسيم الدعاوى طبقا لمعيار طبيعة الحماية المطلوبة:
قد يقصد المدعي من دعواه، الوصول إلى قرار يحسم النزاع حول أصل الحق، فتتحقق حماية مستقرة لحقه، وبذلك فالدعوى التي ترفع، للحصول على هذه الحماية، تسمى بالدعوى الموضوعية، وهي بهذا تتميز عن الدعوى الوقتية، التي لا يقصد المدعي من ورائها، سوى اتخاذ تدبير وقتي، يحقق المدعي من خلاله حماية مؤقتة للحق المدعى به من طرفه، وبهذا المعنى نكون إما بصدد دعوى موضوعية وإما بصدد دعوى وقتية.

أ) الدعوى الموضوعيـــة .
تعد كل دعوى قضائية، ترمي إلى إثبات أو نفي حق من الحقوق، وبصرف النظر عما إذا كان المصدر المنشئ له إراديا كالعقد والإرادة المنفردة، أو غير إرادي كالعمل النافع أو الضار، كدعوى المطالبة بالملكية أو أي حق عيني عقاري، وكذلك كل دعوى ترمي إلى تحديد المسؤولية عن أي خطأ عقدي، أو تقصيري مستوجب للتعويض، أو فسخ عقد، أو بطلانه، أو تعديله، هي في مجملها دعاوى موضوعية، لأنها ترمي إلى الفصل في أصل الحق، بحيث لم يعد للخصوم حق اللجوء إلى القضاء، لإثارة النزاع بشأن الحقوق المتنازع عليها مرة أخرى، إلا من خلال طرق الطعن المقررة قانونا.

ب) الدعوى الوقتيـة:
خلافا للدعوى الموضوعية، فالدعوى الوقتية، لا ترمي سوى إلى اتخاذ تدبير وقتي، من شأنه
المحافظة على الحق المتنازع عليه، ومن صورها تلك الرامية إلى تعيين حارس قضائي، ودفع نفقة وقتية لحين ضبطها وتصفيتها أمام قاضي الموضوع، ومختلف دعاوى الاستعجال، لدفع خطر داهم ومحدق، لا يمكن تلافيه بإتباع إجراءات التقاضي العادية، ومنها تلك المتعلقة بوقف أشغال بناء فوق أرض متنازع عليها، وفتـح ممر، وكذلك تلك المتعلقة بإشكالات التنفيذ، والترشح في القوائم الانتخابية المحلية والتشريعية وغيرها.
لذلك فالأهمية العلمية لهذا التصنيف، تبدو جلية من حيث تحديد الاختصاص النوعي للمحكمة، كون الجهة القضائية المختصة بالفصل في الدعوى الوقتية، هي القضاء الإستعجالي فيما أن الجهة القضائية المختصة بالفصل في دعوى أصل لحق، هي محكمة الموضوع، أي الفاصلة في المواد المدنية والتجارية وغيرها.

المطلب الثاني:
دعــاوى الحــــيازة :

تحتاج دعوى الحيازة إلى تعريفها، وبيان شروطها، وبعض قواعدها، وحجية الحكم الصادر فيها.

أولا: تعريف دعاوى الحيازة، وبيان الحكمة منها:
يقتضي تعريف الحيازة، إلى بيان الحكمة منها، لذلك يتعين معالجة كلا منهما استقلالا.

أ) تعريف الحيازة:
تعد دعوى الحيازة دعوى عينية عقارية ، ترمي إلى حماية الحيازة ، التي تقررت لشخص على عقار، بصرف النظر هما إذا كان مالكا أم لا، وهي بذلك تهدف إلى حماية وضع اليد على العقار، ووضع اليد هنا ليس حقا، بقدر ما هو مجرد مركز واقعي، وذلك خلافا للأصل العام في الدعاوى، والذي نجد المدعي بموجبه يتمسك بحق معين، وعلى هذا الأساس فالمشرع سواء في القانون المدني، أو في مختلف التشريعات العقارية، لم يضع لها تعريفا معينا، ومع ذلك يمكن القول، بأن: (الحيازة ليست سوى واقعة مادية، من شأنها إحداث آثار قانونية، أهمها أنها قد تكون سببا من أٍسباب كسب الملكية العقارية)، وهذه مسألة قد أثارت إشكالا قانونيا، تمثل في وجود صراع بين مذهب الواقعية، الذي يمثله على وجه الخصوص الفقيه عبد الرزاق السنهوري، ومذهب المثالية الذي أخذ به المشرع الجزائري، في مختلف التشريعات العقارية.
وخلافا لذلك نجد الإجتهاد القضائي للمحكمة العليا، لم يتوقف عند حد بعض الشروط الشكلية للحيازة، بل منح لنفسه سلطة تقديرية واسعة، في بحث الشروط الموضوعية لها، وهو بذلك يعد ذو نزعة واقعية، وهي نزعة قادت إلى البحث، عما إذا كان القانون يشترط في الحائز، أن يكون له سندا قانونيا أم لا، حتى تتقرر له الحماية القانونية.

ب) الحكمة من الحيازة :
ترمي الحيازة في الأساس إلى تحقيق مصلحتين هما: حماية الملكية العقارية، وإرساء قواعد حفظ الأمن والنظام في المجتمع :

1) حماية الملكية العقارية :
مع أن المالك يستطيع رفع دعوى الاستحقاق العقارية، فهي دعوى قد أخضعها القانون لوسيلة إثبات معينة، قد لا يكون للمالك أمرها ميسورا، لذلك سمح المشرع لصاحب الحق، في إقامة الدليل على وضع اليد، باعتباره قرينة على الملكية، لأن صاحب الحق على شيء يحوزه، وبذلك يتمكن من حماية ملكيته بطريق غير مباشر، متى تمكن من إثبات الحيازة، بكافة وسائل الإثبات، وهو أمر يسهل بالمقارنة مع وسائل الإثبات التي قررها القانون للملكية.

2) إرساء قواعد حفظ الأمن والنظام في المجتمع :
استقرت النظم القانونية المعاصرة، على منع الشخص من اقتضاء حقه بنفسه، لذلك فان تعارضت الحيازة مع الملكية، فالأولى بالتفضيل هي الحيازة ، مما يتعين حمايتها من أي اعتداء، حتى ولو صدر هذا الاعتداء من المالك نفسه، باعتباره ممنوعا من ممارسة حق استرداد ملكيته بالقوة، حتى ولو كان حق الملكية ثابتا له، وذلك حتى لا يختل الأمن بسبب الاعتداء على وضع اليد الظاهر.
ويبدو بأن مسألة تفضيل الحيازة على الملكية، قد يسبغ الحماية على المغتصب، لكنه ومما يقلل من أهمية ذلك، أن هذه الحماية ليست إلا حماية مؤقتة، على اعتبار وأن طريق الملكية يبقى مفتوحا أمام المالك الحقيقي لاسترداد ملكيته، وذلك بعد تنفيذه للأحكام النهائية، الصادرة ضده في دعوى الحيازة ، حسب مقتضيات 530 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 419 من قانون الإجراءات المدنية، وسنأتي على شرح ذلك لاحقا.

ثانيا : أركان وأنواع الحيازة:
يشترط القانون لنشأة الحق، في مباشرة دعوى الحيازة، ما يشترط في غيرها من الدعاوى، من الشروط العامة الايجابية المتعلقة بالمصلحة والصفة والأهلية، والسلبية المتعلقة بسبق الفصل وانعدام الصلح وانعدام التحكيم، مع ملاحظة أن الحيازة تنفرد بكون المصلحة القانونية فيها، تتجسد في حيازة الحق العيني على العقار، فيما أن المصلحة القائمة والحالة، تتجسد في التعرض لها، أو اغتصابها، وذلك على خلاف المصلحة الشخصية، التي تتمثل في إقدام الحائز، على رفع الدعوى للمطالبة بالحماية القانونية كمبدأ عام.
هذا وثمة شروط عامة أخرى، إلى جانب شروط خاصة ، يمكن إجمالها في المهل القانونية، التي يتعين رفع دعاوى الحيازة خلالها، أو شهرها لدى المحافظة العقارية، وغيرها من الشروط ، التي وقبل معالجتها يتعين تحديد أركان الحيازة وأنواعها.

أ) أركان الحيازة:
ليست الحيازة سوى السيطرة المادة على الشيء للظهور بمظهر صاحب الحق عليه ، وهو
تعريف من شأنه أن يمدنا بأركان دعوى الحيازة، وهي بهذا تقوم على ركنين أساسيين، أحدهما مادي والآخر معنوي.
1) الركن المادي :
ينصرف هذا الركن ، إلى التعبير على السيطرة المادية على الشيء ، وذلك بقيام الحائز بجميع الأعمال، التي يوم بها المالك،كالزراعة والبناء والإقامة وغيرها، وذلك إما بنفسه، أو بوساطة من ينوبه في ذلك ولحسابه، ويأتمر بأوامره.
2) الركن المعنوي :
ينصرف هذا الركن إلى التعبير على أن السيطرة المادية على الشيء ، إنما هي بنية التملك، وهو العنصر الذي يمكن استخلاصه، من ظهور الحائز بمظهر المالك.

ب) أنواع الحيازة:
متى اجتمع عنصري الحيازة المادي والمعنوي، أو قام أحدهما دون الآخر، كنا إما بصدد الحيازة المادية، وإما بصدد الحيازة القانونية، بما يعني وأن الحيازة نوعان:

1) الحيازة المادية :
وهي تلك الحيازة التي يتوفر فيها الركن المادي فقط، أي السيطرة المادية على الشيء، دون أن تكون مصحوبة بنية التملك- على الأقل- في مواجهة المالك الأصلي، وهي الحيازة التي أطلق عليهـا البعض، اسم الحيازة العرضية، ومن أبرز الأمثلة عنها: الحائز الذي يضع يده على الشيء لفائدة غيره، وذلك باستناده إلى سند قانوني ، يلزمه برد الشيء إلى صاحبه فيما بعد، سواء كان هذا السند ناشئا عن اتفاق، أو عن حكم قضائي، أو تشريعي، وكذلك الأمر بالنسبة للمستفيد من حق امتياز في أرض الدولة، بحيث أن السيطرة المادية على الأرض، تعد قائمة لديه، وهو عقد يلزمه بإعادة الأرض إلى المالك، بعد انقضاء حق امتيازه.

2) الحيازة القانونية :
وهي الحيازة التي يتوافر فيها العنصران معا ، وتؤدي إلى قام قرينة على الملكية، وهي بذلك لا تكفي فيها السيطرة المادية لقيامها ، بل يجب قيام نية التملك لدى الحائز الى جانب تلك السيطرة المادية، وهو عنصر عادة ما يصعب إثباته، لكنه ومما يقلل من أهمية تلك الصعوبة، وجود تلك القرينة القائلة:بأن الحائز للشيء يفترض أنه مالك له، وذلك إلى غاية إثبات العكس.
وفي ضوء هذه الأحكام يحق السؤال حول الحيازة ، التي أراد المشرع حمايتها: أهي الحيازة المادية أو الحيازة القانونية، أم كليهما معا.
بالرجوع إلى النصوص التشريعية لاسيما المادة 808 وما يليها من القانون المدني،والمادة 413 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية القديم، المقابلة للمادة 524 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، نجدها قد فرقت بين دعوى منع التعرض، ودعوى وقف الأعمال الجديدة من جهة ، وهي دعوى متعلقة بالحيازة القانونية، وبين دعوى استرداد الحيازة من جهة أخرى، وهي دعوى متعلقة بالحيازة المادية والقانونية في ذات الوقت ، ومن تم ومن أجل الوقوف على حقيقة هذه التفرقة، يتعين التعرض لأوصاف الحيازة.

