كيف ينظر المحامي موسى حنا عيسى إلى جريمة الإغتصاب

جريمة الإغتصاب حسب القانون السوري

جريمة الاغتصاب في قانون العقوبات السوري والفقه والقضاء ـ المحامي موسى حنا عيسى – محاماة نت
يكثر الجدل في الأوساط الاجتماعية الحقوقية والقانونية حول جريمة الاغتصاب، وأثرها النفسي والمادي، سواء على مَن وقع عليه جرم الاغتصاب أو على المجتمعات التي يتزايد عدد جرائم الاغتصاب فيها. فالاغتصاب يكون دائماً مترافقاً بالعنف بحيث يؤدي إلى أذى جسدي ونفسي، والعنف المقصود في هذا المجال لا يقتصر على الحالة المادية المترافقة بالضرب أو أشكال العنف الجسدي المتعدد، بل يتعداه إلى حالات الإكراه النفسي بمختلف أنواعه .
وتنتشر ظاهرة تسمية أي محاولة لممارسة الجنس مع شخص ما بالاغتصاب، وخاصة في أوساط الناشطين الحقوقيين، حيث يعمل البعض على دراسة الظاهرة من ظاهرها فقط دون الرجوع للقوانين الناظمة، وتبيان مدى تطابقها مع الحالة التي يقدمونها، وتقييم فيما إذا كان الفعل المرتكب يشكل جريمة اغتصاب بالمعنى القانوني أم لا. وفي بلدان تضعف فيها الثقافة القانونية وتنحو باتجاه النشاط القانوني يشكل هؤلاء فيما يسمى رأياً عاماً يكون مخالفاً في الكثير من الأحيان مع القواعد والنصوص القانونية، الأمر الذي يخلق فجوة في المجتمع بين مؤسسة القضاء والقانون وبين مؤسسة أخرى اعتبارية هي الرأي العام، ومن هنا ظهر هذا الجدل. ونحاول في بحثنا هذا التصدي لهذه الظاهرة وللوقوف على رأي قانون العقوبات السوري من جريمة الاغتصاب لابد من التعرض للنصوص القانونية والآراء الفقهية والتطبيقات القضائية في هذا الخصوص، وبيان مدى تطابقها مع بيان أوجه الاختلاف فيها مع روح النص ومقصد المشرع .
وعليه سنعمد إلى تقسيم بحثنا هذا إلى :
– مدخل .
– النص القانوني .
– الرأي الفقهي .
– أحكام القضاء .
– دراسة لمجمل الأقسام السابقة وبيان التطابق والاختلاف .

أولاً : المدخل :
لابد، قبل خوضنا في جريمة الاغتصاب، من تعريف واضح لفعل الاغتصاب .
• المعنى اللغوي : هو اقتضاء شخص ما ليس حقاً له بالإكراه. ومن هنا ينصرف التعريف بالاغتصاب إلى الكثير من الحالات ( اغتصاب عقار – اغتصاب حق فكري – اغتصاب حق تجاري – اغتصاب جسدي ).
وعليه فإن أي فعل يخلو من فعل الإكراه، بالقوة، لا يمكن تسميته بالاغتصاب. ويمكن إدراجه تحت التسميات أخرى ( سرقة – تحرش … الخ ) .
والمقصود هنا بالقوة أو الإكراه يتعدى المقصود به الإكراه أو العنف الجسدي، بل قد يتعداه إلى الإكراه المعنوي مثل ((الابتزاز – الضغط النفسي على المغتصب .. )) فشرط الإيذاء الجسدي ليس متطلباً لتحقيق جرم الاغتصاب، بل يكفي الإكراه سواء كان مادياً أو نفسياً .
فالاغتصاب هو فعل مادي إيجابي يأتيه المغتصب لنيل أو استحواذ ما ليس له من حق، وهو يختلف في بعض جوانبه عن الغصب الذي يكون في بعض حالاته فعلاً سلبياً يجبر فيه المغتصَب على القيام بفعل إيجابي يعود بالفائدة على المغتصِب. وإن كان الفعلان، الاغتصاب والغصب، يلتقيان في الكثير من الحالات، ويؤديان إلى نفس النتيجة، إلا أنهما يختلفان في حالات أخرى من حيث الفعل والسبب والنتيجة .
لذلك يجب عدم الخلط بين الحالتين، بل يجب التفريق بينهما بحيث أنه قد يكون فعل الغصب هو فعلاً يقوم به المغتصِب بإجبار المغتصَب على القيام بفعل يكون من حق المغتصَب، وهنا يمكن أن يدخل تحت تسمية أخرى ( اقتضاء الحق بالذات ) وهو توصيف يختلف عن توصيف الاغتصاب وفق التعريف المذكور أعلاه .
وحيث أن مناط بحثنا هذا هو دراسة جريمة الاغتصاب الجنسي، المترافق بفعل الإكراه بنوعيه المادي والمعنوي، لذلك سنعمد إلى سرد النصوص القانونية المجرّمة لجميع الجرائم الجنسية، وبيان مدى التداخل بين جريمة الاغتصاب وغيرها من الجرائم الأخرى. فلابد من الإلمام بالنصوص القانونية لبيان إمكانية التفريق بين فعل وأخر، وما يمكن أن يدخل ضمن نطاق بحثنا في دراسة جريمة الاغتصاب، وما ليس له علاقة به، رغم أنه يتم الخلط بينها كثيراً وفق ما ذكرناه في المقدمة .
ثانياً : النصوص القانونية :
أورد قانون العقوبات السوري جريمة الاغتصاب في الباب السابع منه والمخصص لبحث الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة وقسمه إلى :
الفصل الأول ( الاعتداء على العرض ) ويشمل :
( 1- الاغتصاب 2- الفحشاء 3- الخطف 4- الإغواء والتهتك وخرق حرمة الأماكن الخاصة بالنساء ) .
الفصل الثاني : الحض على الفجور والتعرض للأخلاق والآداب العامة .
الفصل الثالث : الوسائط المانعة للحمل والإجهاض .
