بحث كبير و معمق عن جريمة الرشوة في القانون الجزائري .

« إذا أردت أن تؤسس لعام فازرع القمح، وإذا أردت أن تؤسس لجيل فشجر الأرض وإذا أردت أن تؤسس للعمر كله فعلِّم الناس »
الحكيم الصيني كوتفوشيوس

الخطـة

مـقدمـة
الفصل الأول: جريمة الرشوة
تمهيـد
المبحـث الأول: البنيان القانوني لجريمة الرشوة
** المطلـب الأول: الطبيعة القانونية لجريمة الرشوة
** المطلـب الثاني: الحكمة من تجريم الرشوة
** المطلـب الثالث: صلة جريمة الرشوة بجريمة استغلال النفوذ
المبحـث الثاني: أركان جريمة الرشوة
** المطلب الأول: إجرام المرتشي
** المطلب الثاني: إجرام الراشي و الرائش
الفصـل الثاني: عقوبـة جريمـة الرشـوة و صـورها الخاصة
تمهيـد
المبحـث الأول: عقوبة جريمة الرشوة
** المطلب الأول: العقوبة البسيطة لجريمة الرشوة
** المطلب الثاني: العقوبة المشددة لجريمة الرشوة
** المطلب الثالث: الإعفاء من العقاب في جريمة الرشوة
المبحـث الثاني: الصور الخاصة لجريمة الرشوة
** المطلـب الأول: جريمة الراشي باعتباره فاعلا آخر في جريمة الرشوة
** المطلـب الثاني: جريمة العرض الخائب للرشوة.
الخـاتمـة

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

المـقـدمـة:

إن تحقيق العدالة الكاملة في الواقع ليس أمرا سهلا كما يبدو لنا في أول وهلة أو كما يتصوره عامة الناس، وأنما تحقيقها أمرا صعبا جدا لأنه مرهون بأمور أخرى تتعلق بطبيعة الفرد و فطرته، فالإنسان كما هو معروف مفطور على حب ذاته وحب من هم أقرب الناس اله و هو مزود بدوافع غريزية تتميز بالعنف و الظلم و السيطرة وحب التسلط والتملك والظهور، وأنه مزود أيضا بالعقل الذي هو نور يهديه في هذه الحياة كما أنه ليس لع جناحان و لكنه يطير و لا يحسن السباحة و لكنه يسافر فوق و تحت البحار، ليست له مخالب و لكنه يحفر الحفر في قشرة الأرض الصلبة، ليست له أنياب، يستطيع أن يقتل كل مخلوق حي لكن إذا كان يستطيع أن يقتل كل مخلوق حي فانه قادر بدون شك، أن يقتل أفراد جنسه و يضر حتى بالمصالح العليا لأمته و هذا هو الهلاك بعينه، وبالتالي يكون كل إنسان عرضة لأخطار و متاعب تصادفه في الحياة من مرض أو اعتزال منصب فلا بد من توفير جزء من المال ندخره لوقت الحاجة، ونحفظ به أنفسنا من الدين و المذلة فكثير من فضائل عمادها المال فالكرم و الأمانة والإحسان والاقتصاد والطمع و الغش والنصب والارتشاء و الإسراف كلها تتصل بحالة الإنسان المالية، بل هناك فضائل و رذائل تنتج عن مال عن طريق غير مشروع فكثير ما يضطر المدين إلى الكذب وتحمله ديونه على تلقيف الاعتذار لدائنه ليماطله، و كثيرا ما يكون الفقر سبب الإجرام و عدوا للحرية وأيضا دور انخفاض المستوى الاقتصادي و ضعف الأجور و المرتبات كانت هي السبب في انتشار عدة جرائم كالاختلاس وخيانة الأمانة و الرشوة، و مما لا شك فيه أن حسن سير الإدارة الحاكمة ونزهاتها من المهام الأساسية التي يجب أن تقوم بها الدولة و في سبيل الوصول إلى هذا الهدف تختار الدولة من بين أفرادها موظفين يتولون القيام بهذه المهمة لقاء أجر يحصلون عليه في صورة مراب أي حينما يؤدي الخدمة أو العمل المنوط إليه القيام به إنما يكون بناء على اتفاق بينه و بين الدولة و هو في أدائه لهذا الواجب إنما يلتزم الحدود التي ينظمها الاتفاق و يصفه خاصة عدم حصوله أو طلبه أي مقابل إضافي من صاحب المصلحة أو الحاجة متى لجأ إليه لقضاء حاجاته أو مصلحته و تعد محاولة الموظف استغلال وظيفته و الحصول من صاحب الحاجة على مقابل لقضاء حاجته عملا يصيب الإدارة الحاكمة في الصميم إذ يعرقل سيرها و يشكك في نزاهتها و يجعل الحصول على الخدمة أو المصلحة قاصرا على القادرين من المجتمع دون غيرهم و يترتب على كل ذلك إفساد العلاقة بين الدولة و أفرادها و الحط من هيبة موظفيها واحترامهم بالإضافة إلى أن الموظف يسلك هذا السبيل و يثرى على حساب غيره دون سبب مشروع، لهذه الأسباب جميعها قررت تشريعات الدول المختلفة عقاب الموظف العام الذي يتاجر في أعمال وظيفته و يهبط بها إلى مستوى السلع بأن يطلب أو يقبل أو يحصل من صاحب الحاجة على مقابل لأجل قضاء حاجته، و تعرف هذه الصور من الفعال المعاقب عليها كما سبق ذكرها بجريمة الرشوة، فهي تعد من بين الجرائم الاقتصادية و من أخطر الجرائم الواقعة على الوظيفة و الإدارة العامة، و المضرة بالمصلحة العامة و التي تمس أمن الدولة الخارجي و الداخلي، ما حقيقتها، ما تكييفها، ما طبيعتها، شروط قيامها، صورها، وسائل القضاء عليها أو بالأحرى التخفيف من وجودها، ز مل دور المشرع الجزائري أمام هذه الجريمة كلها اتجاهات تناولها و نحن بصدد دراستها في هذه المذكرة.

الفصل الأول: جريمة الرشوة

المبحث الأول: البنيان القانوني لجريمة الرشـوة:

تمهيـد:
يقصد بالبنيان القانوني ما يستلزمه نص التجريم لقيام الجريمة قانونا ويشمل ذلك ليس فحسب ركني الجريمة التقليديين المادي و المعنوي بل ما يتضمنه النص أحيانا من شروط أولية أو عناصر مفترضة أو خاصة يؤثر توفرها أو تخلفها على الجريمة وجودا أو عدما.
ففكرة أركان الجريمة التقليدية لا تستوعب إذن كل بنيانها القانوني و إن كانت تمثل الجزء الأكبر فيه قليلا إذ يبقى أن نص التجريم يتطلب أحيانا لقيام الجريمة شرطا أوليا أو عنصرا خاصا أو وسيلة معينة مما قد يصعب إدراجه ضمن المفاهيم والأفكار التقليدية لأركان الجريمة بل إن لبعض الجرائم طبيعة قانونية خاصة يترتب عليها نتائج عملية هامة تستفاد من نص التجريم دون أن يسعف التقسيم الإداري لأركان الجريمة بدراستها ضمن هذا الركن أو ذلك (نذكر على سبيل المثال كونها جريمة مستمرة أو جريمة فاعل متعدد أو جريمة تبعية يعاقب عليها رغم ذلك كجريمة مستقلة عن الجريمة الأصلية) في كافة هذه الأمثلة وغيرها تتيح فكرة البنيان القانوني للجريمة دراسة كافة ما يلزم لقيامها ركنا كان أم عنصرا أم شرطا لتطبيق النص أم طبيعة قانونية خاصة ترتب نتائج عملية فمن إجماع تلك المكونات يصبح السلوك المؤثم جريمة يستحق فاعلها الجزاء المقرر في نص التجريم وتتجسد مكونات البنيان القانوني لجريمة الرشوة فيما يلي:
‌أ. الطبيعة القانونية للجريمة
‌ب. الحكمة من تجريم الرشوة
‌ج. صلة جريمة الرشوة بجريمة استغلال النفوذ.[1]

المطلب الأول: الطبيعة القانونية للجريمـة:

الفرع الأول: تعريف الرشـوة:
الرشوة جريمة تختص في الاتجار بأعمال الوظيفة العامة وهي تستلزم وجود شخصين: موظف عام أو قاضي أو عامل أو مستخدم يطلب أو يقبل عطية أو وعدا أو يتلقى هبة أو هدية أو أية منافع أخرى مقابل قيامه بعمل أو امتناعه عن عمل من أعمال وظيفته سواء كان مشروعا أو غير مشروع وإن كان خارجا عن اختصاصاته الشخصية إلا أن من شأن وظيفته أن تسهل له أداءه أو كان من الممكن أن تسهله له ويسمى هذا الموظف مرتشيا وصاحب المصلحة يسمى راشيا وبذلك تكون العبرة في جريمة الرشوة بسلوك الموظف لا بسلوك الطرف الآخر فتقع الرشوة متى قبل الموظف ما عرض عليه قبولا صحيحا وجادا قاصدا العبث بأعمال وظيفته ولو كان الطرف الآخر غير جاد في عرضه، و لا تقع الرشوة إذا لم يكن الموظف أو القاضي جادا في قبوله كما لو تظاهر بالقبول ليسهل القبض على من يحاول ارتشاءه متلبسا بجريمة الرشوة.[2]
‌أ. استوحى المشرع تجريمه لكافة صور الرشوة من فكرة الاتجار بالوظيفة أو الخدمة أي الانحراف بها عن الطريق السوي الذي تنظمه القوانين واللوائح وجعلها مصدرا للكسب الغير مشروع فالاتجار بالوظيفة العامة إذن هو جوهر جريمة الرشوة كما يعتبر أو يمكن اعتباره مظهرا لركنها المعنوي.
‌ب. إن جريمة الرشوة تقع بحسب الأصل من (وظف عام ويتعدى فيها على أعمال وظيفته التي يجب أن تؤدى بالتطلع فقط لمقتضيات الصالح العام ويتعدى فيها على السير الطبيعي للإدارة العامة تلك هي الصورة الأساسية لتجريم الرشوة أو هي الرشوة بمعناها الدقيق وهي على هذا النحو جريمة فاعل متعدد إذ تقتضي وجود طرفين أساسيين:

  • · المرتشي: وهو الموظف العام الذي يتقاضى أو يطلب منفعة خاصة له أو لغيره.
  • · الراشي: هو صاحب المصلحة الذي يقدم المنفعة أو يعد بها أو يقبل طلب الموظف بذلك نظير أداء عمل من أعمال الوظيفة أو الامتناع عنه أو الإخلال بأحد واجباتها ويلاحظ مع ذلك أن هناك صورا خاصة للرشوة لا يكون الفاعل موظفا عاما بل فردا من عامة الناس.

إذ يجرم المشرع عرض الرشوة من جانب صاحب المصلحة ولو لم يصادف العرض قبولا من الموظف ويعاقب المشرع على جريمة عرض الرشوة باعتبارها جريمة مستقلة.[3]
‌ج. الركن المادي في جريمة الرشوة ذو طبيعة خاصة فلأنها جريمة فاعل متعدد لزم البحث عن مظاهر هذا الركن في سلوك كل من الفاعلين لذلك حق تصوير العلاقة بينهما على أنها اتفاق غير مشروع يتجر بواسطته المرتشي في عمله الوظيفي فمن ناحية المرتشي لم يشأ المشرع أن يحصر سلوكه في تعريف محدد إذ يتمثل في قيام الموظف أو من في حكمه بأداء عمل أو الامتناع عن عمل من أعمال وظيفته وقد يؤخذ بصفة عامة ضرورة الإخلال بواجبات هذه الوظيفة لذلك تقنع محكمة النقض بقيام جريمة الرشوة قانونا– بالاتفاق الذي يتم بين الراشي والمرتشي ولا يتبقى بعد ذلك إلا إقامة الدليل على هذا الاتفاق وتنفيذ مقتضاه بتسليم المبلغ والمشرع الجزائري لم يرد أي تعريف للرشوة و إنما اكتفى بتحديد عناصر هذه الجريمة والآثار المترتبة عنها وذلك في المواد 26 إلى 130 من قانون العقوبات الجزائري فقد حشر المشرع الجزائري جريمتي الرشوة واستغلال النفوذ تحت عنوان واحد الرشوة واستغلال النفوذ وذلك لما لهاتي الجريمتين من أوصاف مشتركة فهي وإن كانت وحدتهما في الركتيت المادي والمعنوي إلا أنهما يختلفان في صفة الجاني من جهة و في نوع العمل المطلوب أداؤه من جهة أخرى وفي هذا البحث نركز على الرشوة باعتبارها جريمة مستقلة عن جريمة استغلال النفوذ الذي اعتبرها المشرع في حكم جريمة الرشوة ومنه إن كان للفقه دور في تعريف الرشوة فكيف كان دور التشريع في تكييفها على أنها جريمة واحدة خاصة بالموظف وحده أم هي جريمتين مستقلتين بمعنى جريمة الموظف لوحدها وجريمة صاحب الحاجة لوحدها.[4]