ثالثا: شروط الحيازة:
ثمة مجموعة من الشروط نوجزها تباعا:

أ) الشرط الخاص بأوصاف الركن المادي للحيازة :
إذا كان العنصر المادي للحيازة ، يعني السيطرة المادية على الشيء ، فهو أمر لا يكفي وحده لبسط الحماية القانونية عليها، بل يتعين أن يجمع عنصرها المادي، عدة أوصاف في جميع أنواع دعاوى الحيازة، هي: الهدوء ، والعلنية، و الاستمرار ، ومن دون انقطاع ، ومن دون أن تكون خفية أو مؤقتة.

1) الحيازة الهادئة :
يقصد بها تلك الحيازة التي لا تكتسب بالقوة ، وحتى عند اكتسابها بهذه الصورة ، فانه يتعين ألا تحتاج إلى هذه القوة لاستمرارها والاحتفاظ بها، وبذلك فان كان الحائز، قد اكتسبها بالقوة أو بالتهديد، وظل مستعملا لنفس الوسيلة للمحافظة عليها، فشرط الهدوء يعتبر غير قائم والحيازة غير هادئة.

2) الحيازة العلنية:
تكون الحيازة علنية، متى كانت ظاهرة، بالشكل الذي يسمح للناس ملاحظتها، كرؤيتهم للحائز، وهو يقوم بإحاطة العقار بالسياج ، وزراعة الأرض ، أو البناء فوقها.

3) الحيازة غير الخفية :
ويقصد بها أن تكون الحيازة غير مستترة، بحيث لا تثير أي لبس ، أو شك حول الظهور بمظهر صاحب الحق أي أن الحائز، يقوم بالأعمال المادية المكونة لها، بصفته مالكا للعقار.

4) الحيازة المستمرة:
وهي الحيازة التي تكون قد استمرت لمدة معقولة، حددها المشرع بسنة على الأقل، وهي المدة التي تكون خلالها الحيازة، قد استقرت للحائز، ويكون له حق المطالبة برد أي اعتداء عليها، حتى ولو كان المعتدي هو نفسه صاحب الحق أي المالك.
هذا ويجب أن نشير، إلى أنه وعلى الرغم من ضرورة بلوغ ذلك الأمد، ليقوم الحق في الحماية القانونية للحيازة بوجه عام، فالأمر بالنسبة لدعوى منع التعرض، ودعوى وقف الأعمال الجديدة، ودعوى الاسترداد ليس واحدا، ففي الأولى والثانية يمكن الحائز أن يستفيد من الحيازة، متى استمرت حيازته سنة كاملة، بينما في الثالثة يتطلب الأمر التمييز بين حالتين:
الاولى:حالة اغتصاب الحيازة :
وهي الحيازة التي تقوم على القوة ، وبذلك فإنها تفتقد لشرط الهدوء ، وقد تكون متلازمة لنفس الوسيلة ، أي القوة من أجل المحافظة عليها.
الثانية: حالة الحيازة الأحق بالتفضيل :
وهي الحيازة التي تكون قائمة على سند قانوني، وفي حالة وجوده لدى الحائزين معا، كانت الحيازة الأحق بالتفضيل، لمن كانت لسنده قوة ثبوتية، أكثر من سند غيره، وفي حالة تعادل السندين أو انعدام هذا السند، كانت الحيازة الأحق بالتفضيل، هي الحيازة الأسبق في التاريخ.
هذا ويكمن مبرر هذه التفرقة، في أن الاعتداء الذي يبرر رفع دعوى استرداد الحيازة، يتعدى الحد من ممارسة الحيازة ، بل يصل إلى حد الحرمان من الانتفاع بها.

2) شرط وأدوار مدة الحيازة:
**شرط مدة الحيازة:
إذا كان القانون قد اشترط مهلة سنة على الأقل لقيام الحيازة لدى الحائز، فان العبرة في بداية سريان هذا الميعاد ، تكون بوقت الشروع في الأعمال المكونة للحيازة، وتنتقل إلى الخلف العام بنفس شروطها، اللهم إلا إذا كان السلف سيئ النية، وأثبت الخلف أنه كان حسن النية في حيازته، جاز له التمسك بحسن نيته، على أن يكون من حق الخلف الخاص، كذلك أيضا ضم حيازته، إلى حيازة سلفه ليبلغ أمد التقادم.
لكنه ومع ذلك، فان عبء إثبات مدة السنة، يقع على عاتق الحائز، وذلك بقيامه بإثبات بدئها،فضلا عن كونه كان حائزا وقت التعرض، وبذلك فمتى كانت المدة بين تاريخ بدئها وتاريخ التعرض سنة، قام شرط الاستمرار، وهو شرط لا يزول، عند قيام مانع من الموانع الوقتية، كالقوة القاهرة ، وذلك خلافا للانقطاع ، الذي يقوم نتيجة تخلي الحائز عن السيطرة المادية على الشيء ، فتعد حيازته منقضية.
** أدوار المدة في دعاوى الحيازة:
يلعب عنصر الزمن في دعاوى الحيازة أدوارا متعددة:
الاول: دور المدة في ضبط وتحديد أوصاف الحيازة:
إذا كان القانون مثلما أسلفنا من قبل، يشترط في الحيازة من أجل بسط حمايته عليها، استمرارها لمدة معينة، وهي التي يمكن للحائز خلالها، أن يظهر بمظهر المالك، من دون أي لبس أو غموض، وبذلك فان عامل الوقت، يؤدي الدور الأساسي ، الذي يعتد به في ضبط وتحديد أوصاف الحيازة، أي أن كلا من وصف: الهدوء، والعلنية، والوضوح، والاستمرار، ينبغي أن تكون قد دامت سنة كاملة.
الثاني: دور المدة في تحديد تاريخ الاعتداء:
تلعب المدة دورا بالغ الاهمية في تحديد المهلة، التي يتعين أن ترفع خلالها الدعوى، ابتداء من
تاريخ وقوع الاعتداء، أو من تاريخ العلم به، وان تم رفع الدعوى خارجهاكانت غير مقبولة ، بما يعني وأن الميعاد هنا، عبارة عن شرط من شروط قبول دعوى الحيازة.
وتكمن العلة من خلال هذا الشرط، في أن تأخر الحائز في رفع دعواه خلال تلك المدة، من وقوع الاعتداء أو العلم به، إنما يعني بـأن الاعتداء ليس خطيرا، وهو بالنتيجة لا يحتاج إلى أية حماية للحيازة ، باعتبارها حماية استثنائية لاسيما وأن إعمال دعوى الملكية غير مقيد بأية مدة.
وباستقراء نص المادة 524/02 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 413/2 من قانون الإجراءات المدنية، فشرط المدة يعد من النظام العام، بما يعني وأن للمحكمة الحق في إثارته ولو من تلقاء نفسها، كما يمكن إثارته في أية مرحلة كانت عليها الدعوى، ولكن ما هي القاعدة التي يعتمد عليها في احتساب هذه المدة ؟
ان التاريخ الذي وقع فيه الاعتداء، هو الذي يعتد به في بداية حساب مدة السنة، وهي قاعدة يمكن إعمالها فيما لو أن الاعتداء، قد تم بواقعة واحدة، كطرد الحائز من الأرض، والشروع في تسييجها، وحرثها في يوم واحد، وهو أمر لا يكون ميسورا ، فيما لو أن الاعتداء قد تم بوقائع متعددة بينها فاصل زمني،كحرث الأرض في يوم ، والقيام بزراعتها بعد أيام، ثم القيام بتسييجها بعد أيام أخرى، فالتاريخ الذي يعتد به هنا، لاحتساب مدة السنة ، هو اليوم الذي تمت فيه الواقعة الأخيرة وهكذا .
لكنه ومع ذلك، فان إعمال تلك القاعدة في حق الحائز، الذي لم يكن يعلم بواقعة الاعتداء، يبقى متوقفا عما إذا كانت واقعة الاعتداء علنية ظاهرة، وغير خفية، بحيث يستطيع العلم بها أم لا، فان كانت واقعة الاعتداء خفية ، وغير ظاهرة ، وغير علنية، فان الحائز يحاسب عن موقفه السلبي، منذ تاريخ علمه بالاعتداء الخفي، أو من تاريخ تيقنه من الاعتداء الغامض، فان أقام دعواه خلال مهلة سنة، ابتداء من ذلك التاريخ، كانت دعواه واردة في الميعاد القانوني، ومستوفية لشرط المدة، وان تمت خارجة كانت غير مقبولة.
3) شرط عدم سبق دعوى الحيازة بدعوى الحق :
لقد اشترط نص المادة 529 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 418 من قانون الإجراءات المدنية، في أن قبول دعوى الحيازة، يبقى متوقفا على عدم سبقها بدعوى الملكية، بما عني أنه متى تبين، وأن المدعي قد سبق له وأن أقام دعوى الملكية، فان خسرها فلا حق له في إقامة دعوى الحيازة، لأنه يعتبر في حكم المتنازل عن إقامتها.

رابعا: محـل الحــيازة :
إذا كانت الحيازة، ما هي إلا عبارة عن سيطرة مادية على مال معين، فان محلها قد يكون منقولا وقد يكون عقارا ، ومع ذلك فان القانون لم يقرر لهما نفس الحماية.

أ) حماية المنقول :

لم يفرق القانون في بسط الحماية على المنقول، بين أصل الحق والحيازة ، لأن حيازة المنقول بذاتها لا تحميها دعوى خاصة، بل أن دعوى حماية أصل الحق ، هي التي تقوم بهذا الدور، ويكمن سبب ذلك في القاعدة القانونية القائلة: (بأن الحيازة في المنقول سند الملكية)، ومن هذا المنطلق ، تختلط الحيازة بأصل الحق.

ب) حماية العقار:
ثمة نوعان من الدعاوى لحماية العقار، الأولى متعلقة بأصل الحق ، والثانية متعلقة بحماية الحيازة، فهذه الأخيرة تحمي الحيازة الواردة على حق عيني على عقار، بصرف النظر عن صاحب الحق فيه، وبصرف النظر على العقار بطبيعته، بما في ذلك العقار بالتخصيص، وبصرف النظر عما إذا كان هذا الحق العيني متعلقا بالملكية، أو متعلقا بحق متفرع عنه، كحق الارتفاق ، وحق الانتفاع ، وأن كنا نلاحظ بأن القانون، يسمح وبصورة استثنائية، بحماية حق مستأجر العقار، وذلك بدعاوى الحيازة ، على الرغم من أنه ليس حقا عينيا بمفهومه القانوني.
وتجب الإشارة إلى أن القانون يشترط في العقار، أن يكون محلا للتملك، أو محلا لحق عيني آخر، بما يعني أنه وفي حالة ما إذا كان العقار، مما لا يجوز للأفراد تملكه ، فلا تحميه دعوى الحيازة ،كما هو الشأن بالنسبة لحيازة العقارات المملوكة للدولة، وذلك إعمالا لنص المادة 689 من القانون المدني، وفي المقابل فليس ثمة ما يمنع الدولة، من حماية حيازتها بدعوى الحيازة، وليس ثمة أيضا ما يمنع صاحب حق الإمتيار على أرض الدولة، من حماية حقه بواسطة دعوى الحيازة.
هذا ويلاحظ بأن إعمال هذا الشرط، لا يكون إلا في مواجهة الدولة دون غيرها، بما يعني وأن هذه الحماية القانونية، تكون مقررة أيضا لحائز أرض الدولة في مواجهة الغير، وهو أمر معزز برأي المحكمة العليا، الذي أكدت من خلاله، على أن التمسك بالحيازة في أملاك الدولة، والمطالبة بحمايتها في مواجهة الغير يعد أمرا جائزا.

رابعا: الاعتداء على الحيازة
يشكل الاعتداء على الحيازة شرطا أساسيا، لقبول دعاوى الحيازة بجميع أنواعها، وهو الاعتداء الذي يأخذ عدة درجات، تبدأ بالشروع في أعمال، من شأنها فيما لو تمت تهديد الحيازة، أو التعرض لها، وقد يصل الاعتداء إلى منع الحائز من ممارسة الحيازة ، بل أن هذا الاعتداء ، قد يتجاوز ذلك إلى حد اغتصاب الحيازة من الحائز بصفة نهائية ، لذلك وبحكم هذه الدرجات، تكون قوة الحماية، وهي في مجملها مسائل قد أولاها المشرع عناية خاصة، وميز بين أنواع من الدعاوى، تبعا لدرجة الاعتداء وخطورته، وهذه الدعاوى هي:

أ) دعوى وقف الأعمال الجديدة:
وهي دعوى بحكم طبيعتها، ترمي إلى منع التعرض المحتمل حصوله من طرف المعتدي، ويمكـن للحائز رفعها ، قبل شروع المعتدي في أية أعمال، دلك أن هذه فيما لو تمت، لكنا أمام دعوى منع التعرض الحال للحيازة ، ومن ذلك شروع شخص ، في تحضير المواد الضرورية ، لإحاطة العقار محل الحيازة بسياج ، أو تحضير مواد البناء اللازمة ، للشروع في البناء فوق الأرض محل الحيازة .
والظاهر أن دعوى وقف الأعمال الجديدة، إنما هي دعوى تندرج ضمن الدعاوى الوقائية، والتي أعطى المشرع للحائز الحق في إقامتها، حتى يتجنب ضرر الانتظار الناجم عن وقوع التعرض فعلا، وهي بذلك تهدف، إلى وقف الضرر الوشيك الوقوع، أو منع اكتماله عند الشروع فيه.
وتأسيسا على ذلك فالحيازة التي تحميها هذه الدعوى، هي الحيازة القانونية، لا الحيازة المادية، والتي يشترط القانون لقيام الحق فيها، توافر أوصافها الأربعة المشار إليها فيما تقدم.

ب) دعوى منع التعرض:
ترمي دعوى منع التعرض إلى رد الاعتداء الحال، الذي لم يصل إلى حد سلب الحيازة من الحائز، لذلك فالقانون يعتبر كل عمل مادي أو قانوني، يرمي بشكل مباشر أو غير مباشرة إلى إنكار الحيازة، والحد من ممارستها، دون أن يصل إلى حرمان الحائز من الانتفاع بها، هو بمثابة تعرض للحيازة .

1) التعرض المادي:
قد يكون التعرض ماديا غير مباشر، كما هو الشأن بالنسبة للشخص، الذي يقوم بإحاطة أرضه بسياج، فيمنع الحائز بواسطته من حق المرور لحيازته، أو من البناء فوقها، أو من فلاحتها، أو من دخوله لمسكنه الموجود بها، 2) التعرض القانوني:
يكون تعرضا قانونيا مباشرا، كما هو الشأن بالنسبة للشخص، الذي يوجه إنذارا للحائز بإخلاء العقار محل الحيازة، أو يبادر بدلا من ذلك، إلى مقاضاته بدعوى حيازة، وهو أمر لا يسري على المزاعم الشفوية الصارة عن شخص، بشأن حيازته لأرض غيره ، والتي لا يمكنها أن تشكل تعرضا للحيازة، ونفس الحكم يسري على من يقوم بسرقة المحاصيل الزراعية للحائز،كما لا تعد الدعوى التي يرفعها المالك، على الحائز تعرضا للحيازة، بل أنها تعد اعترافا من المالك بالحيازة.

ج) دعوى استرداد الحيازة:
تهدف هذه الدعوى إلى استرداد الحيازة المنقضية بالقوة، بما يعني وأن الاعتداء الواقع على الحيازة قد تجاوز مجرد التعرض لها، بل وصل إلى حد سلب الحيازة من الحائز، وحرمانه من الانتفاع بها بشكل كامل، لذلك وحتى نكون بصدد هذه الدعوى، فانه يشترط في أن لا يكون للعمل الذي أتاه المغتصب أي سند قانوني،كفقدان الحيازة بالقوة ، أو التهديد أو بالحيلة والخداع، وهي كلها مسائل مختلفة تمام الاختلاف، عن الفقدان المشروع للحيازة والذي يتم إما برضاء الحائز، و إما نتيجة لإجراءات التنفيذ الجبري لحكم قضائي، مما لا يكون من حقه في مثل هذه الأحوال، أن يطالب باسترداد الحيازة.

خامسا: قاعدة عدم جواز الجمع بين دعوى الحيازة ودعوى الملكية :
تتطلب دراسة هذه القاعدة التفرقة بين دعوى الملكية ودعوى الحيازة ، وبيان الحكمة منها ، وتطبيقاتها بالنسبة لكل من المدعي والمدعى عليه ، وكذلك بالنسبة للمحكمة :

أ) التفرقة بين دعوى الحيازة ودعوى الملكية :

1) دعوى الملكية:
يعتبر مفهوم دعوى الملكية ، عن تلك التي يدعي من خلالها رافعها ،على أنه مالك لعقار، أو أي حق عيني عقاري أخر ، وهي الدعوى التي يرمي من ورائها صاحب الحق في إقامتها ، إلى تقرير حق الملكية ، والحكم به لفائدته ، ومنها دعوى تقرير حق الانتفاع ، ودعوى تقرير حق الارتفاق، أو نفيهما معا .

2) دعوى الحيازة:
يقصد بدعوى الحيازة، تلك الدعوى التي يدعي من خلالها رافعها وضع اليد على العقار أو على أي حق عيني عقاري آخر ، وهي الدعوى التي يرمي من ورائها صاحب الحق في إقامتها إلى حماية هذا المركز الواقعي بصرف النظر عن كونه مالكا أو غير مالك .
وإذا ما أردنا إجراء مقارنة بين الدعوتين ، لا تضح لنا بأن المصلحة في دعوى الملكية، تستند إلى حق الملكية نفسه، أو إلى حق عيني عقاري آخر متفرع عنه ، بينما المصلحة في دعوى الحيازة ، تستند أساسا إلى المركز الواقعي وهو وضع اليد ، وهو مركز ومنذ امتداد القانون لحمايته بدعوى الحيازة ، صار مركزا قانونيا .

ب) الحكمة من التفرقة بين دعوى الحيازة ودعوى الملكية :
إذا كان القانون قد قرر حماية الحيازة من أجل استقرار الأمن والنظام داخل المجتمع ، فلا ينبغي أن تلتف حولها دعوى الملكية ، وفي المقابل فان التمسك بالملكية ، يشكل في حد ذاته تنازلا عن دعوى الحيازة ، وعلى هذا الأساس ، فان كانت الدعوى المقامة أمام المحكمة هي دعوى الحيازة، فانه يتعين عليها ألا تفصل في دعوى الملكية، وهي كلتا مسائل يعبر عنها قانونا، بقاعدة عدم جواز الجمع بين الملكية والحيازة ، مما لا يحق لمن اختار أحدهما أن يتمسك بالأخرى ، وبذلك فهي قاعدة تطبق على طرفي الدعوى ، كما تلقي بضلالها على المحكمة أيضا.

ج) تطبيق قاعدة عدم جواز الجمع بين دعوى الحيازة ودعوى الملكية:

1) تطبيق القاعدة بالنسبة للمدعي :
إذا كان القانون قد أقر الحماية القانونية لصاحب الحق، أي السيطرة الفعلية على العقار، أو أي حق عيني آخر متفرع عنه، و الانتفاع منه دون عائق ، فان تلك الحماية، قد تكون عن طريق إحدى دعاوى الحيازة ، أو عن طريق دعوى الملكية، أو دعوى أي حق عيني عقاري آخر متفرع عنه ، وأن صاحب المصلحة قد يكتفي برفع دعوى الحيازة، أو دعوى الملكية ، وقد يرغب في استعمالهما على التعاقب، أو يعمد إلى الجمع بينهما في وقت واحد ، وهي كلها حالات ، تؤدي إلى عدم قبول دعواه.
الاولى: حالة الإدعاء بالحيازة أولا:
إذا كان صاحب الحق في إقامة الدعوى ، قد استند إلى الحيازة ، وهي حالة يفترض معها ، وأنها لم تكن مسبوقة بدعوى الملكية، إلى غاية إثبات العكس، فلا مجال للتصريح بعدم قبولها ، متى توافـرت شروطها ، على أن تبقى طلبات المدعي فيها ، مقتصرة على المطالبة بحماية الحيازة ، بما يعني وأنه لا يحق له استعمال أية وسيلة من وسائل الدفاع ، التي قررها القانون لحماية الملكية ، لتأييد دعوى الحيازة ، وفي ذات الوقت ، فلا حق له في إقامة دعوى أخرى متعلقة بالملكية ، ما دامت دعوى الحيازة لازالت قامة ، فان فعل اعتبر متنازلا عن دعوى الحيازة .
الثانية: حالة الإدعاء بالملكية أولا:
قد يقع الاعتداء على حيازة حق عيني عقاري ، فيبادر الحائز إلى إقامة دعوى الملكية أو أي حق عيني عقاري متفرع عنه لحماية حيازته ، بدلا من دعوى الحيازة ، وفي المقابل فقد يقع الاعتداء على الملكية أو على أي حق عيني عقاري متفرع عنه ، فيرفع صاحب الحق دعوى ملكية ، ثم يقع اعتداء على الحيازة بعد رفع دعوى الملكية ، فيبادر إلى التمسك بحماية الحيازة ، وهي حالات من شأنها أن تثير بعض التساؤل حول مدى تأثير الإدعاء بالملكية على الحيازة ؟.
إن الإجابة على ذلك تكمن في تطبيق قاعدة عدم جواز الجمع ، بين الحيازة والملكية في ذات الوقت ، بحيث يشكل الإدعاء على أساس الملكية ،تنازلا عن الحيازة ، والفكرة المحورية هنا ،تتمثل في كون المشرع حينما أراد حماية الحق ، إنما أقر ذلك من خلال طريقتين أحدهما أصلي وهو المتعلق بحماية الملكية، وهو أصعب من حيث الإثبات والآخر استثنائي وهو المتعلق بحماية الحيازة، وهو الأسهل ، لذلك فان اختار صاحب الحق، الطريق الأصعب بدلا من الأسهل ، فلا حق له في التمسك بهذا الطريق الأخير ، بعدما أضاع وقت القضاء ، في محاولة إثبات حقه بواسطة الطريق الأصعب .
الثالثة: حالة الإدعاء بهما في وقت واحد:
يفترض أن المدعي هنا ، قد تمسك بالملكية والحيازة ، في نفس الوقت أمام نفس المحكمة ، وذلك إما من خلال عريضة افتتاح دعوى واحدة ، و إما من خلال عريضتين افتتاحيتين للدعوى ، أحدهما متعلقة بالملكية والأخرى بالحيازة ، سواء أقامهما أمام نفس المحكمة أو أقامهما أمام محكمتين مستقلتين ، وهي حالات قد ميز الفقه القانوني بشأنها بين ثلاثة فروض :
الفرض الأول : يتعلق بممارسة كل من دعوى الملكية ودعوى الحيازة بطلبين أصليين، وما دامت القاعدة المشار إليها أعلاه، تقضي بعدم إمكانية الجمع بينهما، فالجزاء الذي يترتب عن ذلك هو سقوط دعوى الحيازة، بحكم أنها دعوى استثنائية، وبالنتيجة اعتبار الدعوى متعلقة بالملكية ،
ويتعين الفصل فيها على هذا الأساس .
الفرض الثاني : يتعلق بإقامة دعوى الحيازة في صورة طلب احتياطي، مع الطلب الأصلي المنصب على الملكية، وتكون المحكمة هنا ، ملزمة بالفصل في الطلب الأصلي المتعلق بالملكية، من دون تعرضها للطلب الاحتياطي المتعلق بالحيازة ، لأن ذلك يعد في حكم من أقام دعوى الملكية ، وبعد أن خسرها، عاد لممارسة دعوى الحيازة ، فضلا عن كون الفصل في دعوى الملكية ، يغني في حد ذاته عن الفصل في دعوى الحيازة .
الفرض الثالث : ويتعلق بإقامة دعوى الحيازة في صورة طلب أصلي، مع طلب احتياطي بشأن الملكية ، ويتعين على المحكمة هنا قبول الطلبين معا، على أن لا تفحص المحكمة الطلب الاحتياطي المتعلق بالملكية ، إلا بعد فحص الطلب المتعلق بالحيازة ، فان صرحت برفضه ، وجب عليها الفصل في الطلب الاحتياطي المنصب على الملكية .
لكنه ومهما كانت رجاحة هذا الرأي، فان المشرع وبموجب المادتين 527 و529 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلتين للمادتين 416 و418 من قانون الإجراءات المدنية ، قد ألزم المحكمة المعروضة عليها دعوى الحيازة بألا تفصل في دعوى الملكية ، وفي المقابل فقد ألزمها بعدم قبول دعوى الحيازة ، ممن سلك طريق الملكية ، بما يعني وأنه لا مجال هنا لمثل هذه الافتراضات.
2) تطبيق القاعدة بالنسبة للمدعى عليه :
قد ترفع ضد المدعى ليه إما دعوى الملكية ، و إما دعوى الحيازة ، وبالتالي فما هي القيود التي أراد المشرع بإلزامه بها في الحالتين :
الأولى: بالنسبة للمدعى عليه في دعوى الحيازة:
تطبيقا لقاعدة عدم جواز الجمع ، بين دعوى الحيازة، ودعوى الملكية، فانه لا يحق للمدعى عليه في دعوى الحيازة، أن يتمسك بالملكية، لا في صورة دفع، ولا في صورة طلب بما يعني وأنه لا يجوز له إثارة أي دفع مستمد من أسباب الملكية، من أجل رد دعوى الحيازة، وتحديدا فان الأدلة التي يسوقها، لا ينبغي أن تكون متعلقة بملكيته للحقوق العقارية المتنازع عليها.
وتأسيسا على ذلك، فلا يجوز له كذلك أيضا، إقامة دعوى قضائية للمطالبة بالملكية قبل إزالة التعدي الصادر منه بشأن الحيازة ، ما دامت الدعوى المتعلقة بهذه الأخيرة لا زالت قائمة ، وفي ذات الوقت فلا حق له في تقديم طلب مقابل في دعوى الحيازة ذاتها ، يرمي إلى الحكم له بالملكية ، وذلك إلى غاية الفصل نهائيا في دعوى الحيازة ، وقيامه بتنفيذ الحكم الصادر فيها ، ومع ذلك فان تقاعس المدعي ، في تنفيذ الحكم الصادر في دعوى الحيازة ، جاز للمحكمة أن تحدد آجالا لتنفيذه، فان لم يتم كان لها أن تقبل دعوى الملكية حسب متطلبات نص المادة 530/02 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 419 من قانون الإجراءات المدنية القديم.
الثانية: بالنسبة للمدعى عليه في دعوى الملكية :
ترمي هذه القيود المفروضة على المدعى عليه إلى حماية الحيازة ، وفي ضوء تلك القاعدة ، فما هو الحل فيما لو أقدم شخص على الاعتداء على حيازة عقار ، ثم بادر بعد ذلك ، وأقام دعوى ملكية على حائزه ، فهل يعني ذلك حرمان الحائز – وهو المعتدى عليه في هذه الصورة – من حماية حيازته ، وذلك عن طريق تمكينه من رفع دعوى حيازة.
للإجابة على هذا التساؤل، يميل جانب من الفقه ، إلى أن دعوى الحيازة هنا تكون مقبولة، لأن دعوى الملكية لم ترفع من الحائز ، ولا تقوم نتيجة ذلك في حقه قرينة التنازل عن طريق السهل، أي طريق دعوى الحيازة ، وأن القول بذلك ، يدفعنا إلى التسليم بإعطاء الحق للمعتدي، في رفع دعوى الملكية، لمنع الحائز من دفع الاعتداء الواقع على حيازته، عن طريق رفعه لدعوى الحيازة ،وهو حرما لا يمكن تبريره ، بل أنه يتناقض وأحكام دعوى الحيازة في حد ذاتها .
3) تطبيق القاعدة بالنسبة للمحكمة:
إذا كنا أشرنا فيما تقدم ، إلى أن المحكمة المعروضة عليها دعوى الحيازة ، لا يجوز لها النظر في الملكية، فان تطبيق قاعدة عدم جواز الجمع بين دعوى الحيازة ودعوى الملكية ، في واقع الأمر بالنسبة للمحكمة ، يتوقف عند الفصل في الدعوى ، أي عند منطوق الحكم ، بل أنه يمتد ليطال حتى أسباب الحكم ، التي تناقش المحكمة من خلالها ، دفوع وطلبات الأطراف بما يعني أنه لا يجوز لها أن تحكم للمدعي بالحيازة ، وتبرر في ذات الوقت أسباب ذلك الحكم بالملكية، كالقول وأن المدعي أي الحائز هو نفسه المالك ،كما لا يجوز لها أن ترفض دعوى الحيازة ، بالقول وأن المدعي غير مالك ،لاسيما عند الاعتماد على سندات الملكية ، بحكم أنها تكون في هذه الحالة ، قد فصلت في دعوى الملكية ، وهي مسالة لم يطلب منها الفصل فيها وهكذا .

سادسا: الحكم في دعوى الحيازة وحجيته
لا تثار المسألة هنا ،سوى بالنسبة لمضمـون الحكـم الصادر في دعـوى الحيازة، وحجيته.

أ) مضمــون الحكــم :
إذا تحققت المحكمة – وهي هنا كل محكمة من محاكم القضاء العادي لا الإداري – المعروضة عليها الدعوى ، من قيام شروط الحيازة ، حكمت للمدعي بحكم يختلف مضمونه ، باختلاف الاعتداء ، واختلاف نوع الدعوى ، فإذا كانت الدعوى متعلقة بوقف الأعمال الجديدة ، أمرت بوقف هذه الأعمال ، وهي بذلك تتوقف عن ذلك الطلب ، بحيث لا يكون لها أن تأمر بإزالة الأعمال التي تكون قد أنجزت ، لأن الأمر بإزالتها ، يعني وأنها تكون قد تمت فوق العقار محل الاعتداء ، ودعوى وقف الأشغال الجديدة هنا ، تكون غير مقبولة لانعدام موضوعها،بل أن دعوى منع التعرض ، هي التي تكون مقبولة للأمر بإزالتها ،لأنها عبارة عن تعرض مادي ، مع إلزام المدعى عليه ، بعدم التعرض للمدعي مستقبلا في الانتفاع بالعقاري، إن كان التعرض قانونيا ،و إذا كانت
الدعوى ، هي دعوى استرداد الحيازة ، أمرت المحكمة برد العقار ، محل الحيازة إلى المدعي.

ب) حجية الحكــم :
يتمتع الحكم الصادر في دعوى الحيازة ، بحجية الأمر المقضي فيه، شأنه في ذلك شأن أي حكم قضائي فاصل في الحقوق ، أو المراكز القانونية المتنازع عليها ، وباعتباره حكما فاصلا في الحيازة، التي تعني وضع اليد ، وليس فاصلا في أصل الحق، وباعتبار أن الاعتداء على الحيازة ، قد يأخذ صورا ودرجات متعددة ، فهي كلها مسائل تترتب عنها النتائج التالية :
** النتيجة الأولى:
أن الحكم الصادر في إحدى دعاوى الحيازة، من أجل وضع حد لإحدى درجات الاعتداء، لا يمنع من رفع دعوى جديدة ، من أجل وضع حد ، لأي اعتداء جديد على الحيازة عند عدم اتحاد الخصوم واتحاد السبب، لأن المحكمة لم يسبق لها الفصل فيه ، ومن ذلك أن الحكم الفاصل في دعوى منع التعرض، لا يحول دون رفع دعوى الاسترداد.
**النتيجة الثانية:
أن الحكم الصادر في دعوى الحيازة ، لا يمكنه في أي حال من الأحوال ، أن يشكل قيدا بالنسبة للمحكمة، للفصل في دعوى الملكية، مع مراعاة أحكام المادة 530 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلة للمادة 419 من قانون الإجراءات المدنية القديم.
**النتيجة الثالثة:
أن الحكم الصادر في دعوى وقف الأعمال الجديدة، تبقى حجيته مرهونة ، ببقاء الظروف التي صدر فيها من دون تغيير ، وبذلك فهو حكم وقتي ، فيما أن الحكم الصادر في دعوى منع التعرض ، ودعوى الاسترداد ، يتمتع بحجية الشيء المقضي فيه ، بالنسبة للحقوق التي فصل فيها.

المبحث الثالث
ممارســـة الدعــــوى

إذا كانت الدعوى، ما هي إلا عبارة عن السلطة الممنوحة بحكم القانون، لصاحب الحق من أجل الحصول على الحماية القانونية لحقه بواسطة القضاء، فان القانون وفي الوقت الذي يريد فيه هذا الشخص أن يمارس هذه السلطة، قد مكنه من عدة وسائل، تتنوع في الأساس بحسب مركزه في الدعوى، لذلك فان كان الخصم، هو الذي أخذ بزمام المبادرة في إقامة الدعوى، من أجل الحصول على حكم لصالحه – وهو هنا في موقف هجومي – سميت وسيلة استعمال الدعوى هنا بالطلب القضائي، وان كان الخصم يريد أن يتفادى صدور حكم لصالح خصمه – وهو هنا في موقف دفاعي– سميت وسيلة استعمال الدعـوى هنا بالدفع، وتبعا لذلك سنعالج ممارسة الدعوى ضمن مطلبين، يتناول الأول الطلبات القضائية، فيما يتناول الثاني الدفوع.

المطلب الأول
الطلبـــات القضائيــــة

تحتاج دراسة الطلبات القضائية إلى تحديد ماهيتها، وبيان عناصرها، وآثارها القانونية.
أولا: ماهيــة الطلـــبات القضائيــة
من أجل التعرف على ماهية الطلبات القضائية، يتعين تعريفها ، وتحديد أنواعها.

أ) تعريف الطلبات القضائية:
على الرغم من أن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، قد جاء خاليا من أي نص قانوني، يتضمن تعريف الطلبات القضائية، فان المشرع قد استدرك ذلك السهو بمقتضى نص المادة 25 قانون الإجراءات المدنية والإدارية، التي نصت على أنه:(يتحدد موضوع النزاع بالادعاءات التي يقدمها الخصوم في عريضة افتتاح الدعوى ومذكرات الرد..)
وبمقتضى هذا النص فالطلبات القضائية، ما هي إلا عبارة عن:( الادعاءات التي يقدمها الخصوم في عرضة افتتاح الدعوى وفي مذكرات الرد)، وهو بهذا يكون قد اخذ بالمفهوم الواسع للطلبات القضائية، مع أن عبارة “الطلب القضائي”
تستعمل أحيانا بمفهوم واسع للغاية، وتستعمل في أحيان أخرى بمفهوم ضيق.