وعليه فإن ما يهمنا في بحثنا هذا هو الجرائم المبينة في الفصل الأول وبيان مدى تداخلها مع جريمة الاغتصاب وما ليس اغتصاباً والتي يعتبرها بعض الناشطين بحكم الاغتصاب .
الباب السابع
الفصل الأول
الاعتداء على العرض
الاغتصاب :
• المادة 489 :
1- من أكره غير زوجه بالعنف أو بالتهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمسة عشر سنة على الأقل .
2- ولا تنقص العقوبة عن إحدى وعشرين سنة إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره .
• المادة 490 : يعاقب بالأشغال الشاقة تسع سنوات من جامع شخصاً غير زوجه لا يستطيع المقاومة بسبب نقص جسدي أو نفسي أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع .
• المادة 491 :
1- من جامع قاصراً لم يتم الخامسة عشره من عمره عوقب بالأشغال الشاقة تسع سنوات
2- ولا تنقص العقوبة عن خمسة عشر سنة إذا كان الولد لم يتم الثانية عشر من عمره .
• المادة 492 : إذا جامع قاصراً متمماً الخامسة عشرة وغير متمم الثامنة عشرة من عمره أحد أصوله شرعياً كان أو كان غير شرعي أو أحد أصهاره لجهة الأصول وكل شخص مارس عليه سلطة شرعية أو فعلية أو أحد خدام أولئك الأشخاص عوقب بالأشغال الشاقة تسع سنوات .
هذه هي النصوص التي أوردها المشرع السوري في قانون العقوبات بخصوص جريمة الاغتصاب، وعليه سنقوم بدراستها، بعد قراءة الرأي الفقهي، وإيراد أحكام القضاء الخاصة بهذا الصدد مع بيان رأينا .
ثالثاً : الرأي الفقهي :
اعتبر فقهاء القانون بأنه لتوافر جريمة الاغتصاب يجب أن تتم فيها مواقعة أنثى بغير رضاها، وذلك بإيلاج عضو التذكير للجاني في قبل المجني عليها، إيلاجاً كلياً أو جزئياً. أي أن الجريمة لا تتوافر إلا بحدوث الوطء الطبيعي. وعليه يعتبر إتيان المرأة في شرجها فعلاً منافياً للحشمة أو هتك عرض. وبناء عليه وضع فقهاء القانون ثلاثة شروط لتحقق جريمة الاغتصاب.
1- الركن الأول : فعل الوقاع أو الوطئ : وهو مواقعة الأنثى بغير رضاها بإيلاج العضو الذكري في مهبل المجني عليها قسماً أو كاملاً ( وطئ طبيعي )، فلا يعتبر الإيلاج في الدبر اغتصاباً، حتى ولو وقع بالإكراه ، فحسب هذا الرأي أنّ الاغتصاب لا يقع إلا من ذكر على أنثى ومن القبل وأن يتم الإيلاج قسماً أو كلاً، وعليه فإكراه ذكر لأنثى على إتيانها في ديرها لا يعتبر اغتصاباً ؟؟؟، وكذلك فإن الوطئ من القبل إذا لم يتم فيه الإيلاج حتى لو كان بالإكراه فهو ليس باغتصاب ؟؟؟. فإذا أكرهت الأنثى من قبل ذكر وقام بإدخال إصبعه في قبلها فإن ذلك لا يعد اغتصاباً ؟؟. فقد اعتبر الرأي الفقهي بأن كل فعل غير الإيلاج، ولو بالإكراه، لا يعتبر اغتصاباً مهما كان منافياً للحشمة. كما أن شرط الإيلاج، بحسب الرأي الفقهي، ليس مقترناً بإنزال السائل المنوي، وعليه لا تقع جريمة الاغتصاب إلا من ذكر على أنثى بغير رضاها. فلا يعتبر اغتصاباً إكراه أنثى لأخرى على ممارسة الجنس. كذلك يجب أن يكون الجاني الذكر قادراً على الإيلاج، فإن لم يكن قادراً، بسبب صغر السن أو لعاهة مرضية، فلا تتم جريمة الاغتصاب، ويمكن اتهامه بجناية هتك العرض .
وتعرّض الفقه لحالة إكراه أنثى لرجل على مواقعتها، واعتبرها لا تندرج تحت وصف جريمة الاغتصاب، وفق التبريرات التالية :
إنّ عدم اعتبارها جريمة اغتصاب لا يرجع إلى طبيعة الفعل أو ركنه المادي، وهو فعل الوقاع، فإن إكراه المرأة للرجل على المواقعة بأي صورة من صور الإكراه، لا يمكن أن يتمّ بدون فعل إيجابي من الرجل. لذلك فإن استثارة غريزته، بأن تخلع ملابسها أو ملابسه أو الاحتكاك به ، والتي أدّت إلى انتصاب قضيبه الذي لن يحصل الإيلاج بدونه، فقد اعتبر الفقه الرجل الذي يتعرض للإكراه والاستثارة من قبل أنثى غير مجني عليه بجناية الاغتصاب لمجرد انتصاب قضيبه وإجراء المواقعة ؟؟؟ وبحسب نفس الرأي فإن الركن المادي للجريمة متوافر كونه واقع من ذكر على أنثى. وعليه فقيام المرأة بإيلاج عضو الذكر في فرجها بعد إكراهه واستثارته فالفعل مادياً يكون مواقعة، إلا أن ركن إكراه المرأة غير متوافر إذ أنها هي من قامت بالفعل بإرادتها لذلك ينتفي ركن الإكراه للمرأة. ولم يشترط الفقه أي صفة في المرأة فالاغتصاب يقع على المومس إذا ما تم جماعها بالإكراه، فهي محمية بالقانون، وكذلك سواء كانت المرأة محلاً للشهوة أو ليست محلاً، لها كما أنه لم يعط اعتباراً لسن المرأة، فالمناط هو أن يقع الاعتداء على جسد المرأة الصالح لذلك .
( موسوعة قانون العقوبات السوري والقوانين المتممة له – الجزء الأول تأليف محمد أديب استانبولي ص1134 – 1138 )
2- الركن الثاني : يحب أن تكون المواقعة غير مشروعة. فلا يعتد بإكراه زوج لزوجته على الجماع، حتى لو كان ذلك في الطلاق الرجعي، باعتبار أن الزوجة ليس لها الخيار في التسليم لزوجها أو عدم التسليم، بل هي مجبرة بعقد الزواج وبحكم الشرع، أي أنها تكون تحت الطلب، وليس لها التمنّع بغير عذر شرعي، وإلا كان له حق التأديب، مع إمكانية مساءلته عن الضرب أو الإيذاء بتوافرها، وتقع الجريمة في حال الطلاق البائن .
وفي حال عدم تمكن الجاني من الإيلاج بسبب لا يد له فيه ( مقاومة الأنثى – دخول أحد الأشخاص )، فإن ذلك يعتبر شروعاً. ويشترط فقط أن يكون الرجل قد أتى عملاً تنفيذياً .
وعليه لا بدّ من التعويل على نيّة وقصد الجاني للتفريق بين جرم الاغتصاب وجرم هتك العرض ، ويُستخلص ذلك من ظروف الحالة وملابساتها ( رفع ثياب المجني عليها أثناء نومها وإمساكه برجليها ، جذب المتهم المجني عليها من يدها ووضع يده على رباط سروالها ، أخذ المتهم المجني عليها عنوة والطلب منها اقتراف القبل معها وتمزيق لباسها وإظهار عورتها ) هذه كلها تعتبر أعمالاً تنفيذية وشروعاً في الاغتصاب .
ويعتبر عدول الجاني عن إتمام جرمه من تلقاء نفسه، بعد أن يكون قد بدأ بالفعل التنفيذي لسبب خاص به لا لأسباب خارجة عن إرادته، فلا يتحقق جرم الاغتصاب مع إمكان توافر جرم أخف بحقه ( هتك عرض بالقوة ) .
(المرجع السابق ص1138 – 1140 )
• الركن الثاني (كما ورد في المصدر) : يجب توافر عدم رضاء المجني عليها، ( جندي عبد الملك مجموعة القواعد ص686 )، لأنه لا اغتصاب إلا بالإيلاج بغير الرضا. أما الإيلاج بالرضا فلا يتحقق فيه جرم الاغتصاب. فاستعمال القوة ركن أساسي للجريمة وعليه فالقوة لا تفترض بل يجب أن يكون واضحاً من الوقائع. وعدم الرضا يتم بأيّ وسيلة كانت سواء بالقوة أو التهديد ( فادعاء المجني عليها بأن رضاها تم عن تهديد لا يصح الأخذ به دون تحفّظ، لأنه كثيراً ما يتضح في حوادث الاتهام بالفسق أن الجماع تم بموافقة المرأة ورضاها، وبعد الحصول على رغبتها الشهوانية، وعندما يعود إليها رشدها، وتخشى عاقبة افتضاح أمرها، تتهم الرجل باستعمال التهديد – جندي عبد الملك مجموعة القواعد الجرائم الجنسية ) .
وكذلك مجرد مباغتة المجني عليها، أو انتهاز فرصة فقدانها لشعورها، أو غيره مما يؤثّر عليها فيعدمها إرادتها ويقعدها عن المقاومة.
ولا يشترط استمرار الإكراه وقت الفعل، بل يكفي استخدامه مادياً كان أو أدبياً. ويعني هذا بأنّه لا يشترط استمرار الإكراه بل استعماله، فتتغلب على إرادة المجني عليها الصحية والعقلية والنفسية، وتختلف باختلاف الظروف الاجتماعية التي تعيشها .
– الإكراه المادي : يشترط فيه لتكوين الجريمة أن يقع على نفس المجني عليها مباشرة، فلا يؤخذ بالإكراه المادي الواقع على أحد ذويها، ولا يعتبر كذلك كسر الأبواب والنوافذ للوصول إلى مكان الأنثى، إذا ما سلمت نفسها بعد ذلك طواعية واختياراً .
– الإكراه الأدبي : يكفي إذا ما كان كافياً لإزالة حرية الرضا والاختيار عن المجني عليها، مثل التهديد بنشر فضيحة تؤذي بسمعة المجني عليها .
وعليه يشترط كي يعد الجاني مغتصباً للأنثى أن يستعمل مع المجني عليها المجنونة ( كما وردت في المصدر ) القوة المادية أو التهديد، ولكن لضعف المجني عليها العقلي، وعدم قدرتها على المقاومة، يجب ألا يتطلب من مفترق الجرم درجة كبيرة من القوة أو التهديد لمعاقبته على جرم موافقة أنثى بغير رضاها .
( موسوعة قانون العقوبات لاستانبولي ج1 ص1141 – 1142 )
3- الركن الثالث : القصد الجنائي وهو : جريمة مواقعة الأنثى بغير رضاها من الجرائم العمدية التي يجب أن يتوافر فيها القصد الجنائي ولا يشترط توافر القصد الجنائي الخلص لمعاقبة مقترف الجرم .
( جندي عبد الملك مجموعة القواعد ص686 )
وقد شدّد المشرع العقوبة بحسب المادة /492/ على مجامعة القاصر الذي لم يتم الثامنة عشر من قبل اللذين تم تعدادهم في المادة. ويقصد بهم من تناسلت منهم الأنثى طبيعياً وخرج عنهم الأصول المتبنين، وكذلك في حالة سلطان الجاني على المجني عليها .
( يمكن مراجعة الدكتور عبيد والدكتور نعال والمحامي راغب عطية )
بهذا نكون قد قدمنا الرأي الفقهي في جريمة الاغتصاب كما ورد في قانون العقوبات السوري، كما ورد هذا الرأي في موسوعة قانون العقوبات السوري لمحمد أديب استنابولي الجزء الأول .
وسنعمد إلى مناقشته بعد الإطلاع على أحكام القضاء المستقرة في قضايا الاغتصاب .
رابعاً : أحكام القضاء :
بعد أن سردنا النصوص القانونية لجريمة الاغتصاب وفق قانون العقوبات السوري . وعرضنا للرأي الفقهي حول تعريف الجريمة وعناصرها وأركانها من وجهة نظر الفقه . سنقوم بسرد بعض الأحكام القضائية الصادرة بهذا الصدد. ولا بدّ لنا أن ننوّه، قبل ذكر هذه الأحكام، من أنّ القضاء السوري أخذ بالرأي الفقهي أساساً لإصدار أحكامه، لذلك سنجد أن جميع الأحكام المذكورة لا تخرج عن الرأي الفقهي الذي عرضناه آنفاً .
• وحيث أن الاغتصاب هو الاتصال الجنسي مع امرأة دون رضاها من قبل ( الفرج ) بطريق الجماع ، والفحشاء هي كل فعل منافي للحشمة يرتكبه شخص ضد أخر بصورة تلحق به عاراً أو تؤذيه في عفته وكرامته .
• إن الفارق الذي يميز جريمة الاغتصاب عن جريمة الفحشاء هو أن الاغتصاب لا يقع إلا من رجل على أنثى أما الفحشاء تقع من أيّ إنسان على أخر رجل أو أنثى .
( نقض سوري – هيئة عامة – جناية 229 قرار 236 ت 1951 )
• (( إن الاغتصاب بمعناه القانوني لا يتم إلا من قبل رجل على امرأة ولا بدّ فيه من أن يتمّ الإيلاج ))
( نقض سوري جناية أساس 1008 قرار 846 تاريخ 3/5/1987 )
• التفريق بين الاغتصاب والفحشاء ( الفعل المنافي للحشمة ) :
(( إن الفارق الذي يميز جريمة الاغتصاب عن جريمة الفحشاء هو أن الاغتصاب لا يقع إلا من رجل على أنثى، أما الفحشاء فتقع من أي إنسان على أخر سواء ذكراً كان أو أنثى. وان هذا التفريق يؤكد أن الاغتصاب المنصوص عليه في المواد 489 – 492 عقوبات لا يطبق إلا في حالة الاعتداء على الأنثى، سواء كانت كاملة الأهلية أم ولداً قاصراً، ويترتب على تحديد جرائم الاغتصاب والفحشاء على ضوء هذا التفريق عدم الالتفات إلى الاجتهادات السابقة المستندة إلى التشريع العثماني الذي حشر جرائم الاعتداء على العرض تحت اسم ( جريمة هتك العرض ). ولما كانت الجريمة موضوع هذه الدعوى مرتكبة من المحكوم عليه ضد غلام قاصر فإنها تستحق العقوبة المبينة في المادة 495 عقوبات )) .
( نقض سوري هيئة عامة – جناية 229 قرار 236 تاريخ 21/4/1951 مذكور جزء من الحكم أعلاه )
• الإكراه الأدبي : يشمل كل نقص نفسي يجعل المعتدى عليها في حالة عجز عن مقاومة الاعتداء .
( نقض سوري جنحة 1530 قرار 3097 تاريخ 30/12/1965 )
• المرأة النائمة تعتبر فاقدة الإرادة وإجراء الفعل معها يجعله مقروناً بالإكراه وينطبق عليه أحكام م 490 عقوبات .
( نقض سوري جناية 683 قرار 549 تاريخ 22/5/1967 )
• إعطاء الخمرة لا يحقق وجود الإكراه المعنوي إلا إذا قصد منه إزالة حرية الرضا لدى المعتدى عليها .
( نقض سوري هيئة عامة جناية 335 قرار 435 تاريخ 5/7/1954 )
• إن زوج الأم يمارس سلطة فعلية على ابنتها القاصر المقيمة معها من حيث الإشراف والاتفاق والرقابة والتربية وان مجامعته لها محكوم بنص المادة 494/1 عقوبات دون شرط اقتران الفعل بالضغط أو الإكراه أو العنف أو التهديد .
( نقض سوري جنحة 229 قرار 447 تاريخ 2/3/1976 )
• إن عدم صراخ أو بكاء أو اشتكاء أو استغاثة الفتاة بعد افتضاض البكارة وسكوتها فترة طويلة عن الأمر الذي أفشاه الفاعل نفسه ينفي وقوع الاغتصاب أو الإكراه أو التهديد .
( نقض سوري جناية 1061 قرار 1381 تاريخ 3/12/1975 )
• إن عدم وجود المادة المنوية أو عدم الإشارة إليها في التقرير الطبي لا يعني عدم وقوع الفعل ، إن الجرم يعتبر واقعاً سواء تم الإيلاج أم لم يتم .
( نقض سوري أحداث 18 قرار 16 تاريخ 24/1/1978 )
• يتم الجرم ولو ظلت البكارة سليمة .
( نقض سوري أحداث 308 قرار 294 تاريخ 21/4/1979 )
• زواج القاصرة واعتيادها على الجماع من قبل زوجها غير مانع من فرض العقوبة على من يعتدي عليها .
( نقض سوري جناية 149 قرار 35 تاريخ 27/1/1960 )
• إذا رافقت البنت المتهم بإزالة بكارتها إلى القربة بعد أن تزينت له وهناك جالسته على مائدة الشراب تعبّ من الخمر وتعطي لنفسها هواها انتفى بذلك الإكراه المعنوي لأن المتهم لم يستعمل في تنفيذ مصيدة الخمرة لإزالة حرية الرضا لدى المعتدى عليها بل أن انتهاء الاجتماع بالوقائع نتيجة طبيعية لمثل العمل الذي ارتضته .
أوردنا فيما سبق بعض أحكام القضاء بصدد جريمة الاغتصاب وهي تعتبر بمجملها تطبيقاً للرأي الفقهي الذي سبق وأن أوردناه في الفصل الثاني من هذا البحث .
كما استعرضنا فيما سبق النصوص القانونية المتعلقة بجريمة الاغتصاب في قانون العقوبات السوري، كما قمنا بعرض الرأي الفقهي مضافاً من ضمنه رأي الكاتب الاستانبولي ، وأوردنا بعض أحكام القضاء السوري بهذا الخصوص، والتي بدا فيها جلياً التزامها كاملاً بالرأي الفقهي، وبناء أحكامها على ما أورده هذا الرأي من قراءة خاصة للجريمة .