التكييف القانوني للرشـوة:
لم تتفق التشريعات كما لم تتخذ كلمة الفقه على تكييف واحد لجريمة الرشوة بل انقسما إلى مذهبين متنافرين الأول يخضع الرشوة في تجريمها لنظام وحدة الرشوة والثاني يخضعها لنظام ثنائية الرشوة و كلا المذهبين له مبرراته فضلا عن اعتناق أحدهما يرتب نتائج قانونية مغايرة عن الأخر.
‌أ. نظام وحدة الرشوة: وفقا لهذا المذهب الذي تأخذ به بعض التشريعات الجنائية تعتبر الرشوة جريمة واحدة فاعلها الأصلي هو الموظف المرتشي أما صاحب الحاجة (الراشي) فليس إلا شريكا في هذه الجريمة الأصلية، و تقوم هذه النظرية على أن جوهر الرشوة إنما يتمثل في الاتجار بأعمال الوظيفة والمساس بنزاهتها وهو ما لا يتصور وقوعه إلا من جانب الموظف الذي وضعت فيه السلطة العامة ثقتها. فالمرتشي إذن هو المعول عليه في مشروع الرشوة فهو أكثر إجراما من الراشي لأنه يخل بواجبات الأمانة التي تلقيها الوظيفة على عاتقه وهي واجبات لا تقيد الراشي في شيء ومؤدى مذهب وحده جريمة الرشوة إذن هو اعتبار الموظف الفاعل الوحيد لها أما غير الموظف سواء كان راشيا أو وسيطا بين الراشي و المرتشي أي الرائش إذ يعتبر شريكا إذا توافرت بالنسبة لع جميع شروط الاشتراك و في ظل عدا المذهب ينعدم التمييز و التفرقة بين كل من الرشوة السلبية بحيث لا توجد عندئذ سوى رشوة واحدة هي التي يرتكبها الموظف العام. ([5])
ويأخذ بهذا النظام القانون الدانمركي والبولوني والايطالي وكذلك القانون المصري واللبناني في مادته 355 من قانون العقوبات اللبناني وبالرغم من كون نظام وحدة الرشوة يتفق والمنطق القانوني في الميدان العملي تواجهه صعوبتان تتجسد فيما يلي:
‌أ) الصعوبة الأولى: حين يطلب الموظف العام المقابل فلا يستجاب له من قبل صاحب الحاجة أو ما يسمى بحالة الطلب الهائب للرشوة من جانب الموظف العام بمعنى الطلب الذي لا يصادف قبولا من جانب صاحب الحاجة وعليه فعقاب هذا الموظف يقف عند حد الشروع.
‌ب) الصعوبة الثانية: تكمن في حالة عرض الراشي المقابل فيلخصه المرتشي وهنا لا يعاقب صاحب الحاجة لأن العبرة بالموظف فهو الفاعل الأصلي وهنا لم تقع الجريمة لأنه رخصها وهاتان الحالتان لا يعرفهما نظام الرشوة نظرا لاستقلال جريمة المرتشي عن جريمة الراشي.
واحتياطا للمجال العملي قامت بعض التشريعات بتخطي هاتين الحالتين بالنص على أنه بمجرد طلب الرشوة يعد جريمة تامة رغم عدم استجابة صاحب الحاجة الذي يقدم على عرض رشوته ويرخصها الموظف العام وهو ما يتبع حاليا في التشريع المصري و اللبناني.
إلا أن الأخذ بنظرية وحدة الرشوة يرتب نتائج قانونية هامة تؤدي و لا شك إلا إمكانية إفلات الراشي والمرتشي أحيانا من العقاب و يمكن حصرها فيما يلي:
1. بصفة عامة: يتوقف تقرير المسؤولية الجنائية للراشي وإمكانية عقابه على مصير الدعوة الجنائية المرفوعة في مواجهة المرتشي وبالتالي انقضاء تلك الدعوة بالتقادم أو العفو أو الوفاة يحول ذلك دون مساءلة الراشي. كما أن انتفاء قيام جريمة المرتشي قانونا لانعدام قصده الجنائي أو لأي سبب آخر يمتنع معاقبة الراشي، وتلك أمثلة لأعمال نتائج نظرية استعارة الجريمة التي تقتضيها قواعد الاشتراك الجنائي.
فاعتبار الراشي مجرد شريك للموظف المرتشي (الفاعل الأصلي للجريمة) يخضع للقاعدة المعروفة في مجال المساهمة الجنائية و هي الشريك يستعير إجرامه من الفاعل الأصلي.
يترتب على ذلك أن صاحب الحاجة الذي يعرض الرشوة فيرفضها هذا الأخير لا يخضع للمساءلة الجنائية حيث يقتصر في هذا الغرض على مجرد الشروع في الاشتراك غير معاقب عليه في القانون الجنائي.
2. و يؤدي مذهب وحدة الرشوة إلى وقوف مساءلة الموظف الذي يطلب رشوة فيرفض صاحب الحاجة طلبه عند حد الشروع فلا يكون مرتكبا لجريمة تامة.
3. ويبدو من المشكوك فيه أخيرا إمكانية معاقبة شركاء صاحب الحاجة (الراشي) في ظل مذهب وحدة الرشوة وفقا للقواعد العامة في المساهمة الجنائية فان الاشتراك في الاشتراك غير معاقب عليه.
وهكذا يؤدي مذهب وحدة الرشوة إلى خروج فرضين يغلب وقوعهما في العمل من دائرة العقاب إذ تعرض الرشوة من صاحب الحاجة حين يرفضه الموظف وطلب الرشوة من الموظف حين لا يستجيب إليه صاحب الحاجة فلا يعد جريمة تامة، يضاف إلى ذلك ما وجه من انتقاد للأساس النظري لهذا المذهب فمن الصعوبة في مجال نظرية الاشتراك اعتبار الراشي مجرد شريك في جريمة الرشوة ذلك أن الشريك ما هو في الحقيقة إلا مساعد في الجريمة، يسهلها ولا ينشئها بمعنى أنه لا يساهم في ارتكابها بطريقة أصلية ومباشرة وفي الرشوة على العكس من ذلك يقوم المرتشي والراشي سويا بدورين رئيسيين في تنفيذها فكلاهما يقومان على قدم المساواة مع الآخر في إتيان الأفعال المكونة للرشوة التي لا تتم بدون تدخل من جانب الراشي وما دام الأمر كذلك فلا يمكن تصور وجود جريمة رشوة بدون تدخل الراشي. وتحت وطأة هذه الانتقادات ومن أجل تفادي النتائج السابقة التي تؤدي إليها مبدأ الوحدة يستمد مذهب ثنائية الرشوة مبرر وجوده.
‌ب. نظام ثنائية الرشوة: المذهب الثاني في تكييفه للرشوة ينظر إليها باعتبارها جريمتين مستقلتين:

رشوة سلبية ورشوة ايجابية.

  • · الرشوة السلبية: تلك التي تقع من جانب الموظف العام بطلب أو قبوله للوعد أو عن طريق الأخذ و ذلك لأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عن أداءه.
  • · الرشوة الايجابية: و هي تلك التي تقع من جانب صاحب الحاجة بإعطائه المقابل للموظف العام أو عرضه عليه أو وعده به

وتستقل كل من الجريمتين عن الأخرى في المسؤولية و العقاب بمعنى أنه يمكن أن تتوافر أركان أحداهما دون أركان الأخرى، لأن الراشي لا يعد مساهما في عمل المرتشي بل فاعلا لعمل مستقل عن عمله وتسري بالتالي على كل جريمة مستقلة عن الأخرى قواعد الاشتراك والشروع، ويطلق على هذا المذهب مذهب ثنائية الرشوة لأنه ينظر إليها باعتبار أنها تشكل جريمتين مستقلتين في المسؤولية والعقاب بحيث تقع الأولى من طرف الموظف العام ويطلق عليها كلمة “الارتشاء” أو “الاسترشاء” وتقع الثانية من صاحب الحاجة ويطلق عليها “الارشاء” وعلى هذا المذهب يسير القانون الألماني والروسي والعراقي والسوداني و الفرنسي.
تظهر أهمية الأخذ بهذا المذهب أو ذاك في حالة العرض الخائب للرشوة على الموظف من جانب صاحب الحاجة، فلا جريمة في هذا العرض من جانب صاحب الحاجة على مذهب وحدة الرشوة والذي يعتبرها “جريمة الموظف العام” وبالتالي فإن عرضها من صاحب الحاجة أو وسيطه لا يشكل بدء في تنفيذ لأن البدء في التنفيذ المشكل للركن المادي في الشروع في الرشوة لا يقع إلا من الموظف باعتبارها جريمة تامة مستقلة بذاتها أي جريمة الرشوة الايجابية، هذا الخلاف حول نتائج تكييف الرشوة يزول بطبيعة الحال إذا تدخل المشرع لتجريم عرض الرشوة وهو ما فعله المشرع المصري واللبناني بالمادة 355 من قانون العقوبات
جريمة الرشوة إذن جريمة واحدة ركنها الأساسي هو الموظف العام (المرتشي) فهي في الأصل جريمته وهي جريمة فاعل متعدد يعتبر صاحب الحاجة (الراشي) عنصرا ضروريا لتحقيقها.
وقد اعتمد المشرع الجزائري نظام ثنائية الرشوة وذلك في المادتين 126 – 127 من قانون العقوبات الجزائري بالنسبة لجريمة الموظف المرتشي أي الجريمة السلبية وفي المادة 129 من قانون العقوبات الجزائري جريمة صاحب الحاجة أي الرشوة الايجابية
المطلب الثاني: الحكمة من تجريم الرشوة:
إن المصلحة القانونية المهدورة بارتكاب جريمة الرشوة هي حسن أداء الوظيفة العامة وبالتالي ضمان نزاهتها، والاتجار في أعمال الوظيفة العامة يهبط بها إلى مستوى السلع و يجردها من سموها باعتبارها خدمات تؤديها الدولة لأفراد الشعب، والنتائج المترتبة على ذلك وخيمة العواقب بالنسبة للفرد و بالنسبة للمجتمع على حد سواء:
– الرشوة خرق لمبدأ المساواة بين الأفراد المتساوين في المركز القانوني حيث تؤدي خدمات مرافق الدولة إلى من يدفع المقابل للموظف العام وتحجب هذه الخدمات أو تعطل عن الأفراد غير القادرين أو العازفين عن أداء ذلك المقابل، وتفشي مثل تلك الظاهرة من شأنه أن يهدر ثقة المواطنين الأسوياء في نزاهة الجهاز الإداري للدولة من ناحية وأن يدخل في ذهن المواطنين غير الأسوياء الاعتقاد بقدرتهم على شراء ذمة الدولة من خلال موظفيها من ناحية أخرى وذلك من أخطر ما يصيب الأداة الحكومية في دولة من الدول
– الرشوة فوق ذلك مدخل للانحراف بالوظيفة العامة وفساد موظفيها، فهي انحراف بالوظيفة العامة من حيث أنها تجعل الأولوية في أداء الخدمات العامة للأفراد أكثرهم مالا و تأثيرا و معرفة بفنون غواية الدولة بينما الأصل أن الأولوية في أداء الخدمات العامة ينعقد للأفراد الذين تتوافر فيهم شروط الانتفاع بها.
– الرشوة مدخل لفساد موظفي الدولة لأنها تؤدي إلى إثرائهم دون سبب مشروع، بينما الأصل أنهم ملزمون بأداء الخدمات للمواطنين دونما مقابل وهكذا يستثري بين الموظفين أنفسهم صنف جديد من صنوف المنافسة القذرة الموظف المرتشي بما يحصل عليه من دخل يحتذي به من غيره من الموظفين وهنا نكمل الخطورة إذ تصبح الوظيفة العامة سلعة رائجة، وتلك مقدمات الفساد التي تصب إلى وظائف الدولة الأخرى.
يمكن اعتبار الرشوة إحدى الجرائم التعزيزية في النظام الجنائي الإسلامي و أدلة تجريمها ثابتة بنصوص القرآن والسنة.
إن الرشوة اعتداء على النزاهة التي ينبغي أن يتحلى بها الموظف العام لأن الاتجار بالوظيفة العامة يؤدي إلى التشكيك في أعمال موظفي الدولة و في نزاهتهم و لذلك أولى المشرع هذه الجريمة الصرامة.
لقد واجه المشرع الجنائي مشكلة الرشوة:

  • 1. من ناحية التجريم: وسع من نطاقها فلم تعد تقتصر على الموظف العام وحده بل امتدت إلى كل الأشخاص الذين يقدمون خدمة عامة بل و حتى الأشخاص الذين يقومون بخدمة خاصة.
  • 2. من ناحية العقاب: واجه المشرع هذه الجريمة بالصرامة من حيث العقاب (الحبس من سنتين إلى عشر سنوات).
  • 3. استحدث المشرع جريمة الرشوة الايجابية و هي التي تقع من طرف صاحب الحاجة و ينتج عن ذلك:
    ‌أ) إمكانية قيام جريمة صاحب الحاجة دون جريمة الموظف.
    ‌ب) سهولة معرفة المركز الجنائي بالوسيط دون وجوب النص على جريمته و الوسيط هو الشخص الذي يتدخل بين الراشي و المرتشي حيث يرى الشراع أنه رسول أحد الطرفين إلى الآخر و قد تكون رشوة مشتركة بينهما فجريمته لا يمكن وجودها منفصلة ومن ثم فلا توجد له جريمة مستقلة. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ أحمد أمين “وقد يتوسط بين الراشي والمرتشي شخص ثالث وهو الرائش ولم يضع له الشارع الفرنسي حكما خاصا وهو عند الشراع الفرنسيين و المحاكم الفرنسية شريك لمن كلفه الوساطة”، وفي التشريع المصري يلاحظ أن المشرع المصري قد نص في المادة 108 على عقوبة الوسيط. وهذا ما جعل الشراع يختلفون فيما إن كان المشرع يهدف إلى خلق جريمة خاصة بالوسيط أم لا فذهب الرأي إلى القول بأنه ليس ثمة ما يبرر القول باتجاه المشرع إلى خلق جريمة خاصة للوسيط لأنه ليس له عمل مستقل في جريمة الرشوة بل تعتبر جريمته معلقة بمصير جريمة من كلفه الوساطة.

أما الرأي الثاني فقد تزعمه الدكتور علي راشد حيث فرق بين الوسيط من قبل المرتشي و الوسيط من جانب الراشي ويرى أن: أمر الوسيط من جانب المرتشي يترك لحكم القواعد العامة التي تعتبره شريكا للمرتشي بالمساعدة في الإعمال المسهلة أو المتممة لارتكاب الجريمة و يكون إجرامه معلقا على إجرام المرتشي الذي كلفه الوسيط، سواء في حالة التمام أو الانعدام “أما الوسيط من قبل الراشي فإن المشرع نظر إليه باعتباره فاعلا في جريمة خاصة به هي جريمة الوساطة في الرشوة فإجرامه مستقل عن إجرام الراشي. إذ لو كان المشرع يعد الوسيط شريكا للراشي لما كان بحاجة إلى النص عليه نصا خاصا ولترك أمره للقواعد العامة للاشتراك أما في التشريع الجزائري فان المشرع الجزائري لم يتطرق إليه في النصوص التي أفردها للرشوة و من ثم فان المركز الجنائي للوسيط في الرشوة يخضع للقواعد العامة التي تحكم الاشتراك و من ثم فان الوسيط يعتبر شريكا لمن كلفه الوساطة، ولا يفلت من العقاب سواء تحققت جريمة من كلفه أو لم تتحقق إذ أن المشرع الجزائري اعتبر إجرام الشريك مستقلا عن إجرام الفاعل الأصلي، وعلة التجريم المستقل هي الخطورة الإجرامية لدى الشريك، لأنه بأفعاله يسهل ارتكاب الجريمة و الشريك في التشريع الجزائري هو كل من ساعد بكافة الطرق أو عاون الفاعل على ارتكاب الجريمة. والملاحظ أن المشرع المصري عندما جرم بنص خاص جريمة الوسيط كان يهدف إلى تلاف إفلات الوسيط من العقاب باعتباره شريكا في حال إذا لم تحقق جريمة من كلفه الوساطة على أساس أنه يستعير الصفة الإجرامية من الفاعل الأصلي أما التشريع الجزائري فلا تثور هذه المشكلة نظرا لأسلوب التجريم الذي اعتمده المشرع الجزائري في مجال الاشتراك وهو استقلالية إجرام الشريك عن إجرام الفاعل الأصلي. و يمدنا التطور التاريخي لهذه الجريمة في فرنسا على سبيل المثال ببعض الدلالات فأركان الجريمة امتدت لتشمل طوائف و أشخاص آخرين لم يكن النص الأصلي ليتصرف إليهم و ليست آخر مظاهر ذلك التطور مشروع قانون مكافحة الرشوة و المعروض حاليا على البرلمان الفرنسي وتهدد نصوص ذلك المشروع إلى تجريم كافة صور التمويل الخاص من جانب الشركات الخاصة للأحزاب السياسية. وظاهرة الرشوة لم تتطور من ناحية الكم فقط بل من ناحية الكيف أيضا فالمشاهد في الآونة الأخيرة أن الرشوة لم تعد عملا فرديا يقتصر على الموظف المرتشي بل اتخذت الجريمة صفات التنظيم يساهم فيها عدد كبير من الموظفين الذين تترابط اختصاصاتهم في العمل ببعض مصالح الجماهير يرسمون السبيل الذي يسيرون فيه ولا يكشف عن أعمالهم وهنا وجه آخر من أوجه الخطورة الأمر الذي يقتضي مكافحة الرشوة ليس فحسب عن طريق تشديد العقوبة وملاحقة كافة من لهم صلة ولو كانت واهية بمحيط الجريمة بل يكون ذلك يربط تلك الظاهرة بشقي السلوك المؤثم و العقوبة المقررة بظروف الوسط الاقتصادي و الاجتماعي والحضاري الذي نشأت فيه الرشوة، ففي هذا الوسط تكمن الأسباب الخبيثة لتفشي تلك الظاهرة والحق أنها في ذلك كاشفة عن آفة مزدوجة و الرشوة من ناحية “تفضح” بيروقراطية التنظيم الإداري الذي نمت وترعرعت فيه وهي من ناحية أخرى “تغطي” رقعة القصور الحضري الذي لم يفلت منه الموظف والمواطن صاحب الخدمة على حد سواء وهو قصور لم يستوعب بالقدر الكاف حتى اليوم فكرة أن الدولة “ملتزمة” بأن تؤدي للفرد من خلال مرافقها العامة الخدماتية على النحو الواجب و في وقت معقول دونما مقابل غير ما يدفعه من ضرائب أو رسوم.
وإذا كانت الحكمة من تجريم الرشوة واحدة وهي حماية مقومات حسن أداء الوظيفة العامة وبالتالي نزاهة الأداة الحكومية استدعى ذلك تدخل المشرع فقد بالتجريم و العقاب في دائرة أفعال عديدة دفعها جميعا بوصف الرشوة.

المطلب الثالث: صلة جريمة الرشوة باستغلال النفوذ:

1. تعريف جريمة استغلال النفوذ:

“يعد مستغلا للنفوذ كل من طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أخذ وعدا أو عطية لاستعمال نفوذ حقيقي أو مزعوم للحصول أو لمحاولة الحصول من أية سلطة عامة أو أوامر أو أحكام أو قرارات أو التزام أو ترخيص أو اتفاق توريد أو مقاولة أو على وظيفة أو خدمة أو أية ميزة من أي نوع يعد في حكم المرتشي يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 104 من هذا القانون إن كان موظفا عموميا و بالحبس و بغرامة لا تقل عن 800 جنيه و يعتبر في حكم السلطة العامة لكل جهة خاضعة لإشرافها”([6]).
ونصت المادة 128 من قانون العقوبات الجزائري: “يعد مستغلا للنفوذ و يعاقب بالحبس من سنة إلى 5 سنوات وبغرامة من 500 إلى 5000 دج، كل شخص يطلب أو يقبل عطية أو وعدا أو يطلب أو يتلقى هبة أو هدية أو أية منافع أخرى و ذلك ليتحصل على أنواط أو سمة أو ميزات أو مكافآت أو مراكز أو وظائف أو خدمات أو أية مزايا أخرى تمنحها السلطة العمومية أو مع مشروعات استغلالية موضوعة تحت إشراف السلطة أو يحاول الحصول على أي من ذلك أو يستصدر بصفة عامة قرارا من مثل هذه السلطة أو تلك الإدارة أو يحاول استصداره و يستغل بذلك نفوذا حقيقيا أو مفترضا فإذا كان الجاني قاضيا أو موظفا عموميا أو ذا وكالة نيابية تضاعف العقوبات المقررة …” ([7])
من نص هذه المادة نلاحظ أن فاعل هذه الجريمة غير مختص بالعمل المطلوب و لا يزعم انه من اختصاصه و إنما يستعمل نفوذه الحقيقي لتحقيق الغرض المطلوب و لذلك يعاقبه القانون.

2. شروط قيام جريمة استغلال النفوذ:

وحتى نطبق نص المادة 128 من قانون العقوبات الجزائري يجب التأكد من توافر الشروط الثلاثة التالية:
· الشرط الأول: أن يطلب الفاعل لنفسه أو لغيره أو يقبل عطية أو وعدا أو يتلقى هدية فالجريمة تتم عند طلب الوعد أو العطية فالمشرع اعتبر العطية إذا أخذها الجاني أو اتفق عليها أو حتى لو طلبها تعتبر جريمة تامة لما لها من خطورة إجرامية.
· الشرط الثاني: أن يستغل الفاعل نفوذا حقيقيا أو مزعوما أو مفترضا مقابل تذرعه بالطلب أو الأخذ أو القبول فإذا كان النفوذ المزعوم حقيقيا فالجاني يكون قد أساء استعمال النفوذ الذي تكسبه إياه وظيفته أما إذا كان النفوذ مفترضا وغير حقيقي (مزعوم) فهنا الجاني يجمع بين الأضرار بالثقة الواجبة في الجهات و المصالح الحكومية و بين الغش.
· الشرط الثالث: و يجب أن يكون هذا القبول أو الأخذ أو الطلب بقصد الحصول على شيء مثل الأوسمة والمكافآت و المنافع و الصفقات… الخ. و من السلطة العمومية ومشاريعها ومن الإدارات العامة مما ورد ذكره في نص المادة 128 من قانون العقوبات الجزائري وهذا النص مأخوذ من القانون الفرنسي في المادة 178 “قانون عقوبات فرنسي” فهو نص عام شامل كل الصور التي تصدر عن الجهات الحكومية و الإدارات أو الجهات الخاضعة لإشراف حكومي.
و متى توفرت هذه الشروط تمت الجريمة بغض النظر عما سيحصل بعد ذلك فسواء تحقق الغرض المطلوب أو لم يتحقق و سواء حصل الفاعل على منفعة أم لا و فيما عدا تختص به استغلال النفوذ من عناصر فإنها تعتبر في حكم جريمة الرشوة من حيث بقية الأركان التي ذكرناها ([8])

3. علـة التجريـم:

إن علة التجريم فعل استغلال النفوذ هو الإساءة إلى الثقة في الوظيفة العامة فالجاني يوحي إلى صاحب الحاجة إن السلطات العامة لا تتصرف وفقا للقانون و بروح من الحيادية و الموضوعية و إنما تتصرف تحت سطوة ماله من نفوذه عليها وحين يكون النفوذ حقيقيا فالجاني يسيء استغلال السلطة التي خولها له القانون فبدلا من استعمالها من أجل الهدف الذي خوله القانون إياها يستعملها وسيلة للإثراء الغير المشروع و حين يكون النفوذ مرهونا.([9])
فالاتجار بالنفوذ معاقب عليه مهما كان من يتجر به سواء كان موظفا عموميا أو غيره و لكن المشرع قد شدد العقوبة بان ضاعفها لو كان الشخص الذي يستغل نفوذه قاضيا أو موظفا عموميا أو ذا وكالة نيابية بعكس جريمة الرشوة التي تفترض صفة الموظف العمومي من ناحية و متاجرته بمهنته و عمله من ناحية أخرى.([10])

4. أركان جريمة استغلال النفوذ:

‌أ) الركن المفترض: من المفروض أن يكون الجاني في هذه الجريمة صاحب نفوذ حقيقي أي أن يكون لديه علاقات قوية تربطه بالسلطات العامة أو الجهات الإدارية بحيث يستطيع أن يؤثر على هذه السلطات العامة أو الجهات الإدارية لاتخاذ القرار لمصلحته في سبيل حصوله على مزايا أو وظائف أو صفقات فالنفوذ هو نوع من التقدير لشخصه أو لمركزه الوظيفي والاجتماعي أو للصلات الخاصة التي تربطه ببعض رجال السلطة كالقرابة والصداقة وقد لا يكون للجاني نفوذا حقيقيا على السابق مع أن له نفوذا مفترضا وذلك لقرابة أو مصاهرة أو مركز اجتماعي فإذا استغل هذا النفوذ المفترض ليحصل على فائدة ممن له مصلحة مقابل نفوذه المفترض لهذا قامت الجريمة، والنص صريح في ذلك لقوله ( ويستغل بذلك نفوذا حقيقيا أو مفترضا) ولا يشمل النص الزعم ممن ليس له نفوذا حقيقيا أو مفترضا فالزعم نوع من الادعاء ويصبح نصبا واحتيالا إذا ما رافقته بعض المظاهر والطرق الكاذبة لاستغلال صاحب المصلحة.
‌ب) الركن المادي: يتمثل الركن المادي في قبول أو طلب صاحب النفوذ الحقيقي أو المفترض لهدية أو لوعد… الخ مقابل قيامه باستغلال نفوذه لدى السلطات المعنية للحصول على أية مزية يمكن أن تمنحها السلطات لمصلحة طالب الحاجة.
‌ج) الركن المعنوي: جريمة استغلال النفوذ من الجرائم العمدية التي يتطلب قيامها توفر القصد بأركان الجريمة كما يحددها القانون و تتم الجريمة بمجرد الطلب أو العرض فيما يمكن أن نسميه شروعا في جرائم أخرى كما تتم الجريمة بمجرد أن يقبل صاحب النفوذ العرض و لو لم يكن ينوي القيام باستغلال نفوذه فعلا و سواء أتم العمل أو المصلحة موضوع الجريمة أو لم تتم و سواء كان قادرا على إتمامه أصلا أم انه غير قادر و لا تقوم الجريمة إذا كان صاحب النفوذ يجهل فعلا أن الهدية أو الهبة … الخ كانت قد قدمت إليه بقصد استغلال نفوذه إذ يجب أن يعلم أن الهدية أو المنفعة تقدم له بهدف حمله على استغلال نفوذه كما يشترط أن لا يكون العمل أو المصلحة داخلة ضمن اختصاص صاحب النفوذ و إلا لأصبحت الجريمة رشوة و ليست جريمة استغلال النفوذ.
عقوبتها:
حددت المادة 128 عقوبة هذه الجريمة بالحبس من سنة إلى 5 سنوات و بغرامة من 500 إلى 5000 دج أما إذا كان الجاني قاضيا أو موظفا أو ذا ولاية نيابية تضاعف العقوبات المقررة.
ونرى أن التشديد في مثل هذه الحالة الأخيرة تعبر عن شدة حرص المشرع على وجوب نزاهة هذه الوظائف. ([11])

5. التمييز بين جريمة الرشوة و جريمة استغلال النفوذ:
أوجه الشبه بين الجريمتين:
1- يقومان على نفس الأعمال المادية بقبول أو طلب المرتشي أو مستغل النفوذ العطايا أو الوعود أو الهبات أو أية منافع أخرى.
2- كما يلتقيان أيضا من حيث تأثيرهما السيئ على الثقة العامة بسير الإدارة.