1) المفهوم الواسع للطلبات القضائية:
تعبر الطلبات القضائية بمفهومها الواسع، عن رغبة كل طرف من أطراف الدعوى أمام المحكمة، في الحصول على حكم لصالحه، وهذا المفهوم يمتد ليطال ثلاثة انواع من الطلبات:
النوع الاول: طلبات موضوعية:
يعد الطلب موضوعيا متى كان يرمي إلى تقرير حق، وإلزام الخصم به أو تغييره ، ووضع أنصاب الحدود بين الأراضي المتلاصقة، وإلزام الخصم باحترامها، وتغيير السياج المقام خلافا لتلك الحدود، تطبيقا لنص المادة 703 من القانون المدني.
لكنه ومع ذلك ، فان استجابة المحكمة لهذه الطلبات الموضوعية ، يبقى متوقفا بالدرجة الأولى على إثبات صاحب الطلب لصفته في تقديمها، وعلى وجه التحديد، إثبات علاقته بالعقار المطالب بحمايته، على الوجه السابق بيانه، بمناسبة دراسة الشروط العامة للدعوى، وهو ما ذهب إليه الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا، في قرارها الصادر بتاريخ 28/3/2001 تحت رقم 206483، الذي صرحت من خلاله على أن :” الحق في رفع دعوى لفرض احترام المسافة المقررة قانونا لفتح المطلات مخول للمالك فقط “.
النوع الثاني: طلبات اجرائية:
يعد الطلب اجرائيا، متى كان يرمي إلى الى اثارة اية مسالة من المسائل الاجرائية، كوقف الخصومة، أو قطعها أو تركها ، أو سقوطها ، أو إعادة السير فيها، أو تأجيلها، أو ضم الخصومات وفصلها، وهي في مجملها طلبات تأتي على شكل دفوع، إعمالا لنص المادة 49 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
النوع الثالث: طلبات الإثبات:
يعد الطلب متعلقا بالاثبات متى كان يرمي إلى إجراء تحقيق في الدعوى، الذي يتم من خلاله سماع طرفيها، وشهود كل منهما ، حول واقعة قانونية معينة، أو انتقال المحكمة رفقة الأطراف، إلى أماكن النزاع من أجل التحقق من وقائع بعينها ، أو تعيين خبير للقيام بخبرة في مسائـل متنازع فيها ، مندرجة ضمن مجال اختصاصه، كما يكون هذا النوع من الطلبات متعلقا بتوجيه اليمين الحاسمة ، وقد لا يتوقف مفهوم الطلب القضائي عند هذا الحد ، بل يمتد أحيانا حتى لبعض الدفوع ،كما هو عليه الحال بالنسبة للطلب الرامي إلى الحكم بعدم الاختصاص، والذي لا يعد في واقع الأمر سوى دفع شكلي.

2) المفهوم الضيق للطلبات القضائية:
وفقا لمقتضيات نص المادة 25/01 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فالطلب القضائي بمفهومه الضيق، يعبر عن المسلك الإيجابي المتخذ من المدعي، والذي يعلن من خلاله رغبته في الحصول على صورة معينة من صور الحماية القضائية، وذلك إما لحق أو لمركز قانوني مدعى به من طرفه، وتبعا لذلك فان هذا المسلك الإيجابي، هو الذي يميزه في واقع الأمر عن الدفوع المقدمة من طرف المدعى عليه في الدعوى، وهي بهذا تعبر عن مسلك دفاعي، وذلك إلى جانب أن الطلب القضائي، يختلف عن باقي المسائل الأخرى، التي يقوم الخصوم بطرحها على المحكمة لا للفصل فيها، ولكن للفصل في الطلب الأصلي.
هذا وينطبق هذا المفهوم الضيق للطلب، على كل الطلبات القضائية الفرعية، التي يستدعي النزاع القائم بين الطرفين وجودها، كالطلب الرامي إلى إجراء تحقيق ، يتم من خلاله سماع الخصم، وبالتالي فأي نزاع ينشأ بين الطرفين بشأنه، يؤدي إلى وجود خصومة قضائية فرعية، وعلى العكس من ذلك فلو كان الطلب متعلقا بسماع الخصم، ولم تنشأ عنه أية خصومة قضائية فرعية بين الطرفين، بل كان يرمي مثلا إلى الحصول على أمر بإثبات حالة واستجواب ، فانه يسمى في هذه الحالة بالطلب الولائي لا بالطلب القضائي.
وإذا كانت هذه الطلبات الولائية، ليست هي الوسيلة التي حددها المشرع لممارسة الدعوى، فما يهمنا هنا هي الطلبات القضائية، لأنها هي التي تؤدي ذلك الدور، وبحسه فهي تنقسم إلى عدة أقسام.

ب) أنواع الطلبات القضائية:
يختلف تقسيم الطلبات القضائية، باختلاف المعيار المستند إليه في تقسيمها، فيما إذا كان متعلقا بترتيب تقديمها، أو بصورة الحماية المطلوبة ، أو بعلاقتها ببعضها البعض ، أو بالتزام المحكمة
بالفصل فيها ، أو بالصيغة المقررة لصدورها.

1) تقسيم الطلبات القضائية وفقا لمعيار ترتيب تقديمها :
يجد هذا المعيار سنده القانوني، بالمادة 25/01 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، حيث نص على ادعاءات الطرفين بالترتيب، فذكر الادعاءات الواردة في عريضة افتتاح الدعوى، قبل ذكر الادعاءات الواردة بمذكرات الرد، ووفقا لهذا الترتيب فالطلبات القضائية، تنقسم إلى طلبات أصلية وطلبات عارضة.
**الطلبات الأصلية:
بمقتضى نص العبارة القائلة:(الادعاءات التي يقدمها الخصوم في عريضة افتتاح الدعوى) الوارد بالمادة 25/01 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فالطلبات الأصلية ما هي إلا عبارة عن تلك الطلبات التي يتم بموجبها افتتاح الخصومة، أي الطلبات الوارد بالعريضة الافتتاحية للدعوى، وذلك بصرف النظر عن وحدتها أو تعددها، وبصرف النظر أيضا عن وحدة أو تعدد الأطراف المقدمة لها.
**الطلبات العارضة:
يستخلص من عبارة:(ومذكرات الرد) الوارد بالمادة 25/01 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وأن الطلبات العارضة، ما هي إلا عبارة عن تلك الطلبات المقدمة من الخصوم في وقت لاحق، عن الطلبات المقدمة بعريضة افتتاح الدعوى، وهي في مجملها لا تقدم من أحد الخصوم إلا أثناء سير الخصومة، شأن الطلب المتعلق بقطع الخصومة لوفاة أحد أطرافها على سبيل المثال.

2) تقسيم الطلبات القضائية وفقا لمعيار صورة الحماية المطلوبة:
وتنقسم الطلبات القضائية وفقا لهذا المعيار، إلى طلبات موضوعية، وطلبات وقتية.
** الطلبات الموضوعية:
إذ كانت الطلبات الواردة بالعريضة الافتتاحية للدعوى، ومذكرات الرد، ترمي إلى تقرير حق أو تغييره، أو إنشائه، أو إلزام الخصم به، سميت بالطلبات الموضوعية، لأن صورة الحماية المطلوبة بموجبها تتناول الحق التنازع فيه.
** الطلبات الوقتية:
متى كانت الطلبات الواردة بالعريضة الافتتاحية للدعوى، وكذلك مذكرات الرد، ترمي إلى مجرد الحصول على أمر باتخاذ تدبير وقتي، يهدف إلى حماية الحقوق المتنازع فيها، لحين حصول الحماية الحاسمة لتلك الحقوق، بموجب حكم في الموضوع، سميت بالطلبات الوقتية، لأن صورة الحماية المطلوبة بموجبها، لا ترمي لا إلى إقرار حق، ولا إلى تغييره ولا إلى إنشائه ولا إلى إلزام الخصم به، بل ترمي إلى اتخاذ إجراء بحمايته ليس إلا.
3) تقسيم الطلبات القضائية وفقا لمعيار علاقتها ببعضهما البعض :
تنقسم الطلبات القضائية وفقا لهذا المعيار، إلى طلبات أساسية وطلبات فرعية.
** الطلبات الأساسية:
تتعلق الطلبات الأساسية بكل الطلبات الرامية إلى الحصول على حق، يمكن تصور وجوده بصفة مستقلة، وهي على هذا الأساس تنصب على جميع الحقوق القابلة للمطالبة القضائية، أي تلك المحمية بمقتضى نص قانوني.
**الطلبات الفرعية:
خلافا للطلبات الأساسية، فالطلبات الفرعية ترمي إلى الحصول على الحقوق، التي لا يمكن تصور وجودها، إلا مع الطلب الأساسي بصفته عنصرا من عناصر الحق الأصلي، كالطلب الفرعي الرامي إلى التعويض عن الاستئناف التعسفي، إعمالا لنص المادة 347 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فهو طلب لا يمكن تصوره إلا مع الطلب الأساسي الوارد في عريضة الاستئناف مثلا.

4) قسيم الطلبات القضائية وفقا لمعيار التزام المحكمة بالفصل فيها :
وفقا لهذا المعيار تنقسم الطلبات القضائية ، إلى طلبات رئيسية وطلبات احتياطية.
** الطلبات الرئيسية:
تتعلق الطلبات الرئيسية، بتلك الطلبات القضائية الواردة في العريضة الافتتاحية للدعوى، التي تكون المحكمة ملتزمة بالفصل فيها ابتداء، فان تضمنت العريضة الافتتاحية للدعوى على سبيل المثال، إلزام المدعى عليه بتنفيذ العقد القائم بين الطرفين، وان تعذر ذلك التصريح بفسخه مع التعويض عن الضرر الناجم للمدعي من جراء ذلك، إعمالا لنص المادة 119 من القانون المدني، فالفصل في طلب فسخ العقد وطلب التعويض يبقى متوقفا على الفصل في طلب تنفيذ العقد، بما يعني وأن المحكمة هنا تكون ملزمة بالفصل ابتداء في طلب تنفيذ العقد، فان قبلته صرفت النظر عن الفصل في طلب الفسخ مع التعويض، وعلى هذا الأساس يكون طلب تنفيذ العقد هنا طلبا رئيسيا.
** الطلبات الاحتياطية:
تتعلق الطلبات الاحتياطية بتلك الطلبات التي لا تلتزم المحكمة بالفصل فيها، إلا عند تصريحاتها برفض الطلبات الرئيسية شكلا وموضوعا، فان صرحت مثلا برفض طلب تنفيذ العقد في المثال السابق، انصرفت إلى الفصل في طلب الفسخ، ثم طلب التعويض وهكذا.

5) تقسيم الطلبات القضائية وفقا لمعيار صيغة صدورها:
تنقسم الطلبات القضائية وفقا لهذا المعيار، إلى طلبات صريحة وطلبات ضمنية.
**الطلبات الصريحة:
تتعلق الطلبات الصريحة بكل الطلبات المقدمة بصيغة صريحة جازمة، والتي لا يمكن مع قيام تلك الصيغة خضوعها لأي تفسير أو تأويل، حال الطلب الرامي مثلا إلى فك الرابطة الزوجية القائمة بين الطرفين بالطلاق، فهو طلب صريح لا يحتمل معه اللجوء إلى تأويله أو تفسيره بأي وجه من الأوجه.
**الطلبات الضمنية:
خلافا للطلبات الصريحة فالطلبات الضمنية، هي تلك الطلبات التي تنطوي عليها الطلبات الصريحة بطريق اللزوم العقلي.

الفرع الثاني :
عناصر الطلبات القضائية
إذا كان الطلب القضائي، ما هو إلا عبارة عن استعمال الحق في إقامة الدعوى، فانه قد يتضمن ادعاءا قانونيا، يتم عرضه على المحكمة، بغرض الحصول على الحماية القضائية له، وهو ادعاء عادة ما يتألف من أشخاص وموضوع وسبب.

أولا: أشخاص الطلب القضائي :
تثير دراسة هذا العنصر من عناصر الطلب القضائي مسالتان أساسيتان، تتعلق أولاهما بتحديد المقصود بأشخاص الطلب القضائي، فيما تتعلق الثانية بأهمية تحديد المركز القانوني لكل طرف من أطراف الخصومة.

فقرة أولى:
تحديد المقصود بأشخاص الطلب القضائي:
يجد هذا العنصر سنده القانوني، بنص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 15 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، التي نصت على أن العريضة الافتتاحية للدعوى- وهي السند الذي يتم بموجبه عرض الطلب القضائي على المحكمة- لا تكون مقبولة ما لم تتضمن مجموعة من البيانات وفي مقدمتها:(اسم ولقب المدعي وموطنه، واسم ولقب وموطن المدعى عليه).
وبحسبها فأشخاص الطلب القضائي يقصد بهم الخصوم، لأن كل ادعاء يتم عرضه على أية جهة قضائية، إنما هو ادعاء يقدم من شخص يسمى المدعي، وذلك في مواجهة شخص آخر يسمى المدعى عليه، وعلى هذا الأساس فكل طلب مقدم من شخص ، ومن دون أن يكون موجها إلى شخص آخر، لسماع أقواله ودفوعه وطلباته، كالطلبات الرامية إلى استصدار الأوامر على ذيل العرائض مثلا، لا يعد طلبا قضائيا بهذا المفهوم.
وتأسيسا على ذلك فان مركز كل خصم بصفته مدعيا أو مدعى عليه، يبقى متوقفا على مركزه في الخصومة، أي بحسب ما إذا كان هو مقدم الطلب ، أو أن الطلب مقدم في مواجهته، وذلك بقطع النظر عن مركزه بشأن الحق المتنازع فيه، فيما إذا كان إيجابيا أو سلبيا، لأن مركز المدعي وان كان في العادة يكون إيجابيا فهو أمر نسبي ، طالما أن ذلك المركز قد يكون سلبيا، مثلما هو عليه الحال في دعوى التقرير السلبية، ودعوى قطع النزاع.
وفي ضوء هذا المفهوم، فلا يمكن لهذا الطرف أو ذاك ، أن يكون مدعيا ومدعى عليه بالنسبة لذات الطلب، ومع ذلك فان هذه القاعدة ، لا يمكنها أن تحول دون وجود هذا الطرف أو ذاك مدعيا في طلب، ومدعى عليه في طلب آخر، ومن أهم الصور العملية لذلك، قيام المدعى عليه بتقديم طلبات مقابلة ، بحيث يكون مدعى عليه بالنسبة لطلبات خصمه الواردة بالعريضة الافتتاحية للدعوى ، فيما يكون مدعيا بالنسبة للطلبات المقابلة، التي تقدم بها في مواجهة المدعي الأصلي، وهي أحكام قد نص عليها المشرع بمقتضى المادتين 25 و337 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المقابلتين للمادتين 04 و103 من قانون الإجراءات المدنية.

فقرة ثانية:
أهمية تحديد المركز القانوني لأشخاص الطلب القضائي:
لعل مسألة تحديد المركز القانوني لكل طرف في الخصومة، فيما إذا كان مدعيا أو مـدعى عليه، إنما هي مسألة تكتسي أهمية بالغة، لاسيما بالنسبة لإعمال القواعد الإجرائية المتعلقة بالحضور والغياب، وكذلك الحال بالنسبة لإعمال القواعد المتعلقة بعوارض الخصومة أو بالاختصاص الإقليمي، أو ببعض شروط قبول الدعوى، إذ أن تطبيقها يكون مختلفا بالنسبة للطرفين.

أ) بالنسبة لإعمال قواعد الحضور والغياب:
يمكن التمييز فيما يتعلق بإعمال هذه القواعد، بين المركز القانوني للمدعي والمركز القانوني للمدعى عليه.
1) إعمال قواعد الحضور والغياب بالنسبة للمدعي:
إذا كان نص المادة 35 من قانون الإجراءات المدنية القديم، قد نص صراحة على أن غياب المدعي أو وكيله في اليوم المحدد للجلسة، يؤدي إلى شطب الدعوى بحالتها، فان المشرع وبمقتضى نص المادتين 289 و290 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، قد ميز في مجال إعمال قواعد الحضور والغياب بالنسبة للمدعي بين حالتين:
الأولى: تتعلق بغياب المدعي لسبب مشروع:
نصت المادة 289 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه:(إذا لم يحضر المدعي لسبب مشروع،جاز للقاضي تأجيل القضية إلى الجلسة الموالية لتمكينه من الحضور)، وبحسبها فانه لا يترتب عن غياب المدعي لسبب مشروع، إصدار حكم بشطب الدعوى، مثلما هو مقرر بالمادة 35 من قانون الإجراءات المدنية القديم، بل أن هذا النص قد أجاز للقاضي تأجيل القضية إلى جلسة أخرى، لتمكينه من الحضور والدفاع عن حقوقه في الخصومة، وذلك من دون أن يكون المدعى عليه مخولا بمطالبة الفصل في الدعوى.
الثانية: تتعلق بغياب المدعي دون سبب مشروع:
نصت المادة 290 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه:(إذا لم يحضر المدعي دون سبب مشروع، جاز للمدعى عليه طلب الفصل في موضوع الدعوى، ويكون الحكم في مثل هذه الحالة حضوريا)، وبمقتضاه فان غياب المدعي من دون سبب مشروع، يترتب عنه قيام حق المدعى عليه في أن يطالب بالفصل في الدعوى، ومتى استجابت المحكمة لذلك، فان حكمها في هذه الحالة يأخذ وصف الحكم الحضوري، وهو الوصف الذي يحول دون الطعن في ذلك الحكم بطريق المعارضة، الذي لم يجزه القانون إلا بالنسبة للأحكام الغيابية.

2) إعمال قواعد الحضور والغياب بالنسبة للمدعى عليه:
نصت المادة 35 من قانون الإجراءات المدنية على أنه (..إذا لم يحضر المدعى عليه أو محاميه أو وكيله في اليوم المحدد، رغم صحة التبليغ يقضي في غيبته)، وبحسبه فغياب المدعى عليه أو محاميه، أو وكيله في اليوم المحدد للجلسة رغم صحة تبليغه، يقضى في الدعوى في غيبته،بالاستجابة إلى طلبات خصمه في معظم الأحيان، ويكون هذا النص قد جعل من الحكم في الدعوى في هذه الحالة، بمثابة جزاء يوقع على المدعى عليه المتغيب رغم تكليفه بالحضور تكليفا صحيحا.
وخلافا لذلك فالمشرع من خلال نص المواد 292 إلى 295 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية ، قد ميز أيضا بين حالتين:
الأولى: تتعلق بالمدعى عليه غير المبلغ شخصيا:
نصت المادة 292 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، على أنه:(إذا لم يحضر المدعى عليه أو وكيله أو محاميه، رغم صحة التكليف بالحضور، يفصل القاضي غيابيا)، وبحسبه فالمشرع ومع اعتداده بمقتضى نص المواد 406 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، بصحة التبليغات التي تتم على سبيل المثال للوكيل المعين من الخصم، أو لتلك التي تتم في موطنه الأصلي لأحد أفراد عائلته المقيمين معه، أو التي تتم في موطنه المختار وغيرها من الحالات، فانه لم يعتد بهذا التبليغ في إقامة الحجة على حصول العلم اليقيني للخصم بجلسات المحكمة، لذلك اعتبره في حكم الخصم المتغيب عن تلك الجلسة، لذلك أجاز له وبحكم المادة 294 من نفس القانون الطعن فيه بطريق المعارضة، بما يحفظ له الحق في التقاضي على درجتين.
الثانية: تتعلق بالمدعى عليه المبلغ شخصيا:
نصت المادة 293 من هذا القانون على أنه:(إذا تخلف المدعى عليه المكلف بالحضور شخصيا أو وكيله أو محاميه عن الحضور، يفصل بحكم اعتباري حضوري)، وبموجبه فالتبليغ الشخصي، يشكل حجة على العلم اليقيني للخصم بتاريخ الجلسة، وهو بذلك يعد حاضرا في نظر القانون، بصرف النظر عن حضوره الجلسة من عدمه، لذلك لم يجز له المشرع الطعن في الحكم الصادر في الدعوى بطريق المعارضة، إعمالا لنص المادة 295 من قانون الإجراءات المدنية، وبالتالي فلم يبق له سوى الطعن فيه بطريق الاستئناف، ومن دون أن يكون له حق الاحتجاج بالإخلال بحقه في التقاضي على درجتين.

ب) بالنسبة لإعمال القواعد المتعلقة بعوارض الخصومة:
قد يتوقف إعمال بعض القواعد المتعلقة بعوارض الخصومة، على المركز الذي يشغله الخصم، فيما إذا كان مدعيا أو مدعى عليه، ذلك أن إعمال القواعد المتعلقة بإنهاء وقف الخصومة، بعد الفصل في طلب رد القاضي مثلا، تتوقف على الخصم الآخر غير المقدم لطلب الرد، لأن الخصم الذي تقدم بهذا الطلب، هو الملزم بإعادة السير في الدعوى بعد الفصل في طلب الرد من طرف الجهة القضائية المختصة، وإلا حق لخصمه المطالبة بسقوطها تطبيقا للمادة 218 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
وقد لا يتغير الوضع بالنسبة لإعمال القواعد المتعلقة بانقطاع الخصومة، فالخصم الذي قام به سبب هذا انقطاع، أو من يقوم مقامه عند فقدانه الأهلية، وكذلك الحال بالنسبة لمن يقوم مقام من زالت عنه الصفة، يكون هو الخصم المعني بإعادة السير في الخصومة، دون خصمه الآخر، وقد يعين الخصم المعني بإجراءات إعادة السير في الخصومة من طرف المحكمة، ومن تم فان تقاعس في ذلك ، كان لخصمه الآخر، أن يتمسك بشطب القضية، أي اصدر حكم بإنهاء الخصومة، إعمالا للمادة 216 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
كما أن إعمال القواعد المتعلقة بسقوط الخصومة على سبيل المثال، في ضوء مقتضيات المادة 220 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية القديم، يبقى مقتصرا على المدعى عليه دون المدعي، وذلك خلافا لما هو مقرر بالمادة 222 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، التي لم تفرق في الطالبة بالسقوط بين المدعي والمدعى عليه.

3) بالنسبة لإعمال القواعد المتعلقة بالاختصاص الإقليمي:
إذا كانت قواعد الاختصاص الإقليمي كمبدأ عام غير متعلقة بالنظام العام، فذلك يعني أنه لا يجوز للقاضي إعمال هذه القواعد من تلقاء نفسه، ومن تم الحكم بعدم الاختصاص لذلك فان حدث وأن رفعت الدعوى أمام جهة قضائية غير مختصة إقليميا، فان قيام القاضي بإعمال قواعد هذا الاختصاص الإقليمي، يتوقف على المركز القانوني الذي يحتله الخصم المدعى عليه كمبدأ عام، واستثناء من هذا المبدأ، فقد يتوقف إعمال هذه القواعد، على المركز القانوني الذي يحتله المدعي، مثلما هو عليه الحال في دعاوى النفقة، متى كان الدائن بها هو المدعي، وهي ذات الأحكام التي تسري، على القاعدة المتعلقة بعدم جواز الجمع بين دعوى الحيازة، ودعوى الملكية.