وسنعمل على أن نقرأ نحن بدورنا هذه النصوص قراءة متأنية، ونبحث في الرأي الفقهي وما قررته المحاكم من أحكام. ولم نسرد النصوص القانونية الأخرى الواردة في الباب السابع الفصل الأول، مثل الفحشاء والخطف والإغواء والتهتك وخرق حرمة الأماكن الخاصة بالنساء، وكذلك الواردة في الباب الثاني من نفس الفصل والخاص بالحض على الفجور والتعرض للأخلاق والآداب العامة وهو غير متعلق بالاغتصاب. أما ما ورد في الفصل الثالث فهو لا يعنينا في بحثنا، هذا كونه متعلق بالإجهاض والوسائط المانعة للحمل. وعدم سردنا لهذه النصوص سابقاً كان القصد منه عدم التداخل في النصوص، وخاصة أن أغلبها يبدو متداخلاً إن كان من حيث الفعل أو من حيث العقوبة، لذلك سنعمد إلى ذكر كلّ نص على حدا في موضع لزومه، من خلال دراسة الرأي الفقهي وأحكام القضاء، لإبداء مدى تطابقه مع جريمة الاغتصاب من حيث جمع الأركان من وجهة نظرنا، وابتعادها عن وجه الرأي الفقهي والأحكام القضائية . مع وجوب التنويه سلفاً إلى النص الأخير في هذا الفصل وهو نص المادة /508/ ينصّ على ما يلي :
1- إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها أوقفت الملاحقة وإذا كان صدر حكم بالقضية على تنفيذ العقاب الذي فرض عليه .
2- يعاد إلى الملاحقة أو إلى تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجهة أو انقضاء خمس سنوات على الجناية إذا انتهى الزواج إما بطلاق المرأة دون سبب مشرع أو بإطلاق المحكوم به لمصلحة المعتدى عليها .
ولهذا النص قراءته الخاصة التي يجب التوقف عندها ملياً دون تسرع في إعطاءها القيمة الإيجابية أو السلبية، بل يجب أن يكون هناك تحليل دقيق لقصد المشرع، ولذلك سنرجئ بحثه لوقت لاحق وذلك لأهميته وضرورة أن يكون بحثه مستقبلاً .
وعليه سنبدأ بدراسة جريمة الاغتصاب وفق ما أشرنا إليه أعلاه، ولابد من التذكير بالنص المجرّم لهذه الجريمة على حدا دون غيره من النصوص، لنتمكن من قراءته بتأنّ، موضحين فيه قصد المشرع وروح النص ومدى تطابقها واختلافها مع الرأي الفقهي، ومدى مخالفة أحكام القضاء أو تطابقها مع هذه الروح .
م /489/ : 1- من أكره غير زوجه بالعنف أو التهديد على الجماع عوقب بالأشغال
الشاقة خمسة عشر سنة على الأقل .
2- ولا تنقص العقوبة عن إحدى وعشرين سنة إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره .
م /490/ : يعاقب بالأشغال الشاقة تسع سنوات من جامع شخصاً غير زوجه لا يستطيع
المقاومة بسبب نقص جسدي أو نفسي أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع
م /491/ : 1- من جامع قاصراً لم يتم الخامسة عشرة من عمره عوقب بالأشغال الشاقة
تسع سنوات .
2- ولا تنقص العقوبة عن خمسة عشر سنة إذا كان الولد لم يتم الثانية عشر من عمره .
م /492/ : إذا جامع قاصراً متماً الخامسة عشرة وغير متمم الثامنة عشر من عمره أحد
أًصوله شرعياً كان أو غير شرعي أو أحد أصهاره لجهة الأصول وكل شخص مارس عليه سلطة شرعية أو فعلية أو أحد خدم أولئك الأشخاص عوقب بالأشغال الشاقة تسع سنوات .
ففي المادة 489/1 من قراءتها الأولى تتضح لنا الكلمات التالية :
1 – من أكره 2- غير زوجه 3- بالعنف أو التهديد 4- على الجماع .
هذه الكلمات هي جوهر جريمة الاغتصاب والتي لا يستقيم معها وصف أي فعل بالاغتصاب إلا بتوافرها، وعليه لابدّ من البحث في كلّ منها على حدا مع المقارنة مع ما أورده الرأي الفقهي .
1- نبدأ بنوعية وطريقة الفعل وهي الإكراه بالتهديد أو العنف. وهي بنظرنا الركن الأساسي في جريمة الاغتصاب، بحيث أنه بعدم توافر هذا الركن فإنه لا يمكن وصف أي جريمة بأنها جريمة اغتصاب، مع إمكانية إضفاء توصيفات جرمية أخرى كون المشرع قد لاحظها في معرض نصوصه المجرّمة لأفعال أخرى مثل التحرش – الزنا – خدش الحياء … الخ .
أي أن المعوّل عليه الأساسي، لتوافر جريمة الاغتصاب، هو عدم رضاء المجني عليه وإكراهه. وعليه فإن هذا الركن لا يجب افتراضه، بل يجب أن يكون بيّناً وواضحاً بالوقائع المثبتة بشكل لا لبس فيه ولا غموض. وهو ما ذهب إليه الرأي الفقهي واعتمدته المحاكم أساساً في إصدار إحكامها، وهو وجه اتفاق كامل بين وجهة نظرنا ووجهة نظر الرأي الفقهي وأحكام القضاء.
والمقصود بالإكراه في هذا المجال هو كلّ ما من شأنه أن يعدم الإرادة والقدرة على المقاومة، سواء تمّ بوسائل قوة أو بالتهديد، ويدخل ضمن ذلك المباغتة وانتهاز فرصة فقدان الشعور، وكل ما من شأنه أن يؤثر في إرادة المجني عليه وافتقاده المقاومة. وكذلك هو وجه اتفاق بيننا وبين الفقه والقضاء أيضاً .
وينصرف الإكراه إلى الإكراه بنوعيه المادي والمعنوي أو الأدبي إذا كان كافياً لإفقاد المجني عليه القدرة على المقاومة .
ويجب ملاحظة بأنه لا يشترط استمرار الإكراه وفق الفعل، بل يكفي أن يكون قد تم استعماله لافتقار المجني عليه المقاومة، وهي حالة تختلف من حالة إلى أخرى بحسب القوة الصحية أو العقلية أو النفسية أو الظروف الاجتماعية . ونرى بالا يشترط في الإكراه المادي وقوعه على نفس المعتدى عليه مباشرة، ونرى بإمكان وقوعه على الغير ( أحد ذوي المجني عليه ). ونضرب لذلك مثالاً : ماذا لو هدّد شخص شخصاً آخر بأنه سيقوم بقتل شخص مقرب منه وعزيز عليه ، أو الاعتداء عليه، وطلب منه أن يرتكب الجماع معه لقاء الامتناع عن القيام بذلك ؟؟. وإذا تمّ الجماع درءاً لذلك ألا يعتبر ذلك إكراهاً ؟. وهل تستطيع أنثى أن تقاوم هذا الطلب إذا وقع التهديد على زوجها أو ابنها أو والدها أووالدتها وأمام ناظريها؟. وهو ما نخالف فيه الرأي الفقهي الذي اشترط أن يقع فعل الإكراه على المجني عليه مباشرة، دون الاعتداء بالإكراه الذي يقع على ذويها .
لذلك فإن اشتراط وقوع الفعل على نفس المجني عليه من شأنه تضييق نطاق تطبيق نصوص تجريم الاغتصاب. وفي هذا نرى بأن الرأي الفقهي ذهب بعيداً في هذا، وكان عليه أن يضع الحالة ضمن نطاق الاغتصاب وإعطاء التقدير لمحكمة الموضوع لتبيان كل حالة على حدا، وبيان مدى تأثير الإكراه الواقع على المجني عليه بواسطة الغير ومدى إفقاده قدرته على المقاومة ، وعليه فإن تهديد امرأة بقتل ولدها إكراه، ويختلف عن حالة التهديد بقتل جارها أو أحد أقارب زوجها من حيث إفقاد القدرة على المقاومة .
ونستغرب موقف الفقه في هذا الصدد، حيث اعتبر أن الإكراه الأدبي يكفي لسلب المرأة حرية الاختيار والإرادة، كالتهديد بكشف فضيحة هو إكراه يحقق ركن من أركان الجريمة وهو ما نتفق معه فيه، ولا يعترف بأن الإكراه المادي الواقع على أحد ذويها هو إكراه يحقق هذا الركن في جريمة الاغتصاب !!.
وعليه نرى بأن الإكراه بنوعيه المادي والأدبي متى كان كافياً لإزالة حرية المجني عليه ويفقده القدرة على المقاومة، يكون ركناً لتوافر جريمة الاغتصاب، دون اشتراط وقوعه على نفس المجني عليه مباشرة أو على غيره، وهو ما نستنتجه من إطلاق النص الذي جاء فيه : من أكره غير زوجه بالعنف أو التهديد . وهو ما يؤكّد أنّ التهديد قد ينصرف إلى نفس المجني عليه مباشرة أو إلى غيره . وإن الرأي الفقهي ،في قراءته للموضوع، قد خالف روح النص، والمراد الحقيقي للمشرع، وقد سار على نفس نهجه القضاء في هذا الصدد. وهذين الموقفين هما محل نظر نأمل أن يعدلا عنه، لأن في ذلك تضييق لنطاق تطبيق جريمة الاغتصاب التي بدأت تتزايد وخاصة، في المدن النامية والقابلة لسرعة هجرة الريف إليها مع ما يرافق ذلك من تواجد بيئات مختلفة ومتناقضة تؤدي إلى وقوع مثل هذه الأفعال. فالردع وسيلة لتضييق حالات الجريمة .
2- غير زوجه : كلمة زوجه لغة تتصرف إلى كلاً من الزوج والزوجة على السواء، وقد وردت في النص مطلقة، أي يمكن أن يقع الإكراه على غير الزوجة أي من الزوج على غير زوجته وقد يقع من الزوجة على غير زوجها، فالنص جاء مطلقاً دون تحديد .
إذا فجنس من قام بالإكراه غير محدد بنص المادة، وهو اتجاه سليم سلكه المشرع، إلا أن الرأي الفقهي، ومثله القضاء، ذهبا إلى تضييق ذلك وجعله محصوراً بأن يقع من ذكر ( زوج )، وفي ذلك خروج فاضح وواضح على إرادة المشرع وروح التشريع، الذي نرى بأنه قصد من وراء ذلك بان جرم الاغتصاب لا يقع فقط من ذكر بل يمكن أن يقع من أنثى .
وقد كرّس الفقه منهجه هذا بأن سمّى الجريمة جريمة مواقعة أنثى بغير رضاها، رغم أنه لا يوجد في النص ما يوحي أو ما يستدعي إلى مثل هذه التسمية .فهو اعتبر، لكي تتم الجريمة، لابدّ أن تقع من ذكر على أنثى، وأن يتم الجماع بإيلاج الذكر في قبل المرأة. فإن كان الإيلاج في الدبر فإن ذلك لا يعتبر اغتصاباً بل هتك عرض.
الحقيقة أن مثل هذا الرأي يثير استغرابنا واستغراب الكثيرين لعدة أسباب .
1- صراحة النص : لم يحدّد النص صراحة أن يقع الفعل من ذكر، بل ترك الأمر على قدر كبير من الاتساع، فهو يحتمل معنىً أن يقع من أنثى، فكلمة من أكره زوجه تنصرف إلى الذكر كما تنصرف إلى الأنثى، وعليه، برأينا، أنّ جرم الاغتصاب يمكن أن يقع من أنثى على ذكر، كما أنه يمكن أن تقع من أنثى على أنثى، ومن ذكر على ذكر ،ومن ذكر على أنثى، طالما توافرت أركان الجرم من إكراه وجماع ، وفي هذا الأمر تفصيل .
اعتبر الفقه أن الفعل لا يقع من أنثى على ذكر حتى لو توافرت جميع الأركان. وعلل رأيه بأنه حتى لو كانت الأنثى هي من جاءت الرجل من أعلى وتحت التهديد، ورغم كل ما تقوم به الأنثى من إغراء ومحاولات أخرى أدت إلى حدوث الانتصاب، إلا أن فعل الانتصاب هو فعل إيجابي من جانب الرجل. عجباً هل يريد الفقه أن يمارس كل ذلك الإكراه على الرجل ومن ثم يقال بأنه جاء بعمل إيجابي ؟؟؟.
إلا أن الملاحظ أن الفقه بنى جميع آرائه، ونحى بهذا المنحى القضاء أيضاً، هو انه خلط في تعريف الجماع، حيث أنه اعتبر أن الجماع لا يمكن أن يتم إلا بين ذكر وأنثى، وأن يتم فيه الإيلاج للذكر في قبل المرأة، سواء كان الإيلاج كلاً أو قسماً. ومن هنا نجد الإشكالية في تفسيره للنص. ومن هنا كانت كل شروحه. واعتبار أن الجريمة لا تقع إلا من ذكر على أنثى وأن يتم فيها الإيلاج قسماً أو كلاً وأن يستخدم فيها الإكراه. ولذلك سنحاول هنا أن نفنّد هذا الرأي، مع سوق بعض الأمثلة المستغربة من أحكام القضاء في هذا الصدد. فكما أسلفنا أن النص جاء على إطلاقه وبصراحته بحيث ينتفي معه أيّ محل لأيّ اجتهاد فقهي كان أو قضائي، فكلمة غير الزوج كما أوضحنا نتصرف إلى الرجل وكذلك إلى المرأة، لذلك لا محل لاقتصار الجريمة على الرجل .
كما أن الفقه، والقضاء مقلداً له وملتزماً برأيه، رأي في أن الجريمة لا تقع إلا من ذكر على أنثى، لأنهما اعتبرا أن الجماع هو المجامعة الطبيعية فقط، أي إتيان رجل للمرأة في قبلها، علماً بأن الجماع على إطلاقه يتضمن جماعاً طبيعياً، وهو الذي عرّفناه سابقاً، وجماع على غير الطبيعة، وهو إتيان الشخص في خلاف موضع الجماع، حتى أن جماع الحيوانات، مذكّرة كانت أو مؤنثّة، يدخل تحت نطاق تسمية الجماع .
ولو أراد المشرع تطبيق الجريمة ضمن حالات الجماع الطبيعي لأوضح ذلك في النص.
كما أن الفقرة الثانية من المادة /489/ ورد فيها :
أولاً : لا تنقص العقوبة عن إحدى وعشرين سنة إذا كان المعتدى عليه ….
إذاً لماذا لم يقل المشرع المعتدى عليها؟. لأنه لو ذكر ذلك لكان الأمر اقتصر على الأنثى. أما ذكر المعتدى عليه فهو في اللغة يشمل الجنسين، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه. وعليه يمكن أن يقع الاغتصاب من أنثى على ذكر،كما يمكن أن يقع من أنثى على أنثى، وكذلك من ذكر على ذكر
ومآخذنا على الفقه والقضاء هنا هو إعطاء أسباب مخففة لحالات وأسباب مشددة لحالات مشابهة :
1- اعتداء الرجل على الأنثى وفض بكارتها يعتبر اغتصاباً حسب الرأي الفقهي. ونوافقه على ذلك .
2- اعتداء رجل بالإكراه على أنثى دون الإيلاج بل بالأصبع حتى فض البكارة فإن التوصيف حسب الفقه يعتبر هتك عرض. رغم أن الحالتين متشابهتين وأدتا إلى نفس النتيجة .
وساير القضاء الفقه في هذا المنحى واعتبر أن اللواطة هي ضرب من ضروب الفحشاء، بينما هي في الحقيقة جماع على خلاف الطبيعة ، ولذلك تندرج تحت تسمية الجماع وينطبق عليها نص المادة /489/ إذا توافرت باقي الشروط .
ونؤكد على صحة ما ذكرناه بما نص عليه المشرع في المادة التالية :
المادة/ 491/ : 1- من جامع قاصرا لم يتم الخامسة عشرة من عمره عوقب بالأشغال
الشاقة تسع سنوات
2-ولا تنقص العقوبة عن خمسة عشرة سنة إذا كان الولد لم يتم الثانية عشرة من عمره
هنا نرى أن المشرع قد ذكر الجماع بصريح العبارة في الفقرة الأولى، وأكد في الفقرة الثانية على حالة وقوعه على ولد. مما يؤكّد أنّ نيّة المشرع قد انصرفت إلى الجماع بتعريفه العام سواء وقع على ولد أو على بنت، أي سواء وقع على أنثى أو على ذكر. وبهذا يكون الفقه والقضاء قد خالفا صراحة النص وإرادة المشرع، الذي نتفق معه، في عدم التفريق في جنس المعتدى عليه، وبالتالي عدم التفريق في جنس المعتدي كما أوضحنا سابقا
إننا نرى إن مناط الحماية، في معرض تطبيق العقوبات الواردة في هذه النصوص، هو من وقع عليه قبل الاغتصاب .فكيف يتسق ذلك إذا كان المعتدي شاذاً جنسياً وأجبر امرأة بالإكراه على ممارسة الجنس وأتاها في دبرها إشباعاً لرغبته الشاذة، فهل يعتبر ذلك هاتكاً للعرض أم مغتصباً ؟؟؟ .
حتى وإن كانت العقوبة تتقارب في بعض الأحيان إلا أن التوصيف القانوني للجرم له أثره الكبير . وعليه لو سايرنا الفقه في ذلك فإننا نجد أنه :
1- في جريمة الاغتصاب لا تقل العقوبة عن 15 سنة إذا وقعت على بالغ ولا تقل على 21 إذا وقعت على قاصر .
2- في جريمة الفعل المنافي للحشمة فإن العقوبة لا تنقص عن 12 سنة إذا وقعت على بالغ و 18 سنة إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره .
فهل شذوذ المعتدي يؤدي إلى إنقاص العقوبة؟، أم أنه كان من المتوجب فيه، على أقل تقدير، توحيد العقوبتين وبالتالي اعتبار الفعلين بمثابة اغتصاب؟. وهل يختلف الأمر فقط لأن الإيلاج تمّ في المكان الغير مسموح به؟، أو أنه تم بغير الآلة المعدة لذلك؟ .
ماذا لو اعتدت أنثى على أخرى وبالإكراه وأجبرتها على ممارسة الجنس ( السحاق )؟، وقامت بإدخال أية آلة، تشبه القضيب، في قبلها وأفقدتها عذريتها؟؟ .ألا يمكن اعتبار ذلك اغتصاباً ؟؟. أليست النتيجة النفسية والمادية التي تلحق بالمعتدى عليه واحدة في الحالتين؟. لا بل إننا نرى بأنها في حالة استخدام وسائل غير طبيعية تكون أقسى نفسياً على المعتدى عليه ذكراً كان أو أنثى. وهل من يُلاط به إكراهاً يكون الأثر النفسي عليه أقل من الإيلاج إكراهاً بفرج أنثى؟؟ .
إننا لا نرى مجالاً للتميز في هذا الصدد. لذلك كان لابدّ من توحيد النصوص في هذا الصدد، وإدراجها جميعها تحت توصيف جريمة الاغتصاب، إعطاءها العقوبة الأعلى كما وردت في جريمة الاغتصاب لتوافر جميع الأركان، من إكراه واعتداء جنسي وتوافر الإيذاء النفسي والجسدي على المعتدى عليهم ذكوراً كانوا أم إناثاً .
وبناءً على ما سبق ذكره آنفاً فإننا نرى إن وجوب النظر إلى الجريمة يجب أن يكون في مناطه الإكراه بنوعية المادي والمعنوي. كما أنه يكتفي بان يكون موضوع الجريمة هو ممارسة الجنس مع المعتدى عليه. أما محل الجريمة فإننا نخالف الرأي الفقهي والقضائي اللذان يريان بأن محل الجريمة هو الأنثى وأن تتم بموافقتها مواقعة كاملة وطبيعية ، بحيث نرى بأن محل الجريمة هو أي شخص ذكراً كان أم أنثى، وسواء تمت مواقعته طبيعياً أو كان جماعاً على غير الطبيعة، وسواء وقع من ذكر أو أنثى. وهو ما يتفق مع صراحة النص وروحه، لأن المشرع لو أراد تخصيص وقوع الفعل من ذكر وعلى أنثى لصرح بذلك بوضوح كما صرح في غيره من النصوص عندما ذكر مثلا ً:
المادة /495/ : 1- من ارتكب بقاصر لم يتم الخامسة عشرة من عمره فعلاً منافياً للحشمة أو
حمله على ارتكابه عوقب بالأشغال الشاقة تسع سنوات .
2- ولا تنقص العقوبة عن اثنتي عشرة سنة إذا لم يتم الولد الثانية عشرة من عمره .
حيث نجد أن الفقرة الثانية من المادتين السابقتين قد نص المشرع على صفة الولد، وكان بإمكانه التصريح بذلك في جريمة الاغتصاب، مما يؤكد على أن نيّته كانت منصرفة إلى عدم التمييز بين الذكر والأنثى، بعكس ما ذهب إليه الفقه القانوني والاجتهاد القضائي .
سأكتفي بهذا في بحث جريمة الاغتصاب ولكن قبل أن أختم أنوّه إلى المادة الأخيرة في الفصل الأول الذي وردت فيه جريمة الاغتصاب وهذه المادة هي المادة /508/ :
1- إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها أوقفت الملاحقة وإذا كان صدر حكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه
2- يصار إلى الملاحقة أو إلى تنفيذ العقوبة ثلاث سنوات على الجنحة وانقضاء خمس سنوات على الجناية إذا انتهى الزواج أما بطلاق المرأة دون سبب مشروع أو بالطلاق المحكوم به لمصلحة المعتدى عليها .
وحيث إن البحث في هذا النص في إطار جريمة الاغتصاب يتطلب الكثير من الدقة في القراءة والبحث، لذلك سنرجئ البحث فيه إلى قراءة مستقلة ضمن مبحث خاص لذلك .
وكذلك سنعمل في مبحث ثالث إلى البحث في ما يسميه البعض باغتصاب الأزواج لما يتضمنه من إشكالية تتطلب الوقوف عند نقاط عديدة .
الخاتمة
أرجو في نهاية بحثي هذا أن أكون قد وفقت في اختيار الموضوع، كما أرجو أن أكون قد وفقت في طريقة تقسيمه وبحثه بما يخدم الغاية الأساسية، بما يتناسب مع مطابقة النص لواقع الحال والبحث في التناقض بين الرأي الفقهي والاجتهاد القضائي وبين متطلبات المشرع من النص، وكل ذلك من وجهة نظر خاصة ومن خلال قراءة مهنية خاصة قد تتوافق مع رؤية البعض في العديد من النقاط وتختلف في نقاط أخرى، وقد تختلف كلياً مع رؤية البعض ممن اعتمدوا الرأي الفقهي والاجتهاد القضائي أساساً لتفسير النصوص .
ولذلك نقول إن أصبنا فأجرنا من الله وعلى الله وللحقيقة وإن أخطأنا نأمل أن يكون نقاش هذا البحث أساساً للوصول إلى الحقيقة وفق كل حالة. وبكل الأحوال فإن الله ولي التوفيق .

المراجع :
– موسوعة قانون العقوبات السوري للمؤلف محمد اديب استانبولي ج1 ,ج2 الطبعة الاولى 1999.
– مجموعة القواعد القانونية للأستاذ جندي عبد الملك .
– أحكام صادرة عن محكمة النقض السورية .
———————
* محامي وناشط سياسي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *