دراسة وبحث قانوني مفصل عن الخطأ في المسؤولية التقصيرية

المقدمة :-

المسؤولية التقصيرية صورة من صور المسؤولية المدنية مضمونها الإخلال بالالتزام القانوني العام الذي يقضي بعدم الأضرار بالغير وكل إخلال بهذا الالتزام العام يرتب مسؤولية المخل ويسأل من جراء الإخلال عن تعويض ما يقع من أضرار للمضرور .

بالبداية اختلطت المسؤولية التقصيرية بالمسؤولية الجنائية لاختلاط التعويض بالعقوبة فكان التعويض أكبر من قيمة الضرر لأنه يهدف للردع أي للعقوبة ولجبر الضرر معا من جهة ولان المضرور كان له حق الثأر من مسبب الضرر . وبعد ذلك ظهرت الدية على حساب فكرة الثأر نتيجة التمييز بين الشخص وذمته المالية أي أن حق الدائن محصور في الذمة المالية لمدينه وليس في جسمه ونشأة الدية بداية كحق اختياري ثم صارت إجبارية وكانت اتفاقية حيث يتفق المضرور والمتسبب بالضرر على قيمتها إلا أن الدولة تدخلت وحددتها واحتفظت لنفسها بحق توقيع العقوبة على الجرائم , ومن هنا ظهرت فكرة المسؤولية الجنائية متمثلة بالعقوبة والمسؤولية التقصيرية متمثلة بالتعويض .

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

أما في ظل القانون الفرنسي القديم فقد تم التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية وتم تقسيم الأخيرة إلى مسؤولية عقدية وأخرى تقصيرية

القانون المدني الفرنسي بدأ من حيث انتهى القانون الفرنسي القديم فقرر التفرقة بين أنواع المسؤولية مسندا المسؤولية التقصيرية على فكرة الخطأ .

والتطور الذي حصل في نظرية المسؤولية التقصيرية هو تأسيسها على فكرة الضرر بدلا من الخطأ ذلك أن الضرر قد يحدث بلا خطأ من احد نتيجة تطور الآلات الميكانيكية وانتشار الصناعة الحديثة مما يؤدي بدوره إلى ضياع حق المضرور إذا عجز عن إثبات الخطأ ولا تحمل تبعة الضرر للمضرور ذلك انه لا يعزى إليه وإنما يتحمله من أنشأ الوضع الخطر واستفاد منه على أساس مبدأ الغرم بالغنم وهو هنا صاحب الآلات الميكانيكية .
وهذا ما نادى به فقهاء الشريعة الإسلامية الغراء

ويقسم الباحث بحثه إلى مبحثين يتناول في المبحث الأول منه مفهوم الخطأ ويتحدث في مطلبين في تعريفه وأوصافه فيقسم المطلب الأول إلى فرعين يتحدث في الأول عن أراء الفقهاء الأجانب في تعريف الخطأ والانتقادات عليها وعن أراء الفقهاء العرب والانتقادات عليها في الفرع الثاني , ويتحدث الباحث عن الخطأ العمدي وغير العمدي في الفرع الأول من المطلب الثاني وعن درجات الخطأ في الفرع الثاني من نفس المطلب .

أما المبحث الثاني فيخصصه الباحث لأركان الخطأ حيث يقسمه إلى مطلبين يتحدث في المطلب الأول عن الركن المادي للخطأ الذي ينقسم إلى فرعين يتحدث الباحث في الفرع الأول عن التعدي وعن مشروعية هذا التعدي في الفرع الثاني وينقسم هذا الفرع إلى ثلاث مسائل ينتاول الباحث في كل منها حالة من أحوال انعدام الخطأ ,ويتناول الباحث الركن المعنوي له في المطلب الثاني ويقسمه إلى فرعين أيضا يخصص الأول لماهية التمييز وحالات انعدامه والثاني لمسؤولية عديم التمييز

منهجية البحث :-

يتناول الباحث موضوع البحث بإتباع المنهج التحليلي الوصفي المقارن (المنهج المختلط) مقارنا بين القانون المدني الأردني كنموذج للفقه الإسلامي والقانون المدني المصري كنموذج للفقه الغربي وقد اختار الباحث محل المقارنة هذا لاختلاف كل من الفقهين في أهمية الخطأ كركن من أركان المسؤولية التقصيرية

مشكلة البحث:-

تتركز مشكلة البحث في انه , هل يصلح ركن الخطأ لتقام عليه المسؤولية التقصيرية ؟ وهل انعدام التمييز يعد سببا كافية لعدم إقامة المسؤولية على عديم التمييز ؟

الدراسات السابقة :-

تعرضت الدراسات السابقة لموضوع الخطأ كأحد أركان المسؤولية التقصيرية بشكل متباين فمنها ما يمر عليه مرور الكرام مثل كتاب موجز مصادر الالتزام للدكتور محمد شنب ومنها ما يسهب في شرحه كالمجلد الثاني من المبسوط في شرح القانون المدني للدكتور حسين الذنون , إلا أن أي من هذه الدراسات لم يعالج مشكلة البحث ,فكل هذه الدراسات السطحية منها والعميقة لم تبحث في صلاحية ركن الخطأ لتقام عليه المسؤولية التقصيرية على أن بعضها اقتصر على الإشارة لوجود خلل في إقامتها على ركن الخطأ .

المبحث الأول : مفهوم الخطأ :

يقسم الباحث هذا المبحث إلى مطلبين فيسهب بسرد الاراء الفقهية في تعريف الخطأ في المطلب الأول مبينا الانتقادات الفقهية التي تعرض لها كل رأي من هذه الاراء ، ويتحدث بالمطلب الثاني عن أوصاف الخطأ .

المطلب الأول : تعريف الخطأ :

أغفلت معظم التشريعات تعريف الخطأ _ وحسنا فعلت _ نظرا لكثرة الحالات التي تثار فيها فكرة الخطأ الأمر الذي يتطلب مرونة في تعريفة وحرية في تحديد مفهومه وذلك إعمالا للسياسة التشريعية التي تقضي بأن ينأى المشرع بنفسه عن تعريف المصطلحات .

وقد تركت هذه التشريعات بعدم تعريفها للخطأ المهمة ملقاة على عاتق الفقهاء الذين يحاولون تعريف الخطأ منذ صدور قانون نابليون فتمخض عن محاولتهم تعريفات كثيرة متباينة تختلف وفق نزاعاتهم الشخصية وحسب ظروف مجتمعهم الذي يعيشون فيه من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية .

هذا ولم يسلم أي من هذه التعريفات من النقد إلا أن أصبح الاختيار بينها من الأمور الصعبة .
وسيسلط الباحث الضوء على أراء الفقهاء في تعريف الخطأ في الفرعين التاليين ، يتحدث بالفرع الأول عن أراء الفقهاء الأجانب والانتقادات التي وجهت لها وعن أراء الفقهاء العرب بالفرع الثاني .

الفرع الأول : أراء الفقهاء الأجانب في تعريف الخطأ ونقدها :

يمكن تقسيم أراء الفقهاء الأجانب في تعريف الخطأ إلى أربعة أقسام :
1): الرأي الأول : يعرف الخطأ بأنه عمل ضار غير مشروع أي العمل الضار المخالف للقانون و يأخذ على هذا الرأي أن القانون لا ينص على الأفعال غير المشروعة أو الأعمال التي تتناسب معه على سبيل الحصر ليستدل منها على الأعمال المخالفة له .

2): الرأي الثاني : وهو رأي الفقيه بلانيول حيث يعرف الخطأ بأنه ” إخلال بالتزام سابق ” ويحصر بلانيول الالتزامات التي يشكل الإخلال بها خطأ من المسؤول في أربع مجموعات هي الامتناع عن العنف ، الكف والامتناع عن الغش ، عدم الإقدام على عمل لم تهيأ له الأسباب من قوة ومهارة واليقظة في تأدية واجب الرقابة على الأشخاص أو على الأشياء .

وهو التعريف الذي انطلقت منه في العصر الحاضر جميع محاولات التوسع في فكرة الخطأ . ويضيف بلانيول أن الواجب القانوني السابق المقصود به ليس الإخلال بالتزام قائم بين طرفين إنما الإخلال بأي من الالتزامات العامة التي تقع على عاتق كل شخص وفق المبادئ العامة للقانون
وقد أثار تعريف بلانيول في الفقه نقدا شديدا ونعت تعريفه بالعقيم وغير المجدي حيث أنه لا يفيد كثيرا في تمييز الفعل الخاطئ من غيره لأنه يجعل كل إخلال بالتزام سابق خطأ وهذا يقضي بأن تعيين جميع الالتزامات أو الواجبات الملقاة على عاتق الشخص من أجل أن يتبين ما إذا كان الفعل المنسوب إليه يتضمن إخلالا بهذه الواجبات أم لا ، وأن وضع قائمة بهذه الواجبات أمر مستحيل لأنها تنشأ من ظروف الحياة المختلفة وتتنوع بتنوعها .

ويؤخذ على هذا التعريف أيضا انه لا يحل المشكلة في تعريف الخطأ إنما ينقل صعوبة ذلك لمرحلة أخرى فبدل أن يسأل القاضي عن الفعل بأنه خطأ أم لا ويجعله هذا التعريف يتسأل عما إذا كان ثمة واجب قانوني يفرض على الشخص الامتناع عن مثل هذا الفعل الضار أم لا .

ومن الانتقادات التي أخذت على هذا التعريف أنه لا يعدو أن يكون محاولة تصنيف الخطأ وتقسيم أنواعه لأن بلانيول لم يقدم معيار لتحديد طبيعة الفعل إذا كان فعل خاطئ أم لا إنما اكتفى بوضع قائمة بالواجبات العامة وبالواقع هي ليست غير صور معينة لا تغني عن وضع ضابط يميز من خلاله العمل الخاطئ من غيره.

3): الرأي الثالث : وهو رأي الأستاذ ايمانويل ليفي حيث يعرف الخطأ بأنه إخلال بالثقة المشروعة ثم يبين معيار هذه الثقة فيقول أن تحديد الخطأ يقتضي التوفيق بين مقدار معقول من الثقة يوليه الناس للشخص وبالتالي لهم الحق أن يحجم عن الأعمال التي تضر بهم وبين مقدار معقول من الثقة يوليه هذا الشخص لنفسه فيتولد له حق على الناس أن يقوم على أي عمل دون أن توقع الأضرار بالغير .

بحيث لا تتم مسائلة شخص إلا إذا تصرف بشكل لا يتفق مع الثقة المشروعة للناس فيه، ولا يكون الناس مسؤولين قبل الغير إذا كانت تصرفاتهم لا تخرج عن هذه الثقة المشروعة .

وينتقد الفقه هذا الرأي لأنه لا يتضمن ضابطا يبين السلوك الذي يعصم الشخص من الخطأ إذا سلكه .

ويرى بعضهم أن المعيار الذي يضعه ايمانويل ليفي لا يعدو محاولة لوضع الخطأ في قالب فلسفي أكثر من كونه معيارا محددا للخطأ ذاته .

4): الرأي الرابع : يرى أنصار هذا الرأي وجوب تحليل ركن الخطأ إلى عنصرين ، العنصر الأول هو الاعتداء على حق مع إدراك المعتدي لاعتدائه ، والعنصر الثاني وهو الإدراك.

ومن أنصار هذا الاتجاه الأستاذ سافاتيه الذي يعرف الخطأ بأنه إخلال بواجب قانوني مع علم المخل بإخلاله أو كان باستطاعته أن يتبين هذا الواجب وأن يلتزمه وفي رأي سافاتيه أن الواجب القانوني يكون مصدره القانون أو العقد أو يكون واجبا أدبيا محددا يأمر بفعل أو ينهى عن فعل أو عبارة عن واجب عام يقضي بعدم الإضرار بالغير

ويؤخذ على رأي سافاتيه أنه يقرر وجود التزام عام على كل شخص بعدم الأضرار بالغير والقول بالالتزام العام لا يحدد معنى للخطأ بل هو بحاجة لتحديد. ومن أنصار هذا الاتجاه أيضا الفقيه جوسران الذي يعرف الخطأ بأنه ” انتهاك لحرمة حق لا يستطيع من انتهك حرمته أن يعارضه بحق أقوى أو بحق مماثل ” . وبذات الطريقة يعرف الفقيه ديموج الخطأ حيث يقول بأنه ” اعتداء على حق يدرك المعتدي فيه جانب الاعتداء “

والفرق بين تعريف جوسران وديموج أن ديموج يضيق من فكرة الخطأ إذ يشترط المساس بحق معين للغير أما جوسران فيوسع من فكرة الإحساس بحق الغير ليجعلها تشمل أعم الحقوق و أقلها تحديدا . ولكن كل منهما لم يضع تعريف للخطأ ولم يقدم معيارا دقيقا للتعرف عليه ، كما أن ” الاعتداء على حق ، والإخلال بالواجب والحق الأقوى أو الحق المماثل ، كل هذه الألفاظ لا تحدد معنى الخطأ بل هي ذلتها في حاجة إلى تحديد “

الفرع الثاني : أراء الفقهاء العرب في تعريف الخطأ :

يعرف الدكتور جميل الشرقاوي الخطأ في كتابه النظرية العامة للالتزام بأنه :
” الإخلال بواجب قانوني سواء أكان هذا الواجب واجبا خاصا أي التزاما ، أم واجبا عاما من الواجبات التي تفرض على كل شخص يعيش في جماعة يحكمها القانون بأن يحترم حقوق الغير وحرياتهم و ألا يرتكب مساسا بهذه الحقوق والحريات “

ويرى الدكتور أحمد عبد الدائم في كتابه شرح القانون المدني أن الخطأ عبارة عن “انحراف الشخص عن السلوك المعتاد مع إدراكه لهذا الانحراف”.

ويعرفه الدكتور سليمان مرقس في كتابه موجز أصول الالتزام بأنه ” إخلال بواجب قانوني مقترن بإدراك المخل إياه “.

ويعرفه الدكتور محمد شنب في كتابه موجز في مصادر الالتزام بأنه ” انحراف عن سلوك الشخص المعتاد الموجود في نفس الظروف الخارجية لمرتكب الضرر مع إدراك ذلك”

هذا ويقول الدكتور أنور سلطان في كتابيه مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني ، ومصادر الالتزام الموجز في النظرية العامة للالتزام أن الفقه في مصر يميل للأخذ بتعريف الخطأ على أنه ” انحراف سلوك الشخص مع إدراكه لهذا الانحراف “.

وكانت محكمة النقض السورية قد تعرضت لتعريف الخطأ في إحدى قراراتها إذ نصت على أن الخطأ ” سلوك معيب لا يأتيه رجل بصير وجد في ذات الظروف الخارجية التي أحاطت بالمسؤول عما يعتبر عملا غير مشروع موجبا للمسؤولية التقصيرية ” .

ولكن يؤخذ على كل من هذه التعريفات مأخذا فتعريف الدكتور الشرقاوي ينطوي في حقيقته على استبعاد لفكرة الخطأ لأنه يجعل الأضرار بحق الغير خطئا وهذا ما يراه الأستاذة مارتي ورينو وليكير

أما تعريف الدكتور سليمان مرقس فينقصه حصر الواجبات القانونية الملقاة على عاتق الشخص وهذا أمر مستحيل كما سبق الإشارة إليه .

أما تعريفات كل من الدكتور أحمد عبد الدائم والدكتور محمد شنب والدكتور أنور سلطان وأيضا تعريف محكمة النقض السورية فهي تعتبر أن الانحراف عن سلوك معين يعتبر خطأ إلا أن كل هذه التعريفات سابقة الذكر لا تضع ضابطا لتحديد ماهية السلوك المعين الواجب الإتباع .

المطلب الثاني : أوصاف الخطأ :

ترد في التشريعات التي تقيم المسؤولية على فكرة الخطأ عدد من التعبيرات والمصطلحات بخصوص تحديد الخطأ أو تقدير جسامته وسيسلط الباحث الضوء على هذه التعبيرات في الفرعين التاليين يتحدث في الفرع الأول عن الخطأ العمدي والخطأ غير العمدي وفي الفرع الثاني عن درجات الخطأ .

الفرع الأول : الخطأ العمدي والخطأ غير العمدي :

الخطأ من الناحية التاريخية يثير مشكلة ” ذات طابع خلقي ” ويمكن القول أن هناك نوعين من الخطأ العمد بحيث يرتكب المخطئ خطأه بسوء نية وبقصد إلحاق الضرر بالغير والخطأ غير العمد الذي يرتكب دون نية الإضرار بالغير وإنما يصدر بسبب إهمال فاعله أو عدم تبصره . وهذان النوعين من الخطأ هما اللذان دفعا المشرع الفرنسي لتقسيم الفعل الضار إلى جريمة وشبه جريمة ، وقد استخدم المشرع الفرنسي هذين التعبيرين دون تعريفهما وكذلك حال المشرع اللبناني والمشرع المغربي وجعل لهذين الاصطلاحيين حكم واحد أي أن هذه التشريعات جعلت للجرائم وأشباهها حكم واحد ألا وهو التعويض الكامل عن كل ضرر ينشأ عنها .

وقد يستنتج مما تقدم أنه لا فائدة من تقسيم الخطأ إلى خطأ عمدي وخطأ غير عمدي ، لكن في الواقع لا يزال لهذا التقسيم فائدة لما يترتب عليه من نتائج عمليه منها ما تنص عليه المادة ((123 من قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنه 2000 والتي تحرم العامل من التعويض إذا ثبت أنه تعمد إلحاق الضرر بنفسه وكذلك حال معظم التشريعات العمالية في البلدان المختلفة
وكذلك الحال في قانون التأمين الفلسطيني رقم 20 لسنه 2005 حيث تنص المادة ((25 منه على “1. يكون المؤمن مسؤولا عن أضرار الحريق الذي يحدث بسبب خطأ غير متعمد من قبل المؤمن له أو المستفيد . 2. لا يكون المؤمن مسؤولا عن الأضرار التي يحدثها المؤمن له أو المستفيد عمدا أو غشا ولو أتفق على غير ذلك

وظاهر هذا النص أن المشرع يفرق بين الخطأ العمدي والخطأ غير العمدي حيث يرتب مسؤولية المؤمن عن الحريق الذي ينتج عن الخطأ غير العمدي للمؤمن له أو المستفيد ويحرم المؤمن له أو المستفيد من التغطية التأمينية في حال نتج الحريق عن خطئهما العمدي .

لكل ما تقدم يمكن تعريف الخطأ العمدي بأنه ” الإخلال بواجب قانوني مقترن بقصد الإضرار بالغير ” والخطأ غير العمدي بأنه ” الإخلال بواجب قانوني سابق مقترن بإدراك المخل لهذا الإخلال ودون قصد الإضرار بالغير “.

الفرع الثاني : درجات الخطأ :

يقع الخطأ من الناحية العملية تحت أنواع ودرجات متعددة ولم يتفق الفقهاء على وضع معايير وضوابط من أجل تقسيمها وتمييز كل منها إنما لا يزال الأمر محل بحث وجدال وبالرجوع إلى رأي الأستاذ بوتيه وهو أحد شراح القانون الفرنسي القديم نجد أنه يرى الخطأ على ثلاث درجات كما كان الحال عليه في القانون الروماني وهي :

1): الخطأ الجسيم : وهو الخطأ الذي لا يرتكبه أقل الناس إهمالا وأكثرهم جهلا وقد الحق هذا الخطأ بالغش وأخذ حكمه لتعارضه مع حسن النية

2): الخطأ اليسير: ويعرف عادة بأنه الخطأ الذي لا يقع من شخص متوسط الحرص والعنايةويطلق عليه أيضا اسم الخطأ العادي ويفضل بعض الشراح أن يوصف بلفظ ( الخطأ ) مجردا من كل وصف .

ويرى الدكتور جميل شرقاوي أنه لا يمكن وضع ضوابط محددة للتفرقة بين الخطأ الجسيم والخطأ اليسير لذا فإن مرجع الأمر للقضاء بحيث يحكم على كل حالة على حده حسب ظروفها .

3): الخطأ التافه : وهو الخطأ الذي لا يقع من الشخص شديد الحرص والذكاء ويكفي لوجوده عدم الحذر أو عدم التبصر .

وقد كان هذا التقسيم لدرجات الخطأ ذا أهميه في ظل القانون الفرنسي القديم ، حيث كان الشخص لا يسأل عن خطئه التافه لكن هذا التقسيم أصبح بلا فائدة بعد أن تقررت مسؤولية الشخص عن خطئه أياً كان نوعه وعلى ذلك تنص المادة ((1383 من القانون المدني الفرنسي ” لا يسأل الإنسان عن الأضرار التي يحدثها بفعله فحسب إنما يسأل كذلك عن الأضرار التي تحدث نتيجة إهماله أو عدم تبصره “

المبحث الثاني : أركان الخطأ :

يأخذ القانون المدني الأردني عن الفقه الإسلامي الذي لا يشترط توافر الخطأ لقيام المسؤولية التقصيرية إنما يكتفي بأن يكون الفعل ضارا حتى تقوم هذه المسؤولية . أما القانون المدني المصري المأخوذ عن الفقه الغربي فلا تقوم المسؤولية فيه كقاعدة عامة إلا إذا كان الفعل من قبيل الخطأ .

وللخطأ ركنان : الركن المادي : وهو التعدي ويقابله مصطلح الفعل الضار في القانون المدني الأردني وفي الفقه الإسلامي . أما الركن الثاني فهو الركن المعنوي ويتمثل بالإدراك وهذا الركن الأخير غير لازم لقيام المسؤولية التقصيرية في كل من القانون المدني الأردني والفقه الإسلامي .

وسيتحدث الباحث في المطلبين التاليين عن هذين الركنين على التوالي :

المطلب الأول : الركن المادي :

يتحدث الباحث في الفرعين التاليين عن التعدي الذي يشكل بتوافره الركن المادي للخطأ ومعياره وعن الحالات التي يكون فيها هذا التعدي مشروع _ على حد تعبير بعض الفقهاء _ وبالتالي ينعدم الركن المادي وينعدم الخطأ تبعا له .

الفرع الأول : التعدي :

الركن المادي للخطأ هو التعدي و الانحراف عن سلوك الرجل المعتاد الموجود في نفس الظروف الخارجية التي يكون فيها من يراد الحكم على سلوكه .

ويقاس التعدي وفقا لمعيارين أحدهما معيار شخصي بحيث ينظر إلى الفعل من خلال فاعله هل هو شخص شديد الحرص أم متوسط الحرص أم شديد الإهمال وذلك للوصول إلى نيته فيما إذا كانت نيته حسنة أم نية سيئة . والمعيار الأخر وهو المعيار الموضوعي بحيث ينظر إلى الفعل ذاته فيما إذا كان يشكل انحرافا عن سلوك معين وهو سلوك الرجل المعتاد الموجود في نفس الظروف الخارجية دون الالتفات لظروف الفاعل الشخصية .

بالنسبة للمعيار الذي يحدد انحراف سلوك الشخص عن السلوك المعتاد يميز الفقه الغربي في هذا الصدد بين الفعل المتعمد والفعل غير المتعمد ، ويجعل المعيار في الفعل المتعمد الذي قصد صاحبه به الإضرار بالغير معيارا شخصيا لقياس نية الفاعل . وكما سبق الإشارة إليه فإن الخطأ الجسيم يأخذ حكم الخطأ أو الفعل العمد ويتطلب هذا المعيار الشخصي أن يرجع القاضي إلى من ينسب إليه الخطأ ليبحث في خفايا صدره ليتعرف على حسن أو سوء النية لديه . وإذا كان الفعل واقعا نتيجة إهمال إي كان فعلا غير عمدي يكون المعيار معيارا موضوعيا أو معيارا مجردا بحيث يقاس سلوك المسؤول بسلوك الشخص العادي متوسط الحرص والعناية . وهذا ما كان يطلق الرومان أسم رب الأسرة ، لأن قياس التعدي هنا بمعيار شخصي يؤدي لإفلات الشخص شديد الإهمال من المسؤولية حتى عن خطئه العادي ومحاسبة الشخص شديد الحرص من خطأه التافه .

ويقتضي الأخذ بالمعيار الموضوعي الاعتداد بالظروف الخارجية التي يكون فيها من نسب إليه الخطأ كظرف الزمان أو المكان أو حالة الجو دون الاعتداد بالظروف الشخصية للفاعل كضعف البصر أو حدة المزاج أو عمر الفاعل أو جنسه .

لما تقدم نستطيع وضع القاعدة التالية ” أن الشخص العادي الذي نجعل سلوكه المألوف مقياسا للخطأ يجب أن يتجرد من الظروف الداخلية الذاتية الملابسة لشخص المعتدي دون أن يتجرد من الظروف الخارجية العامة التي تحيط بالمعتدي ” .

وكما يكون الخطأ بفعل إيجابي فإنه يكون بفعل سلبي ( الترك ) ويتخذ الخطأ السلبي إحدى صورتين الأولى هي صورة الامتناع عن القيام بواجب يفرضه القانون ( الامتناع المضمون بنشاط من المسؤول) ، والصورة الثانية الامتناع المجرد بحيث يأخذ الشخص فيه موقفا سلبيا تجاه حالة يستطيع فيها دفع الضرر عن الغير دون أن يكون عليه الالتزام بذلك .

ويجمع فقهاء الشريعة الإسلامية على أن النوع الأول يكون سببا للضمان لكنهم يختلفون في اتجاهين بالنسبة للنوع الثاني ، الاتجاه الأول وعلى رأسهم المذهب الحنفي لا يعتبرون الممتنع مسؤولا وبالتالي لا يضمنوه . والاتجاه الثاني وعلى رأسهم فقهاء المذهب المالكي يعتبرونه مسؤولا ويضمنوه ويضربون مثالا على ذلك أن من مر على شبكة صيد فوجد فيها صيدا يمكنه أن يخلصه ويعيده لصاحبه فلم يفعل وترتب على ذلك موت الصيد فإنه يضمنه مستدلين على رأيهم هذا بأن صون مال المسلم واجب وإن من يترك واجبا مفروضا عليه فعليه الضمان .

أما شراح الفقه الغربي فإنهم يقيمون المسؤولية تماما مثل المذهب الحنفي ، غير أن معظم الفقهاء في فرنسا لا يميلون لهذه التفرقة ويقيمون المسؤولية على الممتنع سواء كان امتناعه مجردا أو مصحوبا بنشاط سابق . ولقي رأيهم سندا قانونيا في قانون العقوبات لسنه 1945 وكانت محكمة النقض الفرنسية قد قررت في إحدى قراراتها أن الامتناع لا يقيم المسؤولية المدنية إلا إذا كان يوجد على عاتق الممتنع التزام بالقيام بالعمل الذي امتنع عنه ، وعلى هذا استقر الفقه والقضاء .

وتجدر الإشارة إلى أن عبء إثبات التعدي يكون على المضرور الذي يطالب بالتعويض عن الضرر الذي لحقه جراء هذا التعدي . فعلى الدائن إثبات انحراف مدينه عن سلوك الرجل المعتاد مما رتب المسؤولية في ذمته وله في سبيل ذلك الإثبات بكافة طرق الإثبات

الفرع الثاني : مشروعية التعدي ( حالات انعدام الخطأ ) :

يطلق بعض الفقهاء على الحالات التي ينعدم بها الخطأ حالات مشروعية التعدي ويرى الباحث أن المصطلح الأخير لا يصلح للتعبير عن الحالات التي ينعدم بها الخطأ وذلك لأن لفظ التعدي يعني مجاوزة الحد الذي رسمه القانون وبما أن القانون يعطي الرخصة للفعل في حالات انعدام الخطأ فلا نكون أمام تعد حتى نقول مشروعية التعدي عن الحالات ترفع فيها هذه الصفة عن مسبب الضرر ولا يترتب عليه أي مسؤولية فيها .

يقسم الباحث هذا الفرع إلى ثلاث مسائل يتناول في كل مسألة منها حالة من الحالات التي ينعدم فيها الخطأ ، وهذه الحالات هي حالة الدفاع الشرعي وحالة تنفيذ أمر الرئيس التي نص عليها كل من القانون المدني الأردني والقانون المدني المصري بالإضافة لحالة الضرورة التي نص عليها القانون المدني المصري .

المسألة الأولى : الدفاع الشرعي :

نصت المادة 262 من القانون المدني الأردني على أن ” من أحدث ضررا وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو نفس الغير أو ماله كان غير مسؤول على ألا يجاوز قدر الضرورة وإلا أصبح ملزما بالضمان بقدر ما جاوزه ”
كما نصت المادة 166 من القانون المدني المصري على أن ” من أحدث ضررا وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس غيره أو ماله كان غير مسؤول على ألا يتجاوز في دفاعه القدر الضروري وإلا أصبح ملزما بتعويض تراعى فيه العدالة ”
يتضح من ظاهر هذين النصين أن من أحدث ضررا وهو بصدد الدفاع عن نفسه أو نفس غيره أو عن مال سواء كان مملوكا له أو لغيره لا يكون مسؤولا عن هذا الضرر ما دام أنه لم يبالغ في دفاعه واستخدم هذا الحق الممنوح له بالقدر الذي يلزم الحالة التي وجد بها . وهذا هو موقف الشريعة الإسلامية الغراء من هذه الحالة ويشترط في الدفاع الشرعي توافر عدة شروط هي :

الشرط الأول : وجود خطر الاعتداء :
ومضمون هذا الشرط أن المشرع عندما وضع حالة الدفاع الشرعي من الحالات التي ينعدم بها الخطأ ولم يطلب القانون من الشخص أن ينتظر وقوع الاعتداء عليه حتى يصبح له الحق في دفعه إنما اكتفى بمجرد وجود خطر الاعتداء ينشأ حق المدافع بالدفاع من مجرد تأهب المعتدي للقيام باعتدائه . ولمحكمة الموضوع الرقابة على تقدير المدافع للخطر ، والذي يجب أن يستند فيه إلى أسباب معقولة .

الشرط الثاني : أن يكون الخطر حالا :
أي أن يكون وشيك الوقوع وليس بعد فترة لأن باستطاعة الشخص الذي يتوقع الاعتداء عليه بعد فترة اللجوء للسلطات ومضمون هذا الشرط أيضا أن لا يكون الاعتداء قد وقع بالفعل وإلا انتفت الغاية التي شرع الدفاع الشرعي من أجلها وفتح الباب للأخذ بالثأر تحت حجة هذا الدفاع .

الشرط الثالث : عدم إمكانية دفع الاعتداء بوسيلة غير القوة :
يقضي هذا الشرط بأن لا يكون أمام من يريد الاستفادة من حالة الدفاع الشرعي وسيلة غير القوة يلجأ لها لدفع الاعتداء على أن الهرب لا يعتبر وسيلة يطلب القانون المعتدي عليه اللجوء إليها
الشرط الرابع : أن يكون الدفاع موجها ضد أعمال تعتبر اعتداء :
فإذا كان الخطر المراد دفعه مشروع فإن دفعه لا يكون مشروعا ، فلا يعتبر من قبيل الدفاع المشروع مقاومة شخص لرجال الشرطة أثناء تنفيذهم لمهمة القبض عليه .

الشرط الخامس : أن يكون وقع الاعتداء بالقدر اللازم دون مجاوزة :
أي أن لا يبالغ المدافع بدفعه للاعتداء إنما يستعمل هذا الحق بقدره وإلا اعتبر متجاوزا لحدود الدفاع الشرعي ، وثبت في جانبه الخطأ وتكون مسؤوليته في هذه الحالة مسؤولية مخففه كما تعبر عنها المادة 166 من القانون المدني المصري ” تراعى فيها العدالة ” ويكون ذلك على أساس الخطأ المشترك كون الخطأ من جانب المعتدي يقابله خطأ المعتدى عليه .

المسألة الثانية : حالة تنفيذ أمر صادر من الرئيس :

الفقرة الثانية من المادة 263 من القانون المدني الأردني ” …. لا يكون الموظف العام مسؤولا عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذا لأمر صدر إليه من رئيسه حتى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو كان يعتقد أنها واجبة وأقام الدليل على اعتقاده بمشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر ” .

كما نصت المادة 167 من القانون المدني المصري على أنه ” لا يكون الموظف مسؤولا عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذا لأمر صدر إليه من رئيس متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو كان يعتقد أنها واجبة وأثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي وقع منه ، وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة وأنه راعى في عمله جانب الحيطة ” .
يتضح من ظاهر هذين النصيين أنه يجب أن تتوافر عدة شروط من أجل أن يستفيد الشخص من حالة تنفيذ أمر الرئيس كحالة من حالات انعدام الخطأ وهذه الشروط هي :

1): أن يكون الشخص موظفا عاما : فيجب أن يكون مسبب الضرر موظفا حكوميا ولا ينطبق حكم النصوص المذكورة في حالة كون مسبب الفعل الضار شخصا عاديا مثل الوكيل أو العامل .

2): أن تكون طاعة أمر الرئيس واجبة على من سبب الفعل الضار : حيث يجب أن تكون طاعة أمر الرئيس الذي أفضى تطبيقه من قبل المرؤوس إلى حدوث الفعل الضار واجبة حتى لو لم يكن هذا الرئيس هو الرئيس المباشر .

3): أن يثبت الموظف أنه كان يعتقد مشروعية الأمر الذي نفذه بانيا اعتقاده على أسباب معقولة ، فيجب أن لا يكون اعتقاد الموظف مبني على مجرد الظن .

4): أن يثبت الموظف أنه راعى في عمله جاني الحيطة : فعلى الموظف أن يراعي جانب الحيطة والحذر عند تنفيذه للأوامر التي يتلقاها من الرئيس بحيث تحدث أقل ضرر ممكن وأن لا يرتكب العمل إلا بعد التثبت من ذلك .

إذا قام الموظف بتنفيذ أمر الرئيس فأفضى ذلك لأحداث ضررا للغير وكان ذلك ضمن حدود الشروط السابق ذكرها فأن عمله هذا يعد مشروعا لا يوجب مسؤولية إنما تقوم مسؤولية الرئيس عن الضرر الحاصل للغير . وينسحب الحكم نفسه على طاعة أمر القانون .

المسألة الثالثة : حالة الضرورة :

وهذه الحالة نص عليها القانون المدني المصري في المادة 168 ولم يأتي المشرع الأردني على ذكرها صراحة ولعل السبب في ذلك تأثره بالمذهب الحنفي حيث يقول بقاعدة (الاضطرار لا يبطل الحق) وهذا ما نصت عليه المادة 63 من القانون المدني الأردني وهو نفسه نص المادة 33 من مجلة الأحكام العدلية ، كما أن المشرع الأردني نص في المادة 222 على القاعدة الفقهية ( الضرورات تبيح المحظورات ) . لما تقدم نستطيع القول أن المشرع الأردني أخذ بحالة الضرورة ضمنا في نص المادة 222 دون الإخلال بالقاعدة الأولى المنصوص عليها في المادة 63 مما جعل أمر حالة الضرورة متروكا للقاضي .

أما المشرع المصري في المادة 168 ينص على أن ” من سبب ضررا للغير ليتفادى ضررا أكبر محدقا به أو بغيره لا يكون ملزما إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسبا ” يتضح من ظاهر هذا النص أن حالة الضرورة يتطلب لتوافرها ثلاث شروط هي :

1): وجود خطر حال يتهدد مرتكب فعل الضرورة نفسه أو أخر سواء في نفسه أو ماله .
2): أن يكون الخطر أجنبيا عن المضرور ومرتكب فعل الضرورة ، فإذا كان مصدر الخطر هو المضرور لكان فعل مرتكب فعل الضرورة دفاعا شرعيا ، أما إذا كان مصدر الخطأ مرتكب فعل الضرورة فأنه يسأل مسؤولية كاملة .

3): أن يكون الضرر الحاصل أقل من الخطر المراد تفاديه ، وبذلك يسأل مرتكب فعل الضرورة مسؤولية مخففة أي أن يدفع التعويض الذي تقتضيه العدالة لكن إذا كان الضرر الحاصل أكبر أو يساوي الخطر المراد تفاديه فإن حالة الضرورة تنتفي ويسأل مسؤولية كاملة.

المطلب الثاني : الركن المعنوي :

يختلف القانون المدني الأردني عن القانون المدني المصري في أهمية هذا الركن حيث أن المشرع الأردني لا يستلزم الركن المعنوي لقيام المسؤولية متأثرا في ذلك بالفقه الإسلامي الذي يقيم المسؤولية على ركن الضرر إدراكا من الفقهاء المسلمين للفرق بين المسؤوليتين المدنية والجنائية وإدراكا منهم أن الهدف من المسؤولية المدنية هو جبر الضرر .

أما المشرع المصري فلا يقوم الخطأ لديه بمجرد حصول التعدي إنما يتطلب بالإضافة لذلك أن يكون المعتدي مدركا لتصرفاته ، فمناط المسؤولية التمييز .

بعد توضيح الفرق بين أهمية هذا الركن بين كل من القانون المدني الأردني والقانون المدني المصري يتحدث الباحث في الفرعين التاليين عن ماهية التمييز وحالات انعدامه وعن مسؤولية عديم التمييز .

الفرع الأول : ماهية التمييز وحالات انعدامه :

مناط أهلية الأداء هو التمييز وأهلية الأداء هي ” صلاحية الشخص لإعمال إدراكه إعمالا من شأنه ترتيب الأثر القانوني الذي ينشده وهذه الأهلية قد تكون كاملة أو ناقصة أو معدومة”.

والسبب الأصلي لانعدام التمييز هو صغر السن فالطفل يولد معدوم التمييز، وبعد أن يكبر ويصبح مميزا قد ينعدم التمييز لديه بعد ذلك لأسباب عارضة طويلة الأمد أو قصيرة الأمد .

1): صغر السن : حدد كل من المشرعين الأردني والمصري سن التمييز بسبع سنوات فنصت الفقرة الثانية من المادة 44 مدني أردني على أنه ” وكل من لم يبلغ السابعة يعتبر فاقدا للتمييز” كما نصت الفقرة الثالثة من المادة 118 على أن ” سن التمييز سبع سنوات كاملة “

وكذلك نصت الفقرة الثانية من المادة 45 مدني مصري على أن ” كل من لم يبلغ السابعة يعتبر فاقدا للتمييز ”
يستفاد من هذه النصوص وجود قرينة قانونية بسيطة مفادها أن كل من بلغ السابعة فهو مميز ويثبت العكس بإثبات أن من بلغ السابعة اعتراه عارض من عوارض الأهلية .

2): الجنون : وهو ” عاهة عقلية تفقد الشخص التمييز ” وقد يكون الجنون جنونا مستمرا (الجنون المطبق) أو جنونا متقطعا (الجنون غير المطبق) وهو الجنون الذي يأتي على شكل نوبات ، وفي هذه الحالة تكون العبرة بوقت ارتكاب الفعل الضار فإذا كان مرتكبه في حالة الإفاقة من نوبات الجنون فإنه لا يعد عديم تمييز وتقوم مسؤوليته.

الفرع الثاني : مسؤولية عديم التمييز :

تنص المادة 256 مدني أردني على أن ” كل من سبب إضرارا بالغير يلزم فاعله ولو غير مميزا بضمان الضرر “، يتبين من هذا النص أن المشرع الأردني يقيم المسؤولية على عديم التمييز ويضمنه وذلك _ كما سبق الإشارة إليه _ لتأثر المشرع الأردني بالفقه الإسلامي الذي يهدف من خلال إقامة المسؤولية جبر ضرر المضرور .

وحيث أن المسؤولية خطاب وضع لا خطاب تكليف وحيث أن عديم التمييز له ذمة مالية مستقلة وإقامة المسؤولية عليه يرتب التزاما على هذه الذمة فلا يوجد سبب يدعو لعدم مسائلة عديم التمييز .

أما المادة 164 من القانون المدني المصري فتنص على أنه ” 1: يكون الشخص مسؤولا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز 2: ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ولم يكن هناك مسؤولا عنه أو تعذر الحصول على تعويض من المسؤول جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل مراعيا في ذلك مركز الخصوم .

فلا تقوم المسؤولية كقاعدة عامة على عديم التميز لانتفاء الإدراك الذي يشكل الركن المعنوي للخطأ وبالتالي ينتفي الركن المعنوي للخطأ في جانب عديم التميز ولا تقوم مسؤوليته مهما كان السبب في انعدام التميز لديه إذا كان هو محدث الضرر . لكن قد يكون عديم التمييز مضرورا وساهم إهماله في وقوع الضرر عليه ، هنا تخفف المسؤولية عن المسؤول ( محدث الضرر ) إعمالا لقواعد الخطأ المشترك . هذا ويسأل عديم التمييز عن أعمال تابعه أو فعل الأشياء التي في حراسته

لكن تثور المشكلة بالنسبة للغير الذي يتسبب له فعل عديم التمييز بضرر ، فمن يعوض هذا الغير؟
تجيب الفقرة الثانية من نص المادة 164 مدني مصري على هذا التساؤل إذ تشترط لإقامة المسؤولية على عديم التمييز عدم إمكانية حصول المضرور على تعويض من شخص غير عديم التمييز ولا يوجد لعديم التمييز مسؤول عنه أو كان لديه مكلف بالرقابة عليه ولكن لم يثبت الخطأ لدى هذا المكلف أو كان معسرا .

ويجعل المشرع المصري هذه المسؤولية على عديم التمييز بعد انطباق الشرط السالف ذكره مسؤولية مخففة وجوازيه بحيث يستطيع القاضي الحكم بتعويض المخفف للمضرور أو إعفاء عديم التمييز من التعويض كليا .

ويرى الباحث أن المشرع المصري لم يكن منطقيا عندما ضمن عديم التمييز في حالات ولم يضمنه في حالات أخرى ، وأنه جانب الصواب عندما جعل مسؤوليته استثناءا على أصل وجعل هذه المسؤولية في الاستثناء مخففة وجوازيه ضاربا عرض الحائط بحق الغير تاركا ضرره دون جبر .

الخاتمة :-

يرى الباحث في ختام هذا البحث أن مشرعي القوانين المدنية -على اختلاف زمانهم ودولهم – والقفه والقضاء لم يتوصلوا لتعريف مانع جامع للخطأ يجعله كفؤا لتقام عليه المسؤولية التقصيرية بسبب غموضه , الأمر الذي يضع علامة استفهام حول صلاحية هذا الركن لتقوم عليه المسؤولية التقصيرية .

وفي ذلك يقول ليون ميشيل “يتحتم علينا أن نتحرر من هذا المصطلح التقليدي الغامض المبهم الذي يقضي بأن الإنسان لا يسأل إلا عن خطئه ونستعيض عنه بالقول بمسؤولية الإنسان عن فعله الضار خطأ كان هذا الفعل أو غير خطأ , كما دفعت صوبة تعريف الخطأ الأستاذ ربير للقول بأنه “ليس هناك أي تعريف قانوني للخطأ وان من المتعذر أو المستحيل محاولة إيجاد تعريف له , وفي ذات السياق يقول الأستاذ تيسير “الخطأ لفظ غير محدد المعنى لكل إنسان أن يفسره وفق ما يحلو له ويهواه “

لكل ما تقدم يرى الباحث أن الفقه الغربي جانب الصواب عندما أقام المسؤولية على ركن الخطأ دون ركن الضرر , ويعيب على المشرع المصري أتباعه الفقه الغربي في ذلك
حيث أن الباحث يرى أن المشرع الأردني كان موفقا عندما سار على هدي الشريعة الإسلامية الغراء وأقام المسؤولية على ركن الضرر مؤمنا تعويضا لكل مضرور لحقه ضرر من الغير سواء كان هذا الغير مخطئا أو غير مخطئ .
المصادر والمراجع
المصادر

1):
2):
3):قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2007
4):قانون التأمين الفلسطيني رقم 20 لسنة 2005

المراجع

1): الذنون ، حسين علي : المبسوط في شرح الفانون المدني الخطأ . ط1 . عمان : دار الوائل للنشر . 2006 .

2): السرحان ، عدنان وخاطر ، نوري : شرح القانون المدني مصادر الحقوق الشخصية (الالتزمات) . ط1 . عمان : دار الثقافة للنشر والتوزيع . 2005 .

3): السنهوري ، عبدالرازق : الوسيط في شرح القانون المدني . ج2 . ط3 . القاهرة : دار النهضة العربية . 1981 .

4): الشرقاوي ، جميل : النظرية العامة للالتزام مصادر الالتزام . القاهرة : دار النهضة العربية . 1981 .

5): الفضل ، منذر : النظرية العامة للالتزامات . عمان : مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع . 1996 .

6): سلطان ، أنور : الموجز في النظرية العامة للالتزام . بيروت : دار النهضة العربية . 1983 .

7): سلطان ، أنور : مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني . ط2 . بدون مكان نشر : المكتب القانوني . 1998 .

8): شنب ، محمد لبيب : موجز في مصادر الالتزام . بيروت : دار النهضة العربية . 1969.

9): عبد الدائم ، أحمد : شرح القانون المدني النظرية العامة للالتزام الجزء الأول مصادر الالتزام . حلب : جامعة حلب . 2003 .

10): مرقس ، سليمان : الوافي في شرح القانون المدني في الالتزامات في الفعل الضار والمسئولية المدنية الاحكام العامة . م1 . ط5 . بدون مكان نشر : بدون ناشر . 1992 .

11): مرقس ، سليمان : موجز أصول الالتزامات . القاهرة : مطبعة لجنة البيان . 1961 .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني مفصل عن الخطأ في المسؤولية التقصيرية