دراسة موجزة حول العلاقة القانونية بين حامل الورقة التجارية والملتزمين الصرفيين

تقوم العلاقة بين حامل الورقة التجارية والملتزمين بموجبها على مبدأين رئيسين هما مبدأ وحدة محل الالتزام ومبدأ تعدد الروابط القانونية ؛ وسنفرد فرعا مستقلا لكل مبدأ من هذين المبدأين .

الفرع الاول : وحدة محل الالتزام :

يقصد بوحدة محل الالتزام ان موضوع التزام المتضامنين الصرفيين واحداً وهو دفع قيمة الورقة التجارية ، ويترتب على هذا المبدأ اثرين مهمين: الاول ان للحامل الحق في مطالبة كل ملتزم بكل مبلغ الدين الصرفي ، اما الاثر الثاني فمفاده ان استيفاء الحامل لدينه الصرفي من احد الملتزمين يمنعه من الرجوع على باقي الملتزمين . وسنخصص فقرة مستقلة لكل من هذين الاثرين :

الفقرة الاولى : حق الحامل في المطالبة بكل الدين الصرفي :

لما كان محل التزام جميع المتضامنين الصرفيين واحداً فان للحامل الحق في مطالبتهم بكل مبلغ الورقة التجارية وهو حرٌ في اختيار طريقة الرجوع عليهم فله ان يرجع على الملتزمين الصرفيين منفردين او ان يرجع عليهم مجتمعين .

اولاً: رجوع الحامل على الملتزمين الصرفيين منفردين:

يحق للحامل الرجوع على أي من المتضامنين الصرفيين ومطالبته بمبلغ الورقة التجارية(1). فهو يستطيع الرجوع على الساحب والمظهر والقابل والضامن والقابل بالتدخل ، وقد اشارت إلى ذلك المادتان (102 ، 169) من قانون التجارة العراقي ، فقد نصت المادة (102) على انه “اولاً: لحامل الحوالة عند عدم وفائها في ميعاد الاستحقاق الرجوع على المظهرين والساحب وغيرهم من الملتزمين” اما المادة (169) منه فقد نصت على انه “لحامل الصك الرجوع على الساحب والمظهرين وغيرهم من الملتزمين به …” . وهذا ما ذهب اليه القضاء في العديد من قراراته(2) . كما اشارت المادة (106) من قانون التجارة العراقي إلى طريق المطالبة الفردية صراحة بالقول ” للحامل الرجوع على هؤلاء الملتزمين منفردين… ” . ويتخذ رجوع الحامل على المتضامنين الصرفيين عند مطالبته اياهم بصورة فردية اشكالاً متعددة ، مع ضرورة ملاحظة ان اشكال الرجوع على الملتزمين غير ملزمة للحامل وبالتالي فانه يستطيع اتخاذ الشكل الذي يراه مناسباً له دون التقيد باشكال الرجوع الاخرى . ويمكن اجمال اشكال الرجوع بما يأتي :-

1. الرجوع الودي : قد يفضل حامل الورقة التجارية المطالبة بقيمتها بصورة ودية رغبة منه في استيفاء حقه بعيداً عن اروقة المحاكم وما تتطلبه من إجراءات ونفقات ،ويحدث هذا في الغالب عندما يرتبط الحامل بالملتزمين الصرفيين بروابط تتجاوز العلاقات المالية ،او حين تحول مصالحهم المشتركة دون الاحتكام إلى القضاء (3).كما قد يحصل ان يتفق الملتزمين الصرفيين مع حامل الورقة التجارية على ان يبدأ اولا بمطالبتهم مطالبة ودية ، عند امتناع المسحوب عليه عن الوفاء ، قبل اللجوء إلى المطالبة القضائية ولا شك ان مثل هذا الاتفاق جائز لانه لايحرم الحامل من حقه في اللجوء إلى القضاء بل كل ما في الامر ان عليه ان يبتدىء بالمطالبة الودية فان تعذر عليه استيفاء حقه جاز له عندئذٍ اللجوء إلى القضاء .وقد يفضل الحامل منح مدينه الصرفي فترة من الزمن على امل ان يُحسن خلالها اوضاعه المالية ليستدرك ما يحتاج اليه من سيولة نقدية تمكنه من الوفاء ، فيعمد إلى سحب حوالة الرجوع ، وقد اشارت اليها المادة (114) من قانون التجارة العراقي(4). بالقول “اولا: لكل من له حق الرجوع على غيره من الملتزمين بالحوالة ان يستوفي حقه بسحب حوالة جديدة على احد ضامنيه تكون مستحقة الاداء لدى الاطلاع وواجبة الاداء في مقام هذا الضامن مالم يشترط غير ذلك”.

2. التنفيذ المباشر: يستطيع الحامل ايضاً ان يسلك طريق التنفيذ المباشر، دون اللجوء إلى القضاء، وذلك في الدول التي تعتبر الاوراق التجارية فيها محررات قابلة للتنفيذ في مديريات التنفيذ كقانون التنفيذ العراقي رقم 45 لسنة 1980 وقانون الاجراء اللبناني النافذ الصادر بتاريخ 4/ايار/1954 مع وجود فارق بين كل من القانونين ، ففي الوقت الذي يجيز فيه قانون الاجراء اللبناني للحامل التنفيذ المباشر على أي من الملتزمين الصرفيين(5). نجد ان قانون التنفيذ العراقي يشترط ان لايكون المدين المراد التنفيذ بحقه من مظهري الورقة التجارية واذا كان المطلوب التنفيذ بحقه كفيلاً وجب تبليغ المدين للوقوف على مالديه من اعتراضات(6).

3. استصدار امر اداء: اجازت قوانين بعض الدول ، كقانون المرافعات المدنية والتجارية المصري النافذ رقم 13 لسنة 1968 (المادة 201) وقانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتي (المادة 166)(7). لحامل الورقة التجارية استصدار امر اداءٍ إذا اراد الرجوع على الساحب او المسحوب عليه القابل او الضامن الاحتياطي لاحدهما من دون حاجة لرفع الدعوى القضائية (8).

4. الرجوع القضائي: وذلك عن طريق رفع الدعوى واختصام الملتزمين الصرفيين قضائياً وهو الاسلوب الغالب الذي يلجأ اليه الحامل عندما يتعذر عليه استيفاء مبلغ الورقة التجارية وقد اشارت اليه المادة (106) من قانون التجارة العراقي بالقول “ثالثا: الدعوى المقامة على احد الملتزمين لاتحول دون الرجوع على الباقين …”. ويخضع رفع الدعوى الصرفية للقواعد العامة في قانون المرافعات المدنية ، ويكون الاختصاص في نظر الدعوى الصرفية لمحكمة البداءة التي يقع في دائرتها موطن الملتزم الذي يريد الحامل الرجوع عليه، او مركز معاملاته ، او محل نشوء الالتزام الصرفي ، او مكان وفاء الورقة التجارية ، او المحل الذي اختاره الاطراف لا قامة الدعوى الصرفية(9). اما إذا كان الملتزم الذي يريد الحامل الرجوع عليه ، شخصاً معنوياً فيكون الاختصاص لمحكمة البداءة التي يقع في دائرتها مركز ادارته الرئيسي(10).

ويجوز للملتزم الذي رفعت عليه الدعوى الصرفية ، ان يطلب ادخال باقي الملتزمين الصرفيين معه في الدعوى ، كما ان للمحكمة ان تدعو أي شخص للاستيضاح منه عما يلزم لحسم الدعوى، كما يجوز لباقي الملتزمين الصرفيين ان يتدخلوا في الدعوى التي رفعها الحامل منضماً الى الملتزم الاول او طالباً الحكم لنفسه فيها(11).

ثانيا: رجوع الحامل على الملتزمين الصرفيين مجتمعين:

يحق للحامل كذلك ان يرجع على جميع الملتزمين الصرفيين دفعة واحدة ومطالبتهم جميعاً بمبلغ الورقة التجارية وهو ما اشارت اليه صراحة المادة (106) من قانون التجارة العراقي بالقول: “للحامل الرجوع على هؤلاء الملتزمين منفردين او مجتمعين”. وغالبا ما يأخذ الرجوع الجماعي شكل المطالبة الودية او القضائية ، اما اشكال الرجوع الاخرى، كالتنفيذ المباشر او استصدار امر الاداء ، فانها لأتصلح لحالة الرجوع الجماعي إذ انها مختصة بحالة الرجوع على بعض الملتزمين دون البعض الاخر. ويلزم اقامة الدعوى في محكمة مختصة يقع في دائرتها موطن احد الملتزمين الصرفيين (12). وقد يحصل احياناً ان يرفع الحامل عدة دعاوى على الملتزمين الصرفيين في وقت واحد وتلك الدعاوى اما ان تكون مرفوعة امام محكمة واحدة ، عندما تكون تلك المحكمة مختصة نوعياً ومكانياً بالنسبة لجميع الملتزمين الصرفيين وفي هذه الحالة يجوز للخصوم ان يطلبوا ضم الدعاوى الى بعضها كما ان للمحكمة ان تامر بضم تلك الدعاوى ، او ان تكون تلك الدعاوى مرفوعة امام عدة محاكم وهنا يجوز للملتزمين ان يطلبوا نقل الدعاوى الى المحكمة التي رفعت امامها اول دعوى. ويكون القرار الصادر في الدعوى الجماعية ملزماً لجميع الملتزمين الصرفيين بصورة شخصية وتضامنية ومن ثم فان للحامل الحق في تنفيذ قرار الحكم في مواجهة أي ملتزم متضامن كما يحق له تنفيذه في مواجهة جميع الملتزمين. ويجوز للحامل اثناء رفع دعوى الرجوع الصرفية على الملتزمين ، بصورة منفردة كانت او مجتمعة ، ان يوقع حجزاً احتياطياً على اموال الملتزمين المنقولة(13). لمنع الملتزمين من تهريب تلك الاموال فضلاً عما للحجز التحفظي من اهمية كوسيلة ضغط على المدين ، نظراً لما له من اثر سيء على سمعة المدين ، فيحاول الاخير تفاديه باداء مبلغ الورقة التجارية قبل اتخاذ هذا الاجراء التحفظي(14).

الفقرة الثانية : استيفاء الحامل لدينه الصرفي من احد الملتزمين يمنعه من الرجوع على الاخرين :

لما كان محل التزام جميع المتضامنين الصرفيين واحداً ، فان استيفاء الحامل لدينه الصرفي من احد الملتزمين يمنعه من الرجوع على باقي المتضامنين لمطالبتهم بذلك الدين ، إذ لايجوز للدائن استيفاء دينه اكثر من مرة واحدة ، معنى ذلك ان وفاء احد المتضامنين للدين الصرفي يبرئ ذمة سائر المتضامنين معه في مواجهة الحامل الذي تم الوفاء له(15) . والوفاء بالدين الصرفي اما ان يكون كلياً او جزئياً فاذا ما حصل ، عند رجوع الحامل على الملتزمين ، ان اوفى احدهم بمبلغ الورقة التجارية كاملا برأت ذمته وذمم سائر المتضامنين (مع التأكيد على ان الوفاء للحامل لايعني بالضرورة براءة ذمة الملتزمين نهائياً بقدر ما يعفيهم من رجوع الحامل ، الذي استوفى حقه ، عليهم) . اما إذا قام احد الملتزمين الصرفيين بوفاء جزء من قيمة الورقة التجارية برأت ذمته وذمة بقية المتضامنين معه بقدر ما يُدفع من اصل قيمتها(16). ومن ثم لا يجوز للحامل الرجوع على بقية المتضامنين الا بالقدر غير المدفوع من قيمة تلك الورقة ، ذلك لان موضوع الدين الصرفي واحداً ولايتعدد بتعدد المدينين المتضامنين(17). وهنا يتبادر تساؤل عن مدى امكانية المدين الصرفي في اجبار الحامل على قبول الوفاء الجزئي. وللاجابة على ذلك نقول :ان التشريعات التجارية لم تتفق بشان هذه المسألة: فذهبت بعض التشريعات كاتفاقية الاونسيترال لعام 1988 إلى ان الحامل غير ملزم بقبول الوفاء بجزء من قيمة الورقة التجارية(18). بينما الزمت معظم القوانين التجارية الحامل بقبول الوفاء الجزئي(19). ويشترط لالزام الحامل بذلك الوفاء ان يكون حاصلاً في ميعاد استحقاق الورقة التجارية إذ “لايجبر حامل (الحوالة) على قبض قيمتها قبل الاستحقاق” (20). فان رفض الحامل الوفاء الجزئي الحاصل في ميعاد الاستحقاق جاز للمدين ان يعرضه عليه عرضاً صحيحاً ثم يقوم بايداع ذلك المبلغ وفقاً لقواعد العرض والايداع المنصوص عليها في القانون المدني(21). وبالمقابل لايجوز للحامل الرجوع على بقية المتضامنين الا بالقدر غير المدفوع من قيمة الورقة التجارية ، وان كان قد رفض الوفاء الجزئي مما يعني ان الحامل هو الذي يتحمل لوحده مسؤولية عدم استيفاء ذلك الجزء المعروض من قيمة الورقة التجارية. والواقع ان سياسة المشرع التجاري في الزام الحامل بقبول الوفاء الجزئي لها ما يبررها ، إذ ان اثر الوفاء الجزئي لايقتصر على الحامل فقط بل يمتد ليشمل بقية المتضامنين الصرفيين الذين يكون من مصلحتهم الاقتصار على دفع الجزء غير الموفى من قيمة الورقة التجارية بدلاً من دفع قيمتها كاملة(22). فحاول المشرع التجاري التخفيف من اعباء الملتزمين الصرفيين ، نظراً لما القاه عليهم من حمل ثقيل من خلال النص على التضامن فيما بينهم في مواجهة الحامل ، فمنع الحامل من رفض الوفاء الجزئي في محاولة لتحقيق الموازنة بين مصلحتي الحامل والملتزمين الصرفيين. ويرى فقهاء القانون التجاري ان حكم الزام الحامل على قبول الوفاء الجزئي ، يقتصر على الوفاء الجزئي الذي يعرضه المسحوب عليه فقط ولايمتد إلى الوفاء الجزئي المعروض من بقية الملتزمين الصرفيين ، على اعتبار ان هذا الحكم يعد حكماً خاصاً بالمسحوب عليه ، لايجوز التوسع في تفسيره (23) .

الفرع الثاني : تعدد الروابط:

ان وحدة محل الالتزام لاتمنع من وجود روابط متعددة، تربط الحامل بالملتزمين الصرفيين ومستقلة بعضها عن بعض(24). ويتجلى ذلك واضحاً من خلال قاعدة استقلال التواقيع والتي يراد بها اعتبار كل من يضع توقيعه على الورقة التجارية ملتزماً التزاماً مستقلاً عن التزامات غيره من الموقعين(25) .

ويترتب على مبدأ تعدد الروابط النتائج الاتية :

اولاً: ان رجوع الحامل على احد الملتزمين الصرفيين لايفقده حقه في الرجوع على الاخرين (26). فاذا ما شعر الحامل بانه قد اقام الدعوى على ملتزم معسر ، او رأى ان يوجه مطالبته لملتزم اخر ظهر له فيما بعد ان مطالبته تعد اكثر جدوى او ايسر من الدعوى الاولى ، او بدا له أي سبب اخر لهذه المطالبة الجديدة ، فان الحامل لايتقيد بالمطالبة الاولى بل ان له ان يدخل الملتزم الصرفي الاخر خصماً في الدعوى الاولى ويطلب الحكم على الاثنين في الدين الصرفي متضامنين فيه ، كما ان له ان يترك الدعوى الاولى ويرفع دعوى جديدة على الملتزم الاخر يطالبه فيها وحده بكل قيمة الورقة التجارية . ولم يلزم المشرع التجاري الحامل بمراعاة ترتيب التزام المتضامنين الصرفيين(27). بمعنى انه لم يرتب على اقامة الدعوى على ملتزم معين امتناع اقامتها على ملتزم اخر وان كان لاحقاً للملتزم الذي اقيمت عليه الدعوى ابتداء(28). وهذا على خلاف ما كان عليه القانون التجاري المصري السابق الذي اشترط على الحامل ، متى اختط سبيل المطالبة الفردية ، ضرورة مراعاة ترتيب توقيع الملتزمين الصرفيين، بحيث رتب على مطالبة الساحب براءة ذمة جميع الملتزمين الاخرين كما رتب على مطالبة أي مظهر براءة ذمة المظهرين اللاحقين عليه في التزامهم(29). على افتراض ان الحامل عند مطالبته احد الملتزمين الصرفيين قد تنازل عن مطالبة الملتزمين اللاحقين عليه وهو اتجاه منتقد على اعتبار ان المشرع التجاري قد اسند إلى الحامل قصداً قد لايجول بخاطره(30)

ثانياً: ان بطلان التزام احد الموقعين على الورقة التجارية لا يؤثر على التزامات غيره من الموقعين ، بعبارة اخرى انه قد يكون التزام احد الموقعين باطلاً لنقص في اهلية الموقع او لتزوير توقيعه ، ففي مثل هذه الاحوال يتحلل الموقع من المسؤولية الصرفية الا ان بطلان التزامه لايستفيد منه غيره من الموقعين الاخرين الذين يظل التزامهم صحيحاً(31). وهو ما نصت عليه المادة (47) من قانون التجارة العراقي النافذ بالقول “إذا حملت الحوالة توقيعات اشخاص ليس لهم اهلية الالتزام بها او توقيعات مزورة او لاشخاص وهميين او توقيعات غير ملزمة لاصحابها او لمن وقعت الحوالة باسمائهم ، فان التزامات غيرهم من الموقعين عليها تبقى مع ذلك صحيحة ” .

ثالثا: ان أي ملتزم صرفي لايستطيع التمسك بالدفوع الخاصة بغيره من الملتزمين: وهنا لابد لنا من التعرف على انواع الدفوع من حيث مدى امكانية الملتزم الصرفي من التمسك بها قِبل الحامل : فالدفوع تقسم على دفوع مشتركة بين جميع الملتزمين الصرفيين ودفوع خاصة : فالدفوع المشتركة هي الدفوع التي يمكن لاي ملتزم التمسك بها في مواجهة الحامل كالدفع ببطلان الورقة التجارية لنقص في احد بياناتها الالزامية(32) . اما بالنسبة للدفوع الخاصة فيقصد بها الدفوع التي تتعلق بشخص او التزام احد الموقعين على الورقة التجارية دون غيره ، وهذه الدفوع تقسم بدورها على دفوع موضوعية ودفوع شخصية : فالدفوع الموضوعية يمكن التمسك بها في مواجهة كل حامل للورقة التجارية ، ومن امثلتها: الدفع بانعدام الاهلية او نقصها والدفع بالتزوير والدفع بالاكراه الملجيء حسب الرأي الراجح والدفع بعدم مشروعية السبب عند ذكره في الورقة التجارية أضافة إلى الدفع بالتقادم ؛ ويعتبر الغلط في طبيعة الورقة التجارية في بعض التشريعات التجارية ، كقانون الحوالات التجارية الانكليزي لعام 1882(33). واتفاقية الاونسيترال لعام 1988(34). من الدفوع الموضوعية التي يمكن ان يحتج بها على الحامل ، وان كان حسن النية ، شريطة ان لايكون الغلط راجعاً إلى اهمال الموقع وان يكون نتيجة غش من طرف اخر. اما فيما يخص الدفوع الشخصية فان الملتزم الصرفي يستطيع التمسك بها قبل الحامل سيء النية ، بينما لايستطيع التمسك بها قبل الحامل حسن النية الا إذا كانت تلك الدفوع متصلة بعلاقة الحامل المدعي بالملتزم المدعى عليه تطبيقاً لقاعدة تطهير الدفوع . ويعتبر الحامل حسن النية إذا لم يكن وقت حصوله على الورقة التجارية قد تصرف بقصد الاضرار بالمدين(35). ويفسر جانب من فقهاء القانون التجاري (قصد الاضرار بالمدين) مجرد علم الحامل بالدفع الذي يمكن للمدين التمسك به(36). في حين يذهب جانب اخر من الفقه إلى القول بان العلم وحده لايكفي لاثبات سوء النية ، بل لابد من توافر نية الاضرار بالمدين الصرفي ومحاولة حرمانه من التمسك بالدفوع التي كان يمكنه التمسك بها تجاه احد الحملة السابقين(37) . ويبدو ان الرأي الاول اجدر بالتأييد ، إذ ان قاعدة تطهير الدفوع تهدف إلى حماية الحامل القانوني وذلك بعدم مطالبته بدفع لم يكن يعلم به ، فان علم بذلك الدفع وقت حصوله على الورقة التجارية انتفت الغاية من تلك القاعدة ولزم تبعاً لذلك استبعادها بحقه . اما فيما يتعلق بقانون الحوالات التجارية الانكليزي فقد عرف في المادة (90) حسن النية بالقول : يعتبر العمل صادراً عن حسن نية عندما يكون في الحقيقة صادراً عن استقامة سواء اكان هناك اهمال ام لم يكن ؛ تجدر الاشارة هنا إلى ان القانون الانكليزي لايكتفي بحسن النية لتطبيق قاعدة تطهير الدفوع بل يلزم ان يكون الحامل قانونياً ، وقد عرفت المادة (29) منه الحامل القانوني بانه “الحامل الذي استلم حوالة تجارية تامة ونظامية ، وبموجب الشروط الاتية :

