الغلط , سلامة الرضا وعيوب الارادة

– تعريف الغلط :

هو توهم يقع في ذهن الشخص , فيصور له الأمر على غير حقيقته , ويكون
هذا التوهم هو الدافع إلى التعاقد .
… أي لم يتعاقد الشخص إلا نتيجة للوهم , ولو لم يتوهم لما أقدم على التعاقد .
مثال : كأن يتوهم في تمثال على أنه أثري , فيشتريه , ثم يجد أنه غير أثري .

– أنواع الغلط :

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

الغلط إما أن يمنع انعقاد العقد .
وإما أن يجعل العقد معيباً , رغم انعقاده .
وإما أن يكون غير مؤثر في انعقاد العقد وفي صحته .
وسنبحث في هذه الأنواع الثلاثة فيما يلي :

أولاً : الغلط المانع من الرضا :
الغلط المانع من الرضا هو وهم ينصب على ركن من أركان العقد أو نوعه أو سـببه أو
محله , مما يجعل الإرادتين غير متطابقتين , ويمنع بالتالي من تلاقيهما .
وهذا الغلط يعدم الإرادة ولا يقتصر على أن يعيبها , وبالتالي يجعل العقد باطلاً , وليـس قابلاً للإبطال .
وحالات الغلط المانع هي :
1- الغلط في ماهية العقد :كما إذا أعطى شخص لآخر نقوداً على أنها قرض , وأخذها الآخر على أنها هبة … ففي هذه الحالة لا يقوم القرض ولا تقوم الهبة , ذلك لأن العقد لم ينعقد بسبب عدم تلاقي الإرادتين .
2- الغلط في ذاتية المحل : كما لو كان شخص يملك سيارتين من صنفين مختلفين , فباع
إحداهما , والمشتري يعتقد أنه يشتري الأخرى , فلا عقد أيضاً في هذه الحال .
3- الغلط في سبب الالتزام : كأن يتفق الورثة مع الموصى لهم على قسمة أعيان التركة , اعتقاداً منهم بصحة الوصية ونفاذها , ثم يتضح لهم أن الوصية باطلة وأن المورث قد رجع عنها قبل وفاته , فسبب الالتزام هنا غير موجود , وبالتالي فلا عقد .
لاحظ : هنا لا يوجد خطأ في الإرادة , وإنما في نقلها .
4-الغلط في محل الالتزام : كبيع شيء معين بالذات اعتقاداً بوجوده وقت البيع , ثم يتبين أنه قد هلك في ذلك الوقت …[ ولكن هذا يقع في باب المحل وليس في باب الغلط … ] .
إذاً: الغلط المانع ليس عيباً من عيوب الإرادة , لأنه حتى يكون هناك عيب فيجب أن تكون هناك إرادة , وبما أنه يعدم هذه الإرادة فإنه ينفي وجود الرضا , مما يجعل العقد باطلاً , ولهذا السبب تم استبعاد الغلط المانع من دائرة البحث ( أي بحثنا في عيوب الإرادة ) .

ثانياً : الغلط المعيب للإرادة :
هو الغلط الذي يفسد الإرادة ويجعل العقد قابلاً للإبطال .
مثال : اشترى شخص شيئاً اعتقاداً منه أنه تحفة أثرية , بينما لم يكن الشيء كذلك في حقيقة الأمر … فهذا الشخص اعتقد أن الشيء المتعاقد عليه تحفة أثرية على خلاف الحقيقة , فتتطابق الإرادتان وتتلاقيان على إتمام البيع , فينعقد العقد , ولكن بما أن العقد معيب بسبب غلط أحد
المتعاقدين فإنه يمكن إبطاله .
وقد تبنى القانون المدني السوري النظرية الحديثة في الغلط , فنص المادة 121 منه على ما يلي : [ إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد , إن كان المتعاقد الآخر قد وقع مثله في هذا الغلط , أو كان على علم به , أو كان من السهل عليه أن يتبينه ] .

– ما هو الغلط الجوهري ؟
عرفت الفقرة الأولى من المادة 122 الغلط الجوهري فقالت : [ يكون الغلط جوهرياً إذا بلغ حداً من الجسامة , بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط ] .

– شرائط التمسك بالغلط :
نستنج من النصين السابقين , أن كل غلط يقع في صفة جوهرية تعطي الحق للمتعاقد الذي وقع في الغلط أن يطلب إبطال العقد إذا كان الغلط متصلاً بالمتعاقد الآخر .
فيشترط إذاً : 1- أن يكون الغلط جوهرياً .
2- اتصال المتعاقد الآخر بالغلط .

أولاً- أن يكون الغلط جوهرياً :
الغلط الجوهري قد يقع على مادة الشيء المعقود عليه أو على صفة من صفاته الجوهرية .
والمهم في الغلط الجوهري أن يكون هو الدافع إلى التعاقد .
ومعيار الغلط الجوهري هو معيار ذاتي ( شخصي ) .
ولا يشترط في الغلط الجوهري أن يكون الشيء مادياً :
فقد يكون الشيء معنوياً , كالغلط عند شراء محل تجاري في تقدير عملائه .
وقد يكون الشيء حقاً مالياً , كغلط البائع في تقدير نصيبه في التركة .

ويكون الغلط جوهرياً في الحالات التالية
1)- الغلط في صفة جوهرية للشيء :كأن يشتري شخص أرضاً معتقداً أنها تقع على الطريق العام , وهي غير ذلك , أو كأن يشتري شخص لوحة فنية معتقداً أنها من عمل رسام مشهور , فيظهر أنها من صنع رسام مغمور .
[ لاحظ : لا أحد أوهم المشتري في المثال الأول بأن الأرض تقع على الطريق العام , وإنما هو ظنها كذلك …. كما أنه لا أحد أوهم المشتري في المثال الثاني بأن اللوحة الفنية من عمل رسام مشهور , وإنما هو أيضاًً ظنها كذلك … نقول لا أحد أوهم , لأنه لو أوهمهما أحد ما فاندفعا إلى التعاقد فلا نكون أمام غلط , وإنما إمام تدليس … ] .
2)- الغلط في شخص المتعاقد : أي الغلط الواقع في ذات المتعاقد أو صفة من صفاته إذا كانت تلك الذات أو هذه الصفة سبباً للتعاقد . أمثلة :
– كأن يهب شخص شيئاً لآخر , يظنه فلاناً فإذا هو غيره .
– كأن يتعاقد شخص مع مقاول يظنه المهندس الفلاني , فإذا هو غيره .
– كأن يؤجر شخص داراً لسيدة يعتقد أن سلوكها لا شائبة فيه , ثم يتضح له أنها كانت تحترف الدعارة .
وفي هذه الأمثلة يستطيع كل من الواهب والمتعاقد مع المقاول والمؤجر أن يرفع دعوى أمام القضاء يطلب فيها إبطال العقد .
3)- الغلط في الباعث على التعاقد : كما لو اشترى شخص سيارة لاعتقاده أن سيارته قد تحطمت في حادث , ثم اتضح أنها سليمة , أو كما لو أجر موظف منزله حينما وصل إلى علمه أنه نقل إلى بلد آخر , ثم تبين أنه لم ينقل …
– ما هو الباعث على التعاقد ؟
هو الحافز أو السبب الشخصي الذي يجعلك تبرم العقد .
لاحظ : الغلط في الباعث على التعاقد يجعل العقد قابلاً للإبطال …
أما إذا كان الباعث غير مشروع فيعتبر العقد باطلاً , كما لو كان الباعث على التعاقد هو تمويل بيت للدعارة .
– الغلط في القيمة : هو الغلط في تقدير قيمة شيء ما يرد عليه التعاقد .
أي هو أن يتصور المرء أن السلعة أو البضاعة التي يشتريها ذات قيمة معينة , فيقبل بالشراء استناداً لهذا السعر , ثم يتبين له أن الثمن المدفوع مختلف عن الحقيقة والواقع .
مثال : كأن يشتري شخص عملة أجنبية وهو يجهل انخفاض سعرها المفاجئ .
ولا يعتبر المشرع السوري الغلط في القيمة عيباً بالإرادة , ولا يؤثر – بالتالي – على العقد , لأن الغلط في القيمة هو نوع من الغبن , والغبن في ذاته لا يعد سبباً لإبطال العقد إلا في حالات محددة ( سنعرفها فيما بعد ) .
إذاً : الغط في القيمة ليس عيباً من عيوب الإرادة , ولكن إذا اقترن الغلط بالقيمة بالغلط في صفة جوهرية للشيء , فعندئذ يكون الغلط جوهرياً , ويعطي الحق بطلب إبطال العقد .
مثال : كأن يبيع شخص شيئاً أثرياً بثمن بخس , وهو يجهل أنه أثري , ففي هذه الحالة يحق له طلب إبطال العقد .

ثانياً- اتصال المتعاقد الآخر بالغلط :
لا يكفي أن يكون الغلط جوهرياً حتى يمكن للواقع فيه أن يطلب إبطال العقد , وإنما يشترط اتصال المتعاقد الآخر بالغلط , وهذا الاتصال يتحقق بإحدى الصور الثلاث التالية :

أ- أن يكون الغلط مشتركاً :
مثال : اشترى شخص شيئاً على أنه أثري , ثم اتضح أنه ليس كذلك , فالمشتري وقع في غلط في صفة جوهرية في المعقود عليه , فإذا وقع البائع في نفس الغلط , أي اعتقد أيضاً أن الشيء أثري …. فعندئذ يجوز إبطال العقد لوجود غلط في صفة جوهرية للمبيع , وقد وقع فيه كلا المتعاقدين .

ب- أن يكون المتعاقد على علم بغلط الطرف الآخر :
مثال : كأن يشتري شخص قطعة أرض بسعر مرتفع متصوراً أنها قيد التنظيم من البلدية , وكان البائع يعلم بعدم صحة هذا الاعتقاد , ولكنه سكت …. ففي هذه الحالة يجوز إبطال العقد لوجود غلط في صفة جوهرية للمبيع , ولأن المتعاقد على علم بغلط المتعاقد الآخر .

ج- أن يكون اكتشاف المتعاقد لهذا الغلط الذي دفع المتعاقد الآخر لإبرام العقد سهلاً :
مثال : كأن يدخل شخص محلاً لبيع الحاجات الأثرية , ثم يتبين أن الشيء الذي اشتراه ليس أثرياً … فصاحب المحل مسؤول , وكان عليه أن يعلم الطرف الآخر أنه رغم أن المحل مخصص لبيع الأشياء الأثرية , إلا أن هذا الشيء بالذات ليس أثرياً … ففي هذه الحالة يجوز إبطال العقد لوجود غلط في صفة جوهرية للمبيع , ولأن اكتشاف المتعاقد لهذا الغلط الذي دفع المتعاقد الآخر لإبرام العقد كان سهلاً .

– الغلط بالقانون :
نصت المادة 123 من القانون المدني على ما يلي :
[ يكون العقد قابلاً للإبطال لغلط في القانون إذا توافرت فيه شروط الغلط في الواقع , طبقاً للمادتين السابقتين , هذا ما لم يقضِ القانون بغيره ] .
والغلط بالقانون هو أن يتصور الإنسان أن الحق الذي يتمتع به هو شيء معين , ثم يثبت أن حقه هو غير ذلك الشيء .
مثال : كأن يبيع وارث نصيبه في التركة متصوراً أنه الثلث , ثم يتبين أن نصيبه أكثر من ذلك … فالغلط جاء نتيجة سوء فهم الحكم القانوني , ويعطي الحق بطلب إبطال العقد .

