شروط التجارة الإلكترونية و مدى حجية العقد الإلكتروني

د. رمضان عبدالله الصاوي
أستاذ الفقه المشارك بكلية الإمام مالك للشريعة والقانون بدبي
وكلية الشريعة والقانون
جامعة الأزهر
إن متطلبات صحة التعاقد في العقد الإلكتروني هي ذاتها الموجودة في العقود الورقية العادية؛ حيث لابد من توفر الرضا بين الطرفين ومحل العقد والسبب، ونظراً للتقدم الهائل في مجال التكنولوجيا ووسائل التواصل الإلكترونية، ولما كان التعاقد عن بُعد قد أثير حوله العديد من المسائل في مثل هذه التعاقدات؛ مثل كيفية التحقق من أشخاص المتعاقدين، ونسبة التراضي بالإيجاب والقبول إليهما وصعوبة تحديد المكان الذي تم فيه إبرام العقد وزمان حدوثه، وكذلك الكيفية التي يتم بها التعبير عن الإرادة، فقد استوجب ذلك إيجاد الحكم الشرعي للمعاملة والحكم عليها حتى يطمئن الناس إلى تمييز جانب الحلال وتحري الدقة فيه والأخذ به، أو معرفة الحرام واجتنابه.
شروط‭ ‬التجارة‭ ‬الإلكترونية

أولاً – الشروط الخاصة بالصيغة

(أ) وقت ارتباط الإيجاب بالقبول في التعاقد الإلكتروني:

لا يخلو التعاقد الإلكتروني من أن يكون قد تم بوسيلة غير مباشرة كتلك التي تتم عبر البريد الإلكتروني؛ حيث يطلع عليه المرسل إليه وقت التصفح ويقوم بالرد سواء في حينه أو بعد ذلك أو عن طريق الشبكة العالمية (web)؛ حيث يتم تصفح الإعلانات واختيار السلعة مع التدقيق في مواصفاتها وإعطاء شارة الموافقة بالضغط على الزر المعد لذلك، وعند ذلك يتم الاتفاق بين المتعاقدين على كافة الأمور المتعلقة باستلام السلعة وتسليم الثمن بالدفع بالبطاقات الإلكترونية، أو تم التعاقد بطريق المحادثة والمشاهدة عبر الوسائل الإلكترونية عن طريق بعض البرامج التي تقدم مثل هذه الخدمات، وهنا يمكن تقسيم الكلام عن الوقت الذي يلتقي فيه الإيجاب والقبول إلى وقت مباشر ووقت غير مباشر.

أولاً : وقت التقاء الإيجاب والقبول في التعاقد المباشر: التعاقد المباشر هو الذي يتم بين حاضرين ولو حكماً في العقد الإلكتروني، فليس شرطاً تواجد الطرفين في مكان واحد، بل يمكن عن طريق المحادثة المباشرة أو المشاهدة المباشرة عبر الوسائط الإلكترونية أو شبكات البنوك أو الشركات التجارية الخاصة، والتعاقد بهذه الطريقة يعتبر من التعاقدات التي تتم بين حاضرين مع أنه لا يجمعهما مكان واحد، لكن اتصل الإيجاب بالقبول في نفس المحادثة أو المشاهدة فكان هذا هو مجلس العقد، فيشترط في هذه الجلسة تمام الإيجاب والقبول في نفس المجلس واتصالهما فيه، وتعتبر لحظة انعقاد العقد هي وقت الالتقاء بين الإيجاب والقبول وقت الضغط على زر (click) على الصفحة الإلكترونية مبدياً الموافقة على العرض المقدم من البائع أو وقت صدور الموافقة من البائع إن تم البيع عن طريق المحادثة والمشاهدة(1)، لكن ينبغي الحذر والاحتياط بتأكيد الموافقة بالضغط مرتين أو إرسال رسالة بما يفيد الموافقة حذراً من النزاع وخروجاً من الخطأ في الضغط على زر الموافقة دون قصد – كما ذكرنا قبل ذلك.

ثانياً : وقت التقاء الإيجاب والقبول في التعاقد غير المباشر: ومثال التعاقد غير المباشر في العقود الإلكترونية كالعقد الذي يتم عن طريق البريد الإلكتروني؛ الذي ليس بشرط أن يطلع عليه وقت الإرسال، بل وقت التصفح، فلذلك نعتبر العقد هنا من التعاقدات غير المباشرة، فهنا لا يجمع المتعاقدين مجلس واحد، وينطبق على هذا التعاقد ما تكلم عنه الفقهاء بالتعاقد بين الغائبين بإرسال رسول أو كتابة، وقد حدد الفقهاء وقت التعاقد إن كان عن طريق إرسال رسول بمجرد وصول الرسول وتبليغ الرسالة وموافقة الطرف الثاني على ما جاء فيها، ويعد هذا مجلس القبول، وإن كانت عن طريق إرسال رسالة فيعد مجلس العقد هو وقت اطلاع المرسل إليه على الرسالة وموافقته بما جاء فيها(2)، أما إن جاءت الرسالة الإلكترونية عبر البريد وبقيت دون فتح في صندوق الرسائل فلا يعد ذلك دليلاً على القبول أو الرفض، بل لكي يتحقق التعاقد يجب فتح الرسالة والاطلاع عليها، وإبداء الموافقة على ما جاء فيها ويصبح هذا المجلس مجلس العقد(3).

(ب) موافقة القبول للإيجاب:

العقد الإلكتروني شأنه شأن بقية العقود من وجوب اتحاد الإيجاب والقبول على السلعة مثلاً بكامل أوصافها والثمن المتفق عليه، وأن يعلن الموجب ذلك ويوافقه القابل على نفس ما ذكر، فإن اتفقا في البعض واختلفا في البعض الآخر كالاتفاق على الدفع بالدرهم الإماراتي فأراد المشتري الدفع بعملة غيرها كالجنيه المصري، أو خالف في الصفة؛ كأن قال له: بعتك بألف درهم حالة فقال قبلت بألف مؤجلة، ففي مثل هذه الحالات اتفق فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة(4) على عدم صحة البيع لأن القبول بجنس ثمن غير الذي ذكر في الإيجاب يعد بذلك إيجاباً جديداً لم يحز قبولاً فلم يتم البيع، وكذلك إذا خالف الصفة في الحلول والأجل لا يعد ذلك قبولاً(5).

وإذا حدد ثمناً في الإيجاب فقبل بثمن آخر فإما أن يكون الثمن المحدد أقل من الذي سبقه أو أكثر ولكل منهما حكمه، فإن قبل على أقل من الثمن المحدد فقد اتفق فقهاء الحنفية والحنابلة على عدم الصحة لما ذكرنا قبل ذلك من أن الثمن الثاني يعد إيجاباً جديداً لم يلقَ قبولاً فلم يصح العقد(6)، وأما إن قبل بأكثر من الثمن أولاً؛ كأن قال بعتك هذه الطابعة بألفي درهم فقال: قبلت بثلاثة آلاف ففي هذه المسألة اختلف الفقهاء إلى لاتجاهين:

الاتجاه الأول وهو للحنفية ووجه عند الشافعية: ويرى أن العقد صحيح إن قبل بأعلى من الثمن المحدد، لأن القابل قبل بالثمن المطلوب وزيادة، فهو قابل في المعنى وإن شاء الموجب أن يقبل الزيادة أو يردها، وإن كان إمام الحرمين من الشافعية لا يرى إلا التزامه بالثمن المحدد في الإيجاب(7).

الاتجاه الثاني: وهو ما ذهب إليه جمهور الشافعية: وقد قالوا بعدم صحة البيع لأنه لم يقبل على وفق الإيجاب واختلاف الإيجاب والقبول يبطل العقد(8).

رأي الباحث: أرى أن الرأي الأول أولى بالقبول، حيث تم القبول على وفق الإيجاب في المعنى لأنه قبل ما طلبه الموجب وزيادة، والموجب على التخيير في قبول الزيادة أو ردها، ويمكن الاستئناس لها بأن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض من رجل بكراً فرده خياراً رباعياً (أفضل منه) وقال «خير الناس أحسنهم قضاء»(9)، وإن كانت ثمة مشكلة فيمكن الركون لرأي إمام الحرمين بالالتزام بنفس ما حدده الموجب، حيث التزم القابل به، والحديث وإن كان في عقد القرض إلا أن أوجه الشبه بينهما أن الطرف الآخر لم يفرض الزيادة بل وضعها القابل من تلقاء نفسه كما هو واضح هنا.

تقدم القبول على الإيجاب في العقود الإلكترونية:

قد يتقدم المشتري بطلب عبر الوسائط الإلكترونية بمثابة إعلان عن الرغبة في شراء مسكن في موقع ما يحتاجه أو سيارة بمواصفات معينة أو يوافق على السعر أياً كان إن وجدت السلعة بالمواصفات التي يريدها، فإن تم البيع بهذه الصورة يكون القبول متقدماً على الإيجاب على رأي المالكية والشافعية والحنابلة لأن الإيجاب عندهم يصدر ممن يكون منه التمليك، وإن جاء متأخراً والقبول يصدر ممن يصير له الملك وإن تكلم أولاً(10). أما الحنفية فالمسألة غير متخيلة عندهم لأن الموجب عندهم هو من تكلم أولاً والقابل من تكلم ثانياً(11) فالعبرة في الإيجاب والقبول عند الجمهور مرتبطة بحال الشخص، بخلاف الحنفية الذين يرون أن العبرة مرتبطة بصدور الكلام أولاً أو ثانياً، فإذا تقدم القبول على الإيجاب هل يصح البيع أم لا؟ اختلف الفقهاء لاتجاهات ثلاثة:

الاتجاه الأول: يرى صحة البيع عند تقدم القبول على الإيجاب، واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة والمعقول.

أما الكتاب فقوله تعالى على لسان شعيب: «‭)‬قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) القصص 27-28»، ووجهة الدلالة هنا أن ولي الزوجة وهو صاحب القبول قدم قوله فرضي صاحب الإيجاب وهو الزوج ولا شك أن عقد الزواج أشد خطراً من عقود البيع، فإذا جاز في النكاح الذي يحتاط فيه مالاً يحتاط لغيره جاز في غيره من باب أولى.

ودليل السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله»(12)، ووجهة الدلالة أن طلب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أن يذكروا له ثمناً إنما هو قبول تقدم على الإيجاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سيصير له الملك وكانت الأرض لاتخاذ مسجد عليها لأن المطلوب قد تم وهو الرضا.

ودليل المعقول: أن تقدم لفظ المشتري وهو الذي سيصير له الملك على قول البائع جائز لحصول المقصود بذلك وهو الرضا(13).

الاتجاه الثاني: يرى عدم جواز تقدم القبول على الإيجاب، وهو رواية عند الحنابلة وقد استدلوا لذلك بالقياس والمعقول.

أما القياس: فقد قاسوه على عقد النكاح؛ حيث ذكروا أنه كما لا يصح تقدم القبول على الإيجاب في النكاح فكذلك في البيع وباقي العقود، ولكن يمكن مناقشة هذا الدليل بما ورد في القرآن الكريم من تقدم لفظ القابل على لفظ الموجب ولأن الأمر غير متفق عليه من جميع الفقهاء حتى يقاس عليه(14).

وأما دليل المعقول: فهو القبول متأخر عن الإيجاب فلا يجوز أن يتقدم عليه(15)، ويمكن مناقشته بما ذكره الجمهور من أن تقدم أي من اللفظين على الآخر لا يؤثر على العقد لحصول المقصود وهو الرضا.

الاتجاه الثالث: يرى جواز تقدم القبول على الإيجاب إذا صدر القبول بصيغة الأمر أو صيغة الماضي الخالية عن الاستفهام فهو قريب من الأول وإن كان قد قيَّد بعض الصيغ، ودليلهم من المعقول أن كلا اللفظين وجدا من العاقدين على وجه يفهم منه التراضي فيصح.

رأي الباحث: أرى أن الاتجاه الأول أولى بالقبول، لأن المقصد الرئيس وهو التراضي تحقق سواء في ذلك العقود الإلكترونية أو غيرها ولأن التقديم والتأخير منهما لا يؤثر على صحة التعاقد.

(ج) الفورية في اتصال الإيجاب بالقبول: اختلف الفقهاء في لزوم الفورية في الاتصال بين الإيجاب والقبول مادام الطرفان في مجلس العقد إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: يرى جواز التراخي إن كان العاقدان في المجلس، ولم يوجد ما يقطع مجلس العقد عرفاً، وهذا ما يراه جمهور الفقهاء(16).

وقد استدلوا لمذهبهم بالمعقول فقالوا: إن الطرف الثاني الذي وجه له الإيجاب محتاج للتروي والتأمل حتى يمكنه الحكم على نفع الصفقة من عدمه، ولو قلنا بالفور لأوقعناه في الحرج، ويرتفع الحرج إن قلنا بالتراخي طالما كانا في المجلس(17)، وأيضاً: إن المجلس جامع للمتفرقات فلا فرق بين أن يصدر الإيجاب في أول المجلس والقبول آخره، لأن ساعات المجلس تعتبر ساعة واحدة(18).

الاتجاه الثاني: يرى أن تراخي الإيجاب عن القبول يمنع الاتصال بينهما، فإذا صدر القبول بعد فترة طويلة يعتبر كأنه صدر على غير إيجاب، لأن الفاصل الطويل مشعر بالإعراض عن القبول، ومما يشعر بالإعراض عن القبول أيضاً الكلام الأجنبي عن موضوع البيع الذي يتكلمان فيه، وهذا هو اتجاه الشافعية(19).

وقد استدلوا لمذهبهم بالقياس على الصلاة، فكما أن الصلاة تبطل إذا تخللها كلام أجنبي فكذلك إذا صدر بين الإيجاب والقبول كلام أجنبي عن العقد يشعر بإعراضه عن القبول، لكن يمكن مناقشة هذا القياس بأنه قياس مع الفارق، لأن الصلاة عبادة محضة فلم يجز الخروج على نظمها، بخلاف العقد فإنه ليس كذلك فاختلفا، واستدلوا بالمعقول بأن الإيجاب إذا صدر ثم أتى القبول بعده بفترة متراخياً عنه يكون قد أتى على غير إيجاب فلا يعتد به(20)، ويمكن مناقشته بأن القبول صدر في المجلس المعد لذلك وليس شرطاً أن يكون في أوله أو آخره إذ لا دليل على ذلك.

رأي الباحث: أرى أن رأي الجمهور أولى بالترجيح إن قلنا إن ثمة خلاف بين الرأيين لأن مجلس العقد واحد طال أو قصر، والفارق بين مجلس العقد وغيره هو التفرق بالأبدان، لكن بإمعان النظر أرى أن كلا الاتجاهين قريب من الآخر إذا ضممنا إلى ذلك أن خيار المجلس قائم في العقد وجوباً ولا يجوز الاتفاق على نفيه، ولو حدث ذلك بطل العقد، وأن خيار المجلس جعل للتروي حتى يتم التفرق بين العاقدين أو يقول أحدهما للآخر اختر فكأن اتجاه الشافعية وصل إلى نفس النتيجة بما يكملها من خيار المجلس الواجب العمل به والممنوع الاتفاق على نفيه، وتأسيساً على ذلك فإنه في العقود الإلكترونية إذا وجد شخص عرضاً لسلعة ما يريدها على الشبكة العالمية ورغب في شرائها وأرسل إيجاباً بذلك وأخذ يطالع العروض من السلعة على مواقع أخرى مع تفاوضه في نفس الوقت مع الطرف الآخر فلا يعد ذلك إعراضاً عن شراء السلعة الأولى(21)، وكذلك إذا ورد على بريده الإلكتروني عرضاً فأخذ يفاضل بينه وبين غيره من العروض الأخرى أثناء فتح بريده للاطلاع على كل المعروض مع المواصفات ذاتها فإنه بذلك لا يعد متشاغلاً عن العرض الأول، ويعد في مجلس العقد الذي بإمكانه فيه أن يعقد جلسة العقد بإرسال الموافقة مع جلوسه فترة أو مطالعته لعروض أخرى لأن أول المجلس وآخره سواء في عدم الخروج عن مجلس العقد.

ثانياً‭ – ‬شروط‭ ‬العاقدين

العاقدان في العقود الورقية أو الشفهية لا يختلفان عنهما في العقود الإلكترونية، لذلك سأذكر شروطهما على وجه الاختصار كي لا أترك شيئاً في موضعه دون الإشارة إليه، وشروط العاقدين هي:

(أ) الرشد: وهو البلوغ مصلحاً لدينه وماله، فلا يصح العقد من الصغير أو المجنون أو المغمى عليه(22)، لكن تكمن المشكلة في العقود الإلكترونية أنه غالباً ما يكون الطرفان غير متواجدين في مجلس واحد وربما لم يلتقيا قبل ذلك، مما يجعل شخصية المتعاقدين أو أحدهما غير معروفة للطرف الآخر وهل توافر فيها هذا الشرط أم لا، ويمكن التغلب على هذه المشكلة بأحد أمرين؛ الأول: إشهار العقد عن طريق السلطات المختصة؛ حيث تقوم بتنظيم العلاقة بين الطرفين وتحديد أهليتهما القانونية وهويتهما بإصدار شهادات تثبت الحقائق المتعلقة بالتعاقد عبر الإنترنت. الثاني: القيام بالتعاقد عن طريق الحكومة الإلكترونية التي تجعل كافة المؤسسات ضمن إطار مؤسسي واحد، وتقوم بتوفير الخدمة للمتعاقدين ببيانات ووثائق شخصية(23)، والملاحظ أن الحلين المقترحين يمكنهما معاً العمل المتكامل؛ حيث يصلح الأول لأصحاب الأعمال والشركات الخاصة، والثاني يعمل في إطار العمل الحكومي المؤسسي.

(ب) الصفة في التعاقد: لابد لكلا العاقدين من صفة تخول له إبرام العقد، كأن يكون مالكاً أو وكيلاً أو ولياً، فإذا تم التعاقد عن طريق شخص ليست له هذه الصفة كالفضولي فإن عقده موقوف عند جمهور الفقهاء وباطل عند الشافعية(24).

(ج) عدم الإكراه: أي توافر الرضا في العقد، فلو تم البيع عن طريق الإجبار بعرض إعلان السلعة رغماً عن صاحبها على مواقع التواصل وتم البيع فإنه لا ينعقد صحيحاً إلا أن يكون الإكراه بحق لإجباره ببيع شيء لسداد ما عليه من ديون(25).

(د) أطراف التعاقد: لابد للعقد من طرفين، فلا يصح العقد إن قام به شخص واحد وكيلاً عن الطرفين؛ إلا أن يكون أباً أو وصياً أو القاضي لوفور شفقة الأول وتوخي المصلحة من الوصي والقاضي(26).

ثالثاً‭ – ‬شروط‭ ‬المحل

المحل هو الثمن والسلعة ويشترط فيهما إجمالاً:

(أ) أن يكون المال متقوماً أي له قيمة مالية: أو هو كل ما دخل في الملك وأمكن الانتفاع به حال السعة والاختيار(27).

(ب) النفع: من شروط المبيع النفع به على وجه صحيح مشروع، فلا يصح بيع الخمر والخنزير لعدم النفع وكذلك الحشرات أيضاً، ولا بيع نصف لوحة فنية بكسرها وتسليمها للمشتري، لأن الكسر يهدر قيمتها فلا نفع فيها بعد الكسر(28).

(ج) القدرة على التسليم: وعدم القدرة على التسليم يرجع لضياع السلعة من تحت يده بعد الإعلان عنهاأو سرقتها أو غصبها، ففي جميع الأحوال هو غير قادر على التسليم وإن كان مازال مالكاً(29).

(د) أن يكون المحل معلوماً: سواء كان عن طريق الرؤية أو الإشارة للشيء الموجود أو الوصف النافي للجهالة(30).

المراجع
(1) راجع: د. سلطان بن إبراهيم الهاشمي، التجارة الإلكترونية وأحكامها في الفقه الإسلامي، دراسة فقهية تأصيلية، ص105 ط. دار كنوز إشبيلية أولى 2011/ 1432هـ.

(2) جاء عند الحنفية: «وأما الكتابة فهي أن يكتب الرجل إلى الرجل… فبلغه الكتاب فقال في مجلسه اشتريت، لأن خطاب الغائب كتابة فكأنه حضر بنفسه وخاطب بالإيجاب وقبل الآخر في المجلس» راجع: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 5/138، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ثانية 1986م. ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق 5/290، ط. دار المعرفة، لبنان، ثانية، وقال الشافعية: «ولو كتب إلى غائب بالبيع ونحوه فإن قلنا تنعقد فشرطه أن يقبل المكتوب بمجرد اطلاعه على الكتاب» النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين 3/338، ط. المكتب الإسلامي، دمشق، ثانية 1405هـ، النووي، المجموع شرح المهذب 9/167 السابق، وقال الحنابلة: «وإن كتب البائع أو أرسل راسل غائباً عن المجلس قائلاً بعتك كذا بكذا… فقبل المشتري البيع حين بلغه الخبر صح العقد»، راجع: ابن مفلح، المبدع شرح المقنع 4/5 هامش، ط. المكتب الإسلامي، مصطفى السيوطي الرحيباني. مطالب أولي النهى 3/7، ط. المكتب الإسلامي، أولى 1960م.

(3) راجع: د. سلطان الهاشمي، التجارة الإلكترونية، السابق، ص107.

(4) راجع ابن نجيم، البحر الرائق 5/279، السابق. الشربيني الخطيب، مغني المحتاج 2/6 السابق. مصطفى السيوطي، مطالب أولي النهى 3/5، منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع 3/146 وما بعدها، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، أولى 1994م.

(5) المراجع السابقة، ومعها الكاساني، بدائع الصنائع 5/136، السابق, النووي، المجموع 9/170 السابق.

(6) ابن عابدين، حاشية رد المحتار 4/526 ط. المكتبة التجارية، النووي، روضة الطالبين 3/340، الماوردي، الحاوي الكبير 5/43، ط. دار الكتب العلمية، أولى، 1994م. البهوتي، كشاف القناع 3/146 السابق.

(7) ابن عابدين، حاشية رد المحتار 4/526 السابق. النووي، روضة الطالبين 3/340 السابق. جلال الدين المحلي، كنز الراغبين 2/199، السابق.

(8) الماوردي، الحاوي الكبير5/43 السابق. المحلي، كنز الراغبين 2/199.

(9) ابن ماجه، سنن ابن ماجه 2/767 كتاب التجارات باب السلم في الحيوان، رقم الحديث2285، ط. دار إحياء الكتب العربية فيصل عيسى البابي الحلبي، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة 4/50، كتاب الزكاة، باب استسلاف الإمام لأهل سهمان الصدقة رقم 2332، ط. المكتب الإسلامي.

(10) راجع في تعريفات الجمهور ابن عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/3، ط. دار الفكر، بيروت، دون تاريخ. النووي، روضة الطالبين 3/336 السابق. شهاب الدين القليوبي، حاشية القليوبي 2/1422، ط. المكتبة العصرية، بيروت 2008 م. ابن مفلح، المبدع شرح المقنع 4/524 السابق.

(11) ابن عابدين، الحاشية 4/506. الجرجاني، التعريفات ص59، ط. دار الكتاب العربي، بيروت 1985م.

(12)البخاري 1/93، كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، رقم الحديث 428. مسلم، 1/373 كتاب المساجد، باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث524.

(13) ابن عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي 3/3 السابق. المحلي، كنز الراغبين 2/198 السابق. ابن العربي، أحكام القرآن 3/498، ط. دار الفكر، بيروت.

(14) ابن مفلح، المقنع 4/5 السابق. المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 4/261 وما بعدها، ط. دار إحياء التراث العربي.

(15) المراجع السابقة بنفس صفحاتها.

(16) راجع: الكاساني، البدائع 5/137. ابن نجيم، البحر الرائق 5/267. الحطاب، مواهب الجليل 4/239، ط. دار الفكر، بيروت، ثانية 1398هـ. ابن مفلح، المبدع 4/5. المرداوي، الإنصاف 4/263 السابق. د. وهبة الزحيلي، حكم إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة، ص25، ط. دار المكتبي، دمشق، أولى 2000م.

(17) الكاساني، البدائع 5/137.

(18) البابرتي، العناية على الهداية 5/78، ط. دار الفكر بيروت.

(19) المحلي، كنز الراغبين 2/199 السابق.

(20) ابن شطا الدمياطي، حاشية إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين 3/6، ط. دار الفكر، بيروت.

(21) يراجع في هذا المعنى: د. محمد عقلة، حكم إجراء العقود بوسال الاتصال الحديثة ص15، ط. دار الضياء، عمان 1986م.

(22) الدردير، الشرح الصغير 3/318. المحلي، كنز الراغبين 2/199.

(23) سليمان عبدالرازق أبو مصطفى، التجارة الإلكترونية في الفقه الإسلامي، رسالة ماجستير مقدمة للجامعة الإسلامية بغزة سنة 2005م.

(24) ابن نجيم، البحر الرائق 5/278. الدردير، الشرح الصغير 3/325. المحلي، كنز الراغبين 2/203.

(25) الكاساني، بدائع الصنائع 4/340، ط. دار إحياء التراث العربي 1998م. الحصني الدمشقي، كفاية الأخيار ص329، ط. دار الكتب العلمية 1998م. المحلي، كنز الراغبين 2/200.

(26)
ابن نجيم، البحر الرائق 5/278. الحطاب، مواهب الجليل 6/402. السيوطي، الأشباه والنظائر ص166، ط. المكتبة العصرية، بيروت 2001م.

(27) راجع: الأستاذ علي الخفيف، أحكام المعاملات الشرعية، ص5، ط. دار الفكر العربي, القاهرة.

(28) أحمد الصاوي، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3324.

(29) المحلي، كنز الراغبين 2/202.

(30) المرجع السابق 2/204.

تكلم هذا المقال عن : شروط التجارة الإلكترونية من الناحية القانونية