بحث قانوني حول بعض القواعد الفقهية

أ/ عبد اللطيف بيك

قاعدة الأهمّ والمهمّ

أدلة القاعدة

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

وهي من القواعد الفقهية، ويدل عليها الأدلة الأربعة:
فمن الكتاب: قوله سبحانه: (ولو لا أن يكون الناس)(1) وقصّة خرق السفينة(2).
ومن السنّة : قوله (ص) لعائشة: (لو لا أن قومك حديثوا عهد بالإسلام…).
وقوله (ص): (لو لا أن يقول الناس أنّ محمداً استظهر بجماعة) ـ في قصة العقبة ـ .
وعدم إقامة الحدّ أو التعزير على الذين فرّوا من الزحف، وعلى من قال: انه (ص) ليهجر وما أشبه.
وترك علي (ع) من كانوا يصلّون التراويح ـ بعد إتمام الحجّة عليهم ـ .
وقوله (ع): (أمّا حقّي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس)(3) إلى غير ذلك وهو كثير.
ومن الإجماع: العملي منهم في مختلف مسائل الفقه ما لا يخفى.
ومن العقل: انه بناء كافة العقلاء فلا يشك أحد منهم ـ ولا من المتشرّعة ـ في أنه لو خيّر بين محرّمين أحدهما أهم ـ كالزنا أو القُبلة ـ أو واجبين كذلك ـ كإنقاذ غريق أو سفينة فيها مائة وإذا اشتغل بإنقاذ دونها هلكوا جميعاً ـ أو واجب وحرام ـ كالصلاة ليوم أو قتل نفس محترمة ـ في أنه يلزم تقديم الأهمّ.
وهذا هو المركوز في أذهان المتشرّعة، والسيرة القطعية، بل لعل جملة من الأحكام الثانوية ـ كالتقية وأحكام الإضطرار والإكراه وما أشبه ـ من صغريات هذه القاعدة وإن كانت هي قواعد مستقلة بل بين بعضها عموم من وجه.
لكن إنما يقدم الأهم على المهمّ إذا كان إلى حد المنع عن النقيض كالزنا والموت عطشاً ـ كما في قصة المرأة في زمان علي (ع) ـ وإلاّ كان مخيّراً وإن كان تقديم الأهم الأفضل أفضل، كما إذا دار الأمر بين إنقاذ غريقين أحدهما عالم أو عادل دون الآخر.
ولو علم بالأهمية اللازمة إجمالاً، لكنه لم يستطع معرفتها بالضبط، مثل انه لم يعلم أيّ الغريقين رئيس الجيش بما يلحق غرقه الهزيمة بجيش المسلمين، دون الآخر الجندي، تخيّر، وكذلك في الاشتباه في الحكم.

لو ترك الأهم

ولو لم يفعل الأهم وفعل المهم فلو عرف من الدليل ان لا ملاك فيه بطل، حاله حال ما ذكروا من الحكم الإضطراري الذي يتركه للفعل الاختياري، كما إذا ترك التيمّم واغتسل مما سبب موتــه أو ما أشبه، فإن عمله باطل ويجب عليه القضاء والإعادة إن أمكن، وإلاّ فعلى ورثته، وإلاّ صحّ مع العقاب على ترك الأهم، كما ذكروا في مسألة (الترتّب).
ولو لم يعلم انه على أيّ النحوين كان مقتضى إطلاق دليل المهم وجود الملاك إلاّ إذا كانت هناك قرائن تدلّ على الخلاف.
ثم إن تقديم الأهم يكون بقدره، كما مثّلنا في دفع الأجرة للحبل، إذ الأهم إنما يسقط حرمة الغصب، أما ما عداه فلا يكون من الأهم والمهمّ حتى يسقطه.
وكذا لو أُجبر الطبيب على المعالجة، لدليل حفظ النفس الأهم فاللازم دفع الأجرة إليه، ولو أراد أكثر فلا حق له، إذ عمله ليس أكثر من المثل.
نعم له أن يشترط الأكثر ـ قبل المعالجة ـ لـ (تسلّط الناس على أنفسهم).
وكذا في البيوع ونحوها لـ (تسلّطهم على أموالهم) مثل بيع الحنطة في حالة توفّرها فله حق الزيادة، وفي حالة القحط فلا حقّ له فيها لأنه من الإجحاف المحرّم، إلى غير ذلك مما ذكر في موضعه.
ومما تقدم علم أنه لو كان من الأهم ترك الزوجة ـ وطياً أو قسماً أو نفقة ـ لزم عليه التدارك بعد ذلك.
ولا تسقط الأحكام الوضعية بهذا القانون ـ لو قلنا بها ـ بل يرفع اليد عنها بقدر، مثلاً: لو كان الأهمّ أن لا تكون زوجته أو أن تكون زوجته فالأهم لا يوجب أحدهما بالنسبة إلى الزوجة والأجنبية.
وكذلك في باب الطهارة والنجاسة والملكية والرقية وما أشبه ذلك.
ولو كان من الأهمّ ترك الصلاة والصيام والحج أو بعض خصوصياته، فلا يسقط الإعادة ـ إن كانت ـ أو القضاء أو الكفّارة في ما فيه الكفارة مطلقاً، كبعض محرّمات الإحرام كالإستظلال، لما عرف من تقدير الأهم بقدره.
ثم القضاء والإعادة والكفّارة والضمان إن أمكن وإلاّ فلا شيء على فاعل الأهم، ولذا لم يرد ضمان الخضر (ع) للسفينة التي خرقها، ولو كان لبان.
ولو كان أحد الشيئين أهمّ بالقدر المتساوي، ترك المهمّ مخيّراً بينهما.
وقاعدة الأهم تقدّم على (لاضرر) فلو كان غريقان إنقاذ أحدهما أهم كما مثلنا في إنقاذ القائد أو الجندي، وكان في الأهم ضرر دون المهم قدّم الأهم.

وإن تضرّر، كأن يصيبه مرض يحتاج لعلاجه إلى بذل مال كثير، فإن كان هناك بيت مال يتكفّل ذلك فهو، وإلاّ فهل يؤخذ من المنقَذ؟ احتمالان: من الجمع بين الحقّين ومن أنه لا دليل، بل ضرّره الشارع بأمره بإنقاذه، كما إذا استلزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرراً، مثل أن يدفع أجرة السيّارة للذهاب إلى محل المنكر، وشرطُهُم أن لا يستلزم ضرراً يراد به الضرر المعتد به، فتأمّل.
ولو تعارضت الأهمية في الكمّ والكيف، كما إذا كان هناك غريقان من العاديين وغريق ثالث برتبة قائد جيش، لم يتقدّم أحدهما على الآخر، إلاّ إذا علمت الأهمية المانعة من النقيض في جانب، بل يتخيّر بينهما لعدم تحقّق الموضوع.
ولو كان في جانب استصحاب الأهمية كفى، ولو كان استصحاب المهمية لكن لم يعلم ان الآخر أهم أم لا، فلا قاعدة لما ذكرنا في (الأصول): (ان الأصل في التعيين والتخيير: التخيير) وما نحن فيه من مصاديقه.
وحيث تجرى القاعدة فلا مجال لقاعدة القرعة، لأنها للمشكل، والقاعدة لا تدع مشكلة، كما أن الاستصحاب كذلك.
نعم يمكن اتيانها فيما إذا علم بأهميّة أحدهما لكنه غير معيّن لعدم المعارض للقرعة حينئذ.
ولا فرق بين أن يكونا من جنس واحد أو جنسين كالقتل وشرب الخمر.

