جنحة القذف – عناصرها التكوينية

حكم المحكمة الابتدائية بالرباط

حكم صادر بتاريخ 12/03/2014

في الملف الجنحي عدد 1109/2102/2013

القاعدة:

“إذا كان قانون الصحافة قد أعطى الحق لمدير النشر برفض نشر أي مقال دون ان يكون ملزما لتبرير ذلك فإنه بالمقابل تبقى مسؤوليته مفترضة إذا ما تضمن النشر عبارات تمس بالأغيار لكون من قام بتحقيق شرط العلانية في جنحة القذف يكون هو المسؤول الحقيقي عنها طالما أنه هو من قام بإيصال وقائع القذف إلى العموم، وتقع عليه مسؤولية التحري والاحتياط قبل الإقدام على النشر.

– مسؤولية مدير النشر مفترضة إذا ما تضمن النشر عبارات تمس بالأغيار لكون من قام بتحقيق شرط العلانية في جنحة القذف يكون هو المسؤول الحقيقي عنها طالما أنه هو من قام بإيصال وقائع القذف إلى العموم، وتقع عليه مسؤولية التحري والاحتياط قبل الإقدام على النشر.”

باسم جلالة الملك وطبقا للقانون

الوقائع:

بناء على تحريك المتابعة بمقتضى الاستدعاء المباشر المقدم من قبل النيابة العامة، والمستندة في ذلك على محضر الشرطة القضائية المنجز في النازلة بتاريخ 25/06/2013، تحت عدد (…) ق، من طرف شرطة الرباط، إذ إنه بتاريخ 07/05/2013، طلب وزير الداخلية من وزير العدل فتح تحقيق قضائي بخصوص تصريحات المتهم أعلاه المنشورة ببعض المواقع الالكترونية، والتي تمس شرف واعتبار المصالح الأمنية أمام الرأي العام، موقع بتاريخ 11 و 25 أبريل 2013، إذ ورد فيه تصريح للمتهم أعلاه قال فيه: ” هذه الإشاعات وراءها مخابرات الملك محمد السادس”، وأضاف : ” إن الملك محمد السادس هو المسؤول عن كل هذا”، ثم موقع بتاريخ 25/04/2013، الذي أورد تصريحا للمتهم أعلاه، جاء فيه: ” تحاربني الأجهزة الأمنية التي تقع تحت الإمرة المباشرة للملك”، ثم موقع (…) بتاريخ 25/04/2013، أورد فيه: “الإشاعة وراءها مخابرات محمد السادس، وأن الملك محمد السادس هو المسؤول عن كل هذا، وأن الهجوم لن يثنيني عن قول وكتابة الحقيقة ولن يخرسني”.

وعند الاستماع للصحفي (أ.ن) باعتباره المسؤول الوحيد عن الجريدة الالكترونية بخصوص ما نسب للمتهم أعلاه من أقوال تم نشرها بالجريدة المذكورة، أوضح بأن مصدر الأخبار المنشورة هو المتهم أعلاه، والذي أجرى معه الحوار بنفسه رغم استعماله لاسم مستعار، وهو (أ.ع)، وقد أجرى الحوار للتأكد مما نشر حول حياته الشخصية والمهنية والوصول إلى الحقيقة.

وعند الاستماع للصحفية (م.م) باعتبارها مسؤولة بالجريدة الالكترونية بخصوص ما نسب للمتهم أعلاه من أقوال تم نشرها بالجريدة الالكترونية المذكورة أعلاه، فأوضحت بأنها شخصيا من تلقت التصريح من المتهم أعلاه للتأكد من صحة الخبر المنشور حول الحياة الشخصية للمتهم أعلاه، اعتقادا منها أن ما تم نشره لا يشكل أي قذف في حق أحد.

وعند الاستماع للمتهم أعلاه تمهيديا، أوضح بأنه يعرف موقع الجريدتين الالكترونيتين (…) و(…)، وأكد بأنه فعلا أجرى اتصالا هاتفيا معهما من طرف كل من (م.م) و(أ.ن) للرد على أسئلتهما حول الإشاعة التي سبق لأحد المواقع الالكترونية أن نشرها حوله، والتي تدعي أنه أقدم على الانتحار بعد صدور القرار الأممي المتعلق بقضية الصحراء،

والذي لم يرد فيه توسيع مهام المينيرسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية، وكانت الأسئلة الموجهة له هو معرفة ردة فعله حول الإشاعة التي نشرت حوله. وأكد بأن التصريح الذي أدلى به لم يكن دقيقا، لأنه جاء في صيغة التأكيد، بينما صرح للصحفي (أ.ن) أنه يشك بأن من يحرك هذه الإشاعات ضده أجهزة تابعة للدولة، دون أن يحدد جهازا بعينه، والقرينة عنده أنه كلما أبدى رأيه في طريقة تدبير ملف الصحراء وطريقة اشتغال المؤسسة الملكية، وأضاف بأنه صرح بأنه الملك، وبصفته رئيسا للدولة، هو المسؤول الأول عن أجهزتها، وأنكر إجراءه لأي تصريح لفائدة الجريدة الالكترونية (…)، كما أكد بأنه لم يمنحهما أي ترخيص واضح بالنشر، إلا أنه لم يستبعد أن يتم نشره من طرفهما.

وحيث أدرجت القضية في عدة جلسات آخرها الجلسة المنعقدة بتاريخ 26/02/2014 التي حضرها الظنين مؤازرا من قبل دفاعه الأستاذ (…)، وبعد التأكد من هويته، والتي جاءت مطابقة لما دون بمحضر الضابطة القضائية، تقدم الأستاذ (…) بمجموعة من الدفوع الشكلية تخص انعدام صفة وزير الداخلية للمطالبة بفتح تحقيق قضائي، وانعدام المطالبة الصريحة بمتابعة موكله، فضلا عن انعدام قرار للمجلس الحكومي ناتج عن مداولاته يوافق على متابعة موكله، واستند في ذلك على مقتضيات الفصل 71 من ق.ص.ن، وأدلى بمذكرة بالدفوع المثارة أعلاه، والتمس السيد وكيل الملك رد جميع الدفوعات المثارة من قبل الدفاع لانعدام الأساس القانوني لها، فقررت المحكمة إرجاء البت في جميع الدفوع إلى حين البت في الجوهر، والاستمرار في دراسة القضية ومناقشتها. وبعد التأكد من هوية المتهم أعلاه عن المنسوب إليه، أجاب بأنه لم يجر أي استجواب رسمي من اجل النشر مع أي أحد، فقررت المحكمة اعتبار القضية جاهزة، وتناول الكلمة السيد وكيل الملك والتمس الإدانة، وتناول الكلمة دفاع المتهم، وبعد عرضه لظروف وملابسات القضية، التمس القول ببراءة موكله مما نسب إليه، فقرر وضع القضية في التأمل لجلسة 12/03/2014.

وبعد التأمل

التعليل:

حيث إن المتابعة المثارة من قبل النيابة العامة في حق المتهم أعلاه، أسست على مقتضيات الفصلين 44 و45 من قانون الصحافة والنشر المتعلقين بالقذف المرتكب في حق المجالس القضائية والمحاكم والجيوش والهيئات المؤسسة والإدارات العمومية بالمغرب.

وحيث إن قانون الصحافة والنشر، هو قانون زجري خاص نظم بشكل دقيق القواعد التي تخضع لها تحريك الدعوى العمومية، والتي يجب احترامها والتقيد بها.

وحيث نصت المادة 72 من قانون الصحافة والنشر على أنه : ” تحرك الدعوى العمومية باستدعاء تبلغ النيابة العامة أو الطرف المدني (..)”. كما نصت المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية على أنه : ” تمارس الدعوى العمومية ضد الفاعل الأصلي للجريمة والمساهمين والمشاركين في ارتكابها (..)”.

وحيث إنه بإطلاع المحكمة على وثائق الملف، واتضح لها ان الاستدعاء في نازلة الحال بلغ للمتهم من قبل النيابة العامة كفاعل اصلي.

وحيث إنه بالرجوع على قانون الصحافة والنشر، نجده يحدد بصفة صريحة وحصرية الفاعلين الأصليين الذين يجري عليهم العقاب في الجرائم المرتكبة عن طريق الصحافة، إذ حددتهم المادة 67 في:

– مدير النشر أو الناشرون كيفما كانت مهنتهم أو صفتهم.

– أصحاب المقالات المتسببون إن لم يكن هناك مديرون أو ناشرون.

– أصحاب المطابع إن لم يكن هناك أصحاب المقالات.

– البائعون والموزعون والمكلفون بالإلصاق إن لم يكن هناك أصحاب المطابع (…).

وحيث أضاف الفصل 68 من ق.ص.ن أنه: “في حالة اتهام مديري النشر أو الناشرين أصحاب المطابع فإن أصحاب المقالات المتسببون يتابعون بصفتهم شركاء”.

وحيث إن النشر الذي تضمن عبارات اعتبرتها الإدارة المشتكية قذفا في حقها، لم يتم نشره في الجرائد الإلكترونية أعلاه من قبل المتهم، ولا أذن صراحة للصحفيين بنشره، كما أن (ع.أ) لا يحمل صفة أي أحد من الأشخاص المشار إليهم في الفصل 67 أعلاه، مع العلم بأن النشر تطبيقا لمقتضيات قانون الصحافة، يقتضي أن تتجه نية صاحب التصريح صراحة إلى نشره علانية، لأنه إذا كان قانون الصحافة قد أعطى الحق لمدير النشر برفض نشر أي مقال دون أن يكون ملزما بتبرير ذلك، فإنه في المقابل تبقى مسؤوليته مفترضة إذا ما تضمن النشر عبارات تمس بالأغيار، لكون من قام بإيصال وقائع القذف إلى العموم، وبالتالي تقع عليه مسؤولية التحري والاحتياط فقبل إقدامه على النشر.

وحيث إنه وأمام خلو الملف من أي إذن صريح صادر عن المتهم بنشر الاستجواب، استنادا لإنكاره الصريح امام المحكمة، وكذا لما جاء على لسانه بمحضر الشرطة القضائية الذي يستفاد منه أنه لم يرخص صراحة بالنشر، وطالما أن تصريحات الصحفيين الذين اجريا الاستجواب لا يمكن اعتبارها كحجة، ولا حتى استدعاؤها للاستماع إليهما كشهود في القضية ما دام أن مسؤوليتهما الجنائية محتملة، فإن المتابعة تبقى معيبة.

وحيث إنه، وفضلا عما ذكر أعلاه، فالمشرع المغربي جعل تحريك الدعوى العمومية في جرائم الصحافة والنشر خاضع لقواعد دقيقة حسب الحالات المنصوص عليها في الفصل 71 من ق.ص.ن، الذي نص على أنه: “في حالة السب او القذف الموجه إلى المجالس القضائية والمحاكم والهيئات المبينة في الفصل 45، فإن المتابعة لا تقع إلا بعد مداولة تجريها المجالس والمحاكم والهيئات المذكورة في جلسة عامة، والمطالبة بالمتابعات، وإن لم يكن للهيئة جلسة عامة فتجري المتابعة بشكاية من رئيس الهيئة”.

وحيث إنه على فرض أن وزير الداخلية هو رئيس مختلف الأجهزة الأمنية بالمملكة، والمخول له قانونا تقديم الشكاية عنها، فإن الثابت من خلال كتابه الموجه بتاريخ 07/05/2013 إلى وزير العدل، أنه اقتصر فقط على طلب إجراء بحث قضائي في الموضوع دون أن يشير صراحة إلى المتابعة بإحالة الدعوى العمومية إلى المحكمة الزجرية المختصة، على اعتبار أن الشكاية التي اشترط المشرع توفرها في المادة 71 أعلاه، تقتضي أن تتضمن مطالبة صريحة من المجني عليه للسلطة المختصة بمتابعة الجاني ومعاقبته (د. الخمليشي في كتابه شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الأول، صفحة 90 الطبعة السادسة). وهو ما غاب عن كتاب وزير الداخلية المرفق بالملف.

وحيث إنه، واستنادا لما ذكر أعلاه، واحتراما للمادة 23 من دستور المملكة التي تنص على أنه: “لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون”، فإنه، والحال هاته، وفي غياب النشر وفق ما سطر اعلاه، والشكاية الصريحة بالمتابعة كما يقتضيها القانون، فإن هاته الأخيرة قد جاءت معيبة شكلا ويتعين القول بعدم قبولها.

وحيث يتعين إبقاء الصائر على عاتق الخزينة العامة.

وتطبيقا للفصول من 286 إلى 315، ومن 318 إلى 372، ومن 636 إلى 686 من ق.م.ج، وفصول المتابعة.

لهذه الأسباب

تصرح المحكمة علنيا ابتدائيا وهي تبت في القضايا الجنحية التلبسية سراح حضوريا:

بعدم قبول المتابعة المثارة من قبل النيابة العامة، مع إبقاء الصائر على عاتق الخزينة العامة.

بهذا صدر الحكم وتلي في الجلسة العلنية بالمحكمة الابتدائية بالرباط.