4) بالنسبة لإعمال القواعد المتعلقة ببعض شروط الدعوى:
قد لا يختلف الأمر، بالنسبة لإعمال القواعد المتعلقة، ببعض الشروط العامة لقبول الدعوى، لاسيما تلك المتعلقة بأهلية التقاضي، أي مدى صلاحية الخصم الذي يكون مدعيا أو مدعى عليه للتقاضي، بحيث يتعين أن يكون كلا منهما حائزا لها، طيلة إجراءات سير الدعوى إلى غاية الفصل فيها، إذ لا يجوز لشخص متوفى، أن يكون مدعيا أو مدعى عليه، كما لا يجوز لشخص اعتباري أن يحتل أحد هذين المركزين، إلا إذا كان متمتعا بأهلية التقاضي، أي متى كانت له الشخصية الاعتبارية، وإذا زالت تلك الأهلية لهذا الطرف أو ذاك أثناء سير الدعوى، لأي عارض من عوارض الأهلية،فهو أمر يؤدي إلى انقطاع الخصومة، وذلك إلى غاية إعادة السير فيها من طرف كل ذي
مصلحة فيها
ومع ذلك فان إعمال القواعد المتعلقة بالشروط الخاصة لبعض الدعاوى، كرفع الدعوى قبل انقضاء مدة معينة، ومنها رفع دعوى الحيازة قبل مرور سنة عليها، وهي في مجملها قواعد يتم إعمالها من طرف المدعى عليه دون المدعي.

ثانيا: محل الطلب القضائي :
ينصرف مفهوم الإدعاء الكامن في الطلب القضائي إلى التعبير عن محل الدعوى، أي عن المنفعة الاقتصادية أو الاجتماعية التي يرغب صاحب الطلب في الحصول عليها بموجبه، وبذلك فان محل هذا الطلب يتألف من ثلاثة عناصر أساسية.

أ) القرار القضائي:
وهو القرار الذي يرغب صاحب الطلب ، استصداره من القاضي ، والذي من شأنه أن يقرر له الحماية القانونية بشأن الحق المدعى به من طرفه، وهو قرار عادة ما يكون متعلقا إما بتقرير حق، و إما بإنشائه، و إما يكون متعلقا بإلزام خصمه بالقيام بعمل، أو بالامتناع عنه، أو باتخاذ هذا الإجراء أو ذاك، أو بأداء شيء معين، وغير ذلك من أنواع الحماية.

ب) الحق المطلوب حمايته :
ينصب هذا العنصر على الحق المطالب بحمايته، فالدعوى التقريرية التي يرفعها المدعي، قد يهدف من ورائها الى تقرير حق الملكية على عقار، أو على أي حق عيني عقاري آخر متفرع عنه، وكذلك الأمر بالنسبة لدعوى بطلان العقد، التي لا ترفع لإنشاء حق، بل لتقريره، طالما أن المصلحة فيهـا، ليست مستمدة من الاعتداء على الحق، بل تكمن في اتقاء الاعتداء عليه في المستقبل.

ج) محل الحق:
يشكل محل الحق عنصرا من عناصر الطلب القضائي، إذ أن هذا الأخير قد يهدف الى تقرير حق عيني عقاري،كحق ملكية عقار بعينه، وما يتفرع عنه من حقوق، كحق الانتفاع، وتخصيص الارتفاقات الإيجابية والسلبية، وغيرها من الحقوق الواردة عليه، كالفصل بينه وبين الأملاك العقارية المتلاصقة معه، ووقف الأعمال الجديدة القامة فوقه، فيما أن الهدف من الطلب، قد يكون تقرير الحق على مال منقول كتسليم بضاعة أو الوفاء بثمنها.
وتأسيسا على ذلك، فإذا ما أردنا المقارنة، بين الدفع والطلب القضائي، لا اتضح لنا بأن هذه العناصر، هي التي تميز الطلب القضائي عن الدفع ، فعلى سبيل المثال أن محل الدفع، ليست المنفعة الاقتصادية أو الاجتماعية، التي ينطوي عليها الطلب القضائي، بل أنها تبقى منحصرة في مجرد منع صدور حكم في الطلب ليس إلا، مما يستتبع اختلاف الآثار المترتبة عن كل منهما.

ثالثا: سبب الطلب القضائي :
يتعلق سبب الطلب القضائي، أي سبب الدعوى، بمجموع الوقائع القانونية، التي يتولد عنها
الحق المدعى به، إذ أن الطلب المنصب على تقرير حق الملكية، يجد سببه في عقد الملكية المحتج به، أو في التقادم المكسب للعقار ، أو في الميراث ، بما يعني تعلقه بطرق اكتساب الملكية العقارية، فيما أن سبب هذا الطلب، قد يقوم على الوقائع المشكلة للفعل غير المشروع، الذي أتاه المدعى عليه، وفي الأضرار الناجمة عنه لصاحب الطلب ، والتي تولد عنها حقه في المطالبة بجبرها.
ويلاحظ بأن سبب الطلب القضائي، يلعب دورا في إقرار الحماية المطلوبة، يما يعني وأن سبب الطلب القضائي متى كان غير مشروع، فانه لا يمكنه في أي حال من الأحوال، أن يؤدي الى الحصول على أية حماية، ومن ذلك الطلب القضائي، الذي يرمي من ورائه صاحبه الى الحصول على فائدة قليلة، بالمقارنة مع الضرر الذي يتسبب فيه لخصمه، فهو طلب ينطوي على سبب غير مشروع، من شأنه أن يشكل سببا مشروعا لخصمه، في تقديم طلب قضائي في مواجهته، لتعويض الأضرار التي تسبب له فيها بموجبه، في إطار فكرة مبدأ التعسف في استعمال الحق، وهو طلب قضائي يجد أساسه القانوني في المادة 124 مكرر من القانون المدني.
لكنه ومع ذلك، فسبب الطلب القضائي، يختلف عن وسيلة الدفاع المتمسك بها من طرف مقدمه، فان كان الطلب القضائي مثلا، يرمي إلى إلزام الخصم بالوفاء بثمن المبيع، فسببه هو عقد البيع، فيما أن وسيلة الدفاع المعتمدة هنا من المدعي، تكمن إما في ورقة العقد ذاتها، و إما في إقرار الخصم، و إما في شهادة الشاهد، وإما في القرينة القانونية، وغيرها من الوسائل الأخرى، تبعا لطبيعة الحقوق المتنازع عليها، والوسائل التي حددها القانون لإثباتها.

الفرع الثالث :

آثار الطلب القضائـــي
تتولد عن رغبة مقدم الطلب القضائي الى القضاء، عدة آثار قانونية، البعض منها إجرائي، متعلق في الأساس بالخصومة، والمصدر القانوني لها، هو قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فيما أن بعضها الآخر موضوعي، يتناول الحق المدعى به، والمصدر القانوني لها هو القانون الذي يستمد الحق المطالب بحمايته منه وجوده.

أولا : الآثار الإجرائية :
تنحصر الآثار الإجرائية للطلب القضائي، في الآثار القانونية المتعلقة بالخصومة، سواء ما تعلق منها ببدئها، أو بالمشاركة فيها، أو بتعديلها، أو بإنهائها.

أ) الآثار المتعلقة بنشأة الخصومة :
تقتصر الآثار الإجرائية لنشأة الخصومة، على الطلب القضائي الأصلي، دون الطلبات القضائية العارضة، ذلك أنه وعلى الرغم من أن تقديم الطلب القضائي الأصلي إلى المحكمة، إنما هو في حد ذاته من شأنه أن يؤدي الى نشأة الخصومة، فان هذه الأخيرة ، لا تنعقد في مواجهة المدعى عليه، إلا بإجراء لاحق لتقديم الطلب، وهو الإجراء المتعلق بتبليغه بالعريضة الافتتاحية للدعوى أو حضوره، وفقا لمتطلبات المادتين 18 و19 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، والمواد 13 و22 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية.
وتأسيسا على ذلك فان لم يتم ذلك التبليغ ، ولم يحضر المدعى عليه ، اعتـبرت الخصومة غير منعقدة، وهي مسألة يترتب عنها إصدار حكم فيها بعدم قبولها شكلا، وهو حكم لا يؤدي إلى سقـوط الحق المتنازع فيه، ولا يحول دون حق المدعي، في تقديم طلب قضائي آخر، أمام نفس المحكمة للفصل فيه طبقا للقانون.

ب) اكتساب الأطراف المركز القانوني للخصم :
ترتب على تبليغ المدعى عليه أو حضوره، نشأة الخصومة وانعقادها، وبالتبعية اكتساب كل طرف من طرفيها المركز القانوني للخصم، وهو المركز الذي يبقى كل طرف يتمتع به، إلى غاية الحكم في الدعوى، بما يعني وأن وفاة أحد الأطراف أو تغير أهليته، إنما هو أمر لا يترتب عنه انقضاء الخصومة، بل أن هذه تبقى قائمة في مواجهة الورثة، أو في مواجهة النائب القانوني لمن فقد أهليته، حتى ولو كان موضوع الدعوى، متعلقا بحق غير قابل للانتقال إلى الورثة، وهي نفس الآثار القانونية، التي تسرى على المركز الموضوعي للأطراف، أي عند تصرف أحدهم في الحق المدعى به ، لأن ذلك لا يمكنه أن يؤدي إلى تغيير المركز القانوني لكل منهما .

ج) التزام المحكمة بالفصل في كل الطلب وفي حدوده :
من أهم الآثار القانونية التي تترتب على نشأة الخصومة وانعقادها، هي التزام القاضي بالفصل في كل طلب من الطلبات القضائية الأصلية، وكذلك الأمر بالنسبة للطلبات العارضة المقدمة له، وإلا كان بصدد إنكاره للعدالة، ويكون بذلك عرضة لدعوى مخاصمته، في ضوء الإجراءات المذكورة.
غير أن ذلك لا يعني، بأن القاضي يكون ملزما، بالفصل في موضوع الطلب القضائي طالما أن هذه القواعد الإجرائية الملزمة، قد يتطلب إعمالها، إصدار حكم بإنهاء الخصومة دون الفصل في موضوع الطلب القضائي، ولا يندرج ذلك ضمن الأسباب المؤدية لإنكار العدالة.
لكنه ومع ذلك يجب التذكير إلى أنه وبحكم هذه الآثار، وفي حالـة تعدد الطلبات، فالقاضي يكون ملزما بالفصل فيها كلها، وفي نطاق حدودها، لأن إغفال الفصل في البعض من تلك الطلبات، وكذلك الأمر بالنسبة للفصل فيما لم يطلب، أو الفصل بأكثر مما طلب، إنما يشكل سببا من أسباب التماس إعادة النظر، إعمالا لنص المادة 194 من قانون الإجراءات المدنية القديم، وسببا من أسباب النقض طبقا للمادة 358 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، للتصريح بإلغاء قضائه.

د) نزع الاختصاص عن سائر المحاكم الأخرى:
مما لاشك فيه بأن تقديم الطلب القضائي إلى جهة قضائية مختصة، إنما هي مسألة يترتب عنها نزع الاختصاص بالحكم في الطلب نفسه، عن أية جهة قضائية أخرى، حتى عند ثبوت اختصاصها للفصل في ذلك الطلب القضائي، بحيث يتعين في مثل هذه الحال، إعمال القواعد المتعلقة بالدفع بوحدة الموضوع والارتباط المنصوص عليها بالمواد 53 إلى 58 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ومن تم قيام الجهة القضائية الأخيرة التي رفعت إليها الدعوى، أن تصدر حكما بالتخلي عن الفصل فيها، لصالح الجهة القضائية الأولى التي رفعت إليها الدعوى.
غير أنه ومع ذلك فقد جرى العمل القضائي ، على إعمال القواعد المتعلقة بوقف الفصل في الخصومة اللاحقة، لحين الفصل في الخصومة السابقة، وذلك تفاديا لصدور أحكام متناقضة، بين نفس الأطراف وحول نفس الحقوق المتنازع فيها، وهي مسألة قد تجد أساسا قانونيا لها بنص المادة 213 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
وإذا كان القاضي ملزما بالفصل في الطلبات القضائية المقدمة له، فان اختصاصه النوعي أو الإقليمي يبقى مرهونا بتاريخ تقديم الطلب ، دون أن يتأثر بالظروف اللاحقة ، التي من شأنها التأثير على اختصاصه، بما يعني وأن العبرة في تحديد اختصاص القاضي تكون بقيمة الطلب يوم تقديمه ، ومن دون الاعتداد بالظروف الاقتصادية ، التي تطرأ على هذه القيمة في التواريخ اللاحقة لذلك.

ثانيا : الآثار الموضوعية :
ثمة عدة أثار قانونية، تترتب على تقديم الطلب القضائي إلى المحكمة، وهي في مجملها متعلقة بالرابطة الموضوعية المتنازع عليها، وكذلك الأمر بالنسبة لمختلف الروابط الفرعية المستمدة منها، دون الروابط الوقتية، وهي الروابط التي لا تتأكد في واقع الأمر، إلا إذا كان صاحب الطلب القضائي محقا في تقديمه، الأمر الذي لا يمكن التأكد منه، إلا بعد الفصل في الطلب القضائي، وهي مسألة تترتب عنها عدة آثار قانونية.

أ) قطع التقادم الساري لمصلحة المدعى عليه:
إذا كان القانون، قد أخضع بعض الحقوق للتقادم المسقط، وذلك بعد مرور فترة زمنية معنية، فان الطلب القضائي، الذي يتقدم به الدائن لقبول حقه في تفليسة المدين، أو في توزيع الأموال على الدائنين، أو بأي عمل يقوم به الدائن أثناء مرافعة لإثبات حقه، أو بالتنبيه أو بالحجز، إنما هو أمر من شأنه، أن يؤدي إلى قطع أمد التقادم المسقط، حتى ولو تم رفع الطلب القضائي، إلى جهة قضائية غير مختصة، وذلك تطبيقا لنص المادة 317 من القانون المدني، وبحسبه فتقديم الطلب لجهة غير قضائية لا يؤدي إلى قطع التقادم.
وقد أخذت المحكمة العليا بهذا التوجه، حيث اعتبرت بأن التمسك بانقطاع التقادم، عند اللجوء إلى تحكيم نقيب المحامين، طبقا للمادة 06 من الاتفاق المبرم بين الطاعن والمطعون ضدها، هو تحكيم ليس من شأنه أن يفضي إلى انقطاع التقادم، كما أنه لا يندرج ضمن الحالات المنصوص عليها في المادة 317 من القانون المدني، ومن تم فالنعي على القرار المطعون فيه بالخطأ في تطبيق القانون يعد في غير محله.
وترتيبا على ذلك، فمتى تم قطع التقادم بالمطالبة القضائية يبدأ تقادم جديد، يسرى من
وقت انتهاء الأثر المترتب على سبب الانقطاع، وهو التقادم الذي تكون مدته هي مدة التقادم الأول، وذلك إعمالا لنص المادة 319 من نفس القانون.

ويلاحظ بأن الطلب القضائي، الذي تترتب عنه تلك الآثار القانونية، إنما هو الطلب الموضوعي المنصب على الحقوق المتنازع فيها، حتى ولو كان الحكم الصادر بالفصل فيه، قد صرح برفض الدعوى لعدم انتظام الإجراءات، إما لبطلان العريضة الافتتاحية، وإما لعدم القيام بإجراءات تبليغها، وكذلك الأمر بالنسبة للحكم القاضي بسقوط الخصومة، لعدم الاستمرار فيها، أو الحكم القاضي بعدم قبول الدعوى، لتخلف أحد شروطها.
وخلافا لذلك فالطلب القضائي، الرامي إلى اتخاذ تدبير من التدابير الوقتية، الرامية إلى حماية الحقوق المتنازع فيها مؤقتة، فهو حكم ليس من شأنه ترتيب تلك الآثار القانونيـة، لأن الطلب القضائي الذي أدى إلى صدوره لم يكن يهدف أساسا، إلى الحصول على الحماية القانونية لموضوع الحق المتنازع فيه، وهو نتيجة ذلك لا يندرج ضمن الحالات الواردة بالمادة 317 من القانون المدني.

ب) ثبوت الحق في الأرباح والتعويض :
إذا كان القانون قد أجاز للدائن، أن يطالب بالتعويض أو بالأرباح، التي يكون المدين قد جناها، أو قصر في جنيها، من الشيء الذي يكون قد تسلمه من الدائن، فان ثبوت الحق فيه، يتقرر للدائن ابتـداء من تاريخ المطالبة القضائية، ما لم يكن ثمة تاريخ آخر محدد في القانون، أو الاتفاق، أو العرف.
وتأسيسا على ذلك فالمدين سيء النية، الذي يكون قد تسلم ما هو غير مستحق له، حسب متطلبات المادة 147 من القانون المدني، يكون ملزما برد ما تسلم ، إلى جانب رد الأرباح التي جناها، أو التي قصر في جنيها، إما من يوم تسلمه ما هو غير مستحق له، و إما من اليوم الذي أصبح فيه سيء النية، وفي جميع الأحوال، فانه يكون – على الأقل – ملزما برد الثمار، التي جناها من الشيء الذي تسلمه من يوم المطالبة القضائية.

ج) حلول الطلب القضائي محل الإعذار:
إذا كان القانون، لا يرى ضرورة لإعذار المدين للوفاء بالتزاماته، فان التكليف الذي يتعين توجيهه إليه للوفاء، حتى يصبح مسئولا عن التعويض نتيجة تأخره في تنفيذ الالتزام، إنما يحل محله الطلب القضائي، الذي تترتب عنه نفس النتائج القانونية، وهي أحكام تسري على المدين الذي يتعذر عليه تنفيذ التزام، أو أن تنفيذ ذلك الالتزام، قد أصبح غير مجد بفعل المدين، كما تسرى على المدين الذي يكون محل التزامه، متعلقا بالتعويض الناجم عن العمل غير المشروع، أو أن محل التزامه متعلقا برد شيء يعلم أنه مسروق، أو أنه قد تسلمه دون حق مع علمه بذلك، ونفس الشيء بالنسبة للمدين المصرح كتابة، بأنه لا يرغب في تنفيذ التزاماته، وهي كلها حالات أوردها نص المادة 181 من القانون المدني.

د) عدم نفاذ أي تصرف في مواجهة المدعي :
إذا كان القانون قد أجاز للدائن، استعمال حقوق مدينه بصفته نائبا عنه، فمما لاشك فيه بأن جميع تصرفات المدين الضارة بدائنه، تعد غير نافذة في حق بقية الدائنين الآخرين – على الأقل – من يوم المطالبة القضائية التي تقدم بها أحدهم ، لاسيما إذا كانت تلك التصرفات، قد زادت في التزامات المدين، مما يترتب عنها عسره، وبالتبعية فان اكتسب الغير عقارا ، هو محل مطالبة قضائية ، فان هذا الحق لا ينفذ في مواجهة الدائن المدعي، وبقية الدائنين الآخرين، على اعتبار وأن جميع أموال المدين ضامنة للوفاء بديونه، في ضوء متطلبات المادة 188 وما يليها من:ق.م.
وتطبيقا لهذا النص لاحظت المحكمة العليا، بأن رفض دعوى الطاعن الرامية إلى القضاء بعدم قبول التصرفين المتضمنين الهبتين المتنازع حولهما في حقه باعتباره دائنا، يعد خرقا لأحكام المادتين 191 و192 من القانون المدني، اللتان تجعلان كل تصرف يضر بمصالح الدائن مرفوضا، مما ينجر عنه النقض.

هـ) اعتبار الحق المطالب به متنازعا فيه :
إذا كان القانون، قد منع رجال القضاء والمحامين والموثقين وكتاب الضبط، من شراء الحقوق المتنازع فيها، طبقا للمادة 401 من القانون المدني، فان الحق لا يعتبر متنازعا فيه، إلا من اليوم الذي ترفع فيه دعوى قضائية بشأنه، حسب نص المادة 400 من القانون المدني، أي من يوم تقديم الطلب القضائي، وهي القواعد التي لم يستثن المشرع منها، سوى الحقوق الداخلية ضمن الأموال المباعة جزافا بثمن واحد، أو الحقوق المشاعة بين ورثة شركاء، يكون أحدهم قد باع نصيبه فيها للآخر، أو الحقوق التي تنازل عنها المدين لدائنه وفاء لدين ثابت بينهما، أو الحقوق المترتبة على عقار وبيعت لحائز العقار، وهي الاستثناءات الواردة بنص المادة 401 من القانون المدني.

الفرع الرابـع
الطلــبات الأصليـــــة :
ينصرف مفهوم الطلب القضائي الأصلي، إلى التعبير عن الطلب الذي تفتتح بــه لخصومة، وذلك من دون أن يكون مستمدا من طلب آخر، وهو طلب قد أحاطه المشرع ببعض الضمانات، بعضها متعلق بإجراءات الطلب نفسه، وبعضها الآخر متعلقا بتبليغ المدعى عليه، أو بمواعيد حضوره، لذلك فالأصل أن إبداء الطلب القضائي الأصلي، يكون جائزا في جميع الأحوال، وبالنتيجة فان استجابت المحكمة إلى هذا الطلب القضائي الأصلي، وخسر المدعى عليه بالتبعية الدعوى، وكان له ما يستطيع أن يدفع به، فان الحكم الصادر في الطلب الأصلي، لا يحول وحق المدعى عليه في إثارة هذا الطلب، بموجب دعوى مستقلة وفي صورة طلب أصلي، طالما أن القانون قد منح لكل شخص الحق في استعمال الدعوى، في أي وقت وفي الظروف التي يراها ملائمة لمقاضاة خصمه.

لكنه ومع ذلك، فالطلب الأصلي هو الذي يحدد المحكمة المختصة نوعيا ومحليا، وهو الذي يحدد نطاق الخصومة موضوعا وأطرافا وسببا، وذلك بصرف النظر عما إذا كان واحدا أو متعددا، طالما أنه لا وجود لأي نص قانوني، يمنع المدعي من تصمين عريضة افتتاح دعواه عدة طلبات، وعند ذلك فإنها تعد كلها طلبات أصلية، ومن دون الاعتداد فيما إذا كانت موجهة ضد مدعى عليه واحد أو أكثر، بل كل ما يتطلبه القانون في مثل هذه الحالة، هو قيام الارتباط بين هذه الطلبات الأصلية، حتى يمكن تقديمها بموجب عريضة افتتاحية واحدة.

وتأسيسا على ذلك فان تقدم المدعي بطلبات أصلية، في مواجهة أكثر من مدعى عليه، للمطالبة بدفع بدل الإيجار العالق بذمة كل منهم، فان هذه الطلبات تكون مقبولة، متى كانت العين المؤجرة التي يشغلها هؤلاء المدعى عليهم واحدة، وقد أجرت لهم بعقد إيجار واحد، فيما أنها تكون غير كذلك، فيما لو كانت العين المؤجرة التي يشغلها أحدهم، ليست هي العين المؤجرة التي يشغلها بقية المدعى عليهم، وأن عقد الإيجار المحرر لأحدهم، ليس هو عقد الإيجار المحرر لبقية المدعى عليهم الآخرين، لأن حالات الارتباط بين هذه الطلبات، تكون في هذه الصورة غر قائمة، من حيث الموضوع والسبب والأطراف.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : محاضرات هامة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية / الجزء الثاني