معرفة الأهم

وتعرف الأهمية من الدليل ومن الإرتكاز، كما إذا دار الأمر بين الزنا وأكل درهم من الربا فإنه يقدم الثاني، لارتكاز المتشرّعة ان الأول أهم حرمة وإن ورد في الحديث: أن درهماً من الربا أعظم من سبعين زنية(4) أو ما أشبه، إذ المتشرعة يحملون ذلك على التخويف، على أنّ كلاً من العقاب والثواب ليسا ميزان الأمر.
ولذا نرى أن بعض المستحبات أكثر ثواباً من الواجبات، مثلاً للمبتدأ بالسلام ـ من الحسنات ـ أكثر مما للمجيب مع أنّ ردّ السلام واجب، وزيارة الحسين (ع) لها من الثواب شيء عظيم بينما هي مستحبة، والإنفاق على الأرحام شيء واجب إلى غير ذلك.
ولو قال: إقطع يد زيد وإلاّ قتلت نفسي، لم يجب القطع بتوهّم أن قتله نفسه الذي يمتنع بسببه أهم، لتوسّط الفاعل المختار.
بل الأمر كذلك لو أمره بمستحب وإلاّ ترك واجباً أو فعل محرماً، كما إذا قال: صلّ صلاة اللّيل وإلاّ لا أصلي الصبح أو أجرح نفسي جرحاً محرماً.
ومثله: لو قال الطبيب لثري: أعطني ألف دينار وإلاّ تركت معالجة الأرمد حتى يعمى.
ولو اشتبه الميّت المسلم بالكافر وجب تجهيز كليهما لأن وجوب تجهيز المسلم أهم ـ عرفاً ـ من حرمة تجهيز الكافر.
والمسائل في ذلك كثيرة نكتفي منها بهذا القدر، والله المستعان.

1 ـ الزخرف: 33.
2 ـ الكهف: 71 و 79.
3 ـ بحار الأنوار: ج 43، ص 171، ح 11، ب7.
4 ـ راجع بحار الأنوار: ج 100، ص 117، ح 13 وص 119، ح 22، ب5.

قاعدة العسر

أدلة القاعدة

العسر البدني ـ الذي ليس فيه حرج نفسي ولا ضرر في المال والبدن، مثل كثرة التعب الذي ليس بعده ضرر ـ منفي في الآية الكريمة في قوله: (ولا يُريد بكم العُسْر)(1).
والظاهر ـ المستفاد عرفاً بالقرائن ـ إرادة عدم العسر لا عدم الإرادة، وإنما ذكر الجملتين لأنّ بينهما واسطة: عسر ويسر وما لا يكون أحدهما، فكأنه قال: لا يريد بكم العسر، فسُئل: هل يريد الأعمّ من اليسر والواسطة؟ فقال: كلاّ لا يريد الواسطة أيضاً، وإنما يريد اليُسر.
وإنما ذكر عكس الكلام ولم يقل: لا يريد بكم العسر ويريد بكم اليسر لأهمّية اليسر، والموضوع الأهم يقدّم في الكلام، مثل (زيد شاعر) أو (الشاعر زيد)، على ما ذكروه في البلاغة.
فإذا كان أحد الثلاثة: من الضرر والعسر والحرج فالحكم مرفوع.
نعم ذلك فيما إذا لم يسبّبه المكلف هو وإلاّ أمكن عدم الرفع مثلاً ترك الصلاة والصوم خمسين سنة مما قضاؤهما عسر عليه، فإنه لم يسقط عنه لأنه السبب في ذلك.

كما ذكروا في مسألة اقدامه على الضرر المالي حيث لا يبطل العقد، وليس له حق الفسخ لأنه السبب في ذلك.
نعم فيما إذا كان جاهلاً بالحكم ـ قصوراً لا تقصيراً ـ يحتمل عدم الوجوب بقدر العسر، لإطلاق دليل العسر الحاكم على الأدلة الأولية، والتي منها (ما فاتتك من فريضة فاقضها كما فاتتك)(2).
وهل يجب القضاء عنه بعد موته؟ مقتضى الدليل العدم، لانتفاء التكليف في حال القصور، وفي حال الذكر لا يشمله الأدلة.
ويحتمل وجوب القضاء عن تركته وهو أقرب إلى الذوق الفقهي وإن كان أبعد عن الصناعة، لكن ربما يقال: حتى في صورة الجهل ـ تقصيراً ـ لا قضاء، كما إذا ألحق الضرر بنفسه ـ عن تقصير ـ فصلّى بتيمّم، أو عن قعود أو ما أشبه، حيث إنه عاص بترك التعلّم وإن لم يكن قضاء لما فاته لشمول الأدلة المذكورة له.

ومثله ما لو صلّى وصام ـ لمدّة خمسين سنة ـ بطهارة باطلة قصوراً، أو حجّ باطلاً كذلك، وكان الإتيان به ثانياً عسراً عليه.
ولم أرَ من أشار إلى أصل المسألة إلاّ تلميذ شريف العلماء ـ قدس سرهما ـ في حقائقه.
ويؤيده: انه (ص) بعث بالشريعة السمحة كما قال هو (ص)(3).
لا يقال: إن الصلاة والصوم والحج أيضاً عسرات وكذلك القصاص والحدود والتعزيرات.
لأنه يقال: لا إشكال في أنّ هذه الواجبات ثابتة في الشريعة، والظاهر أنها من باب التخصّص لأدلة العسر لا التخصيص، إذ أدلة العسر والحرج والضرر لا تشمل ما وضع شرعاً في موردها كالخمس والجهاد ونحوهما.
نعم إذا صارت عسرة فوق القدر المتعارف يكون المحكّم فيها دليل العسر، لأن أدلّتها منصرفة إلى المتعارف.
وأما الثلاثة الأخر فهو السبب في ذلك، فيكون كما ذكرناه في ضرر مالي سببه هو، ودفع العسر منصرف عنه فليس من باب التخصيص، بل من باب التخصّص.

وكذلك حال الديات وإن لم يكن على المرتكب كالعاقلة فإنه من الحرج أو الضرر لا من العسر وحالها حال الخمس والزكاة والكفّارات وما أشبه.
وكما أنّ دليل العسر رافع للأصل فهو رافع للجزء أيضاً، فإذا كان لهما بدل فهو، وإلاّ بقى الأصل بلا جزء أو شرط أو مع مانع أو ما أشبه، فالوضوء العسري مرفوع كما أنّ المسح على البشرة في الشتاء القارص ـ الذي يسبب عسراً ـ مرفوع أيضاً إلى البدل وهو المسح على العمامة، كما ورد بذلك النصّ والفتوى.

وكذلك يرفع القضاء إذا كان عسراً كما يرفع الأصل، كما عرفت في قضاء الجاهل صلاته وصيامه.
وهل يرفع الوضع كما يرفع التكليف عند من يراه؟
الإطلاق يقتضي ذلك، كما إذا صارت على جلده جلبة في أثر الجرح مما رفعه حرج عليه، فإذا قلنا: برفع العسر النجاسة، غَسله أو مسح عليه، وإذا قلنا: بالعدم وضع فوقه الجبيرة.
وبذلك يظهر حال ما إذا كان الماء يضرّ بعض جسمه في الوضوء أو الغسل فهل يتركه ويغسل سائر الجسد ـ وضوءاً أو غسلاً ـ أم يضع عليه الجبيرة؟ مقتضى الأصل ـ الذي في رفع العسر ـ هو الأول.
ويصلي بالنجاسة إذا كانت الإزالة عسراً عليه، لكنه من رفع التكليف أما إذا قيل برفع الوضع فلا نجاسة.
وكما يأتي رفع العسر في ترك الفعل العسري يأتي في الإتيان بالمحرّم المعسور، بل ويسري ذلك إلى من لابدّ منه، كما إذا كانت المرأة في عسر من كثرة العرق واحتاجت إلى رؤية الطبيب أو لمسه فإنه يجوز لها وله.
وإذا تعارض عسر وضرر، أو أحدهما مع الحرج، قدّم أهمّهما لو كان إلى حد المنع عن النقيض، وإلاّ تخيّر مع الترجيح أو بدونه في المتساويين.

في المستحبّات

وهل يجري رفع العسر في المستحبّات؟
قال بعضهم: لا، لأنه لا إلزام، وظاهر (ولا يريد بكم العسر)(4) الإرادة الإلزامية.
وقال بعضهم: نعم للإطلاق ولقوله (يريد الله بكم اليسر)(5) وقوله (ص): (بُعِثْتُ بالشريعة السمحة)(6) إلاّ أن الأوّل في نفسه أقرب لو لا الذي ثبت من سيرتهم (ع) وسيرة المتشرعة من تحمّل العسر والمشقّة في باب المستحبّات، كألف ركعة في الليل(7) أو قراءة أربعين ختمة في شهر رمضان(8)، كما كان يفعله بعض المعصومين (ع)، إلى غير ذلك مما يقرب إرادة الإلزام.
وكذلك حال الضرر ولذا كان بعض الأئمة (ع) يحجّ ماشياً مما يُلحق الأذى برجله، وتورّمت قدما رسول الله (ص)(9) وفاطمة عليها السلام(10) من كثرة العبادة، إلى غير ذلك.
ومن الواضح ان (لا) يسقط في الثلاثة في مثل الجهاد، وذلك لأمر أهم بحد المنع عن النقيض.
وفي الباب مسائل كثيرة تُعرف مما ذكرناه في بابي الضرر والحرج، فلا حاجة إلى ذكرها.

1 ـ البقرة: 185.
2 ـ راجع المستدرك: ج6، ص 435، ح 7167، ب6.
3 ـ المستدرك: ج 1، ص 419، ح 1051، ب 59 وفيه: (بُعِثتُ بالحنفية السهلة).
4 ـ البقرة: 185.
5 ـ البقرة: 185.
6 ـ الوسائل: ج 5، ص 246، ح 1 وفيه: (بالحنفية السمحة).
7 ـ بحار الأنوار: ج 79، ص 310، ح 16، ب 4.
8 ـ بحار الأنوار: ج 95، ص 5، ح 2، ب 5.
9 ـ بحار الأنوار: ج 16، ص 85، ح2، ب6.
10 ـ بحار الأنوار: ج 43، ص 84، ح 7، ب 4.

قاعدة الحيازة

أدلة القاعدة

(من حاز ملك) قاعدة فقهيّة، ويظهر من الجواهر أنها رواية، وسواء كانت رواية أم لا، فتدل عليها الأدلة الأربعة.
فمن الآيات:
قوله تعالى: (خلق لكُم)(1) واللام للملك إذا لم تكن قرينة، وحيث لا ملك بدون الحيازة ـ بالنظر الأولي ـ إجماعاً، فلابدّ أن يكون بالحيازة، فهي تسبب إثبات الملك كما أنّ الإعراض يسبب إسقاط الملك.
أما الروايات:
فهي متواترة، ذكروها في كتاب الإحياء والصيد واللقطة وغيرها، وقد ذكرنا جملة منها في (الفقه)(2) ممّا لا حاجة إلى الإعادة.
فعن الباقرين (ع): قال رسول الله (ص): (من أحيى أرضاً مواتاً فهي له)(3).
وعن الصادق (ع) في البعير الملقوطة (حتى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ولا سبيل لأحد عليها وإنما هي مثل الشيء المباح)(4).
وفي رواية الصادق عن آبائه عن علي (ع): (للعين ما رأت ولليد ما أخذت)(5).
والمراد بالجملة الأولى: أنّ حظّ العين الرؤية فقط، إلى غيرها من الروايات الكثيرة.
والإجماع: القطعي الذي لا مخالف له إطلاقاً قولاً وعملاً.
ومن العقل: دلالته على أن الخالق غنيّ عن الكون وما فيه فبقاؤه عبثاً خلاف الحكمة المنافي لإتقان الخلق، فلابدّ من أن يفوّض إلى المخلوق، وأحسن صور التفويض هو التمليك، لكن بشرط أن لا يضرّ بعضهم بعضاً، لأنّه أيضاً خلاف الحكمة، وهو ما حدده الشارع بإطار (لكم)، فكلّ إنسان له الحقّ في أن يتمتّع من الكون ـ والأرض من جملته ـ بما شاء، بشرط عدم الإضرار بنفسه أو بالآخرين.
والحيازة بحاجة إلى القصد، فمن أخذ عشباً ليلعب به ساعة، أو صيداً كذلك أو ما أشبه، لم يكن من الحيازة في شيء.
وتدلّ عليه ـ بالإضافة إلى بناء العقلاء ـ: جملة من الروايات الواردة في مشتري السمكة والدابّة يجد في جوفها شيئاً ثميناً حيث حكم الإمام (ع) بأنّه له.
مع وضوح أنّ البائع لم يقصد بيع الشيء الثمين، وقد وضع يده عليه بوضعها على الحيوان، لكن حيث لا قصد فلا ملكيّة له.
كروايات أبي حمزة وحفص والزهري والمروي في تفسير الإمام، والحميري كما ذكره الوسائل والمستدرك في كتاب اللقطة.
من غير فرق بين المباحات الأصلية والمعرض عنها إعراضاً أو انعراضاً.
وهذا هو المركوز في أذهان المتشرّعة وقد جرت عليه السيرة، ولذا لا يشكّ أحد في ملك الإنسان للصيد ولفواكه الغابات وأشجارها المقطوعة وللماء الذي يمتحه ولما يجده في الخرائب السابقة أو يأخذه منها من الجواهر أو الأواني أو الأحجار، كخرائب الكوفة وسامراء وبابل وغيرها.

حيازة كل شيء بحسبه

وحيازة كلّ شيء بحسبه، فحيازة الأرض بالإستيلاء الانتفاعي عليها، بقصد الملك لا بقصد البقاء مدّة ثم الذهاب، كما في الزوار والسواح.
وكذلك حال حيازة الحيوان بوضع اليد أو الإلقاء في الشبكة أو في أرض موحلة، فَعَله بهذا القصد، أو ما أشبه.
فإذا لم يكن يد أو قصد لم يملك، كما إذا جرى الماء أو السمك أو الطير من أرضه إلى مكان آخر، أو وضع اليد بقصد العبث، أو النظر إليه بدون قصد الملك.
ولذا كان ازهاق روح الحيوان بالآلة أو إثبات اليد عليه، من الحيازة، وعلى هذا فإذا شذب أشجار غابة أو أجمة بقصده كان له.
ويؤيّده: روايات جعل القصب في الماء ونصب الشبك كما يجدها الباحث في الوسائل والمستدرك في بابي الصيد والذباحة.
ثم إن بناء العقلاء الذي لم يرد من الشرع خلافه ـ ممّا يدلّ على إمضائه ـ عدم الفرق في الحيازة بين التسبيب والمباشرة، سواء كان التسبيب بالإجارة أو الوكالة أو غيرها.

ولذا كان ذلك هو المركوز في أذهان المتشرعة، والذي جرت عليه السيرة منذ زمانهم (ع) فإن استخراج اللؤلؤ من عمق البحار والإتيان بالمعادن إلى السادة واصطياد الأسماك وغيرها بواسطة العمّال والأُجراء كان متعارفاً في ذلك العصر، ولم يكن عليه إنكار.
وربّما يؤيّده حديث أبي سيار(6) حيث ولى الغوص بالبحرين فأصاب أربعمائة ألف درهم وأتى بخمسه للإمام (ع) ولم يسأله الإمام (ع) عن أنّه حصل عليه بمباشرته أو تسبيبه، مع أنّ من الواضح عدم المباشرة غالباً.
ولو قصد الأجير أو الوكيل الحيازة لنفسه أو لثالث لم يستبعد أن يكون لهما لا للموكل والمستأجر فقط، لعدم توفّر شرط القصد، فهو كأن يحج ـ أو ما أشبه ـ عن نفسه، أو ثالث، وتبطلان بانتهاء مدّتهما، وفي الضمان ما ذكروا في تخلف الأجير.
ولو لم يعلم هل قصد الحائز الملك أم لا؟ فالأصل العدم إذا لم تكن هناك قرائن تدلّ على القصد أو عدمه، حيث لا حاجة حينئذْ إلى الأصل.
ولو علم بأنّه قصد لكن لا يعلم أنّه قصده لنفسه أو لغيره؟ كان بينهما، حسب قاعدة العدل، وإذا لم يعلم شخص الغير ـ لا محصوراً ولا معيّناً ـ كان النصف مجهول المالك فتأمل.
ولو علم بأنّه قصد نفسه وغيره لكن لا يعلم نسبة قصده: هل لكلٍ النصف أو بالتفاوت؟ فالأصل التساوي.

تفريع على القاعدة

ثم إنّه لا حقّ للدولة أو لجهة أخرى في المنع عن حيازة المباحات بحجج واهية والتي منها احتياج الدولة إلى المال، فإنّ المال المقرر للدولة الإسلامية هو الخمس والزكاة والجزية والخراج، وإذا اقتضت الضرورة للمزيد من ذلك ـ كحالة حرب أو ما أشبه ـ ولم تتمكّن الدولة من حيازة المباحات ـ غير المانعة عن حرية الناس في الحيازة ـ ولا من تحصيل التبرعات وما أشبه، جاز الأخذ من الناس، أو المنع عن حيازتهم للمباحات بقدر الأضطرار، بشرط تعيين مراجع التقليد حسب الشورى إن كانوا متعددين، وليس حينئذٍ إلاّ كصيغة الاستثناء كما ذكرناه في بعض كتب (الفقه) بتفصيل.
أما ما نراه اليوم في الدول المعاصرة ـ من كثرة الضرائب ومنع الناس عن حيازة المباحات وما أشبه ـ فهو خلاف الشريعة المقدّسة، جاء بدافع الجهل بالموازين وارادة التجمل بالسرف والترف، وتـــكثير الموظفين اعتباطاً مما يعود بالأضرار الكثيرة، وشراء الأسلحة بالأموال الباهظة، بغية التخزين والإدخار، فإن دعت الضرورة إلى هذا الأخير فهو ممّا ذكرناه من الإستثناء بموازينه، وإلاّ كان ضرراً مضاعفاً وحرمة مغلّظة.

1 ـ البقرة: 29.
2 ـ راجع موسوعة (الفقه) ج 80 كتاب إحياء الموات، وج 75 كتاب الصيد والذباحة وج 81 كتاب اللقطة.
3 ـ تهذيب الأحكام: 7، ص 152، ح 22.
4 ـ الوسائل: ج 17، ص 364، ح 2 باختلاف يسير.
5 ـ الوسائل: ج 16، ص 297، ح 1.
6 ـ الوسائل: ج 6، ص 382، ح 12.

قاعدة الإلزام

أدلة القاعدة

وهي قاعدة مشهورة، دلّ عليها النصّ والإجماع، بل ربما العقل أيضاً: حيث إن مقتضى عدم الزام الناس بالإسلام يلازم تقريرهم على أحكامهم.
وقد ذكرنا في (الفقه) إن الإسلام يخيّر الكافر ـ ولو غير الكتابي ـ بين الجزية والإسلام والقتال، وانه ليس خاصاً بالكتابي كما دلّت عليه سيرة النبي (ص) والوصي (ع) بل وسيرة المسلمين إلى اليوم.
بل يدلّ عليه أيضاً قوله سبحانه: (لكم دينكم)(1).
وقوله: (لستَ عليهم بمسيطر)(2).
وقوله: (وما أنت عليهم بجبّار)(3).
وقوله: (لا إكراه في الدين)(4).
أما قوله تعالى: (ومن يبْتَغ غيرَ الإسلام ديناً فلن يُقْبَل منه)(5) فعدم القبول عند الله ليس معناه أنه يجبر على تركه حتى يقع التدافع بينه وبين هذه الآيات.
وربما استدل له بالكتاب أيضاً: ما دل على حكم أهل الكتاب بكتابهم: (وليحكم أهل الإنجبيل)(6)، و (إنا أنزلنا التوراة)(7).
لكن الظاهر أن المراد ما كان عندهم من الكتابَيْن الصحيحَيْن، والحكم بالنسبة إلى النبي وأحكامه غير المنسوخة.
والروايات في ذلك بحدّ التواتر :
فعن ابن محرز عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه؟ قال: المال كلّه لابنته وليس للأخت من الأب والأم شيء، فقلت: أنّا قد احتجنا إلى هذا والرجل الميّت من هؤلاء الناس وأخته مؤمنة عارفة؟ قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم وقضائهم وأحكامهم، قال: فذكرت ذلك لزرارة فقال: ان على ما جاء به ابن محرز لنوراً خذهم بحقّك في أحكامهم وسنّتهم كما يأخذون منكم فيه)(8).
ورواية عبد الرحمن البصري عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: امرأة طلقت على غير السنّة؟ فقال: يتزوّج هذه المرأة لا تترك بغير الزوج)(9).
ورواية علي بن حمزة: (إنه سأل عن أبي الحسن (ع) عن المطلّقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك)(10).
ورواية ابن سماعة: (انه سئُل عن المرأة طلّقت على غير السنّة ـ إلى أن ـ أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: أليس تعلم أن علي بن حنظلة روى إياكم والمطلّقات ثلاثاً على غير السنّة فإنّهن ذوات أزواج؟ فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، روى عن أبي الحسن (ع) انه قال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوّجوهن فلا بأس بذلك)(11).
ورواية ابن طاووس: (قال: قلت لأبي الحسن الرضا (ع): أنّ لي ابن أخ زوّجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق؟ فقال (ع): إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، وإن كان من هؤلاء فابنها منه فإنه عنى الفراق، قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبد الله (ع) انه قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس فإنّهن ذوات الأزواج؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء انه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم)(12).

ورواية العلوي عن أبيه قال: (سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن تزويج المطلّقات ثلاثاً؟ فقال لي: ان طلاقكم الثلاث لا يحلّ لغيركم وطلاقهم يحلّ لكم لأنكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبوها)(13).
رواية ابن بزيع قال: (سألت الرضا (ع) عن ميّت ترك أمه وإخوة وأخوات فقسّم هؤلاء ميراثه فأعطوا الأم السدس وأعطوا الإخوة والأخوات ما بقي فمات الأخوات فأصابني من ميراثه فأحببتُ أن أسألك هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة أم لا؟ فقال (ع): بلى، فقلت: ان أم الميّت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر أعني الدين، فسكت قليلاً، ثم قال: خذه)(14).
ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: (سألته عن الأحكام؟ قال: تجوز على كل ذوي دين ما يستحلّون)(15).
ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قلت: (سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة طلّقت على غير السنّة ما تقول في تزويجها؟ قال: تزوّج ولا تترك)(16).
ورواية ابن سنان قال: (سألته عن رجل طلّق امرأته لغير عدّة ثم أمسك عنها حتى انقضت عدّتها هل يصلح لي أن أتزوّجها؟ قال: نعم لا تترك المرأة بغير زوج)(17).
ورواية البصري، عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: امرأة طلّقت على غير السنّة؟ فقال: تتزوّج هذه المرأة لا تترك بغير الزوج)(18).
ورواية الغوالي: (روي أنّ رجلاً سبّ مجوسياً بحضرة الصادق (ع) فزبره ونهاه فقال له (ع): انه تزوّج بأمّه، فقال: أما علمتَ أنّ ذلك عندهم النكاح؟(19).
ورواية الدعائم عن الصادق (ع): (انه قال: لا ينبغي ولا يصلح للمسلم أن يقذف يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً بما لم يطلع عليه منه وقال: ان أيسر ما في هذا أن يكون كاذباً)(20).
وعنه (ع): (أنه قال لبعض أصحابه: ما فعل غريمك؟ قال: ذاك ابن الفاعلة، فنظر إليه أبو عبد الله (ع) نظراً شديداً، فقال: جعلتُ فداك انه مجوسي أمه أخته!، قال (ع): أو ليس ذلك من دينهم نكاحاً)(21).
ورواية الغوالي: (ان الصادق (ع) قال: كل قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمه)(22).
هذه هي التي وجدناها في الكتب الأربعة والوسائل والمستدرك، وكفى بها تواتراً.

شمولية القاعدة

وهذه القاعدة شاملة للمخالفين سواء منهم المنافق وغيره، وللكفّار كتابيّاً أو غير كتابيّ، لما ذُكِر فيها من التعاليل، مثل قوله (ع): (تجوز على كل ذوي دين ما يستحلّون)(23).
وقوله (ع): (انه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم)(24).
وقوله (ع): (لأنكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها)(25).
وقوله (ع): (تتزوّج هذه المرأة لا تترك بغير الزوج)(26) إلى غير ذلك.
ولا فرق في الكافر بين من له قانون ومن له دين سماويّ بزعمه، إذ القانون أيضاً دين، أترى ان قوله سبحانه: (لكم دينكم ولي دين)(27) لا يشمل عبّاد البقر والنار وأمثالهما؟! حيث في أول السورة (لا أعبد)(28) الآية.
كما أنه لو كان لجماعة دين وقانون فإنه يؤخذ بالأغلب عندهم، مثلاً: في الغرب ـ حاليّاً ـ القانون هو الأغلب، بل هو أيضاً دينهم السماوي لما رووه من قول المسيح (ع): (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ولذا نلزمهم بقانونهم.
ولا فرق في الإلزام بين نفعهم وضررهم، للإطلاق، ولذا حكم الفقهاء للمجوسي بإرثين، مع أنه في نفعه لا في ضرره.
وممّا تقدّم يعلم عدم الفرق بين أقسام الكفّار والمخالفين معنا، أو مع بعضهم المتّفق، أو مع بعضهم المختلف، مثلاً: الحنفي والحنبلي أو اليهودي والنصراني، فإذا تحاكموا إلينا اخترنا ما نرى من هذا المذهب أو ذلك المذهب، أو هذا الدين وذلك الدين.
نعم بين المسلم مطلقاً والكافر مطلقاً يُقدّم المسلم، كما أن بين المؤالف والمخالف يقدّم المؤالف، الأول لعلوّ الإسلام، والثاني لأن الحق معنا.

نعم في مورد الخلاف بين المجتهدين أو المقلّدين يكون الفيصل رأي المرجوع إليه من القاضي المجتهد، سواء وافق أحدهما أو خالفهما، لإطلاق دليل القضاء.
ولذا قال في الجواهر: (لو ترافع مقلّدة مجتهد يرى الصحّة عند مجتهد يرى البطلان، حَكم عليهم بمقتضى مذهبه، وليس له إلزامهم بما وقع منهم من التقليد قبل المرافعة).
أقول: لكن لا يبعد اختيار المجتهد المترافع إليه، فيما إذا لم يعلم بخطأ المجتهدين أن يحكم حسب رأيه أو حسب رأي أيّهما شاء، وكذلك له الحكم حسب رأي المترافعين إذا كانا من تقليد واحد أو تقليد مشابه في الحكم، وذلك لأنه قامت الحجّة على كل الآراء الثلاثة منه ومنهما أو منهما ومنه، عند القاضي لأن المفروض أنهم وكلاء الإمام (ع) الذي أمر بالرجوع إليهم.
وعلى ما عرفت ـ من الإطلاق في التعاليل ونحوه ـ فليس الإلزام خاصاً بالأبواب الثلاثة: النكاح والطلاق والإرث، بل يشمل سائر أبواب العبادات والمعاملات ـ الأعم من الايقاعات ونحوها ـ .
ويؤيده: ما ذكره الإمام (ع): إنه إن جاءه من يرى رأيهم أتاه بما يرون، وقد قال علي (ع): (لحكمتُ بين أهل التوارة)(29) الحديث.
ومنه قوله (ع): (صار ثُمنها تسْعاً)(30) وإلاّ فهو لا يستقيم على مذهب الإمامية.
وليس هذا من التقيّة، وإن صحّت في موردها أيضاً، عموماً وخصوصاً، كما رواه علي بن محمد ـ على ما في التهذيب ـ قال: (سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم أم لا؟ فكتب (ع): يجوز لكم ذلك إن شاء الله إن كان مذهبكم فيه التقيّة منهم والمداراة لهم)(31).

وعلى هذا يصح الإلزام في البيع والشراء والشركة والشفعة ـ إذا كان يرى الشفعة ولا نراها فنأخذه بالشفعة ـ والمضاربة والمزارعة والمساقاة والوصيّة والرهن والوقف والهبة وإحياء الموات والحيازة وغيرها.
الإلزام رخصة لا عزيمة
نعم ليس الإلزام عزيمة علينا ـ مطلقاً ـ بل رخصة فإذا رأى أنّ الحيازة لا تكون إلاّ برخصة الدولة لا يلزمنا ذلك، بل لنا الحيازة.
كما أنه يلزم أن لا يفوت محلّه، مثلاً: طلّقها ثلاثاً باطلاً فإنّ لنا أن نزوّجها لكن إذا تزوّجت فات المحلّ، فلا مجال لنا بزواجها، كما هو واضح.
ومنه يعلم انه لنا إلزامها بديننا أو مذهبنا مع بقاء المحل ـ وذلك لأنّ الواقع للكل ـ وإلاّ فلا، مثلاً: طلّقها ثلاثاً، فإنّ لنا إرجاعها إلى الزوج حسب مذهبنا الذي يقول بالصحّة فيما إذا لم تتزوّج، وإلاّ فقد فات موضع الإرجاع.
ولذا ارجع العلاّمة الحلي (قدس سره) زوجة الملك في قصّة مشهورة.
ولو كان مسلماً فكفر لم يُلزم بالسابق، بل بدينه الفعلي، فإذا طلّقها الشيعي ثلاثاً بالشروط، ثمّ كفرت الكتابيّة حقّ له أن يزوّجها بغير محلّل، لقاعدة الإلزام ـ حيث ترى الصحّة في دينها ـ ولا يستصحب، لتبدّل الموضوع بل يشملها قاعدة الإلزام، لإطلاق دليله الشامل للكافر الأصلي والمرتد، وقد تقدّم الإشكال في الإنصراف ـ في بعض المباحث السابقة ـ.
ولو كانت كافرة لا ترى صحّة زواجها بنا ثمّ أسلمت، فلا إشكال في صحّة تزويجنا لها، لإطلاق الأدلّة، ولذا نرى صحّة زواج المتعة بالسُنّية، وصحّة زواج السنّي متعةً بالشيعيّة، وإن لم يعتقدا الصحّة في مذهبهما.
ثمّ إنّ هناك بعض ما يقطع بأنه من قانون الإلزام، وبعض ما يقطع بأنه ليس منه، وبعض ما يشك فيه، فاللازم الرجوع إلى القواعد المرتطبة بموضع الشكّ.

مثلاً: لاشك في جريان القاعدة في النكاح والطلاق والإرث وما أشبه ممّا تقدّم ذكره، لكن من المقطوع به ـ ولو لضرورة أو إجماع أو ارتكاز أو سيرة ـ أنه لا يجوز لنا شرب الحرام وأكله، وكذا النجس ممّا يعتقدون طهارته وحلّيته، ولا يجوز لنا الزنا بنسائهم واللّواط بغلمانهم، وإن أباحوا ذلك، حسب ما في كتبهم المقدّسة، من زنا لوط (ع) ببنتيه، وسليمان (ع) بزوجة أوريا ـ والعياذ بالله ـ.
والأخير جائز في قانونهم، وحيث لم يصرّح بالحرمة في دينهم يرونه حلالاً يتعاطونه.
وكذلك لا يجوز للمسلم نكاح أخته المجوسية وسائر محارمه ـ وبالعكس في المسلمة ـ وإن رأوه حلالاً.
وأما بالنسبة إلى الرضاع وأخت الملوط ونحوها فهل يحرم علينا ـ للأدلة الأولية ـ أم لا لأنه مثل نكاح المطلّقة؟ احتمالان.
وهكذا لا يجوز سُحق المسلمة بالكافرة حيث يجوز عندها.
أما الشفعة بدون شروطنا فالظاهر جواز أخذنا منهم، لإطلاق الأدلة، فيما إذا لم نقطع على خلافه، كما تقدّم.
وهل تجوز نكاح امرأة دواماً أو متعة بعد مدّة، مثلاً: يجري صيغة العقد في شهر شعبان على أن تحلّ له من شهر رمضان، لجوازه عندهم؟ احتمالان.

وقد قال العلاّمة (قدس سره) بشبه ذلك تبعاً لرواية في المتعة، خصوصاً وانها اجارة، كما في الآية، لكن القول به من أشكل المشكلات، بل المشهور المنع، ولا محيص عنه.
ومن المقطوع به في قانون الإلزام لو لم يأت بطواف النساء، ـ رجلاً كان أو امرأة ـ فإنه لا يحرم على الزوج الآخر.
كما أن موضع الشك أخذ المرأة في حال عدّتها، طلاقاً أو وفاةً أو فسخاً فيما لا يرون محذوراً.
نعم هناك دليل خاص في عدّة الوفاة كما ذكرناه، فيستثنى من القاعدة، إلاّ أن الكلام في إطلاقه.

من موارد الشبهة
كما أنّ من موارد الشبهة: وطي الحائض منهنّ في الحيض والنفاس حيث يرون الحلية، أما إذا لم تر القسم في المتعدّد فلا قَسم لها.
وكذلك من موارد الشبهة: جواز إحراق أمواتهم ـ أي من يرون ذلك ـ إذا كان الميّت قد أوصانا بذلك.
وإن كان المستأنس في وطي الحيض العدم رجلاً كان الموالي أو امرأة في قبال الكافر، وفي حرق الميّت الجواز.
وهل يجوز أن يتزوّج الكافرة المزوّجة حيث يرون الجواز؟ احتمالان، والأحوط الترك.
وكذلك ان تكون زوجة لمن اتّخذ أختها الكافرة، أو أمها كانت زوجة له، أو كانت المؤمنة الخامسة ـ فيما يرى الزوج المسلم أنهما قطعاً ليستا أختين أو أمّاً وبنتاً، أو ان المسلم يعلم بأنّها الرابعة حيث طلّق الرابعة، لكنها تعلم بطلان الطلاق ـ .
ومن المعلوم أن بعض الفروع المذكورة ليس من موارد قاعدة الإلزام، وإنما ذكرناه استطراداً.
كما أن بعض ما ذكرناه يرتبط بكتاب (القضاء) وإنما ذكرناه لأن بين المسألتين عموماً من وجه.
ولا يجوز تقبيل المسلم الأجنبية الكافرة، أو الغلامَ الكافر، أو لمسهما بشهوة، أو بدون شهوة في الأجنبية كالمصافحة.
كما يحرم على المسلم أن يسمح لزوجته الكافرة باتّخاذ الخليل المتعارف والجائز عندهم، وكذلك لا يجوز له أن يكون خليلاً لكافرة ـ متزوّجة أو غير متزوّجة ـ بالخلّة المتعارفة عندهم، من الخلوة والقبلة واللّمس وما أشبه.

فروع

وممّا تقدّم اتّضح حكم الفروع الآتية :
مثل أنّ صحّة النكاح عند العامة تتوقّف على الاشهاد فإذا تزوّج رجل منهم بامرأة منهم بدون اشهاد، وراجعونا صحّحنا نكاحهم، لأن الإلزام ليس معناه إبطال الواقع، إذ الواقع للكلّ، ولذا لا يحقّ لنا الزواج منها حتى إذا لم تكن موطوءة بشبهة.
وكذلك يصحّ نكاح أحدهم للموافقة، أو أحدنا للمخالفة بدون الاشهاد، وقد تقدّم صحّة المتعة سواء كانا مخالفين أو أحدهما مخالفاً.
ومثل ما إذا جَمَعَ أحد العامَة بين العمَة والخالة وبنت الأخ والأخت برضاهما ـ كما نرى ـ فإن البطلان عندهم ليس معناه بطلان الواقع حتى يصحّ لنا إبطال الزواج والتزويج على كلّ منهما بقاعدة الإلزام.
ومثل وجوب العدّة عندهم على اليائسة والصغيرة إذا طلّقها الزوج فإنه يجوز لنا الزواج بهما بدون العدّة حيث لا عدّة لهما عندنا، من غير فرق بين أن تتشّيع حال العدّة أو لا.
وكذلك الحال لو تشيّع زوجها فله أن يتزوّج بأختها إذ لا عدّة لها عند الشيعة، وإن شئت قلت: لا عدّة في الصور الأربع من السنّيَيْن والشيعيَيْن والمختلفَيْن.
نعم لو راجعنا أحد أهل السنّة حق لنا أن نحكم بحكمهم أو بحكمنا، كما هو كذلك في الكفّار، ومثل ما إذا طلق السني زوجته بدون الشهود، أو طلّق إصبعها مثلاً، حيث يقع الطلاق على جميعها، فإن راجعَنَا إخترنا اقرار الطلاق ـ كما هو مذهبه ـ أو الفتوى له حسب مذهبنا حتى إذا بقيا على مذهبهما.

وإذا طلق الزوج زوجته بإكراه ـ كما هو صحيح عند الحنفيّة ـ جاز لنا أن ننكحها، لقاعدة الإلزام، وجاز لنا الفتوى له بعدم وقوع الطلاق، لأنه الواقع الثابت على الجميع.

ولو طلّق أحد العامّة زوجته من دون حضور شاهدين صحّ الطلاق على مذهبه، فإن أراد الزواج بأختها ـ فيما لا عدّة للمطلّقة ـ جاز لنا تزويجها به، لأنه لا يكون جمعاً بين الأختين، كما يجوز لنا نكاح تلك المطلّقة.
وحيث يصح الحلف بالطلاق عندهم، فلو حلف وطلقت زوجته عندهم جاز للشيعي نكاحها، أو تزويجه بأختها.
وكذلك حال طلاق المرأة بالكتابة، فيجوز للشيعي زواجها، لأن الكتابة طلاق صحيح عندهم.
ولو تغيّر القانون عندهم، بأن اشترطوا الشاهدين في الطلاق ـ كما هو الحال في بعض محاكمهم ـ وطلّق بدون الشاهدين فإن كان قد اعترف بذلك القانون لم يصح طلاقه ولا يصحّ لنا زواجها، لأنه صار طريقه ودان بذلك، والدينيّة عبارة عن الطريقة، لأنها تسبب الجزاء بعلاقة السبب والمسبّب، وإن لم يدن بالقانون كان على طريقته السابقة في صحّة الطلاق.
ولو كانت المرأة الشيعية زوجة لرجل سني، فمات جاز لها أخذ الإرث من الأرض، لأنهم يرون ذلك، وكذلك بالنسبة إلى أخذ العصبة مما ليس في مذهبنا وهو جار في مذهبهم، على فروعها المتعدّدة.
وحيث لا يثبت خيار الغبن للمغبون في مذهب الشافعي، فلو كان المغبون من الشافعية حق للغابن الشيعي أن لا يقبل فسخه، على قاعدة الإلزام.

نعم لا يصح فرض مذهب على أهل مذهب آخر، كما أنه إذا تغيّر دينه من الكفر إلى الإسلام، أو بالعكس، أو من مذهب إلى مذهب، فمقتضى القاعدة أن يكون محكوماً بأحكام دينه أو مذهبه الجديد إلاّ إذا قام دليل على الإستثناء.
وفروع المسألة كثيرة جداً، اكتفينا منها بهذا القدر، والله سبحانه العالم العاصم.

1 ـ الكافرون: 6.
2 ـ الغاشية: 22.
3 ـ ق: 45.
4 ـ البقرة: 256.
5 ـ آل عمران: 85.
6 ـ المائدة: 27.
7 ـ المائدة: 44.
8 ـ التهذيب: ج 9، ص 321، ح 9.
9 ـ وسائل الشيعة: ج 15، ص 320، ح 3.
10 ـ الاستبصار: ج 3، ص 292، ح 5.
11 ـ تهذيب الأحكام: ج 8، ص58، ح 109.
12 ـ معاني الأخبار: ص 263، ح 1.
13 ـ تهذيب الأحكام: ج 8، ص 59، ح 112.
14 ـ تهذيب الأحكام: ج 9، ص 323، ح 17.
15 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 484، ح 4،
16 ـ وسائل الشيعة: ج 15، ص 324، ح 3.
17 ـ تهذيب الأحكام: ج 8، ص 58، ح 108.
18 ـ وسائل الشيعة: ج 15، ص 320، ح 3.
19 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 596، ح 2
20 ـ دعائم الإسلام: ج 2، ص 460، ح 1622.
21 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 430، ح 3.
22 ـ تهذيب الأحكام: ج 9، ص 365، ح 3.
23 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 484، ح 4.
24 ـ من لا يحضره الفقيه: ج 3، ص 407، ح 4421، الباب 2.
25 ـ تهذيب الأحكام: ج 8، ص 59، ح 112.
26 ـ وسائل الشيعة: ج 15، ص 320، ح 3.
27 ـ الكافرون: 6.
28 ـ الكافرون: 2.
29 ـ تفسير العياشي: 1، ص 15، ح 3.
30 ـ بحار الأنوار: ج 40، ص 159، ح 54.
31 ـ تهذيب الأحكام: ج 9، ص 322، ح 10.

قاعدة الغــُرور

أدلة القاعدة

وهي من القواعد المسلّمة بين الفقهاء، وعليها إجماعهم القولي والعملي، وإن كانت هناك مناقشة ففي الصغريات.
ويدل عليها: ما رواه صاحب جامع المقاصد (قدس سره) عن النبي (ص): (المغرور يرجع إلى من غره).
واستدلّ به الجواهر وغيره، فعدم كونها في كتب الحديث غير ضارّ، إذ كثير من الروايات وجدت في كتب الفتاوى دونها، وذلك يكفي في الوثاقة التي هي المعيار في قبول الخبر، فإن كون الراوي ثقة لا خصوصية له.
ومن المحتمل ان المحقق الثاني (قدس سره) وجد الحديث في كتاب (مدينة العلم) للصدوق (قدس سره) مما لم نظفر به.
وجملة من الروايات المتفرقة الظاهرة فيها بعد إلغاء الخصوصية :
مثل ما رواه ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن الصادق (ع) (في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل؟ قال (ع): إن قال الرابع: أوهمت، ضُرب الحد وأغرم الدية، وإن قال: تعمّدتُ قُتِل)(1).
وحيث إن القاصر لا شيء عليه، فالمراد بالجملة الأولى: أنه لم يبال بالشهادة كما هي حقها، وبالجملة الثانية: التعمّد، كما أن القتل له إنما يكون مع طلب الورثة حسب موازين القصاص.
ورواية أبي عبيدة عن أبي جعفر (ع) قال: في رجل تزوّج امرأة من وليّها فوجد بها عيباً بعد ما دخل بها؟ قال: فقال (ع): (إذا دلّس العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة فإنها تُردّ على أهلها من غير طلاق، ويأخذ الزوج المهر من وليّها الذي كان دلّسها…)(2).
وفي رواية: (ويرجع بالمهر على من غرّه بها)(3).
وفي رواية أخرى: (لأنه دلّسها)(4).
وفي رواية ـ بالنسبة إلى المهر ـ: (ويكون الذي ساق الرجل إليها على الذي زوّجها لم يبيّن)(5).
وفي رواية: (يرجع به على الذي غرّه).
وفي رواية: يرجع بالمهر على من غرّه.
لكنّهما عن طريق العامّة مرويتان عن علي (ع).
وفي رواية: (وعلى الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يؤتيه إلى مَوالى الوليدة كما غرّ الرجل وخدعه)(6).
إلى غيرها من الروايات المتعدّدة في بابي النكاح والشهادة بالباطل وغيرهما، كما يجدها المتتبّع في الوسائل والمستدرك والبحار.

هذا بالإضافة إلى بناء العقلاء الذي لم يردعه الشارع في المتلفات، وأدلّة الضمان مثل (من أتلف) وغيره.
والإشكال في ذلك: بأن المفاد ليس الجزء الأخير من العلة فلا صغرى، وكون السبب أقوى من المباشر ـ الذي هو الميزان في الضمان غير حاصل هنا، فلا كبرى ـ غير وارد، لأن المعيار هو النسبة وهي حاصلة في المقام، ولذا يضمن الطبيب إلاّ إذا استبرأ، نصاً وإجماعاً، ويضمن حافر البئر فيما لو سقط فيه إنسان أو نحوه، بالإضافة إلى الصغريات السابقة في الروايات.
ولذا اختار الشيخ المرتضى (قدس سره) رجوع المغرور إلى الغار فيما إذا كان المشتري عن الفضولي جاهلاً بأن البائع فضولي وليس بمالك، فتضرّر، وقد جعل التلف مدركاً لهذه القاعدة.
وكيف كان.. ففي المذكورات كفاية، وإن كان بعضها محلّ تأمّل، إطلاقاً أو في الجملة.

المعيار رؤية العرف

وقد ذكرنا في بعض المباحث: أن المعيار رؤية العرف في النسبة لا اقوائية السبب والمباشر فقط، ولذا لم نستبعد أنه لو أعطى سيّارته لمن لا يُحسن القيادة، وهو يعرف ذلك، فاصطدمت بإنسان أو حيوان أو مال كان الضمان على كليهما، لأن العرف ينسبه إليهما معاً، وقد جرت بذلك بعض القوانين العالمية.
ولذا ينسب قتل الأئمّة المعصومين الحسن والحسين وموسى والكاظم والرضا والجواد (ع) إلى كل من المباشر والسبب.
وفي الحديث: (إن يزيد قاتل الحسين (ع))(7).
ثم إذا كان الطرفان ـ السبب والمباشر، المحرّض والفاعل ـ عالَمْين بالضرر، فليس هناك غارّ ومغرور، وإن كان قد يطلق عليهما توسّعاً، بل الضمان ونحوه على الفاعل، وإن كان التعزير على السبب ـ في بعض الأحيان ـ لأمره بالمنكر.
وهكذا فيما إذا كان الفاعل عالماً والمحرّض جاهلاً، لعدم صدق التغرير مع علمه، أما إذا كان الغار عالماً والمغرور جاهلاً فهو مصداق القاعدة.

نعم اختلفوا في الصورة الرابعة، وهي جهلهما معاً.
والظاهر: صدق التغرير، لأن العلم ليس له مدخلية في الصدق، إذ التغرير عبارة عن ترغيب شخص إلى فعل يترتّب عليه الضرر أو فوت المنفعة، وإن كان المرغّب جاهلاً بالغرر بل كان قاطعاً بالنفع، أو لم يكن له علم بأحدهما.
وإن كان ربما يقال: بعدم صدق عنوان الغار على مثله خصوصاً في الصورة الثانية، لكنه غير تام عرفاً.
وعلى هذا فكل ما يغرمه الشخص الجاهل ـ كلاً أو بعضاً ـ بسبب الغارّ، يكون عليه، سواء كان الغار عالماً أو جاهلاً، قاطعاً بالعدم أو شاكاً.

مصاديق القاعدة

وقد أكثر الفقهاء ـ من أول الفقه إلى آخره ـ من ذكر المصاديق، ونحن نذكر بعضها وبعض الأمثلة الأخر مما يمكن جريان القاعدة فيها.
مثل أنه لو غرّه بأن الماء لا يضرّه، فتوضأ أو اغتسل فمات أو عطب له عضو أو قوّة، فإن الغار ضامن، سواء كان طبيباً أو غيره، ولذا قال الرسول (ص) (قتلوه قتلهم الله)(8) فنسب القتل إليهم، لكن في كون الرواية ممّا نحن فيه تأمّل.
ومثل ما ذكره الشيخ المرتضى (قدس سره) وغيره في باب بيع الفضولي: ان المشتري إذا لم يخبره الفضول ان هذا مال الغير موهماً أنه ماله ثم تبيّن الخلاف بعد ذلك، فأخذ المالك المال وغرمه أجرة السَكَن ونحوه، كان له الرجوع فيهما إلى الغار.
ومثل ما إذا أعطاه مال الغير بعنوان الهدية فاستعمله بما أوجب عليه خسارة الأصل فيما صرفه كالماء شربه، أو الأجرة ونحوها كسكنى الدار وركوب الدابّة، كان على المُهدي التدارك.
بل ومثل ما إذا أعطاه دجاجة هدية بما لو علم المهدى إليه أنها ليست له لما أكلها، فإنه يكون ضامناً، لقاعدة الغرور، كما أفتى به بعض الفقهاء.

ومثل رجوع الزوج إلى الزوجة المدلّسة أو وليها المدلّس، وإن لم يكن ولياً شرعياً، كما دل عليه النص والفتوى، وقد أشرنا إلى بعض النصوص في أول البحث.
ومثل رجوع المتضرّر جسماً أو مالاً إلى شاهد الزور، وقد تضرّر بسبب شهادته، سواء كان الشاهد عامداً أو لا، كما دلّ عليه النص والفتوى، وقد تقدّم الإلماع إليه.
ومثل ما إذا غُرّ الزوج بأن فلانة زوجته فدخل بها ـ وهي ظانة ذلك ـ حيث إن المهر لها، ويكون المتحمل الغار.
ومثل ما إذا قدّم الغاصب طعاماً إلى شخص لضيافته، أو أسكنه في دار باعتبار أنها داره أو هو متوليها، أو اركبه دابة الغير كذلك، فإذا رجع المالك الأصيل أو الجهة المرتبطة بالوقف على المتصرّف، رجع إلى الغار.
ومثل ما إذا أشار إلى الصيّاد بأنه صيد مباح فأراده وتبيّن أنه مال الغير، فإنه يضمن الغار.
ومثله ما لو غره بأنه صيد فرماه وتبيّن انه إنسان فإنّ دية القتل أو الجرح على الغار.
لا يقال: فماذا بمسألة السبب والمباشر؟ وماذا بمسألة ان الخطأ على العاقلة؟
لأنه يقال: السبب هنا أقوى لأنه الغار المشمول لقاعدته، وليس ذلك من الخطأ الذي على العاقلة.
ومثل ما إذا قال للخيّاط: إن كان يكفي هذا القماش فاقطعه، فقال: يكفي، وقطعه فلم يكف وسقط عن القيمة أو قلّت قيمته، فيرجع صاحب الثوب إلى الخيّاط بما غرّه.
ومثل رجوع المستعير والمستأجر إلى المعير والمؤجر فيما إذا تبيّن له أنّه مال الغير فغرم له، أو كانت الإجارة بالأقل وكانت تساوي الأكثر، فإن التفاوت على الغار.

ومثل ما إذا ذكر له، ان الطريق آمن، فذهب وأصيب في نفسه أو ماله، حيث تشمله القاعدة.
ومثل ما إذا ذكر له: ان فلانة لا زوج لها فتزوّجها وهي لا تعلم ـ حتى لا تكون زانية ـ فإن المهر على الغار، وكذا لو غرّه بأنها ليست أخت زوجته أو ما أشبه وهي لا تعلم أنه متزوّج بأختها، إلى غير ذلك.
ومثل ما إذا غرّه بأن ترك الطعام الفلاني أو الدواء الفلاني لا يضره، أو بأن ترك الذهاب لا يضرّه، فضرّه الترك أو البقاء من جهة أسد ونحوه.

بل يحتمل أن تشمل القاعدة فيما لو قال له: ان الطريق غير آمن فلم يذهب، مما سبب ضرره حتى خسر في تجارته بالبقاء، وما أشبه ذلك، لأن العرف يرى انه الضار وانه الغار.
ومثل أن يصف البنت بالجمال، فأمهرها بما يمهر البنت الجميلة بينما كانت قبيحة تستحق دون ذلك المهر.
ومثل أن قال له: ان البضاعة تساوي كذا، وبعد الشراء والتلف، تبيّن أنّ قيمتها دون ذلك.
ومثل أن شهدوا ان الجراح ديته أكثر، فتبيّن أقل، حيث على الشاهد التفاوت، إلى غيرها من الأمثلة الكثيرة.

فروع

ولو غرّه اثنان فالخسارة عليهما بالسويّة، أما لو كان التغرير بالتفاوت بأن كان أحدهما أكثر من الآخر، فهل يلزم بالتفاوت أو بالتساوي كما ذكروا في الجنايات والجنات؟
لا يبعد الثاني، وإن كان مقتضى السببية الأول، والمثال خرج بالدليل، وإلاّ فإذا رماه أحدهما بسهمين والآخر بسهم مما اشترك الثلاثة في قتله بأن كان لكل ثلث، كان مقتضى العرف والعقلاء التثليث، كما لو أحرق داره اثنان كان لأحدهما نصيب الثلث وللآخر نصيب الثلثين وهكذا.
ثم اللازم استناد الغرور إليه وبدونه لا خسارة عليه، كما إذا مدح بنتاً بالصحة الجيّدة، فتزوّجها بعد مدة حيث انقلبت الصحة إلى المرض، وكذلك البكارة إلى الثيبوبة، فأخذها استناداً إليه باستصحاب السابق، لم يكن عليه شيء لعدم الاستناد عرفاً.
ومثله ما لو أسكنه المالك، ثم انتقل الملك إلى غيره واستمرّ هو في السكنى، فإنه ليس بغار حتى يلزم عليه التدارك، إلى غير ذلك.
ولو شكّ في مورد انه من مصاديق القاعدة، فاللازم العمل حسب الموازين الأولية، إذ الحكم إنما يترتّب بعد تحقّق الموضوع والفرض انه مشكوك.
ولو غرّه أحد اثنين، أو في أحد شيئين، أو غرّ أحدهما إنساناً، فاللازم إعمال قاعدة (العدل) كما ذكرنا مثله في بعض المسائل السابقة.

ولو غرّه في شيء فاشتبه وعمل بآخر لم يكن على الغار، كما إذا دلّس فتاةً اسمها هند بنت زيد، فاشتبه وتزوّج بهند بنت عمرو، مما لو دلّسه فيها كان على الغار، لم يكن عليه شيء، لأنه ليس غاراً بالنسبة إليه، إذ ما غُرّ فيه لم يكن، وما كان، لم يغر فيه.
ولو علم بأنه غرّ أحداً بما فيه المال ولم يعرفه كان عليه المظالم ولو لم يعلم هل كان فيه المال أم لا؟ فالأصل البراءة.
ومثله ما لو غرّه في أحد اثنين والآخر ليس غروراً ولم يعلم هـــل أنه فعل ما فيه الغرور أو الثاني؟ كان كذلك، لأصالة البراءة.
وهل الحكم تكليفي حتى لا يكون على الصبي الغار، أو وضعيّ حتى يكون عليه؟
الظاهر الثاني، لأنه من قبيل (من أتلف) ونحوه، خصوصاً إذا كان الغرور بالتلف، لأنه حينئذ يكون من مصاديقه.
ولو غرّه في زمان فعمل في زمان آخر لا غرور فيه، كان الحكم بالثاني، لأنه ليس حينئذ بمغرور.

1 ـ الوسائل: ج 18، ص 240، ح 1.
2 ـ الكافي: ج 5، ص 408، ح 14.
3 ـ المستدرك: ج 15، ص 46، ح 17492، ب 1.
4 ـ المستدرك: ج 15، ص 45، ح 17490، ب 1.
5 ـ الوسائل: ج 14، ص 597، ح 7.
6 ـ الوسائل: ج 14، ص 602، ح 1.
7 ـ بحار الأنوار: ج 44، ص 244، ح 43.
8 ـ المستدرك: ج 2، ص 528، ح 2631، ب 4.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني حول بعض القواعد الفقهية