أوجه الخلاف بينهما: يتمثل في:
1- إذا كان العمل المطلوب أداءه يدخل في اختصاص المرتشي فإنه ليس من اختصاص مستغل النفوذ ولا يدخل ضمن وظيفته.
2- إذا كان المرتشي ذا صفة خاصة إذ يشترط فيه أن يكون موظفا أو مستخدما أو أن لا يكون.([12]).
فالموظف المستغل لنفوذه يختلف عن الموظف المرتشي في كومه يتاجر بنفوذه لا بوظيفته ليحصل أو ليحاول الحصول لصاحب المصلحة على مزية من السلطة العامة مقروضا بيد أنه لا شأن لها بأي عمل أو امتناع داخل في حدود وظيفته.
ولا يمنع من توافر الجريمة ألا يكون في استطاعة الموظف حقيقة الحصول على هذه المزية لطالبها، فالنص يقرر العقاب سواء نفوذ الموظف حقيقيا أم مزعوما و كذلك الحال بالنسبة للفاعل غير الموظف، كما لا يحول دون قيام الجريمة أن يكون الفاعل وقت طلب أو قبول أو أخذ الوعد أو العطية موظفا كان أو غير موظف، غير قاصد استعمال نفوذه فعلا في الحصول على المزية المطلوبة ومن هاتين الناحيتين يتفق استغلال النفوذ مع الرشوة.
غير أنه يجب لتحقيق الجريمة أن يستند الفاعل في طلب أو قبول أو أخذ الوعد أو العطية على نفوذ له حقيقي أو مزعوم فإذا أخذ عطية نظير سعيه في الحصول لصاحب الحاجة على المزية المطلوبة دون أن يتذرع في ذلك بأن له نفوذا لدى السلطة العامة يمكنه من تحقيق هذه المزية فإنه لا يرتكب الجريمة على أن الزعم بالنفوذ يتحقق بمطلق القول دون اشتراط اقترانه بعناصر أخرى أو وسائل احتيالية.([13])
لذا حكم بتوافر الجريمة في حق مراجع حسابات لمديرية الإصلاح الزراعي طلب وأخذ نقودا لاستصدار قرار رفع الحراسة المفروضة على أموال أحد الأشخاص. ولا يلزم لتوافر الجريمة أن يتذرع الفاعل بنفوذ له لدى السلطة العامة نفسها، بل يكفي أن ينسب لنفسه نفوذا لدى جهة خاضعة لجهة إشراف السلطة العامة متى كانت المزية مطلوبا الحصول عليها من عده الجعة، غير أن المراد بالسلطة العامة هنا السلطة الوطنية لا السلطة الأجنبية وعدا ما قضى بمثله صراحة في فرنسا، فالاتجار بالنفوذ لدى سلطة أجنبية لا جريمة فيه لعدم وجود النص.

ومن قبيل الإدانة على هذه الجريمة أنه حكم بتوافرها في حق متهم طلب و أخذ عطية من المجني عليه مقابل العمل على حفظ تحقيق يجري معه بشعبة البحث الجنائي عن مصدر ممتلكاته بمناسبة تصفية الإقطاع، زاعما أن له صلة بالضابط المختص بالتصرف في التحقيق وكذلك بمدير الأمن ونائبه، وفي حق كاتب بهندسة هاتف ملوى طلب وأخذ نقود من المستخدم بالهندسة لاستعمال نفوذ مزعوم في الحصول على قرار بنقله دون علم المهندس المختص و بأمر من الجهات العليا ([14]) و إذا كان الفاعل موظفا تطبق عليه عقوبة الجناية المنصوص عليها في المادة 104 من قانون العقوبات وهي الأشغال الشاقة المؤبدة و غرامة لا تقل عن 2000 جنيه و لا تزيد على ضعف ما أعطى أو وعد به.
أما إذا كان الفاعل غير الموظف فتوقع عندئذ عقوبة الجنحة المنصوص عليها و هي الحبس و غرامة لا تقل عن 200 جنيه و لا تزيد على 500 جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين المنصوص عليهما في قانون العقوبات المصري.
وأما إذا كان الغرض من استعمال النفوذ ارتكاب فعل يعاقب عليه القانون بعقوبة أشد من العقوبة المقررة لاستعمال النفوذ، لأن هذا الاستعمال و إن لم يكن رشوة اعتبره القانون في حكم الرشوة ومن ثم لم تسر عليه المادة 108 من قانون العقوبات. ونرى أن عرض عطية على صاحب نفوذ ورفضها من طرفه لا يعتبر جريمة لعدم وجود النص، كما نرى أن صاحب الحاجة أو الوسيط لا يعاقب لأن الجريمة من جرائم الفاعل المتعددة ولا يعاقب عليها إلا إذا نص القانون على عقابه وهو مستغل النفوذ دون سواه وعلى هذا التمييز بين الجريمتين قضت محكمة النقض بأنه إذا دانت المحكمة المتهم بجريمة استغلال النفوذ حالة كومه متهما بالرشوة فإن هذه الإدانة تنطوي على تعديل في التهمة مما يقتضي تنبيه المتهم إليه و منحه أجلا لتحضير دفاعه على التعديل الجديد إذا طلب ذلك عملا. ([15])

المبحث الثاني: أركان جريمة الرشوة:

تمهيـد:
وفقا للقانون و بالتحديد ما جاءت به المادة الأولى من قانون العقوبات التي تقضي بأنه لا عقوبة و لا جريمة بغير نص فإنه يجب لكل جريمة توافر أركان معينة بحيث أنه إذا اكتملت هذه الأركان أصبحنا بصدد جريمة تامة أو الشروع فيها يستحق فاعلها إنزال العقاب الذي حدده النص الجنائي عليه أما إذا انعدم ركن من هذه الأركان فلا تقوم الجريمة من الناحية القانونية.
فالنص الجنائي لأي جريمة يتكون من أركان عدم الجريمة بحيث إذا توفرت تلك الأركان انطبق النص و إلا فلا.
وأركان الجريمة بوجه عام هي ركنين ركن مادي والآخر معنوي فالركن المادي للجريمة هو عبارة عن المظهر الخارجي لنشاط الجاني أو هو الفعل المادي للجاني وهو الذي يتمثل أساسا في السلوك الإجرامي الذي يعاقب عليه القانون لان التشريع العقابي لا يعاقب على النوايا والأفكار بل لا بد من وجود نشاط مادي يترجم هذه الأفكار والنوايا لأفعال ونتائج يعاقب عليها القانون ويختلف النشاط المادي من جريمة إلى أخرى حسب طبيعتها وأنواعها هذا عن الركن المادي أما عن الركن المعنوي فهو متمثل في أفكار ونوايا الجاني والمتجسد كما هو معروف في القصد الجنائي وإذا تناولنا بالحديث والاستقصاء أركان الجريمة الرشوة فإننا نرى أنها تتضمن بطبيعة الحال الركنين السابقين بوجه اتفاقي وجامع أما الركن الثالث وهو الركن المفترض فقد ثار حوله اختلاف فقهي حول كل من صفة المرتشي و من في حكمه و هل تشكل هذه الصفة ركنا مستقلا في الرشوة يضاف كركن ثالث إلى الركنين السابقين إذا الخلاف تجلى حول ركنية صفة الراشي في جريمة الرشوة وبما أن في تعريف جريمة الرشوة ينصب أولا على الموظف العام الذي يشترط كطرف أول في جريمة الرشوة وهو الموظف العام الذي يتاجر بأعمال وظيفته فانه يصبح كركن أساسي إضافة إلى الركنين السابقين ومنه يمكن القول أن جريمة الرشوة تتكون من ثلاث أركان الأول هو الركن المفترض والخاص بصفة المرتشي والثاني وهو الركن المادي و يكون مجابه النشاط و محله ومقابله أما الركن الثالث فهو الركن المعنوي وهو القصد الجنائي وسوف نقوم بدراسة هذه الأركان في أيطار جريمة كل طرف في الرشوة (المرتشي، الراشي، و الرائش).

المطلب الأول: في إجـرام الراشـي:

الركن الأول: الصفة المفترضـة:
الرشوة هي إحدى جرائم الوظيفة العامة وجوهرها إخلال الموظف بالتزامات وظيفته ومن ثم كان في مقدمة أركانها اتصاف مرتكبها بصفة الموظف العام وأن يكون مختصا وعلى هذا النحو تنتمي جريمة الرشوة إلى فئة (جرائم الصفة). وهي فئة الجرائم التي تخضع لأحكام خاصة أهمها انه لا يتصور (أن يعد فاعلا لها من يحمل الصفة التي يشترطها و يحددها القانون أما من لا يحمل هذه الصفة فيجوز أن يكون شريكا فيها فحسب) ([16]). أي يجوز أن يكون مساهما فيها أو فاعلا ضروريا مع من يحمل تلك الصفة.
وعلى هذا الأساس فان صفة المرتشي في تطبيق أحكام الرشوة تضم إلى جانب الموظف العام أشخاصا ليسوا بموظفين وإن اعتبرهم القانون في حكمهم فإذا تحقق فعل الأخذ أو القبول أو الطلب لعطية أو وعد من غير هؤلاء فلا تتحقق الرشوة إن جاز أن تحقق جريمة النصب.

ولإيضاح أكثر فان جريمة الموظف في القانون الجنائي يختلف عنه في القانون الإداري بالنسبة لجريمة الرشوة و يحدد الفقهاء هذا الخلاف بالنظر إلى المصلحة المحمية في كل من القانونين لكن وضع تعريفا للموظف العام مجرد بحث قانوني بلا فائدة عملية ولكنه اجتهاد له آثار قانونية بعيدة المدى وشديدة الخطر في كافة نواحي القانون سواء كان ذلك في نطاق القانون العام أو في نطاق القانون الخاص بل و في كافة فروع هذين القسمين من أقسام القانون.
فالفقه الإداري يعرف الموظف العام بأنه (شخص يعهد إليه على وجه قانوني بأداء عمل في صورة من العتياد والاعتياد والانضمام في مرفق عام تديره الدولة أو احد الأشخاص المعنوية العامة “إدارة مباشرة”) ([17]).

أما الفقه الجنائي فعرفه بأنه (كل شخص يعين أو ينتخب قانونا لممارسة عمل عام دائم لأداء خدمة عامة أو القيام على مال فيلتزم بتنظيم الحريات أو الحقوق أو الأموال العامة مع إمكانية المساس بها عند الاقتضاء في حدود القانون سواء كان إسناد العمل إليه طواعية أو جبرا بمقابل أو دونه بصفة دائمة أو لمدة محددة).

فالفكرة الإدارية للموظف العام اعتمدت على اعتبارات ترد أساسا إلى الصلة القانونية بين الموظف والدولة و تهدف إلى تحديد الحقوق والالتزامات التي تربط بينهما، والموظف العام وفق هذه الاعتبارات ينبغي أن تكون علاقته بالدولة ذات مصدر صحيح وقانوني أي تكون في ذاتها صلة قانونية وهو يخضع في الغالب للسلطة التأديبية للدولة وتسأل عن أعماله ويعني ذلك أن النظرية الإدارية نظرية عضوية تركز اغلب اهتماماتها على الوضع القانوني للموظف في داخل الجهاز الإداري ولكن قانون العقوبات يقيم نظريته على أساس مختلف فهو يهدف بتجريم الرشوة إلى حماية نزاهة الوظيفة العامة أي ثقة الجمهور في عدالة الدولة وحيادها وشرعية أعمالها ومن ثم كانت العبرة لديه في كون الموظف العام يتصدى في مواجهة الناس للعمل باسم الدولة ولحسابها أي أنه يمارس في مواجهتهم بعض اختصاصات الدولة بل واحد فقط من هذه الاختصاصات بحيث لو انحرف في ممارسته اهتزت ثقة الناس بالدولة وقامت تبعا لذلك الحاجة إلى تجريم التصرف والنتيجة الحتمية لذلك أن لصفة الموظف العام لا تتأثر بالعيوب التي تشوب علاقته بالدولة طالما أنها لا تجرده في نظر الآخرين من صفته كعامل باسم الدولة ولحسابها وكذلك من ناحية أخرى فانه لها أهمية لكونه يمارس العمل الوظيفي على عارض نحو مؤقت وهذا يعني أن النظرية الجنائية للموظف العام تهتم بالعلاقة بين الدولة والجمهور وتجتهد في صيانة نقاء هذه العلاقة و الضابط لديها في اعتبار الشخص موظفا أنه وسيط في هذه العلاقة وفي ضوء هذه الاعتبارات ترى تعريف الموظف العام في المدلول الجنائي يركز على اعتبارات أخرى في جريمة الرشوة تقتضيها نزاهة الوظيفة وحماية الجمهور ولطلك فانه يعتبر كل من يواجه الجمهور باسم الدولة ولحسابها ولو كان له قدر ضئيل من السلطة هو موظف عام ولو شاب علاقته بالدولة بعض العيوب التي لا تجرده من صفته أمام الناس باسم الدولة وبمصلحتها ومنه نلخص إلى انه كل من يعد موظفا عاما في المعنى الإداري فهو حتما لذلك في المدلول الجنائي و لكن بعض من لا يعتبر موظفا عاما في القانون الإداري يعتبر كذلك موظفا في القانون الجنائي.)[18](

و النتيجة أن الاهتمام بالموظف العام في المفهوم الجنائي يرجع إلى سببين:

  • الأول هو أن الوظيفة العامة تفترض صلة خاصة تربط من يشغلها بالدولة تلك هي صلة الولاء والتي تستلزم توفر الأمانة في شخص الموظف العام في القيام بواجبه الوظيفي الذي ينوب فيه عن الدولة بصفتها شخصا معنويا في ممارسة سلطتها
  • أما السبب الثاني فيتمثل في أن الموظف العام وهو يمارس قدرا من أحد فروع نشاط الدولة تعتبر مظهر للسلطة العامة فيها)[19]( ومن استقرائنا للتعريف بالموظف العام في المفهوم الجنائي بصدد جريمة الرشوة يتسع و يشمل فئات ثلاث هي:
    أ- الموظف العام الحقيقي، ب- الموظف الحكمي، ج- الموظف الفعلي.

أ- الموظف العام الحقيقي:

وهو كل شخص يقوم بأداء عمل بصفة دائمة ومستمرة أو بصفة عارضة أو مؤقتة لمدة معينة و ذلك بمقتضى سند قانوني أي قرار تعيين صادر عن السلطة المختصة قانونا بالتعيين و أن يكون هذا العمل في خدمة مرفق عام إداري تديره الدولة أو السلطة العامة و إدخالها في الإطار التنظيمي المقرر له.
فمن خلال هذا نرى أنه يستبعد من دائرة الموظفين العموميين كل ال ين يعملون في المرافق العامة التي تدار بطريق الالتزام أو المقاولة. )[20](

ويستوي بعد ذلك أن يعمل هذا الشخص في خدمة سلطة مركزية أو سلطة لا مركزية كما يستوي أن تكون سلطة محلية أو سلطة مرفقية كما يستوي أيضا أن يتقاضى الموظف راتبا أو مكافأة أو لا يتقاضى شيئا من هذا ومن خلال هذا نرى أن الموظف العام هو كل من يعمل بصفة دائمة أو مؤقتة في خدمة مرفق عام إداري كالتعليم والقضاء والصحة والأمن العام…
ملاحظة: حسب الفقه الفرنسي الموظف العام هو كل شخص يعهد إليه بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام أو في السلطات المحلية كالبلديات أو في السلطات المرفقية كالمؤسسات والمصالح العامة المتمتعة بالشخصية المعنوية أما الأشخاص الذين يعتبرون أو يصنفون في حكم الموظفين العامين فقد تناولتهم المادة 119 ف–3 من قانون العقوبات بحيث تقول )ويعد شبيها بالموظف في نظم قانون العقوبات كل شخص تحت عنوان نسمي”sous une domination”
وفي نطاق أي إجراء ما يتولى ولو مؤقتا وظيفة أو وكالة بأجر أو بدون اجر و يساهم بهذه الصفة في خدمة الدولة أو الإدارة العامة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية أو الاشتراكية أو المؤسسات ذات الاقتصاد المختلط أو الهيئات المصرفية او الوحدات المسيرة ذات الإنتاج الصناعي أو الفلاحي أو في هيئة من القانون الخاص تتعهد بإدارة المرفق العام(. )[21](

ب- الموظف الحكمي:
وهو الذي يعتبر في عداد العامل أو المستخدم في الدولة أو في إدارة عامة(*)وتش؅ل على فئة العمال والإجراء ضباط السلطة المدنية والعسكرية والمكلفون بخدمة عامة سواء بالانتخاب أو التعيين والمكلفون بمهمة رسمية كالخبير مثلا، هؤلاء يؤدون خدمة عامة وبالتالي يدخلون في فئة المكلفين بخدمة عامة والسؤال الذي يطرح نفسه هنا إن المحامين هل هم من هذه الفئة؟ وعليه الجواب يكون على نحو أن المحامين وعلى الرغم من إنهم ليسوا موظفين عموميين ولا مكلفين بخدمة عامة أو بمهمة رسمية وإنما يمارسون أعمالا حرة وفي هذا الصدد نجد أن المشرع اللبناني الحقهم بالموظفين العموميين في حكم الرشوة )المادة 352 ف- أخيرة من القانون اللبناني( ونجد تطبيقات الموظف الحكمي في القانون الجزائري بالمادتين 126 -127 من قانون العقوبات وهي على سبيل الحصر فنجد:
* القضاة: فالدولة تحيط القاضي بكافة الضمانات الممكنة بتأكيد هيبته و المحافظة على نزاهته والابتعاد به عن كافة الشبهات وخاصة الرشوة.
* الأشخاص ذوي الولاية النيابية: و هم أعضاء المجالس البلدية و الولائية و المجلس الشعبي الوطني.
* الخبراء: وهم الأشخاص الذين تنتدبهم السلطات الإدارية أو القضائية أو الأطراف لإبداء رأيهم في مسألة فتية ويرتكبون جريمة الرشوة إذا اصدر احدهم أو أبدى رأيه لمصلحة أحد الأطراف المتنازعة أو ضده تحت تأثير ما ناله من منفعة ثمنا لموقفه هذا.
* المحكمون: وهم كذلك الأشخاص الذين يختارهم الأطراف أو السلطة للتحكيم بين الأطراف المتنازعة في مسألة معينة.
* الاعضاء المحلفين في الجهات القضائية: وعملهم مكمل للقاضي ولا يقل خطورة عنه ولذلك تسري عليهم أحكام الرشوة كما تسري على القاضي وكذلك أعضاء الجهات القضائية.
* الأطباء والجراحون وأطباء الأسنان والقابلات: وقد حددت الفقرة الأخيرة من نص المادة 126 عقوبات الأعمال التي يرتكبها هؤلاء وتعد به جريمة الرشوة على أنها التقرير الكاذب بوجود أو إخفاء وجود مرض أو عاهة أو حمل أو بإعطاء بيانات كاذبة عن سبب الوفاة أو عن مصدر مرض أو عاهة. )[22](
فلا يجوز لهؤلاء خيانة شرف مهنتهم تحت تأثير الرشوة لان المجتمع ائتمنهم على مصالحه والجدير بهم تقديرا لهذه الثقة و عدم التلاعب بها هذا بالنسبة لما نصت عليه المادة 126 من قانون العقوبات الجزائري وما استقيناه منها أما المادة 127 فنصت على طائفة أخرى وهم العاملين أو المستخدمين أو المندوبين بأجر و النص كالتالي: “يعد مرتشيا …كل عامل أو مستخدم أو مندوب بالأجر أو مرتب على أية صورة كانت طلب أو قبول العطية أو وعد أو طلب أن يتلقى هبة أو هدية أو جعلها أو خصما أو مكافأة بطريقة مباشرة أو عن طريق وسيط أو بغير علم مخدومه أو رضائه وذلك للقيام بأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع” )[23](

ج- الموظف الفعلي:
هو الشخص الذي لم يصدر قرار تعيينه أو صدر هذا القرار باطلا و الواقع يكون قرار التعيين باطلا إذا افتقد المشرح للوظيفة احد شروطها سواء تلك التي تتعلق بسنه أو جنيه أو مؤهلاته…الخ. أما تلك المتعلقة بالإجراءات التي يلزم إتمامها لتولي الوظيفة مثلا كأن يصدر القرار ممن يمتلك سلطة تعيينه مطلقا قانونيا. والسؤال الذي يطرح في هذا المجال هو أنه إذا ما التقت الشروط أو احد شروط التعيين فهل يؤثر ذلك على قيام جريمة الرشوة إذا قام الشخص و تاجر بوظيفته ؟
هنا ذهب رأي على اعتبار أن بطلان القرار الصادر للتعيين فهو يحول دون تطبيق أحكام الرشوة وعلى هذا الأساس فالموظف العام الذي يجب أن يعين بقرار وزاري مثلا ولم يتم تعيينه بهذه الطريقة فهذا الأخير لا تقع منه هذه الجريمة أما إذا افتقد في تعيينه شرطا من الشروط اللازمة والهامة لمباشرة عمله مثلا القاضي الذي باشر عمله دون أداء اليمين فإن جريمة الرشوة تتحقق في جانبه إذا تاجر بوظيفته والعيب الذي وقع فيه عدا الرأي هو تقييده بالفكرة الإدارية للموظف العام وإهماله للناحية الجنائية له لأن تحديد الموظف العام في هذا المجال فهو يتوقف على تجريم فعل الاتجار بالوظيفة (الرشوة) وعلتها حماية الوظيفة العامة و مقتضيات الثقة فيها فالموظف العام لا يمكن أن يفلت من العقاب لأن قرار تعيينه صدر باطلا وإلا سوف يقع على المتعاملين مع الموظف العام عبء التحقق من قرار تعيينه وعليه فمن وجهة نظر قانون العقوبات فإن الشخص الذي يقوم بأعباء الوظيفة العامة يعتبر موظفا عاما مهما شاب تعيينه من عيوب بالإضافة إلى ذلك فإن الشخص الموقوف عن عمله إلى حين الفصل في الوقائع المسندة إليه إداريا و جنائيا فان حالته هذه مثل حالة الإجازة الاعتيادية أو المرضية بحيث لا يزيل عن الموظف صفته وبالتالي فالجريمة تثبت عليه إذا ما قام وتاجر بوظيفته في هذه المرحلة لأن هذه الصفة تزول بصدور قرار الفصل أو التقاعد.

الإخـتصـاص:
لا يكفي أن تتوفر صفة الموظف العام بالتحديد السابق وإنما يجب أن يكون هذا الموظف مختص بالعمل الذي يطلبه منه صاحب الحاجة أو الراشي.
ويقصد باختصاص الموظف في الفقه الإداري مجموعة ما خول له من صلاحيات تمنحه سلطة القيام بأعمال معينة في نطاق هذه الصلاحيات فلا يكفي إذن لثبوت اختصاص الموظف محض السلطة المادية التي له على العمل الذي يؤديه، بل لا بد من علاقة قانونية تربطه وهذا العمل فهذه العلاقة القانونية هي التي تضفي على السلطة المادية شرعية ما وتؤدي إلى صيرورة الموظف في نهاية الأمر مختص من الناحية القانونية بعمله الوظيفي وهكذا لا بد لقيام جريمة الرشوة قانونا أن يكون الموظف المنسوب إليه التهمة مختصا بالعمل الوظيفي الذي يسببه طلب أو قبل العطية أو الوعد بها واختصاص الموظف على هذا النحو كما تقول محكمة النقض، ركن في جريمة الرشوة يتعين على الحكم إثباته بما ينسجم به أمره ولابد أن يستظهر الحكم في مدوناته اختصاص المتهم بالعمل الذي طلب الجعل وأخذه مقابل الامتناع عن القيام به.
ويثبت الاختصاص لموظف بعمل ما إما بمقتضى القوانين واللوائح وهو ما يكون في حالة الوظائف الكبرى بالدولة وإما بناءا على تفويض من رؤسائه تفويضا صحيحا كما يختلف اختصاص الموظف بالعمل في حالة إذا حضر القانون القيام به وكذلك إذا ما حصر هذا الاختصاص في نوظف أو موظفين آخرين ويكون الموظف غير مختص بالعمل يستوي في ذلك أن يكون عدم الاختصاص نوعيا أو مكانيا.
إما في حالة انعقاد اختصاص الموظف بالعمل فمناط ذلك الانعقاد أن يكون العمل داخلا في الاختصاص القانوني للوظيفة التي يتقلدها ولا أهمية بعد ذلك لمصدر هذا الاختصاص فقد يكون هو نص القانون مباشرة أو اللوائح والقرارات الصادرة عن السلطة الإدارية بناءا على تفويض صريح أو ضمني أو وفقا للعرف الداخلي أو بقرار إداري من رئيس يملك قانونا سلطة إصداره سواء كان هذا القرار مكتوبا أو شفهيا([24]) وتؤكد محكمة النقض المصرية في هذا المعنى انه يكفي لكي يكون الموظف مختصا بالعمل أن يصدر إليه أمر شفوي من رئيسه للقيام به وفي حكم آخر لمحكمة النقض قضى بثبوت اختصاص الموظف بالعمل بسبب الرشوة إن كان مكلفا بذلك العمل بناءا على تكليف شفوي صادر إليه من رؤسائه وبالتالي فان كان الحكم قد دل تدليلا سائغا على أن عمل الساعي (المبلغ) يقتضي التردد على المكان الذي تحفظ به ملفات الممولين معاونة في تصنيفها وأن يقوم بنقل الملفات بناءا على طلب موظفي مأمورية الضرائب وهم من رؤسائه فان التحدي بانعدام احد أركان جريمة الرشوة يكون بغير أساس.
فان تخلف شرط ثبوت الاختصاص على النحو السالف ذكره لا تقوم في حق الموظف جريمة الرشوة لانتفاء ركن من أركان بنيانها القانوني وهو ما يتحقق إذا كان التكليف بعمل صادر عن رئيس غير مختص.(*)
والوقت الذي يعتمد به في تحديد ما إذا كانت صفة الموظف العام واختصاصه بالعمل الوظيفي متوفرين أم لا وهو الوقت الذي يرتكب فيه الفعل الذي يقوم به الركن المادي للرشوة بمعنى وقت اخذ المقابل أو قبول الوعد به أو طلبه فشرط حمل هذه الصفة أمر ضروري ومن ثم كان التعاصر بين الصفة والفعل عنصر للرشوة لأنه متى زالت عنه صفته كموظف بالاستقالة أو العزل وصدر عنه فعل، لأخذ، الطلب، القبول، فهو لا يعد مرتشيا وإنما يرتكب جريمة النصب أو جريمة استغلال النفوذ وان تذرع في مواجهته بنفوذ حقيق أو مزعوم فلا خلاف فيما يتعلق بتوفر الاختصاص إذا كان العمل المطلوب أداءه أو الامتناع عنه داخلها لكنه في اختصاص أعمال عدة موظفين ولكل منهم نصيب من الاختصاص.
والرأي المتبع هنا انه لا يلتزم لاعتبار العمل داخلا في أعمال وظيفة الموظف أن يكون وحده المختص بل يكفي أن يكون له نصيب من الاختصاص فيه ولو بإبداء رأي استشاري وان يكون قد اتجر بنصيبه في هذا الاختصاص المشترك ومسالة الاختصاص هذه هي مسالة موضوعية يترك أمر تقديرها إلى محكمة الموضوع دون رقابة من المجلس الأعلى إلا أننا نجد انتشار حالة الزعم أو الادعاء بالاختصاص وتعني أن الموظف العام غير مختص أصلا بالعمل ولكنه يزعم اختصاصه به مما يدفع صاحب الحاجة على الاعتقاد بأنه مختص به وقد سوى المشرع ضمن نشاطه الملحوظ في توسيع نطاق جريمة الرشوة بين الاختصاص الفعلي وبين زعم الاختصاص بالعمل الوظيفي كشرط لقيام جريمة الرشوة.([25])
وهذا بشرط توفر ارتباط نسبي وصلة وطيدة بين الوظيفة الحقيقية للموظف وبين زعمه الاختصاص، مثلا كأن يكون ممرضا ويدعي بأنه طبيب أو كأن يكون موظفا في سلك القضاء برتبة كاتب مثلا ويدعي بأنه قاضي أو وكيل جمهورية والزعم يتحقق بالقول أو اتخاذ موقف لا تدع الظروف لشك في دلالته ومنه فقد يأتي صريحا كما قد يأتي ضمنيا والإثبات فيها يكون بجل الطرق دون اشتراط وسائل أخرى أي دعم الزعم بمظاهر خارجية أو وسائل احتيالية كما لا يشترط ضرورة وقوع صاحب الحاجة في غلط نتيجة زعم الموظف بل تتوفر جريمة الرشوة حتى ولو اكتشف صاحب الحاجة هذا الزعم ذلك لان الزعم سلوك صادر من جانب الموظف ولا علاقة له بسلوك صاحب الحاجة فيكفي مجرد الزعم بالاختصاص لأقسام الرشوة وعنصرا في احد أركانها يعد احد البيانات الجوهرية التي يتعين أن يتضمنها الحكم الصادر بالإدانة فان أغفله كان قاصر البيان متعين النقض ويترتب على ذلك أن دفع بهم إلى الارتشاء بأنه لم يكن مختصا هو دفع جوهري بتعين الرد عليه بما ينقسم به أمر المنازع فيه وهذا ما انتهجته محكمة النقض المصرية.([26])
أما القانون الجزائري فلم يتطرق في نصوص جريمة الرشوة إلى الزعم واكتفى بالقول بأداء عمل من أعمال وظيفته.

الركن الثاني: الركن المادي:

تمهيـد:
كما أسلفنا الذكر أن الركن المادي للجريمة عبارة عن المظهر الخارجي للنشاط الجاني والمتمثل في السلوك الإجرامي للجريمة إضافة إلى وجوب نشاط مادي معين ويختلف هذا النشاط من جريمة إلى أخرى حسب طبيعتها ونوعها وظروفها وعليه آنت عناصره في جريمة الرشوة على النحو التالي:

  • عنصر النشاط وصوره هي القبول، الطلب، الأخذ أو التلقي.
  • العنصر الثاني محل النشاط والمتمثل في المنافع من هدايا أو وعود.
  • والعنصر الثالث الغرض من النشاط والتمثيل في القيام بالعمل أو الامتناع عن القيام بعمل

وسوف نتناول هذه العناصر بشيء من التفضيل

للعنصر الأول: النشاط بمعنى السلوك المادي للموظف وهو نشاط معين يبذله المرتشي والمتمثل في القبول أو الطلب أو هو تغيير صادر عن الإدارة المنفردة للموظف العام المختص يطلب فيه مقابلا لأداء عمله الوظيفي أو الامتناع عن أدائه وعليه فالاستجابة الصادرة من جانب صاحب المصلحة عن طريق الإعطاء للعطية تقابله اخذ لها من جانب الموظف العام أو عن طريق الوعد لإعطاء من جانب الراشي الذي يقابله قبول من طرف المرتشي وفي هاتين الحالتين تعتبر جريمة الرشوة قائمة على أساس الأخذ والقبول ([27]) أما إذا لم تكن هناك استجابة من صاحب الحاجة على طلب الموظف فهناك رأيان رأي ذهب إلى اعتبار طلب الرشوة من جانب الموظف العام وعدم استجابة صاحب الحاجة إليه شروعا فيها باعتباره بدا في التنفيذ بالنسبة للأخذ والقبول والرأي الثاني وهو الراجح نظرا لمسايرته التشريع في تجريم الرشوة ويعتبر مجرد إيجاب الموظف هو عمل تنفيذي وذلك باعتبار أن الطلب يعد عنصرا أساسي من عناصر الركن المادي للرشوة متى وصل الطلب إلى علم صاحب الحاجة أو وسيلة وحتى ولو حالة أسباب غير إرادية في عدم وصوله أي (الطلب) فانه رغم ذلك يعتبر شروعا أو بدءا في تنفيذه وهو بذاته يشكل جريمة تامة في القانون. ([28])
والشيء الملاحظ هنا أن الطلب لا يشترط فيه شكل خاص فقد يكون شفاهة أو كتابة أو صراحة أي اللفظ أو الكتابة أو الإشارة، وقد يكون الطلب ضمنا كان يفتح الموظف درج مكتبه أمام صاحب المصلحة بما يوحي رغبته في وضع مبلغ النقود فيه وقد يكون ذلك باماءة لصاحب الحاجة باستعداده للتغاضي عن المخالفة الجمركية نظير ما يقدمه له من مال.
ومن الأمور التي لا تأثير لها أيضا على الطلب هو أن يكون الطلب للموظف نفسه أو غيره حيث يستوي ذلك في التجريم والعقاب بين الطلب الموظف العمومي الرشوة لنفسه أو لغيره ومن ثم فلا مصلحة للمتهم.
كما لا يهم أن يكون الطلب محددا لقيمة الفائدة أو الوعد بها حيث يكفي أن يطلب الموظف ثمنا للعمل المراد منه تاركا تحديد قيمة هذا الثمن أو أشكاله لتقدير صاحب الحاجة. ([29])

ب. القبـول:
هو اتجاه إرادة الجاني أو المرتشي إلى الرضي بتلقي المقابل في المستقبل ايجابيا أو عرضا من صاحب الحاجة يعبر فيه عن إرادته بتعهده بتقديم الوعد إذا ما قضى له المصلحة فهو دفع مؤجل ولا يشترط في القبول أن يتم بصف معينة فقد يتحقق بالكلام والكتابة أو الإشارة صريحا أو ضمنيا أو بأي شيء آخر يدل عليه، وتقع جريمة الرشوة بمجرد تلاقي قبول الموظف مع إيجاب صاحب الحاجة سواء نفذ الراشي وعده أو يعدل عن التنفيذ بإرادته أو نتيجة لظروف خارجة عن إرادته، فالشرط إذن يجب أن يكون عرض الراشي جديا في ظاهره على الأقل فيجب أن يكون قبول الموظف جديا حتى إذا ما تلاقى مع الإيجاب الجدي لصاحب الحاجة يتحقق الاتفاق الذي تقوم به ماديات جريمة الرشوة ويكشف عن معنى الاتجار بالوظيفة العامة واستغلالها.([30])
أما العرض التلقائي من جانب صاحب الحاجة فيتظاهر الموظف العام بقبوله لمجرد تمكين السلطة العامة أو المراقبين مثلا من ضبطه متلبسا بجريمة عرض الرشوة وبما أن القبول هنا ليس جادا فبالتالي جريمة الرشوة غير قائمة من جانب الراشي.
وفي هذا المجال نجد الحالة التي يقوم فيها عرض الرشوة من جنب احد ممثلي السلطة العامة وليكن احد أعوان الشرطة مثلا على الموظف بقصد الإيقاع به والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو مدى مشروعية هذا الإجراء وهل تتحقق مسؤولية المحرض؟
اختلفت الآراء والأحكام القضائية في هذا المجال فعلى سبيل المثال جاء في حكم المحكمة النقض المصرية (أنه لا يؤثر في قيام جريمة الرشوة أن تقع نتيجة تدبير ضبط الجريمة إذ لم يكن الراشي جادا في عرضه على المرتشي متى كان عرضه الرشوة جديا في ظاهره وكان الموظف قد قبله على انه جدي مستهدفا العبث بمقتضيات وظيفته لمصلحة الراشي أو لمصلحة غير). ([31])
مثال آخر استقر القضاء الأمريكي على عدم مساءلة الجاني الذي يرتكب جريمته بناء على تحريض الشرطة باعتبار أن الجريمة في هذه الحالة تكون ثمرة للنشاط القائمين على تنفيذ القانون ومن جهة أخرى فان تحريض رجال الشرطة للأفراد من اجل القبض عليهم أثناء أو بعد ارتكاب الجريمة يعتبر عملا غير مشروع لا يتفق مع واجبهم في الحرص على حسن تطبيق القانون ومن ثم تكون الإجراءات المتخذة في هذا المجال باطلة ولا يعتمد بها في إدانة المتهم.
والمتفق عليه بالنسبة لمسؤولية المحرض صوري إذا كان رجل شرطة فلا تقوم مسؤوليته بناء على قواعد الغلط في الإباحة لأنه مرخص له قانونا بالتحريض أو بالتدخل في الجرائم بقصد ضبطها والقبض على مرتكبها ومنه فان مشروعية فعل القصد الجنائي واثبات القبول جائز بكافة طرق الإثبات رغم كونه من أصعب صور لنشاط إثباتا باعتباره إرادة ومنه فالقاضي عليه أن يكون حذرا في إثبات القبول ولاسيما حين يكون ضمنيا فمجرد سكوت الموظف لا يعد قبولا لان السكوت حتى يدل على الرفض أو التردد وإنما يلزم في أن يكون هذا السكوت ملابسا ومحاطا بعدد من القرائن والأدلة التي توحي بإيجاد إرادة الموظف لقبول.
كذلك السكوت المصاحب لأداء العمل العادي للموظف بصرف النظر عن إرادة صاحب الحاجة وتجاهل عرضه فالقاضي عليه أن يستكشف الحقيقة في كل واقعة على حدي وعند الشك يكون تفسيره لما فيه مصلحة المتهم كذلك يجوز أن يكون القبول معلقا على شرط ومع ذلك تقع الجريمة تامة بصرف النظر عن الشرط ولا يؤثر في قيامها (الرشوة) رفض الراشي ما وعد به المرتشي أو رجوع هذا الأخير عن قبوله بسبب عدم إيفاء صاحب الحاجة بوعده. ([32])

جـ. الأخـذ:
هو التلقي وهي الصورة العادية لجريمة الرشوة حيث تسليم الشيء موضوع الرشوة من الراشي إلى المرتشي وعليه فلا يثور الشك في تجريم افعل الأخذ للهدية أو المنفعة وان كان قد سبقه طلب من الموظف وقبول من صاحب الحاجة ثم قام هذا الأخير بالتسليم الفعلي إلى الموظف المرتشي كما لا يوجد شك حول تجريم فعل الأخذ إذا كان لاحقا أو معاصرا لقبول الموظف للهدية أو المنفعة التي عرض عليه صاحب الحاجة وفي هذه الحالة يكون الموظف قد قبض فعلا ثمن اتجاره بوظيفته ولذا يطبق عليه الرشوة المعجلة وهي مادية ولا عبرة بمظهر الأخذ فقد يتخذ شكل التسليم إذا كانت الفائدة ذات طبيعة إذ تدخل الفائدة إلى حيازة المرتشي بإرادته بمجرد تسليمها وقد يتم الأخذ عن غير تسليم كان ترسل العطية عن طريق البريد فالجريمة تتحقق عندئذ بمجرد احتفاظ الموظف بها مع عمله بالغرض من إرسالها.

العنصر الثاني: محل نشاط الرشوة:
ويقصد بمحل النشاط في جريمة الرشوة هو الموضوع الذي ينصب عليه نشاط المرتشي ويكون في صورة هدية أو وعد أو منافع أو فوائد أخرى والفائدة في المحل الذي يرد عليه طلب المرتشي أو قبوله لها معنى واسع يشمل كل ما يشبع الحاجة والنفس أيا كان اسمها ونوعها وسواء كانت الحاجة مادية أو غير مادية ومع ذلك فان هناك قيود يفرضها المنطق القانوني وتقتضي بها طبائع الأشياء في تحديد تلك الفائدة وهذه الأخيرة لها معنى واسع لتشمل صورا عديدة فقد تكون نقودا أو أوراقا مالية أو سندات أو غيرها أو أشياء أخر له قيمة كما تأخذ شكل الحصول على وظيفة أو ترقية للموظف أو غيره أو تأخذ شكل بيع وشراء عقار اقل من ثمنه مثلا وليس هاما أن تكون الرشوة صريحة أو مقنعة ولا اعتداد بالشكل الذي تأخذه وكما يستوي أن تكون فائدة مادية والتي يمكن تقويمها عادة بالمال أو أن تكون الفائدة غير مادية وهي التي لا تقوم بالمال وإنما تكون خدمة يقدمها طالب الحاجة إلى المرتشي مقابل امتناع هذا الأخير عند القيام بعمل من أعمال وقيامه به في غير محله فالفائدة الغير مادية تؤدي هي أيضا إلى العقاب فالموظف يقوم بأداء عمل أو الامتناع عنه مقابل حصوله على مقابل غير مقوم بالمال متمثل في حصوله هو أو أحد أقاربه على وظيفة أو ترقية أو غير ذلك من صور الترقية فحقيقة الرشوة تتمثل في الهدف الذي اخذ من اجله المقابل لا في قيمة هذا المال أو تناسبه مع ما قام به الموظف من إخلال أو قيام أو امتناع عن أداء عمل وظيفي تابع له من اجل الحصول على هذا الأخير،([33]) فإذا كانت الهدية أو الوعد في نظر الموظف العام المرتشي مقابلا أو سببا في القيام أو الامتناع أو الإخلال بواجباته الوظيفية تحققت جريمة الرشوة مهما صغرت أو انخفضت قيمة الهدية أما إذا كانت الهدية أو الوعد ليست مقابلا أو سببا في قيام المرتشي بالعمل أو الامتناع أو الإخلال انتفت جريمة الرشوة مهما ارتفعت قيمة الهدية أو المقابل.

وعلى هذا الأساس ينتفي مقابل الرشوة إذا كان ما حصل عليه الموظف المرتشي مجرد سداد الدين خال فيشترط إذا أن تكون الفائدة التي يتلقاها الموظف غير مستحقة له والملاحظ هنا انه لا يشترط لتحقيق جريمة الرشوة أن تكون فائدة في ذاتها مشروعة بل تتحقق حتى إذا كانت الفائدة هي ذاتها غير مشروعة كالأشياء المسروقة والشيك بدون رصيد وغيرها.
إضافة إلى هذا الحد انه لا يشترط تقديمها إلى المرتشي نفسه بحيث يمكن تقديمها إلى شخص أخر يعينه هو ويستوي كذلك تقديمها لشخص آخر لم يعينه المرتشي وان علم به فيما بعد ولم يعترض عليه وسواء أكانت له مصلحة في ذلك أو لا ولقاضي الموضوع سلطة في ذلك. ([34])

لقد وردت الأفعال التي يقوم عليها الركن المادي لهذه الجريمة في قانون العقوبات الجزائري بعبارة هدية أو وعد أو هبة أو أية منافع أخرى (فيعد مرتشيا كل من يطلب أو يقبل هدية أو وعد أو يتلقى هبة أو هدية أو أية منافع أخرى). ([35])
والمادة 127 من قانون عقوبات جزائري (…كل مستخدم أو مندوب باجر أو مرتب أو أية صورة كانت طلب أو قبول عطية أو وعد أو طلب أن يتلقى هبة أو هدية أو جعلا وخصما أو مكافأة بطريق مباشر أو عن طريق وسيط…). ([36])
فهاتان الفقرتان من المادتين السابقتين الذكر جاءت من السعة والعموم بحيث تضمنت جميع صور الاتجاه والعبث والإهلال بالوظيفة أو بأعمالها أو الشروع في ذلك، فلم يشترط القانون في جريمة الرشوة أن يتسلم الموظف المال أو الوعد أو الهدية بالفعل كما لا يشترط أيضا أن يوجد اتفاق سابق بين الراشي والوسيط والمرتشي فقد جعل القانون من مجرد القبول أو الطلب جريمة تامة لان من يعرض وظيفته لمن يدفع أكثر لا يقل خطورة وإجراما عمن يتم الصفقة بالفعل وفيما يتعلق بالمقابل أو الفائدة محل الرشوة. ([37])

والفقه الإسلامي يرى بان الأصوب في زماننا عدم القبول مطلقا لان الهدية تورد إذلال المهدي إليه في ذلك ضرر للقاضي ودخول الفساد عليه وقيل أن الهدية تطفئ نور الحكمة وقد قال أحد الفقهاء الإسلاميين إياك والهدية فإنها ذريعة الرشوة وكان النبي (ص) يقبل الهدية وهذا من خواصه لأنه معصوم مما يتقي على غيره منها ولما رد عمر بن عبد العزيز الهدية قيل له كان الرسول (ص) يقبلها قال (كانت له هدية ولنا رشوة لأنه كان يقترب إليه لنبوته لا لولايته ونحن يقترب لنا للولاية).

العنصر الثالث: الغرض من نشاط الرشوة:
من استطلاعنا للعناصر السابقة للركن المادي في الرشوة نرى انه لا يكفي لقيامه أن يأخذ موظفا عموميا امن في حكمه فائدة غير مستحقة له أو أن يقبل وعدا بها لنفسه أو لغيره وإنما يلزم ويشترط أن يكون مقابل هذه الفائدة أداء عمل وممكن من الناحية الواقعية فان كان مستحيلا استحالة مطلقة فلا تقوم الجريمة فصاحب الحاجة حين ما قدم المنفعة او وعد بها إنما يستهدف غرضا معينا من الموظف ويتمثل هذا الغرض في قيام الموظف بالعمل الذي له فيه مصلحة، والأصل أن يحدد العمل الوظيفي بشكل عام وهو الذي يحدد تفصيلاته بناء على مصلحة صاحب الحاجة هذا ويستوي أن يكون العمل واحدا أو مجموعة الأعمال وان يكون قابلا للتحديد بحيث يكون للموظف سلطة على وظيفته يستطيع بها تحقيق مصلحة صاحب الحاجة فإذا ما انتفت هذه الشروط عن العمل الذي يريده الراشي انتفت بدورها فكرة الرشوة ذاتها لان العمل الذي ينتظره صاحب المصلحة يمثل المحل في الاتفاق ويكون إما في صورة أدار العمل أو الامتناع عنه وهي الصورة الأكثر غلبة لتحقيق الغرض من الرشوة، فان كان العمل يباشره الموظف أو يستطيع مباشرته بحكم وظيفته ويدخل في اختصاصه القانوني وسواء أكان هذا العمل حقا أو غير حق، عادلا أم ظالما فهي حالة قيام الموظف بعمل مخالف لواجبات وظيفته إلى الحالة التي ترتكب فيها الرشوة لأداء عمل تقتضيه واجبات الوظيفة.
فتتحقق جريمة الرشوة إذا قبل الموظف وعدا من آخر أو أخذ منه هدية أو غيرها ليقوم له بعمل من أعمال وظيفته ولو كان العمل حقا، فمثلا يعد مرتشيا ضابط البوليس أو الشرطة الذي يقبل وعدا أو عطاء ليحرر محضر عن جريمة توجب عليه وظيفته تحرير محضر عنها كذلك تتحقق الرشوة إذا قبل الموظف وعدا أو أخذ هدية أو غيرها للامتناع عن عمل من أعمال وظيفته ولو ظهر له أنه غير حق وظلم مثلا كالامتناع عن تحرير محضر من طرف ضابط الشرطة بالإضافة إلى حالة ما إذا شرع الموظف بعمله وتقبل عطاء أو وعدا بالامتناع عن إتمامه وفي هذه الحالة نجد أنه يعفى من جريمة الرشوة وإذا وقع تحت تأثير الإكراه مثلا: إذا دفع الرشوة ليخلص من عمل ظالم قام به الموظف أو شرع في القيام به لا ينبغي بذلك شراء ذمة الموظف و إنما يريد الخلاص من شر محيق به ودفع مضرة لا يبررها القانون.

وفي اغلب الحالات يجتمع الامتناع والإخلال بواجبات الوظيفة باعتبار أن امتناع الموظف عن عمل تفرضه عليه واجبات وظيفته هو إخلال واضح بها ([38]).
أو في صورة الإخلال بواجبات الوظيفة فأدى الموظف عملا وظيفيا أو امتنع عنه مخالفا بذلك القواعد التنظيمية التي تحكم النشاط الوظيفي وليس لهذا التعبير دلالة خاصة فهو مطلق من التقليد و يتسع مدلوله لإستعاب كل عبث يمس الأعمال التي يقوم بها الموظف وكل سلوك أو تصرف ينسب لهذه الأعمال يعد من واجبات أدائها على الوجه السوي الذي يكفل لها دائما أن تجري سنن قويمة وقد نص التشريع المصري على الوجه السوي الذي يكفل لها دائما أن تجري على سنن قويمة وقد نص التشريع المصري على أن المخالفة واجبات الوظيفة بعد من صور الرشوة مدلولا عامل وأوسع من أعمال الوظيفة التي تنص عليها القوانين و اللوائح و التعليمات بحيث يشمل أمانة الوظيفة ذاتها وعليه فهو يشير إلى أمانة الوظيفة بصفة عامة وليس إلى عمل وظيفي محدد في ذاته أو في جنسه هي كذلك واجبات تستلهم من المصلحة العامة التي هي الهدف الوحيد الذي تتجه إليه أعمال الوظيفة وتطبيقا لذلك فإن الرشوة تقوم و يشدد عقابها إذا ما تقاضى الموظف المقابل هذا دون أن تنتفي عن العمل الوظيفي صفة التحديد التي سبق التطرق إليها و التي تطلبها فكرة الرشوة([39])

وكذلك في صورة يكون العمل متطابقا ومع تلك المقتضيات للوظيفة أو غير متطابق، ويرتكب الرشوة إذا تلقى المقابل كي يقوم بعمل يلزمه به القانون كما يرتكب الرشوة إذا تلقى المقابل كي يمتنع عن عمل يلزمه القانون بالامتناع عنه، فرجل الشرطة يرتكب الرشوة إذا طلب مالا كي يمتنع عن تحرير محضر سواء أكان ثمة موجب أم لا ([40])
و الملاحظة التي يكمن إضافتها هنا هي الفرق بين عدم الاختصاص وعدم مطابقة العمل للقانون ، فالموظف قد يكون مختصا لكن عمل في حدود اختصاصه غير مطابق للقانون كالقاضي الذي أدان برئ أو برء شخصا لا يستحق ذلك و أهمية هذه التفرقة أن خروج العمل من اختصاص الموظف ينفي أحد أركان الرشوة في حين كونه غير مطابق للقانون لا يفقد الرشوة شيء من أركانها([41]).

ومنها فغرض الرشوة على درجة من الأهمية لأنه يعتبر عنصرا أساسيا لتقرير وقوعها أو عدم وقوعها فمتى ثبت أن أداء الموظف للعمل أو امتناعه عنه كان نتيجة فائدة حصل عليها فإنه مرتكبا لجريمة الرشوة ([42]).
وقد حددت المادة 126 من قانون العقوبات الجزائري في الفقرات 2-3-4 ، نوع العمل الذي يعتبر عرض للرشوة ويتمثل في :
* إبداء رأي لمصلحة شخص أو ضده
* اتخاذ قرار لصالح أحد الأطراف أو ضده
* التقرير كذبا بوجود أو إخفاء وجود مرض أو عاهة أو حمل أو إعطاء بيانات كاذبة عن مصدر مرض أو عاهة عن سبب الوفاة
و نجد هذا التحديد لنوع العمل قد أتت به المادة على سبيل المثال لا الحصر، فيجب أخذه بالمدلول الواسع حتى تشمل أي عمل يقوم به الموظف مقابل فائدة غير مستحقة له([43])

الركن الثالث : الركن المعنوي:

الرشوة جريمة عمدية أو قصدية يتطلب قيامها توفر القصد الجنائي لدى المرتشي أو ما يطلق عليه الفقهاء أحيانا بالنية الجرمية في الجريمة أو ركن الخطأ القصدي ونظرا لكون جريمة الرشوة واحد فإن قصد الراشي والرائش يتجه إلى الاشتراك في الجريمة فحسب. وأيا كانت التسمية للقصد الجنائي فإنه يستبعد نهائيا قيام الرشوة غير القصدية أو الرشوة عن طرق الخطأ أو الإهمال ([44]).
والقصد الجنائي هو انصراف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع العلم بأركانها كما يتطلبها القانون فهو إذن بيت القصيد للمسؤولية الجنائية في هذه الجرائم و يتكون القصد من عناصر تتمثل في العلم و الإرادة.
ويتجسد القصد الجنائي في جريمة الرشوة و يتحقق بتوفر هذين العنصرين و هما أولا إرادة تحقيق السلوك المادي الذي يتمثل في طلب الموظف أو قبول أو أخذه العطية أو الوعد بها نظير أداء عمل من أعمال الوظيفة و ثانيا علم الموظف بكافة العناصر الواقعية (أركان الجريمة) التي يشملها النموذج القانوني للجريمة حسب ما تستخلص من نص التجريم ([45]).
وعلم الجاني بتوفر أركان الجريمة كما يتطلبها القانون معناه إدراك الأمور على نحو صحيح مطابق للواقع حيث يتعين أن يعلم الجاني بأن أركان الواقع الإجرامية متوفرة وأن القانون يعاقب عليها و لذلك فإن القصد الجنائي ينتفي إذا تخلف عنصر العلم ومما تقدم فالجانب في جريمة الرشوة عليه أن يعلم بتوافر أركان الجريمة جميعا فيجب أن يعلم الموظف المرتشي بالعناصر الواقعية أو المادية التي تمنحه في الحقيقة صفة الموظف العام، وبالتالي فالشخص الذي لم يعلم بعد بصدور قرار تعيينه في الوظيفة العامة وكذلك الموظف الذي يعتقد بأنه عزل من منصبه بقرار مزور.

يعتبر جاهلا بعنصر واقعي يتطلب نص تجريم الرشوة لقيام قصده الجنائي فان طلب مثل هذا الشخص أو قبل أو حصل على فائدة ما نظير وعد بأداء ما لصاحب مصلحة لا يعد مرتشيا وإن كان من الجائز اعتباره مرتكبا لجريمة الاحتيال فيما لو توفرت شروطها.
وبالإضافة إلى العلم بالعناصر الواقعية المكونة لصفة الموظف العام فلا بد من توفر علم هذا الأخير بأن ما يطلبه أو يقبله أو يأخذه من فائدة أنما لأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه أو الإخلال بواجباته ، فعلم الموظف بالارتباط الغائي بين موضوع الرشوة (المقابل) و بين سببها (العمل) ، ضروري لقيام قصده الجنائي و إلا تخلفت نيته الإجرامية و انتفى قيام الجريمة قانونا في حقه.
و أمثلة انتفاء العلم بهذه الصلة الغائية متعددة : فالموظف الذي يقبل هدية لنفسه أو لغيره ضنا منه أنها مرسلة إليه من أحد أقربائه أو أصدقائه ثم يكتشف فيما بعد أن مرسلها ليس إلا أحد أصحاب المصلحة في أمر يخص عمله الوظيفي لا يمكن اعتباره مرتشيا لانتفاء ركن العلم لديه حتى و لو لم يقم برد الهدية لان الرشوة كما سوف نرى أنها من الجرائم الوقتية التي يتم فيها تقدير قيان القصد الجنائي لحظة تحقيق السلوك المادي و هو ما يعرف بمعاصرة القصد لماديات الجريمة ([46]) .
كما لا قيام للقصد الجنائي لانتفاء ركن العلم إذا كان ما تلقاه الموظف من فائدة يعد تنفيذا لعلاقة تعاقدية بين الموظف وصاحب الحاجة كالموظف الذي يحصل أول كل شهر على قيمة إيجار شقة أو محل من أحد أصحاب المصلحة الوظيفة.
ومع ذلك يجب مراعاة أن ما يحصل عليه الموظف من صاحب المصلحة بمقتضى علاقة قانونية متينة الصلة بالوظيفة قد يخفي في طياته رشوة مقنعة كما لو إبتاع الموظف من صاحب المصلحة ملابس أو أية أشياء أخرى بثمن هزلي أو يستأجر لديه منزلا بقيمة إيجارية بخسة أو الأمر متروك في كافة الأحوال لتقدير قضاة الموضوع لاستخلاص قيام القصد الجنائي وإستجلاء ركن العلم لدى الموظف حسب ما يتضح من الظروف و الملابسات([47]) إلا أن هذا يكفي لتوافر القصد الجنائي لاكتفاء بالعلم بتوفر أركان الجريمة كما يتطلبه القانون و إن ما يجب أن تتجه إرادة الجاني إلى إرتكاب الجريمة فإذا إنتفت هذه الإرادة إنعدمت المسؤولية الجنائية وهذا الإنعدام سواء في الجرائم العمدية أم الجرائم الغير العمدية, فيجب إذا أن تتجه إرادة الموظف إلى الطلب أو القبول وفقا للمعنى الذي سبق تحديده وعليه لا تقوم جريمة الرشوة إلا إذا علم الموظف بأركانه وتظاهر أنه يريدها للايقاع بالراشي بناء على ترتيب من جانب السلطات العامة أو من تلقاء نفسه وتطبيقا لذلك لا تتوفر الإرادة و تنتفي تبعا لذلك القصد الجنائي لدى الموظف في حين هذا لا يمنع من مسائلة صاحب الحاجة عن جريمة عرض الرشوة([48]) .

بالإضافة إلى ذلك نجد أن القصد بعناصره السابقة جميعا يجب أن يكون قائما وقت الطلب و الأخذ أو القبول مثلا كأن يكون الموظف الطالب يستهدف عرضا بريئا فإذا بمن أجابه إلى طلب طلبه يطمع في مأرب من وراء وظيفته أو كان الموظف القابل أو الاخذ واضعا موضع الاعتبار غرضا بريئا فإذا بالغرض الحقيقي للعارض أو المعطي يتكشف بعد إذن عدم البراءة فيه فإن الرشوة لا تعتبر متحققة مدام القصد الجنائي فيها و هو العلم باستهداف العمل الوظيفي غير متوفر عند الموظف قبل تمام الركن المادي للجريمة أي قبل أن يصبح الطلب أو القبول أو الاخذ أمرا واقعا و مع التسليم جدلا بان ثمة إلتزام برد العطية ينشأ بعد اكتشاف الغرض الغير بريء منها و أن ثمة مراعاة الواجب الوظيفي ينشأ في ذمة الموظف رغم أنه استهلك العطية قبل اكتشاف ذلك الغرض فإن عدم الوفاء بهذا الالتزام ليس هو الذي يحقق جريمة الرشوة لأنه ليس الركن المادي المكون لها حسب نموذجها في قاعدة تجريمها فجريمة الرشوة من الإجرام الوقتية كما سبق الذكر([49]) ويثار التساؤل في الفقه حول ما إذا كان القصد الجنائي في جريمة الرشوة يتمثل في مجرد القصد العام لدى الموظف أم لا بد من ضرورة توفر القصد الخاص .
ويرى معظم الفقه قيام القصد الجنائي لدى الموظف وبالتائي توفر جريمة الرشوة قانونا استنادا إلى محض القصد العام لا الخاص فالموظف يرتكب الجريمة كما هي واردة في النموذج القانوني بمجرد طلبه أو قبوله أو أخذه فائدة غير مستحقة ولو لم تتوافر لديه نية الاتجار بالوظيفة بينما نرى جانب فقهي آخر إن القصد الجنائي في جريمة الرشوة يتطلب بالإضافة للقصد العام قصدا خاصا مضمونة اتجاه نية الموظف الاتجار بأعمال الوظيفة أو إستغلالها فالقانون وفقا لهذا الرأي لا يعاقب على مجرد تلقي الفائدة لذاته وإنما بإعتباره للعمل الوظيفي([50]) .

وبالتالي يخلص هذا الرأى إلى أنه إذا كانت نية الموظف متجهة حين أو وقت تلقي الفائدة إلى القيام بعمل أو الامتناع عن العمل الذي يدخل في دائرة إختصاصه أو يعتقد خطأ بدخوله والذي طلب منه كمقابل للفائدة تحققت لديه نية الاتجار أما إذا كانت نية الموظف متجهة حين تلتقي الفائدة إلى عدم تنفيذ ما طلبه منه عمل وظيفي كمتقابل الفائدة فلا تقوم عنه نية الإتجار.
فجريمة الرشوة إذا من جرائم القصد الخاص التي يتطلب القانون بشأنها إلى جوار القصد العام نية الإتجار بأعمال الوظيفة أو نية إستغلالها ويترتب على ذلك عدم قيام الجريمة قانونا إذا تظاهر الموظف بقبول الرشوة المقدمة إليه للعبث بأعمال وظيفته بتمكين السلطات من القبض على الراشي لإنتقاء نية الإتجار ونية الإستغلال عنده و غنتفاء القصد الجنائي وبالتالي والحق فيما يبدوا أن الرشوة من جرائم القصد الخاص أما القصد العام فلا يكفي وحده اقيام القصد الجنائي لدى الموظف المرتشي إذ هو يتمثل فحسب في مجرد توجيه إرادة الفاعل نحو إرتكاب السلوك المادي مع علمه بالنتيجة المترتبة على هذا السلوك فالقصد العام على هذا النحو لا يكفي لإنعقاد جريمة الرشوة فلا يعتبر مرتشيا الموظف الذي يطلب أو يقبل أو يأخذ فائدة ما متى كانت هذه الفائدة متينة الصلة بعمله الوظيفي أي متى إنتفت لديه نية الإتجار بأن كان لا ينوي القيام بالعمل مقابل الرشوة([51])

المطلب الثاني : في إجرام الرائش و الراشي:

تناولنا في الجزء السالف الجريمة السلبية بمعنى إجرام الموظف المرتشي باعتبار إجرامه هو الجرم الحقيقي في الرشوة بمعناها الدقيق فالجريمة إنما هي جريمة الموظف بصفة رئيسية باعتبار ما فبها من الأعمال الوظيفية أما الراشي والرائش فقد يساهم كل منهما في وقوع الرشوة باعتبارهما شركاء فيها فالرشوة الإيجابية هي التي تقع من صاحب الحاجة سواء في صورة إستجابة لطلبات الموظف أو في صورة التجائه إلى التعدي و التهديد و الوعد أو العطايا أو الهبات و غيرها.

الركن الأول: الصفة المفترضة:

لا يشترط القانون في الراشي أن يكون ذا صفة خاصة كما هو الحال عليه بالنسبة للمرتشي، فهو أي إنسان يريد منفعة ما من الموظف ويسعى جاهدا لذلك الغرض بطرق غير مشروعة (الرشوة ) فقد يكون موظفا وقد يكون فردا عاديا ولا يشترط أن يكون الراشي هو صاحب المصلحة بل يمكن أن تكون زوجته أو إبنه أو حتى شخص آخر، ومنه فالفاعل في هذه الجريمة هو مقدم الرشوة وهي تتحقق رغم عدد تحقق آخر، ومنه فالفاعل في هذه الجريمة هو مقدم الرشوة وهي تتحقق رغم عدد تحقق الوقائع المادية للرشوة السلبية([52]).

والشيء الملاحظ هو أنه في التشريعات التي تأخذ بنظام وحداوية الرشوة التي ترا في الراشي بأنه مجرد فاعل آخر ولازم وضروري لقيام الرشوة كجريمة فاعل متعدد وعلى هذا الأساس فإن الراشي لا يصبح فاعلا اخر في جريمة الرشوة إلا إذا تحققت الوقائع المادية للرشوة اصلا من جانب الموظف العام وساهم الراشي فيها بفعل مادي وتوفر لديه القصد الجنائي([53]) هذه الحالة و حالة أخرى لا تقوم فيها الجريمة من جانب الموظف وإنما من جانب صاحب الحاجة في صورة عرضه الرشوة على الموظف ولم يستجب له وهي تعرف بجريم العرض الحائب للرشوة ولقد إعتبر المشرع الجزائري الرشوة الإيجابية جريمة خاصة ومستقلة عن جريمة الموظف.

أما الرائش والذي كما قلنا الشخص الذي يتوسط المرتشي والرائش الذي أصبح دوره في الحياة العملية خطرا جدا لما له من تأثير مباشر على عقد صفقات الرشوة وتقريب وجهات النظر بين الجنات كما وقد يتخذه الموظف العام ستارا له يتعامل باسمه ولحسابه مع الراشين وعليه وطبقا للمبادئ العامة والإجتهادات الفقهية يعتبر الوسيط شريكا لمن تعامل معه فهو شريك للمرتشي إذا تعامل معه وشريك للراشي إذا إقتصر تعامله معه. فالرائش أو الوسيط هو كذلك لا يشترط فيه أي صفة خاصة فهو واحد من الناس يقوم بالتوسيط بين الموظف وصاحب الحاجة أو يعمل لحساب أحدهما إلا أنه أو القيام بفعل معنوي كتقريب وجهات النظر بينهما والقانون اللبناني نجد أنه المتدخل فيه يخضع للقواعد العامة حسب المادة 226 من القانون اللبناني.([54])

[1] – د. زكي أبو عامر و د. سليمان عبد المنعم: قانون العقوبات القسم الخاص ط2 1999 ص 393- 394.
[2] – د. محمد صبحي نجم: شرح قانون العقوبات الجزائري القسم الخاص سنة 2000، ص 08.
[3] – د. زكي أبو عامر و د. سليمان عبد المنعم المرجع السابق، ص 395.
[4] – مذكرة تخرج غير مطبوعة: الرشوة في القانون الجزائري – بن عائشة يسميتة- جامعة باتنة معهد الحقوق ص 13.
([5]) الرشوة في القانون الجزائري مذكرة التخرج المرجع السابق ص 11.
([6]) د- أنور العمروسي و أمجد العمروسي: “جرائم الأموال العامة و جرائم الرشوة”، ص 345 .
د- رمسيس بهنام المرجع السابق، ص 42.
([7]) د- محمد صبحي نجم: المرجع السابق، ص 17.
([8]) د. محمد صبحي نجم: المرجع السابق ص 18.
([9]) د. أنور العمروسي وأمجد العمروسي: المرجع السابق، ص 347.
([10]) د. محمد صبحي نجم: المرجع السابق ص 17.
([11]) د. عبد الله سليمان “دروس في شرح قانون العقوبات الجزائري” – القسم الخاص- ط 2 – 1989 ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر ص 85 -86- 87.
([12]) د. عبد الله سليمان: المرجع السابق، ص 84.
([13]) د. رمسيس بهمام: المرجع السابق، ص 43.
([14] ) د. رمسيس بهنام: المرجع السابق، ص 44.
([15]) د. أنور العمروسي، أمجد العمروسي: المرجع السابق، ص 251.
([16]) د- محمد زكي أبو عامر: المرجع السابق، ص 31.
([17]) محمد نجيب حسني شرح قانون العقوبات، ص 21.
([18])- محمد نجيب حسني: المرجع السابق، ص 24.
([19]) اسحاق ابراهيم منصور: ممارسة السلطة و آثارها في قانون العقوبات ص 67.
([20]) محمد زكي أبو عامر، د- عبد المنعم سليمان قانون العقوبات الخاص ص 408.
([21]) محمد الطالب يعقوبي قانون العقوبات ص 93.
(*) في المرافق العامة الصناعية و التجارية نجد أن صفة الموظف العام تنطبق فقط على من يشغل منصب الرئاسة والتوجيه أما الموظفون والعمال في هذا المرفق فلا تنطبق عليهم هذه الصفة و قد تبنى هذا الرأي الفقه الفرنسي خاصة.

([22]) محمد الطالب يعقوبي: قانون العقوبات، ص 98.
([23]) د- عبد الله سليمان: شرح قانون العقوبات الجزائري، ط- 1989، ص 69.
د- سليمان بارش: المرجع السابق، ص 27.
– قانون العقوبات الجزائري.
([24]) د. محمد زكي أبو عامر، د سليمان عبد المنعم، قانون العقوبات القسم الخاص، ص 413- 414 .
(*) وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية أن ضابط البوليس الحربي ليس له صفة الضابط القضائي بالنسبة إلى ما يرتكبه الأفراد من جرائم طالما أنهم لم يكلفوا بذلك من طرف القيادة العامة للقوات المسلحة وبالتالي فان ضابط البوليس الحربي الذي يأمر اثنين من رجاله بتسليم المتهم إلى البوليس دون أن يكون مكلفا من القيادة العامة للقوات المسلحة يكون قد أدى أمرا خارجا عن اختصاصه ولا يكون لمرؤوسيه اختصاص في تنفيذ هذا الأمر.
([25]) د.محمد زكي أبو عامر، د. سليمان عبد المنعم، المرجع السابق، ص 418.
([26]) . د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، ص 53.
([27]) د. محمد زكي أبو عامر، المرجع السابق، ط 1978، ص 40-41.
([28]) د محمد زكي أبو عامر، المرجع السابق، ط 1978، ص 42.
([29]) د. محمد زكي أبو عامر – د سليمان عبد المنعم، المرجع السابق، ص 438-439
([30]) د. محمد زكي أبو عامر، المرجع السابق، ط 1984، ص 39
([31]) د. محمد زكي أبو عامر، المرجع السابق، ط 1984، ص 40
([32]) د. محمد زكي أبو عامر، – د. علي عبد القادر القهواجي شرح قانون العقوبات القسم الخاص، ص 367 .
([33]) – د. محمد زكي أبو عامر، المرجع السابق، ط 1984، ص 43
([34]) د. محمد زكي أبو عامر، المرجع السابق، ط 1984، ص 43 إلى 46.
([35]) المادة 126 من قانون العقوبات الجزائري (محمد الطالب يعقوبي).
([36]) المادة 127 من قانون العقوبات الجزائري الخاص، ص 13.
([37]) د. محمد صبحي نجم، شرح قانون العقوبات الجزائري الخاص ، ص13.
([38] ) –د- محمد نجيب – حسني شرح قانون العقوبات – ص 49.
([39] ) –د- محمد نجيب –المرجع نفسه – ص 50.
([40] ) –د- محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق – ص 49.
([41] ) –د- محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق – ص 48.
([42] ) الرشوة في القانون الجزائري – ص 34.
([43] ) قانون العقوبات – محمد الطالب يعقوبي تعديل 1998.
([44] ) –د- محمد زكي أبو عامر-د-سليمان عبد المنعم ، المرجع السابق – ص 401-402.
([45] ) –د- محمد زكي أبو عامر-د-سليمان عبد المنعم ، المرجع السابق – ص 403.
([46] ) –د- محمد زكي أبو عامر-د-سليمان عبد المنعم ، المرجع السابق – ص455-456.
([47] ) –د- محمد زكي أبو عامر-د-سليمان عبد المنعم ، المرجع السابق – ص 456.
([48] ) –د- عبد الله سليمان ، المرجع السابق ، ص 76.
([49] ) –د- رمسيس بهنام : بعض الجرائم النصوص عليها في المدونة العقابية ، ص 30.
([50] ) –د- محمد زكي أبو عامر-د-سليمان عبد المنعم ، المرجع السابق – ص 456-457.
([51] ) –د- محمد زكي أبو عامر-د-سليمان عبد المنعم ، المرجع السابق – ص 457-458.
-د- محمد زكي أبو عامر : المرجع السابق ، ط 1984، ص 56 – 57.
([52] ) -د-عبد الله سليمان ، المرجع السابق – ص79.
([53] ) –د- محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ط 1984 – ص 63.
([54] ) -د-عبد الله سليمان ، المرجع السابق – ص82.
-د- محمد زكي ابو عامر –د- عبد الله القهواجي ، القانون الجنائي القسم الخاص ص 387.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : بحث كبير و معمق عن جريمة الرشوة حسب القانون الجزائري