– شروط إبطال العقد لغلط بالقانون :
1)- يجب وجود نص قانوني واضح الدلالة .
2)- يجب تطبيق نص القانون وعدم التهرب منه أو استبعاده : فيجب أن لا يؤدي التمسك بالغلط إلى تعطيل حكم القانون … فلا يجوز للمؤجر الذي أبرم عقد إيجار بأجرة تزيد على الحد القانوني طلب إبطال هذا العقد بسبب جهله بأن هناك حداً قانونياً للأجر , وأنه لو كان يعلم بهذا الحد لما أقدم على التعاقد .
3)- يجب عدم وجود نص يمنع من الاعتداد بالغلط بالقانون : كما في عقد الصلح , حيث تنص المادة 524 من القانون المدني السوري على أنه :
[ لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون ] .
– التمييز بين الغلط بالقانون ومبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون :
#يقصد بعدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون منع استبعاد تطبيق حكم القانون بحجة عدم العلم به .
# أما التمسك في الغلط بالقانون فيقصد به أعمال حكم القانون وليس استبعاده .
ـ حسن النية كشرط للتمسك بالبطلان :
إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري , وكان المتعاقد الآخر يعلم أو يستطيع أن يعلم بوقوعه في الغلط , ثبت له الحق في التمسك بإبطال العقد , وهذا الحق كغيره من الحقوق يخضع للرقابة , فلا يجوز التعسف في استعماله .
و لذلك تنص المادة 125 ق.م.س على ما يلي :[ 1- ليس لمن وقع في غلط أن يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية . 2- ويبقى بالأخص ملزماً بالعقد الذي قصد إبرامه إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد ] .
وتطبيقاً لذلك , فإذا كانت المصلحة التي يبتغيها من يتمسك بالبطلان للغلط مصلحة غير مشروعة , فلا يجوز التمسك بإبطال العقد , حتى ولو ثبت أن الغلط كان جوهرياً .

مثال :إذا وقع الغلط في عقد عمل بشأن ديانة العامل أو نشاطه النقابي , فلا يحق لرب العمل طلب إبطال العقد حتى وإن ثبت أن الغلط كان جوهرياً , وأن العامل كان يعلم بوقوع رب العمل بهذا الغلط .
أيضاً إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد على النحو الذي توهمه المتعاقد الواقع في الغلط , فإن هذا الأخير يبقى ملزماً بالعقد الذي قصد إبرامه , إذ تنتفي في هذه الحالة مصلحته في التمسك بإبطال العقد .
مثال1 : إذا اشترى شخص صورة للوحة فنية وهو يعتقد أنه يشتري الأصل , فلا يجوز له
التمسك بالغلط إذا عرض البائع إعطاءه اللوحة الأصلية بالفعل .
مثال2 : إذا اشترى شخص ساعة على أنها مصنوعة من الذهب , ثم تبين أنها ليست كذلك , فلا يجوز له التمسك بالغلط إذا عرض البائع إعطاءه ساعة ذهبية كالتي يريدها .
( وتجدر الإشارة إلى أن المادة 125 من القانون المدني السوري , تحمل ظلماً للمتعاقد الواقع بالغلط , لأنها تحول بينه وبين طلب الإبطال إذا أظهر المتعاقد السيئ النية رغبته في تنفيذ العقد على النحو الذي كان يتوهمه ) .

ثالثاً : الغلط غير المؤثر :
يكون الغلط غير مؤثر في الحالات التالية :
أ- الغلط في صفة غير جوهرية لشيء أو شخص : كمن اشترى كتاباً يظن ورقه من نوع مخصوص , فظهر خلاف ذلك , أو كمن باع شيئاً يظنه فلاناً , وهو غيره , ويستوي عند البائع أن يبيعه أو يبيع غيره .
ب- الغلط في القيمة إذا لم يرافقه غلط بصفة جوهرية .
ج- الغلط في الحساب : كأن يشتري شخص مجموعة سلع كل منهما بثمن , وعند جمع الثمن وجد غلطاً ما . وقد نصت المادة 124 من القانون المدني على أنه : [ لا يؤثر في صحة العقد مجرد الغلط في الحساب ولا غلطات القلم , ولكن يجب تصحيح الغلط ] .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : توضيح قانوني حول مفهوم الغلط وسلامة الرضا وعيوب الإرادة