أ- ان يكون قد اصبح حاملاً للحوالة التجارية قبل فوات ميعاد استحقاقها وان لايكون عالماً برفض قبولها إذا سبق وقدمت للقبول .

ب- ان يكون قد استلم الحوالة التجارية بحسن نية وبالقيمة والا يكون عالماً ، وقت نقلها اليه ، بوجود عيب في ملكية من نقلها اليه”.

ويعد من قبيل الدفوع الشخصية الدفع بعيوب الرضا من غير الاكراه الملجيء والدفع بعدم مشروعية السبب او انعدامه والدفع بعدم تنفيذ الالتزام الذي كان السبب في نشوء الالتزام الصرفي . وٍالدفوع الخاصة ، سواء أكانت دفوعاً موضوعية ام شخصية ، فلايمكن التمسك بها الا من قبل الملتزم صاحب تلك الدفوع ؛ اما بالنسبة لغيره من الملتزمين فلا يمكن لهم الاستفادة من تلك الدفوع ، ولم يخرج المشرع التجاري على هذه القاعدة الا بصدد الضامن إذ اجاز له التمسك ببطلان التزام الشخص المضمون لعيب في الشكل(38) .

رابعا: ان مقدار التزام احد المتضامنين الصرفيين قد يختلف عن مقدار التزام غيره من المتضامنين ، وهذه النتيجة يمكن تصورها باحدى فرضيتين :

الفرضية الاولى: حصول تحريف بمبلغ الورقة التجارية ، سواء أكان بالحذف ام بالاضافة ام بالتغيير ام بغيرها من وسائل التحريف وسواء أكان التحريف عفوياً ام ارادياً. والقاعدة هنا ان كل موقع على الورقة التجارية يلتزم بمقتضى الشروط والبيانات التي تتضمنها تلك الورقة وقت توقيعه عليها(39). عملاً باحكام المادة (131) من قانون التجارة العراقي وما تنص عليه من التزام الموقعين اللاحقين على التحريف بما ورد في النص المحرف ، والزام الموقعين السابقين على التحريف بما ورد في المتن الاصلي ؛ فاذا كان الساحب مثلا قد وقع على الورقة التجارية عند سحبها وهي تتضمن مبلغ عشرة الاف دينار وامكن تحريفها إلى مئة الف دينار ، فهنا يلتزم الموقعون على الورقة التجارية، قبل حصول التحريف بالمبلغ الاصلي (عشرة الاف دينار) شريطة ان يثبتوا حصول التحريف فضلاً عن اثبات توقيعهم على الورقة التجارية قبل حصول ذلك التحريف ، اما بالنسبة للملتزمين اللاحقين على التحريف فيلتزمون بموجب المبلغ المحرف(40). تجدر الاشارة هنا إلى ان المادة (64) من قانون الحوالات التجارية الانكليزي قد نصت على ان كل تحريف (هام) في الحوالة يفقدها صحتها الا بالنسبة للشخص ذي المصلحة الذي رضي بهذا التحريف وللمظهرين المتعاقبين(41).

الفرضية الثانية : اقتصار التزام بعض الموقعين على ضمان جزء من مبلغ الورقة التجارية يُلاحظ على المشرع التجاري انه اجاز لبعض الملتزمين قصر التزامهم على ضمان جزء من مبلغ الورقة التجارية ، فمثلاً يجوز للمظهر تحديد التزامه بمبلغ معين ، كما يجوز للضامن تحديد التزامه بضمان جزء من مبلغ الورقة التجارية(42). كما يجوز للمسحوب عليه ان يقصر قبوله على جزء من مبلغ الحوالة التجارية(43) اما بالنسبة لساحب الورقة التجارية او محررها فلا يجوز له اعفاء نفسه من ضمان الوفاء كلياً او جزئياً ، ويقع باطلاً كل شرط يقضي بخلاف ذلك(44).

صفوة القول : ان مقدار التزام احد المتضامنين يمكن ان يكون مختلفاً عن مقدار التزام الاخرين وفي هذه الحالة يُسأل كل منهم مسؤولية شخصية وتضامنية في حدود مقدار التزامه عند رجوع الحامل عليه ، دون التقيد بمقدار التزام غيره من المتضامنين .

______________________________

1- د. محيي الدين اسماعيل علم الدين ، شرح قانون التجارة الجديد (تعليق على القانون مادة مادة مع اعماله التحضيرية) ، مصر ، 1999 ، ص804. د. محمد فريد العريني ، القانون التجاري (الاوراق التجارية والافلاس) ، دار المطبوعات الجامعية ، الاسكندرية ، 1985، ص28.

2- انظر في هذا المعنى : قرار محكمة التمييز العراقية رقم 613/مدنية اولى/1977 بتاريخ 3/1/1978 ، مجموعة الاحكام العدلية ، العدد الاول ، السنة التاسعة ، 1978 ، ص87، قرار محكمة التمييز الاردنية رقم 3302/ حقوقية / 1999 بتاريخ 29/6/2000 ، المجلة القضائية ، السنة الرابعة ، العدد السادس ، حزيران ، 2000 ، ص196 .

3- د.هشام فرعون ، مصدر سابق ، ص108 .

4- تقابلها المواد (51) من قانون جنيف الموحد لعام 1930 ، (163) من القانون التجاري الفرنسي ، (196) من قانون التجارة الاردني.

5- انظر المادة الاولى من قانون الاجراء اللبناني.

6- المادة (14/ثانياً) من قانون التنفيذ العراقي.

7- اما بالنسبة للمشرع العراقي فانه لم يؤخذ بنظام اوامر الاداء.

8- انظر في تفصيل ذلك د. مصطفى كمال طه ، الوجيز … ، مصدر سابق ، ص154.

9- انظر المادة (37) من قانون المرافعات المدنية العراقي.

10- المادة (38) من قانون المرافعات المدنية العراقي.

11- انظر المادة (69) من قانون المرافعات المدنية العراقي وتقابلها المواد (117 ، 118 ، 121) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري.

12- انظر المواد (37/2) من قانون المرافعات المدنية العراقي ، (49) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري.

13- انظر المواد (158) تجاري فرنسي ، (113) تجارة عراقي ، (198) تجارة اردني.

14- د. عزيز العكيلي ، الموجز في شرح قانون التجارة الكويتي ، ط1 ، مكتبة المنهل ، الكويت ، 1978، ص342.

15- د. عبد الرزاق السنهوري ، الوسيط …، ج3، مصدر سابق ، ص342.

16- انظر المادة (90/رابعا) من قانون التجارة العراقي ، والمقابلة للمواد (39) من قانون جنيف الموحد ، (170) من قانون التجارة الاردني ، (77) من اتفاقية الاونسيترال لعام 1988 .

17- د. سالم عبد الرضا طويرش، مصدر سابق ، ص90.

18- انظر المادة (73) من اتفاقية الاونسيترال لعام 1988.

19- انظر المواد (39) من قانون جنيف الموحد ، (90) تجارة عراقي ، (170) تجارة اردني.

20- المادة (91) تجارة عراقي وتقابلها المواد (40) جنيف الموحد ، (171) تجارة اردني.

21- انظر المواد (1257) مدني فرنسي ، (336 – 340) مدني مصري ، (385 – 389) مدني عراقي ، (322 – 328) مدني اردني.

22- د. امين محمد بدر ، الالتزام الصرفي … ، مصدر سابق ، ص83.

23- د. صلاح الدين الناهي …، مصدر سابق ،452 ، د. محمد حسني عباس ، الاوراق التجارية في التشريع الكويتي ، مصدر سابق ، ص164.

24- د. ياسين محمد الجبوري، الوجيز في شرح القانون المدني الاردني ، ج2 ، في اثار الحقوق الشخصية، احكام الالتزامات ، ط1 ، مركز حماد للطباعة ، اربد الاردن ، 1997 ، ص 418.

25- د. احمد البسام ، قاعدة تطهير الدفوع في ميدان الاوراق التجارية ، مطبعة العاني ، بغداد ، 1969، ص102، د. سمير عاليه ، الوجيز في القانون التجاري ، ط1، بيروت ، 1987، ص276.

26- د. محمد محمود ابراهيم، مصدر سابق ، ص125-126، د. رفعت ابادير ، مصدر سابق ، ص142.

27- انظر المواد: (47) من قانون جنيف الموحد لعام 1930 ، (44) من قانون جنيف الموحد لعام 1931، (106) من القانون التجاري العراقي ، (69) من اتفاقية الاونسيترال.

28- Henry Cabrillac، Le Cheque et. Le virement، 2 edition، Paris، 1957، p. 113

29-انظر المادة (164) من قانون التجارة المصري السابق.

30- د. محسن شفيق ، مصدر سابق ، ص226.

31- د. سمير عالية ، مصدر سابق ، ص276.

32- تختلف القوانين التجارية فيما بينها بشأن تحديد البيانات الواجب توافرها في الورقة التجارية فمثلا ان ذكر تسمية الحوالة التجارية ومكان الاداء وتاريخ الانشاء ومكان الانشاء واسم المستفيد ، تعد من البيانات الالزامية للحوالة التجارية في القانون التجاري العراقي ، في حين انها لاتعد من البيانات الالزامية في القانون الانكليزي، كما ان تلك البيانات تختلف في القانون الواحد باختلاف انواع الاوراق التجارية فمثلا في القانون العراقي يعد (اسم المستفيد) من البيانات الالزامية للحوالة التجارية ، في حين انه لايعد من بيانات الصك الالزامية.

33- انظر استاذنا د. مجيد العنبكي ، مبادئ العقد … ، مصدر سابق ، ص76-77، والذي يشير في ذلك إلى قضية (Foster v. Makinnon ، 1869) .

34- انظر المادة (30) من اتفاقية الاونسيترال لعام 1988 .

35- انظر المواد (17) من قانون جنيف الموحد، (57) من قانون التجارة العراقي ، (147) من قانون التجارة الاردني .

36- د. صلاح الدين الناهي ، الوسيط … ، مصدر سابق ، ص228. د. محمد حسني عباس ، الاوراق التجارية في التشريع الكويتي ، مصدر سابق ، ص94. د. فوزي محمد سامي ود. فائق الشماع ، مصدر سابق ، ص152.

37- د. رزق الله انطاكي ود. نهاد السباعي ، الوسيط … ، مصدر سابق ، ص373. د. مصطفى كمال طه، الاوراق التجارية … ، مصدر سابق ، ص90. د. علي سلمان العبيدي ، عدم التمسك بالدفع … ، مصدر سابق ، ص62.

38- انظر المواد (32) من قانون جنيف الموحد ، (82) من قانون التجارة العراقي ، (163) من قانون التجارة الاردني.

39- د. احمد البسام ، مصدر سابق ، ص104.

40- د.عزيز العكيلي ، الاوراق التجارية وعمليات البنوك ، ط1 ، الاصدار الاول ، الدار العلمية للنشر والتوزيع ودار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان ، 2002 ، ص229.

41- انظر في تفصيل ذلك المحامي يوسف سليم كحلا ، الشيك : تاريخه ونظامه وتطبيق احكامه في القوانين التجارية والجزائية في البلاد العربية والاجنبية واتفاقيات جنيف الموحدة ، مطابع فتى العرب، دمشق ، 1967، ص340-342.

42- المادتان (80 ، 154) من قانون التجارة العراقي وتقابلهما المادة (46) من اتفاقية الاونسيترال لعام 1988 .

43- المادة (76) من قانون التجارة العراقي ، وتقابلها المادة (43) من اتفاقية الاونسيترال لعام 1988.

44- المادتان (55 ، 646) من قانون التجارة العراقي وتقابلهما المواد (390 ، 485) من قانون التجارة المصري النافذ ، (39) من اتفاقية الاونسيترال لعام 1988 .

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *