بحث قانوني عن التضامم في القانون المدني

التضامم في القانون المدني

الاستاذة/ شيرين عبد الكريم محمد حسين

باحثة قانونية

مقدمة

الأصل في الالتزام أن يكون بسيطاً بين دائنٍ واحد ومدينٍ واحد ومحل التزام واحد فيرتب آثاره بأداء المدين محل الالتزام للدائن.
إلا أنه في الواقع العملي قد تطرأ أمور عارضة تضاف للالتزام فتعدل من آثاره و قد تلحق وجود الالتزام نفسه أو نفاذه فيكون معلق علي شرط أو مضاًفا إلى أجل وقد تلحق محل الالتزام فتجعله إما بدلي أو تخييري وأخيرا قد يلحق طرفي الالتزام فيكون متعدد الأطراف إما في الجانب الايجابي (تعدد الدائنين) أو في الجانب السلبي (تعدد المدينين).
وما يهمنا في هذا البحث هو التعدد الأخير (تعدد المدينين).
والأصل في الالتزام المتعدد الأطراف بين المدينين هو انقسامه بين المدينين كلٍ بحسب نصيبه في الدين إلا أنه علي سبيل الاستثناء قد لا ينقسم الدين لأحد سببين:
• أن يكون محل الالتزام ذاته غير قابل للانقسام
• وجود تضامن بين المدينين
هذين الاستثنائيين قد تناولتهما معظم التشريعات العربية والاجنبية بالتنظيم في التقنيات المدنية. إلا أن الحياة العملية قد أفرزت نظاما جديدا يتعدد فيه المدينون مع وحدة محل التزامهم وتعدد مصدره مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يوجد بين المدينين تضامن ولا عدم قابلية محل الالتزام ذاته للانقسام هذا النظام هو ما يطلق عليه (الالتزام التضاممي)
وعليه سوف تكون خطة البحث كالتالي:
المبحث الأول: مفهوم الالتزام التضاممي
المطلب الأول: تعريف الالتزام التضاممي
الفرع الأول: التعريف اللغوي والقانوني للالتزام التضاممي.
الفرع الثاني: تعريف التضامم في ظل التشريعين الفرنسي والمصري.
المطلب الثاني: شروط الإلتزام التضاممي
الفرع الأول: الشروط المشتركة بين الالتزام التضاممي و التضامني
الفرع الثاني: الشروط الخاصة للالتزام التضاممي
المبحث الثاني: آثار الإلتزام التضاممي
المطلب الأول: آثار الإلتزام التضاممي فيما بين الدائن والمدينين
المطلب الثاني: آثار الإلتزام التضاممي فيما بين المدينين المتضاممين

المبحث الأول: مفهوم الإلتزام التضاممي

الوقوف على مفهوم الالتزام التضاممي يتطلب أولا التعرض إلى تعريف هذا الالتزام ثم التعرض للشروط الخاصة للالتزام التضاممي وكذلك تلك المشتركة بين الالتزام التضاممي والتضامني.

المطلب الأول: تعريف الالتزام التضاممي

سوف نتناول في هذا المطلب المعني اللغوي والمعني القانوني للالتزام التضاممي في الفرع الأول والتفرقة بين التضامن والتضامم في ظل التشريعين الفرنسي والمصري في الفرع الثاني.

الفرع الأول: التعريف اللغوي والقانوني للالتزام التضاممي

التعريف اللغوي:
أصل كلمة تضامم في اللغة العربية من كلمة “تضام”، وهي مشتقة من “ضم الشيء إلى الشيء”- فتضام القوم أي أنضم بعضهم إلى بعض وهناك حديث عن الرسول صلى الله عليه و سلم: “لا تضاموا في رؤيته” أي رؤية الله عزّ وجلّ فمعنى الحديث ألا ينضم البعض إلى البعض لمحاولة رؤية الذات كما يفعل المسلمون ذلك لدى رؤية الهلال.
وواضح أن المعنى اللغوي يعطينا تفرقة واضحة بين التضامن والتضامم فإذا كان التضامن يعطي ضمان للدائن بأن كل مدين متضامن يضمن الآخرين في سداد الدين، فإن التضامم يعني أن ذمم المدينين تضامت في الوفاء للدائن أي يمكن اعتبارها تراصت أمام الدائن و يمكنه استيفاء حقه من أي منها أو ما يسمي بالــ ( المسؤولية المجتمعة ).

التعريف القانوني للالتزام التضاممي:
وأمام غياب التنظيم التشريعي المباشر لفكرة الالتزام التضاممي و لغرض الوصول لتعريف دقيق لها نتعرض لموقف القضاء و الفقه الفرنسي في تعريفه للالتزام التضاممي ثم موقف القضاء والفقه المصري منه للوصول إلى تعريف شامل و واضح لهذه الفكرة.
1- تعريف الإلتزام التضاممي في القضاء الفرنسي: إن القضاء الفرنسي هو من أعاد إحياء فكرة الالتزام التضاممي التي كانت موجودة في القانون الروماني إلا أنه على الرغم من ذلك لم يتعرض لتعريف الإلتزام التضاممي بصورة واضحة، إلا بعض التعليقات أو الإشارة لهذا الالتزام وردت في أحكام هذا القضاء.
فقد جاء في حكم محكمة النقض الفرنسية في 04 ديسمبر 1939 ” أن المشاركين في إحداث نفس الضرر الناجم عن أخطائهم يجب أن يلتزموا بالتضامم بالتعويض عن الضرر كاملا…. “.
ومحكمة النقض الفرنسية هنا قد أشارت إلى تعدد المشاركين في إحداث نفس الضرر والذي يعد عنصراً من عناصر الإلتزام التضاممي، وكذلك إلى الالتزام بتعويض كامل الضرر والذي يعدّ أثراً من آثار الالتزام التضاممي.
كما جاء في حكم آخر لمحكمة النقض الفرنسية قضت فيه بالتزام المؤمن في التأمين من المسؤولية و المؤمن له بالتضامم أمام المضرور، وهنا أشارت محكمة النقض إلى تعدد المسؤولين واختلاف التزام كل منهم و وحدة المحل ، وهي العناصر الثلاث التي تدخل في تعريف الالتزام التضاممي.
* موقف الفقه الفرنسي:
يرى جانب من الفقه أنه:”يوجد التزام تضاممي إذا كان هناك شخصان ملتزمان بالكل في مواجهة نفس الدائن دون أن تكون بينهما رابطة تضامن”
و هنا ركز التعريف على ذكر عنصر تعدد المدينين، وعنصر انعدام رابطة التضامن و هما عنصران يدخلان في تعريف الإلتزام التضاممي كما أشار التعريف إلى أثر من آثار التضامم و هو الالتزام بكل الدين في مواجهة الدائن.
أما الجانب الآخر من الفقه فقد نظر صوب الالتزام التضاممي من زاوية تعدد الفاعلين أو المسببين للضرر الواجد و بالتالي اهتم تعريفهم على هذه الزاوية فقط، إذ قرروا إلتزام كل مسببي الضرر بكامل التعويض حال عدم قدرة المحكمة على تحديد دور كل منهم على وجه الدقة. و يستطيع المضرور اقتضاء كل التعويض من أي منهم.
فهنا التعريف انصب على عنصر التعدد وأثر من آثار التضامم و هو الالتزام بكل الدين، ولعل ما يفسر تركيز هذا الجانب من الفقه جل اهتمامه و نظره للالتزام التضاممي على هذه الزاوية فقط هو أنه كان متأثراً بأن حالة تعدد الفاعلين في فرنسا هي المجال الأكثر خصوبة و منبع معظم حالات التضامم، و لكن هذا لم يكن يبرر إهمال الحالات الأخرى للتضامم و إخراجها من الحسبان.
2- تعريف الالتزام التضاممي في القضاء المصري: تعرضت محكمة النقض المصرية لتعريف الالتزام التضاممي بطريقة مباشرة قائلة:” إن الالتزام يكون تضامميا إذا تعددت مصادر الالتزام بتعويض المضرور كأن يلتزم أحد المسؤولين عقديا و الآخر تقصيريا….”
فهنا محكمة النقض المصرية ركزت على تعدد المصادر حال وجود العقد والمسؤولية التقصيرية إلا أن هذا العنصر وحده غير كاف لتعريف الالتزام التضاممي.
وقد تكرر موقف محكمة النقض المصرية بالتعريف المباشر لمعنى الالتزام التضاممي بقولها:”… أما إذا تعدد مصدر الالتزام بالتعويض بأن كان أحد الخطأين عقدياً و الآخر تقصيرياً فإنهما يكونان ملتزمين بدين واحد له مصدران مختلفان و من ثم تتضامم ذمتهما في هذا الدين دون أن تتضامن…”
و قد ركزت المحكمة كذلك على اختلاف المصدر فقط في تعريف الالتزام التضاممي. وإن كان هذا موقف جيد من محكمة النقض المصرية باعتبارها ركزت على تعدد مصادر الالتزام كأساس لوجود الالتزام التضاممي والحكم به باعتبار أن الحالات التي عُرضت عليها والتي تخص الإلتزام التضاممي ليست بالكثيرة والمتعددة.
وقضت محكمة النقص المصرية أيضا في حكم آخر أن (مقتضى التضامم نتيجة تعدد مصدر الدين مع بقاء محله واحد أنه يجوز للدائن أن يطالب أي مدين بكل الدين ولا يجوز للمدين الذى دفع الدين أن يرجع على مدين آخر بذات الدين لانعدام الرابطة بينهما ولأنه إنما دفع عن نفسه)
[الطعن رقم: 247 لسنة 30 قضائية بتاريخ: 21-11-1967]
** موقف الفقه المصري:
أول من تناول الفكرة هو الدكتور عبد الرزاق السنهوري حيث يرى أنه:” قد يتعدد مصدر الالتزام مع بقاء محله واحداً ، مثال ذلك: ما تتحدث عليه الفقرة الثانية من المادة 792 مدني مصري التي تنص على أنه ” إذا كان الكفلاء قد إلتزموا بعقود متوالية ، فان كل واحد منهم يكون مسئولاً عن الدين كله ، إلا إذا كان قد أحتفظ لنفسه بحق التقسيم” ، فالصورة تتعلق بكفلاء متعددين التزم كل منهم بموجب عقد مستقل بكفالة دين واحد فالروابط التي تربط هؤلاء الكفلاء بالدائن روابط متعددة فكل منهم تربطه بهذا الدائن رابطة مستقلة و مصدر التزام كل كفيل هو أيضا متعدد بسبب التزام الكفلاء بعقود متوالية و لكن الدين الذي التزم كلٌ بأدائه هو دين واحد.
إذن فالروابط فمتعددة و المصدر متعدد و المحل واحد ، إذن فلا يكون هؤلاء الكفلاء ملتزمين بطريقة التضامن لأن التضامن يقتضي أن يكون المصدر واحداً لا متعدداً، ولكن لما كان كل منهم ملزماً بنفس الدين فقد تضامت ذممهم جميعاً في هذا الدين الواحد دون أن تتضامن , فالالتزام يكون التزاما تضامميا لا التزاما تضامنيا.
و نجد هنا أن الفقيه قد عرّف التضامم بمثال توضيحي و سند تشريعي و فرق بينه و بين التضامن و عدّد عناصر الالتزام التضاممي فهو يرى أن الروابط متعددة و المصدر متعدد و المحل واحد و هي عناصر أساسية للتضامم.
وهناك تعريف آخر للدكتور نبيل إبراهيم سعد بأن الالتزام التضاممي يوجد “عندما يكون هناك شخصان أو أكثر ملتزمين بكل الدين في مواجهة الدائن و يستطيع هذا الأخير أن يطالب أياً منهم بالدين كله بالرغم من عدم وجود تضامن فيما بينهم”، فنلاحظ أن هذا التعريف و إن كان شاملاً إلا أنه لم يتحدث عن المصدر و هل هو واحد أم متعدد ، و اكتفى بذكر عدم وجود تضامن، كما أنه تعرض لأثر الالتزام التضاممي من حيث أنّه يخول للدائن مطالبة أي من المدينين بكل الدين وهي نتيجة لوجود الالتزام التضاممي و لا ينبغي أن تدخل في تعريفه.
وبعد استعراض كافة الآراء التي قيل بها في شأن تعريف الالتزام التضاممي، سواء فقها أو قضاءا، وللوقوف على التعريف القانوني للالتزام التضاممي، فلابد من تحديد العناصر اللازمة التي تدخل في هذا التعريف وهي على النحو التالي:
* تعدد المدينين: وهذا أمر يشترك فيه الالتزام التضامني مع الالتزام التضاممي، فلابد من أن يتعدد الملتزمون حتى يصير بينهم تضامن أو تضامم، ولا يشترط عدد محدد فهو اثنان أو أكثر.
* وحدة الدائن: و هو أمر منطقي أيضا إذ أن المدينين سوف يلتزمون أمام نفس اللدائن ولا يشترط وجوب كونه شخص فرداً بل يمكن أن يكونوا عدداً من الأشخاص طالما أن الالتزام منصب نحوهم في اتجاه واحد و لنفس المحل.
* وحدة المحل: بمعنى أن تنصب الالتزامات كلها في محل وأحد إذ يشترك المدينون جميعاً في أداء التزاماتهم بالنسبة لذات المحل، و لكن ينبغي ملاحظة أن أداءاتهم قد لا تكون متساوية، فقد تكون التزامات أحدهم عقدية بينما الالتزامات الأخرى تقصيرية، فيلتزم الأول بتعويض ما هو متوقع من الضرر و الثاني بما هو غير متوقع وبالتالي تختلف قيمة أداءاتهما.
* تعدد مصادر الالتزام: ويقتضي هذا إن تتنوع مصادر الإلتزام أي يكون أحدها عقدي مثلا و الآخر تقصيري، كالتزام شركة التأمين و مسبب الضرر أمام المضرور و قد لا تتنوع مصادر الالتزام بل تتكرر كحالة الملتزمين تقصيرياً (وهي حالة تضامم في فرنسا بينما هي حالة تضامن في مصر)، أو كحالة وجود أكثر من التزام تعاقدي بمقتضى عقود منفصلة، ففي هاتين الحالتين يكرر نفس المصدر أي هناك نوع واحد من مصادر الالتزام يكرر و التزم بمقتضاه أكثر من مدين.
* انتفاء وجود التضامن بالإضافة لعدم قابلية محل الالتزام للانقسام: و هذا أمر بديهي قد تضمنته معظم محاولات تعريف الإلتزام التضاممي، فوجود نص قانوني أو اتفاق يقضي بالتضامن ينفي وجود الإلتزام التضاممي تماما، كذلك الشأن لدى عدم قابلية محل الالتزام للانقسام.
وإجمالاً يجب أن يشتمل تعريف الالتزام التضاممي على تعدد الملتزمين، ووحدة الدائن ووحدة المحل، مع تعدد مصادر الالتزام وانتفاء وجود تضامن أو عدم قابلية محل الالتزام للانقسام.
ومن ثم يكون من المناسب تعريف التضامم بأنه: ” تعدد المدينين في الالتزام مع تعدد مصادره ووحدة محله، دون تضامن أو عدم قابلية للانقسام”

الفرع الثاني: تعريف التضامم في ظل التشريعين الفرنسي والمصري

لم يتناول المشرع الفرنسي تنظيم فكرة الإلتزام التضاممي، ولكن على الجانب الآخر تناول الإلتزام التضامني بالتنظيم في نصوص التقنين المدني.
فتنص المادة 1202 مدني فرنسي على أن (التضامن لا يفترض وإنما يجب الاتفاق عليه صراحةً ولا يعمل بهذه القاعدة في حالة ما إذا تقرر التضامن بقوة القانون بناء على نص في القانون).
ونظراً لأن المشرع الفرنسي قد نظم التضامن وقصر تطبيقه في حالة وجود نص قانوني أو بموجب إنفاق صريح بين الأطراف مما أدي إلى ضرورة توسع القضاء في حالات التضامن التي لم يرد بشأنها نص قانوني أو حني إنفاق صريح بين طرفي الالتزام واللجوء إلى فكرة الالتزام التضاممي لتغطية هذه الحالات.
وعلى ما رأينا فان التقنين المدني الفرنسي وإن كان لم يتضمن نصاً صريحاً بشأن الالتزام التضاممي إلا أن ذلك لا ينفي وجود العديد من نصوص المواد التي تساند فكرة الالتزام التضاممي وإن كان بشكل غير مباشر ومنها على سبيل المثال: التزام الأبوين المنفصلين بموجب المادة 203 مدني فرنسي برعاية وتربية الأبناء والتزام الكفلاء المتعددين لنفس الدين بكل الدين طبقاً للمادة 2025 مدني فرنسي.
وبناءاً على ما تقدم نجد المشرع الفرنسي قد أخذ بفكرة الالتزام التضاممي وإن كان لم يصرح بالمصطلح بشكل مباشر
أما المشرع المصري فقد حذا في هذا الصدد حذو المشرع الفرنسي، فالتضامن في التقنين المدني المصري لا يفترض وإنما لابد من نص قانوني أو اتفاق صريح من طرفي الإلتزام يوجب التضامن (م / 279 مدني مصري).
وهو ذات ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية عندما قضت أن “من المقرر عملاً بالمادة 279 من القانون المدني أن التضامن لا يفترض ولكن ينبغي أن يرد إلى نص في القانون أو إلى اتفاق صريح أو ضمني وعلى قاضى الموضوع إذا استخلصه من عبارات العقد وظروفه أن يبين كيف أفادته هذه العبارات والظروف.
(محكمة النقض المصرية: الطعن 1498 لسنة 53 قضائية بتاريخ: 25-3-1985)
وفي ذات المعنى قضت أيضاً بأن (التضامن لا يفترض ولا يؤخذ فيه بالظن ولكن ينبغي أن يرد إلى نص في القانون أو إلى اتفاق صريح أو ضمني وإذا كانت المادة 169 من التقنين المدني تقضي بتضامن المسئولين عن العمل الضار في التزامهم بتعويض الضرر إلا أن ذلك مشروط بأن يكون الضرر المطلوب التعويض عنه هو ذات الضرر الذى أسهم خطأ المسئولين في إحداثه دون أن يكون في الوسع تعيين من أحدث الضرر حقيقة من بينهم أو تحديد نسبة مساهمة كل منهم في إحداثه)
[محكمة النقض المصرية الطعن رقم 672 لسنة 40 قضائية بتاريخ: 15-6-1982]
و لكن لابد من الالتفات إلى أن التقنين المدني المصري قد افترض التضامن في حالات كثيرة علي خلاف التقنين المدني الفرنسي و معظم هذه الحالات تدخل في نطاق الالتزام التضاممي في القانون الفرنسي ،ولذلك نجد أن نطاق الالتزام التضاممي في القانون الفرنسي أوسع منه في نظيره المصري وعلي العكس من ذلك فإن نطاق الالتزام التضامني في القانون المصري أوسع منه في القانون الفرنسي.
فلقد نظم التشريع المصري حالات التضامن بشكل أوسع بكثير منه في التشريع الفرنسي حيث فرض التضامن حال المسؤولون عن الفعل الضار المادة 169 مدني مصري – (و لا يوجد نص في التشريع الفرنسي يقابل هذه المادة )- أيضا في حالة تعدد الوكلاء م 707 مدني مصري وفي حالة الوكيل و نائبه المادة 708 مدني مصري وغيرها من المواد التي استعان المشرع المصري بفكرة التضامن لتغطيتها.
وخلاصة ما سبق أنه علي الرغم من خلو كل من التشريع المصري و الفرنسي من النص صراحة علي التضامم بين المدينين إلا أنه لم يخلو كل من التشريعين من وجود حالات للتضامم يمكن استخلاص وجودها حتي وإن كان نطاق حالات التضامم في التشريع الفرنسي أوسع منه في التشريع المصري.

المطلب الثاني: شروط الإلتزام التضاممي

تتلخص شروط الالتزام التضاممي بشكل عام فيما يلي:
• تعدد الطرف المدين
• وحدة المحل
• تعدد الروابط
• عدم قابلية محل الالتزام للانقسام و انتفاء التضامن بين المدينين
• تعدد أو تكرار مصادر الالتزام
ويمكن تقسيم هذه الشروط إلى شروط مشتركة بين كل من الالتزام التضاممي والتضامني علي حد سواء كفرع أول والشروط الخاصة بالالتزام التضاممي فقط كفرع ثان.

الفرع الأول: الشروط المشتركة بين الالتزام التضاممي و التضامني

يشترك كلا من الالتزام التضامني و الإلتزام التضاممي في الشروط التالية :

– تعدد الطرف المدين

– وحدة محل الالتزام

– تعدد روابط الالتزام

– أولا : تعدد الطرف المدين

و نعني هنا وجود أكثر من مدين أمام نفس الدائن، فالطرف المدين ليس شخصاً واحداً بل شخصين فأكثر فيلتزمون بذات الدين أمام ذات الدائن ولكن بمقتضى مصادر متعددة. و يأخذ تعدد المدينين أشكالا عدة، فحالات التضامم لا تقع تحت حصر فنجد التعدد مثلاً في حالة إلتزام المؤمن و المسئول في مواجهة المضرور فالأول التزامه عقدي و الثاني التزامه تقصيري، و قد تضامت مسؤوليتاهما أمام الثالث (المضرور) و بالتالي يلتزم الاثنان بتعويضه عن الضرر الذي أأصابه فهما شخصان مسئولان أمام شخص ثالث ، كذلك الشأن في حالة تعدد الكفلاء بعقود متوالية و ذلك طبقا المادة 792 مدني مصري ، فيكون لدينا عدة كفضلاء ملتزمين بنفس الدين بعقود كفالة مختلفة و هي حالة تضامم بين الكفلاء وغيرها من حالات التضامم, فالتضامم يستبعد حالة وجود مدين واحد فقط أمام الدائن .

– ثانيا : وحدة محل الالتزام

شرط وحدة المحل يعني أن محل التزام المدينين واحد ، وهو إشباع حاجة الدائن أو سداد دين معين يلتزمون جميعا به أمامه، و على كل منهم أن يؤديه كاملاً و أي وفاء من جانب أحدهم يبرئ ذمة الباقين أمام هذا الدائن و في حدود هذا الوفاء .

– ثالثا : تعدد روابط الالتزام

الالتزام التضاممي وصف من الأوصاف التي تلحق الالتزام من حيث أطرافة و هو تعدد أطراف ألالتزام و بالتالي هناك روابط متعددة تربط كل مدين متضامم مع اللدائن فنجد أن كل مدين ملتزم بسبب خاص به و يختلف عن سبب التزام المدينين ألآخرين و قد تكون الالتزامات مختلفة من حيث طبيعتها كأن يكون أحدها عقدياً و الآخر تقصيرياً، كالمؤمن و المؤمن له قبل الضرر، و قد تكون الالتزامات من طبيعة واحدة إلا أنها تتكرر، كحالة التزام الكفلاء بعقود متوالية، أو حالة تعدد مرتكبي الفعل الضّار (وهي حالة التضامم في التشريع الفرنسي و تشكل تضامناً في التشريع المصري).

الفرع الثاني: الشروط الخاصة للالتزام التضاممي

حتي يتحقق المغزى من وجود حالة التضامم بين المدينين لابد له من جناحين ينفرد الالتزام التضاممي فحسب بتوافرهما ، وهما:
• انتفاء التضامن وعدم قابلية محل الالتزام للانقسام
• تعدد أو تكرار مصادر الالتزام
أولاً: انتفاء التضامن بالإضافة لعدم قابلية محل الالتزام للانقسام
• انتفاء التضامن بين المدينين:
إذا وجد التضامن سواء بنص القانون أو باتفاق أطراف الالتزام فلا مجال للحديث عن التضامم حيث أن الاخير ما هو إلا حالة قانونية استثنائية للأصل العام وهو التضامن هذه الحالة الاستثنائية يتم اللجوء اليها حال غياب التضامن سواء بنص القانون أو باتفاق الأطراف وذلك لتفادي فكرة افتراض التضامن.

• عدم قابلية محل الالتزام للانقسام:
يكون الالتزام غير قابل للانقسام إما بسبب طبيعة محله أو إنفاق أطرافه أو نص القانون على كونه كذلك.
– فمن حيث طبيعة محل الالتزام:
في حالة أن الالتزام غير قابل للانقسام بالنظر لطبيعة محلة فإن المدين يلتزم مع المدينين الآخرين بالقيام بالالتزام للدائن ، كإلتزام بائعي المحل التجاري بعدم المنافسة للمشتري فطبيعة المحل (الالتزام بعدم المنافسة) غير قابل للانقسام وعلى بائعي المحل تنفيذه كله للدائن فعدم القابلية للانقسام نشأت بالنظر إلى المحل و ليس بالنظر إلى تعدد الأطراف.
– من حيث إنفاق أطراف الالتزام علي عدم قابلية محله للانقسام:
وهذه الحالة غير واردة في الالتزام التضاممي لأنه لا توجد علاقة تربط المدينين بعضهم ببعض، بل و قد لا يعرف بعضهم بعض أصلاً (كما هو الحال في حالة تعدد المسئولين عن خطأ تقصيري)
ثانيا: تعــــدد مصادر الالتزام

ينفرد الالتزام التضاممي بشرط تعدد مصادر الالتزام بحيث يستقل مصدر التزام كل مدين عن مصدر التزام المدين المتضامم معه. وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية من (أن النص في المادة 169 من القانون المدني علي أنه “إذا تعدد المسئولين عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر…” يدل علي أنه يلزم للحكم بالتضامن بين المسئولين عن التعويض اتحاد مصدر التزام كل منهم بتعويض الضرر سواء كان خطأ ثابتا أو خطأ مقترضا أما إذا تعدد مصدر الالتزام بالتعويض بأن كان أحد الخطأين عقديا والآخر وتقصيريا فإنها يكونا ملتزمين بدين واحد له مصدران مختلفان ومن ثم تتضامم ذمتهما في هذا الدين دون أن تتضاممن إذ الالتزام التضامني يقتضي وحدة المصدر وكان من المقرر في قضاء هذه المحكمة- أن مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه غير المشروعة هي مسئولية تبعية مقررة بحكم القانون لمصلحة المضرور وتقوم علي فكرة الضمان القانوني فتعتبر المتبوع في حكم الكفيل المتضامن كفالة مصدرها القانون وليس العقد ومن ثم فإذا أوفى المتبوع بالتعويض للمضرور كان له أن يرجه به كله علي تابعه محدثا الصرر كما يرجع الكفيل المتضامن على المدين الذي كلفه لأنه مسئول عنه وليس مسئولا معه، وكان معنى التضامن نتيجة تعدد مصدر الدين مع بقاء محله واحدا أنه يجوز للدائن أن يطلب كل مدين بكل الدين ولا يجوز للمدين الذي دفع الدين أن يرجع علي مدين آخر بذات الدين لانعدام الرابطة بينهما ولأنه إنما دفع عن نفسه)
[الطعن رقم 2020 لسنة 56 قضائية بتاريخ: 25-3-1990]
• المقصود بالتعدد:
• تنوع مصادر الالتزام.
• تكرار نفس النوع من المصادر بعدد الملتزمين.
أما عن تنوع مصادر الالتزام فالمقصود به أن تنشأ التزامات المتضاممين عن أكثر من مصدر من مصادر الالتزام الخمسة (العقد، القانون، الإرادة المنفردة، الفعل غير المشروع شبه العقد، الاثراء بلا سبب)، و هنا يكمن إدخال بعض حالات الالتزام التضاممي كاجتماع مسؤولية عقدية مع مسؤولية تقصيرية كما هو الحال في مسؤولية المؤمن و المؤمن له قبل المضرور فالمؤمن مسئول مسؤولية عقدية، و المؤمن له مسئول مسؤولية تقصيرية. كذلك الحال في حالة مسؤولية العامل و محرضه على ترك منصب العمل أمام رب العمل فمسؤولية الأول تعاقدية و مسؤولية الثاني تقصيرية.
وأما عن تكرار نفس النوع من المصادر بعدد الملتزمين فنجد حالة تكرار الالتزامات التعاقدية كما لو كان المدينون ملتزمين في مواجهة الدائن بمقتضى عقود متميزة، كالكفلاء الذين إلتزموا بموجب عقود متوالية قبل الدائن لكفالة دين واحد.
كما نجد حالة تكرار التزامات قانونية كما هو الحال في حالة تعدد الملتزمين بالنفقة قانونا، فهذا المثال ينطبق على الأبناء في مواجهة الآباء في القانون المصري، فكل ولد ملزم برعاية الوالدين و الإنفاق عليهما. بالتالي هناك إلتزام قانوني على عاتق كل ولد في مواجهة الآباء، وبناء عليه لدينا إلتزام قانوني متكرر بحسب عدد الأبناء، وهم جميعاً مسؤولون، وليس هناك نص على تضامنهم وبالتالي فهم متضاممون. ونفس المثال السابق ينطبق على الآباء في مواجهة الأبناء في فرنسا، حيث أنه بالنسبة للأبوين الأم والأب يقع عليهما إلتزام قانوني معا برعاية وتعليم الأبناء وبالتالي هناك تكرار إلتزام قانوني، وليس هناك تضامن بينهم، فقضى القضاء الفرنسي على إلتزام الوالدين بالتضامم في النفقة الواجبة للأبناء.

المبحث الثاني: آثار الإلتزام التضاممي

تتنوع الآثار القانونية للالتزام التضاممي، وهي قد تتعلق بعلاقة المدينين المتضامين بالدائن أو بعلاقة المدينين فيما بينهم.

المطلب الأول: آثار الإلتزام التضاممي فيما بين الدائن والمدينين

العلاقة بين الدائن والمدينين بصدد الالتزام التضاممي تشبه إلى حد كبير العلاقة بين الدائن و المدينين بصدد الالتزام التضامني مع وجود بعض الاختلافات لذلك نتعرض فيما يلي :

أولاً- المباديء التي تحكم العلاقة بين الدائن و المدينين المتضاممين:

•إلتزام كل مدين متضامم بأداء الدين كاملاً للدائن :

نظراً لإختلاف مصدر إلتزام كل مدين متضامم تجاه الدائن، فيلتزم كل مدين بأداء مقدارالدين المقرر علي عاتقه عند مطالبة الدائن به و في حدود هذا القدر و لا يجوز للدائن تجاوز هذا القدر.

فقد يكون مقدار إلتزام أحد المدينين المتضاممين أقل أو أكثر من المدين الآخر بالنظر لإختلاف مصدر إلتزام كل منهما، كحالة إجتماع المسؤولية العقدية و التقصيرية، فمثلاً مسؤولية شركة التأمين قبل المؤمن عليه مصدرها الالتزام التعاقدي أي تلتزم بأداء مبلغ التأمين عن الضرر المتوقع فقط بينما المتسبب في الضرر مصدر التزامه المسؤولية التقصيرية أي أنه ملتزم بالأداء عن الضرر المتوقع والغير متوقع .

وخلاصة ما سبق أن المضرور يستطيع الرجوع علي شركة التأمين في حدود التزامها التعاقدي و إذا لم يستوفي حقه كاملا يرجع بما تبقي له علي المتسبب في الضرر .

•الوفاء من جانب أحد المدينين المتضاممين ببريء باقي المدينين :

و في هذا الصدد يجدر التفرقة بين الوفاء الكلي من ناحية و الوفاء الجزئي من ناحية أخري .

أما عن الوفاء الكلي للدين من أحد المدينين المتضاممين بما له من إبراء كلي مُنهي في مواجهة الدائن فلا يجوز للأخير الرجوع علي باقي المدينين المتضاممين، حيث أنه إستوفي الدين كاملاً فليس له إستيفائه مرة أخري .

و أما عن الوفاء الجزئي للدين من أحد المدينين المتضاممين بما له من إبراء جزئي في مواجهة الدائن فيكون للأخير الرجوع علي باقي المدينين النتضاممين مجتمعين أو الرجوع علي أحدهم أو أكثرهم يساراً لإستيفاء كامل الدين .

المطلب الثاني: آثار الإلتزام التضاممي فيما بين المدينين المتضاممين

الأصل في الالتزام التضاممي أنه لا علاقة بين المدينين المتضاممين، حيث لا يعرف أياً منهم الآخر و ذلك نظراً لتعدد مصادر إلتزام كل منهم و انتفاء وجود مصلحة مشتركة تجمع بينهم ، لكن المشكلة تثار في حالة وفاء أحد المدينين بكل الدين و قد وفي بما يزيد عن إلتزامه. عن مدى حق المدين الموفي بكل الدين في الرجوع علي باقي المدينين المتضاممين.
قد أثار مبدأ الرجوع علي باقي المدينين المتضاممين اختلاف الفقهاء سواء في مصر أو فرنسا بين مؤيد و معارض.
و لكن نستطيع أن نخلص إلى أن الرأي الراجح في هذا الصدد هو الرأي المؤيد لفكرة رجوع المدين الموفي علي باقي المدينين المتضاممين.
و قد تم تأييد هذا الرأي في كلاً من الفقه والقضاء المصري، فاتجه الفقه المصري إلى أن مناصرة مبدأ رجوع المدين الموفي علي باقي المدينين المتضاممين مناطه العلاقة التي تربط بين المدينين المتضاممين.
مثال ذلك: ( إذا أوفي أحد الكفلاء الذين كفلوا مديناً واحد بعقود متوالية الدين كله للدائن برأت ذمة بقية الكفلاء أمام الدائن، ويجوز للكفيل الموفي أن يرجع علي بقية الكفلاء المتضاممين بدعوي الحلول مطالباً كلاً منهم بقدر حصته في الدين، كما يجوز له ان يطالب المدين الأصلي بكل الدين).
و قد نال هذا الرأي تأييد من محكمة النقض المصرية حيث قضت في أحد أحكامها بأن رجوع المدين الموفي بالدين كاملاً أو بعضه علي بقية المدينين المتضاممين يكون علي أساس العلاقة التي تربط بينهم ، فقضت أن ” الإلتزام التضاممى……. ولئن اتفق مع الالتزام التضامنى في أنه يجوز للدائن أن يطالب أي مدين بكل الدين فإن الإلتزام الأول يختلف عن الإلتزام الثاني في أنه لا يجوز للمدين الذى دفع الدين أن يرجع على مدين آخر بذات الدين إلا إذا سمحت بذلك طبيعة العلاقة بينهما”
( الطعن رقم: 5008 لسنة: 68 قضائية بتاريخ: 3-5-2000)
كذلك الحال في كلاً من الفقه و القضاء الفرنسي ، فلقد اجمع الفقه الفرنسي علي تأييد مبدأ الرجوع استنادا إلى أن منع الرجوع سيؤدي إلى نتائج غير محمودة كمنح الدائن سلطة اختيار المدين الذي يتحمل العبء النهائي للدين دون أحقيته في الرجوع علي بقية المدينين ذلك من ناحية، و من ناحية أخري قد يفتح منع الرجوع باباً لتواطؤ المضرور مع أحد المسؤولين لإفلات الأخير من المساهمة في الوفاء بدين عليه.
كما أقرت محكمة النقض الفرنسية مبدأ الرجوع في العديد من أحكامها ، ففي مجال التأمين أجازت رجوع المؤمن الموفي علي المشترك في العمل الضار.

الخاتمة 

تناولنا في هذا البحث التعريف اللغوي و القانوني للتضامم و تحديد شروطه سواء الشروط المشتركة بين التضامن والتضامم بالإضافة إلي تلك الشروط الخاصة بالتضامم فحسب ثم تعرضنا لآثار التضامم سواء في العلاقة بين الدائن و المدينين المتضامنين من ناحية و علاقة المدينين المتضاممين ببعضهم البعض من ناحية أخري، وتلك النقاط في أطار المقارنة بين التشريع الفرنسي و المصري

المراجع

• د. عبد الرزاق أحمد السنهوري- الوسيط في شرح القانون المدني الجديد – الجزء الثالث – نظرية الإلتزام
• د. نبيل إبراهيم سعد – التضامن و مبدأ عدم افتراض التضامن – طبعة ثانية – منشأة المعارف 2001.
النظرية العامة للالتزام – دار المعرفة الجامعية 1990– الجزء الثاني أحكام الالتزام.
النظرية العامة للالتزام – أحكام الالتزام – طبعة ثانية مزيدة و منقحة 2000.
• www.eastlawes.com

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني عن التضامم في القانون المدني
شارك المقالة

1 تعليق

  1. ناصر غانم محمد جابر

    28 أكتوبر، 2017 at 12:57 م

    موضوع شيق وجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني.