دولة فلسطينية بحدود 1967 رؤية قانونية

لم يكن أوباما أول رئيس أميركي يطرح فكرة قيام دولة فلسطينية بحدود عام 1967، ودولة إسرائيلية على الباقي من أرض فلسطين، أي قيام دولة إسرائيلية يهودية على الأراضي الفلسطينية التي أحتلها الكيان الصهيوني قبل العام 1967 تبلع حوالي 78 في المئة من مساحة فلسطين، وقيام دولة فلسطينية على الجزء المتبقي من فلسطين وهو 22 في المئة من مساحة فلسطين، ولكن سبقه غيره، فهذه الفكرة – فكرة تقسيم فلسطين لدولتين – نشأت عام 1937، ورفضها اليهود قبل العرب.
كما أن بعض الزعماء العرب أقترح هذه الفكرة وأخرهم العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبدالعزيز، وقد وافق عليها الرئيس الراحل ياسر عرفات في تونس عام 1988، وحتى الآن لا تزال هذه الموافقة هي موقف السلطة الفلسطينية، بل إنها تتمنى ذلك وترجوه، ولكن الجديد أن فكرة حدود العام 1967 في خطاب أوباما الأخير، أن حدود العام 1967 هي التي يبدأ منها الحديث عن حدود الدولة الفلسطينية، أي أن هذه الحدود ليست ثابتة بل متحركة طبقا لما تصل إليه المفاوضات بين الفلسطينين والكيان الصهيوني، ورغم ذلك رفض نتنياهو هذه الفكرة على الإطلاق صراحة ومن دون مواربة، وقال لا رجعة لحدود العام 1967، والقدس عاصمتنا الموحدة والآبدية للدولة اليهودية.

هذه الفكرة التي ترى قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) العام 1967، طبقا للقانون الدولي العام المعاصر غير قانونية وباطلة بطلانا مطلقا، لمخالفتها قواعد مبادئ عامة في القانون الدولي العام، أهمها مبدأ تحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وهو مبدأ عام ومتفق عليه ومستقر في القانون الدولي، ومفاد هذا المبدأ أن القوة لا تخلق الحق بل تحميه، وقد نص على هذا المبدأ في العديد من قرارات الأمم المتحدة، سواء قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، أهم هذه القرارات القرار رقم 242 والقرار رقم 337 عن مجلس الأمن، ولأن ذلك يعتبر مكافأة للكيان الصهيوني لاحتلاله الأرض.

إن توصية التقسيم رقم 181 لعام 1947 منعدمة قانونا، وتعتبر عملا ماديا وليس تصرفا قانونيا، أي أنها لا تنتج أي أثر قانوني في القضية الفلسطينية، وكل ما ترتبت عليها باطل بطلانا مطلقا، للآتي:
– مخالفة توصية التقسيم للمادة الأولى الفقرة الثانية والمادة (55) من ميثاق الأمم المتحدة بشأن مبدأ حق تقرير المصير للشعوب، وهو من المبادئ العامة في القانون الدولي التي لا يجوز مخالفتها ولا حتى الاتفاق على مخالفتها طبقا للمادة (34) من قانون المعاهدات عام 1969.
– مخالفة قرار التقسيم 181 للمادة (10) من ميثاق الأمم المتحدة التي تخولها حق التقدم بتوصيات من دون اتخاذ القرارات.
– إن توصية التقسيم رقم 181 لعام 1947 مشوبة بالبطلان لأنها لم تكتسب الدرجة القطعية وتصبح قراراً نهائيا طبقا لإجراءات الأمم المتحدة، وقد قام مجلس الأمن والجمعية العامة بإلغائها ووقف تنفيذها حيث أصدر مجلس الأمن القرار رقم (27) بتاريخ 19/ 3/ 1948 وقرر المجلس فيه بأنه ليس لديه الاستعداد لتنفيذ توصية التقسيم رقم 181 لسنة 1947 ويوصي بإعادة القضية الفلسطينية للجمعية العامة، وفرض وصاية مؤقتة على فلسطين تحت وصاية مجلس الأمن، ولكن هذا الإجراء لم ينفذ كلياً أو جزئياً، إضافة إلى ذلك أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 14/ 5/ 1948 قرارها الثاني المتضمن إعفاء لجنة فلسطين من أية مسؤوليات، التي نصت عليها المادة (2) من قرار التقسيم 181 لسنة 1947 والعمل على إجراء تسوية سلمية لمستقبل الوضع في فلسطين.
– يخالف قرار التقسيم مبدأ احترام الحقوق المتساوية للشعوب، ومبدأ حق المساواة في السيادة بين الدول الوارد في المادة الثانية الفقرة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، ومبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية المنصوص عليه في المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.

وترتيبا على ما سبق من البطلان المطلق لتوصية التقسيم 181 لسنة 1947، فضلا عن الإلغاء من جانب الجمعية العامة ومجلس الأمن، يتم بطلان كافة الآثار والأفعال التي ترتبت عليها، وكذلك بطلان كافة القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تخالف ما سبق من قواعد عامة آمرة في القانون الدولي، وكذلك كافة التصرفات التي قامت بها قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية كافة من النهر إلى البحر بما فيها مدينة القدس الشريف كاملة.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

الأرض التي أعطيت لهذا الكيان الصهيوني ليست أرضه وليست من حقه لأنه سيطر عليها بالقوة ومن دون سند من القانون والواقع فهو سلطة احتلال، وذلك مخالف لمبدأ تحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وهو من المبادئ العامة والآمرة في القانون الدولي، التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، كما أن وسيلة اكتساب أرض إقليم الدولة عن طريق الغزو أو الفتح، كانت من وسائل القانون الدولي التقليدي الذي أنتهى، باعتماد وثبات مبدأ تحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، لذلك فإن الإقليم يعتبر غير مملوك للكيان الصهيوني فهي أرض محتلة، وطبقا لقانون الاحتلال الحربي فأن الاحتلال لا ينقل السيادة للمحتل بل تبقي الأرض ملكا لأصحابها وهم أبناء الشعب الفلسطيني، كما أن الاحتلال بطبيعته مؤقت، والتوقيت هنا يجعل وجود الصهاينة في فلسطين مؤقت طبقا لقانون الاحتلال الحربي، مما يعني عدم توافر شرط ملكية أرض إقليم الدولة، والإقامة المستمرة فيها.

بصدور قرار الجمعية العامة رقم 1514 الدورة 15 الصادر في 14 كانون الأول (ديسمبر) 1960 الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، وقد نص على أنه “لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، بوضع حد لجميع أنواع الأعمال المسلحة أو التدابير القمعية، الموجهة ضد الشعوب التابعة، لتمكنها من الممارسة الحرة والسليمة لحقها في الاستقلال، وتحترم سلامة ترابطها الوطني، وأنه يصار فورا إلى اتخاذ التدابير اللازمة، في الأقاليم المشمولة بالوصاية أو الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، أو جميع الأقاليم الأخرى التي لم تنل بعد استقلالها، لنقل جميع السلطات إلى شعوب تلك الأقاليم، من دون أية شروط أو تحفظات، ووفقا لإرادتها ورغبتها المعلن عنها بحرية، لتمكينها من التمتع بالاستقلال والحرية التامين”. يكون وجود الصهاينة في فلسطين غير شرعي، وينبغي إنهاء الاحتلال الصهيوني وحصول فلسطين على استقلالها، وليس مكافأته على جرائمه بحق الشعب الفلسطيني.

وقد أكدت الجمعية العامة على أن حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف، بما في ذلك حقه في تقرير المصير وحقه في نيل الاستقلال والحصول على حريته، وإنهاء وتصفية الاستعمار الجاسم على ترابه، وذلك في عدة قرارات أشهرها القرار رقم 2535 بشأن التأكيد على أن حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف، أي أنها ثابتة، والقرار رقم 3236 الصادر في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974 وقد أكدت فيه الجمعية العامة على أن الحقوق الفلسطينية لا يمكن التنازل عنها والتصرف فيها وأن هذه الحقوق تقع في فلسطين، والقرار رقم 2672 بشأن التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتم تشكيل لجنة للعمل على توفير تلك الحماية والحصول على كافة حقوقه.

كما نصت المادة السابعة من صك الانتداب على منح اليهود الجنسية الفلسطينية، وليس تكوين دولة على أي جزء من أرض فلسطين من النهر إلى البحر، فقد كانت فلسطين من الدول التي تقع تحت الانتداب الفئة (أ) مثل سوريا ولبنان، وكانت لفلسطين جنسية متميزة عن جنسية دولة الانتداب، وقد بينت ذلك المادة السابعة من وثيقة الانتداب التي نصت على “تتولي إدارة فلسطين سن قانون الجنسية، ويجب أن يشتمل ذلك القانون علي نصوص تسهل اكتساب الجنسية الفلسطينية لليهود الذين يتخذون فلسطين مقاما دائما لهم”.

والغريب في الأمر رغم كل ما سبق، لم تقبل الأمم المتحدة فلسطين دولة عضوا بها، علما بأنه تم الإعلان عنها عام 1988 ووافقت عليها أكثر من مئة وأربعة وعشرين دولة، مما يضعها في دائرة التواطأ والاتهام، فقد أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 3210 بتاريخ 14 نشرين الاول (أكتوبر) 1974، بقبول منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب في الأمم المتحدة، وهذا القرار اعتراف بشرعية الحقوق الفلسطينية، ولكنه قرار معيب وناقص، لأن مفاد القرار اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية مراقب وليس فلسطين، لماذا لم ينص القرار على اعتبار فلسطين مراقب، مما يؤكد التواطأ والاتهام، بعد حيادية الأمم المتحدة قبل القضية الفلسطينية، وأصدرت القرار رقم 3237 في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1974 بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها مراقب دائم لحضور كافة الدورات وجميع المؤتمرات الدولية التي تعقدها وترعاها الجمعية العامة بشأن القضية الفلسطينية، وطبقا للميثاق فإن المراقب ليس من حقه سوى الاستماع لما يتم في الدورات والمؤتمرات، وليس له حق التصويت ولكنه يقدم مقترحات في الموضوعات التي تتصل به.

على الرغم من اتهام الأمم المتحدة بمخالفة ميثاقها، إلا أنها كانت أفضل حالا من الدول العربية والإسلامية، فقد أصدرت العديد من القرارات في صالح القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، ولكن الدول العربية والإسلامية، لم تتمسك بها، ولم تستخدم الآليات القانونية سواء داخل الأمم المتحدة أو خارجها، وأهم هذه القرارات القرار الخاص بطرد “إسرائيل” من الأمم المتحدة وفرض حصار عسكري وسياسي واقتصادي عليها وهو قرار الجمعية العامة الملزم رقم 37/123 الصادر في 16/12/1982 طبقا للمادة (12) من الميثاق، وقد تكرر هذا القرار لأكثر من عشرة سنوات متتالية، مما يعني أنه ملزم لكافة أعضاء الأمم المتحدة.

يدل ذلك على أن كافة حقوق الشعب الفلسطيني في المقاومة والاستقلال والحرية وتكوين دولته على أرضه وعودة اللاجئين إلى ديارهم، حقوق طبيعية، والحقوق الطبيعية لا يملك القانون الدولي حيالها سوى تنظيم الحصول عليها، ولا يملك حق منعها أو الانتقاص منها، فهي ثابتة ثبات الطبيعة، ويقع كل ما يخالف ذلك باطلا بطلانا مطلقا، مما يعني أن القرارات الصادرة مخالفة لذلك هي فعل مادي لا يرتب عليه القانون الدولي أي أثر قانوني، مهما كانت الجهة صادرة القرار حتى ولو الأمم المتحدة، أو أطراف المشكلة الدولية أي حتي لو كان الفلسطينيون أنفسهم أو عن طريق من يدعي تمثيله حتى لو كان تمثيله صحيحا.

ترتيبا على ما سبق فإن فكرة إتشاء دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967، هي غير قانونية ومخالفة للقانون الدولي العام المعاصر، فضلا عن عدم معقوليتها، لأن الباقي من فلسطين عام 1967، هي قطع أراضي غير متصلة وتمثل 22 في المئة من أرض فلسطين، وهي عبارة عن القدس الشرقية والصفة الغربية وغزة، وهي غير متصلة بل هي قطع منفصلة عن بعضها البعض مما يحول دون قيام دولة بالمعنى السياسي المعروف، فضلا عن أن الكيان الصهيوني وضع مغتصبات تجعل مجرد الانتقال من مكان لمكان في الأراضي المحتلة بعد عام 1967 شبه مستحيل، كما أن الدولة المطروحة على هذه المساحة لا تملك مقومات الدولة من حيث الموارد الاقتصادية، وستكون معتمدة اعتمادا كليا على ما يجود به الكيان الصهيوني لها من موارد حتى الموارد المائية بيده، كما أن المطلوب منها أن تكون منزوعة السلاح تماما وليس لها أي سيادة لا على الأرض ولا على الحجر ولا البشر، وتلك مهزلة، على الفلسطينين أن يرفضوا ذلك تماما وان يتمسكوا بالمقاومة وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر وهذا حق مشروع كفله القانون الدولي.

* بقلم د. الدكتور مصطفى احمد ابو الخير*

-استاذ القانون الدولي العام رئيس المجلس الاستشاري للجمعية الفلسطينية لحقوق الإنسان “راصد”-

( رؤية قانونية عن دولة فلسطين في حدود العام 1967)

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : رؤية قانونية عن دولة فلسطين في حدود العام 1967