النطاق القانوني لحق التصرف وحمايته حسب القانون

عرضت المادة (1169) من القانون المدني العراقي لنطاق حق التصرف في الاراضي الاميرية . وهي في هذا الصدد تقسم التصرفات التي يجوز للمتصرف القيام بها ، في سبيل الانتفاع بالأراضي الاميرية ، إلى تصرفات مادية وتصرفات قانونية. تناولت الفقرة الأولى من هذه المادة التصرفات المادية فأعطت للمتصرف حق الانتفاع بالأرض وبزوائدها ، فله ان يأخذ ما ينبت فيها من اعشاب وكلأ ، وما يوجد فيها من اشجار وحطب ، كما له ان يزرعها كما كالتبغ والرز والقطن أو الافيون أو غير ذلك. كما ان له ان يقيم عليها ما يشاء من ابنية خاصة بالزراعة كحظائر المواشي ومخازن الحبوب وبيوت الفلاحيين وغيرها . اما الابنية التي لا تدخل في الأغراض الزراعية فلا يجوز للمتصرف ان يقوم بها. وللمتصرف ان يهدم ما على الأرض من ابنية ليجعل منها مزرعة وله ان ينتفع بترابها وان يبيع رمالها واحجارها في حدود القوانين الخاصة. كما ان له ان يتخذ الأرض حديثة او بستاناً أو غاية او مرعى وله بوجه عام ان ينتفع بالأرض وبغلتها فيما لا يتعارض مع طبيعة تخصيص الأرض ولا يخرج عن الأغراض الزراعية ، فليس له مثلاً ان يقسمها إلى قطع سكنية لاقامة الدور عليها ، فإن فعل فإنه يفقد بعمله هذا حق التصرف.

أما الفقرة الثانية من المادة (1169) فقد عرضت للتصرفات القانونية التي يجوز للمتصرف اجراءها . فله كصاحب اي حق عيني ان يتصرف بحقه بالبيع (وبيع حق التصرف يسمى اصطلاحاً (فراغاً) ، أو بالمقايضة او بالرهن تامينياً او حيازياً . وقد اجاز القانون استيفاء بدل الرهن من بدل بيع حق التصرف ولو عادت الارض للدولة بعد انحلالها لسبب طرأ في حياة المتصرف او بعد وفاته . وللمتصرف ان يؤجر الأرض أو ان يعيرها إلى الغير كما لو كان مالكاً . وكل ذلك مع مراعاة قواعد التسجيل في دائرة التسجيل العقاري. وبعد ان اورد المشرع في الفقرتين الأولى والثانية من المادة (1169) بعض صور التصرفات المادية والقانونية التي يجوز للمتصرف القيام بها ينتفع بالأرض وبغلتها وان يتصرف في حقه عليها في حدود القانون ، وتبقى في كل الأحوال رقبة الأرض مملوكة للدولة والحق ان المشرع كان في غنى عن ايراد الفقرتين الاولى والثانية اكتفاء بالحكم العام الذي أورده في الفقرة الثالثة (1). ان ما يقيمه المتصرف في الارض من ابنية وما يغرسه فيها بمقتضى ماله من حق اجراء التصرفات المادية في الأرض الاميرية على نحو ما تقدم ، وكذلك ما ينبت في الأرض بفعل الطبيعة يتبع الأرض في التصرف وفي الانتقال (م1170). وحق التصرف ، كأي حق مالي ، يعتبر عنصراً من عناصر اللغة المالية لصاحبه ، وبالتالي فإنه يعتبر كسائر اموال المدين ضماناً عاماً لدائنيه ، فيجوز لهم حجزه واستيفاء حقوقهم من بدله ولو بعد موت المدين ، سواء كان المدين لا يملك إلا هذا الحق أو كانت له اموال اخرى (م1171) ، مع مراعاة ما ورد في المادة (248 ف4) من قانون المرافعات المدني رقم 83 لسنة 1969 المعدل من عدم جواز الحجز ، احتياطاً كان او تنفيذياً ، على ما يكفي لمعيشة المدين وعياله من وارداته .

– القيود التي ترد على حق التصرف :

وترد على حق التصرف عدة قيود ، منها ما هو مقرر في القانون المدني ومنها ما هو مقرر في قوانين خاصة. فلا يجوز للمتصرف في الاراضي الاميرية ان يقفها او ان يوصي بها (م1172 مدني). والسبب في هذا المنع واضح. ذلك ان من شروط الوقف والوصية ان يكون الواقف او الموصي مالكاً للرقبة ، ورقبة الأرض الأميرية مملوكة للدولة وليس للمتصرف فيها سوى حق الانتفاع بها. وقضت المادة (1173 مدني) بان ما يرد على حق الملكية من قيود قانونية أو اتفاقية يرد كذلك على حق التصرف ، وبصورة خاصة ما ورد في المواد (1051 – 1060) من القانون المدني من قيود سبقت الاشارة إليها. وتقرر المادة (1174 ف1) من القانون المدني بقاء حقوق الارتفاق القديمة الواردة على الأرض الاميرية كحق الشرب والمجرى والمسيل والمرعى وغير ذلك. وتقرر الفقرة الثانية من المادة نفسها عدم جواز تسريح المواشي بين المزروعات والبساتين لما فيه من ضرر ولو كان لها حق المرعى قديماً ، ولكن إذا جرى الحصاد ورفع المحصول يجوز تسريح المواشي في الاماكن التي كانت تسرح فيها من القديم. اما القيود الواردة على حق التصرف في القوانين الخاصة فاهمها ما ورد في قانون بيع وتصحيح صنف الاراضي الاميرية رقم 151 لسنة 1959 المعدل حيث منع هذا القانون افراز أو تقسيم الاراضي الاميرية المفوضة بالطابو او الممنوحة باللزمة والتي تقع داخل حدود التصحيح المقررة بالقانون إلا بعد تصحيح صنفها بموجب احكام هذا القانون (2). كما خول هذا القانون وزير المالية الحق في تصحيح صنف الاراضي الاميرية ولو جبرا على المتصرف والتصحيح الجبري في هذه الحالة قيد برد على حق المتصرف . ومنع هذا القانون كذلك صاحب حق اللزمة من فراغ حقه او رهنه إذا كان من شأن ذلك ان يخل بالأمن العام حسب رأي السلطة الادارية ، او إذا كان الفراغ يؤدي إلى نقص مساحة الأرض بحيث لا يمكن استغلالها اقتصادياً .وقد قضت المادة التاسعة من قانون الاصلاح الزراعي رقم 117 لسنة 1970 بان للمجلس الزراعي الاعلى حق الاستيلاء على اي أرض تتخلل ارضاً للإصلاح الزراعي ولو لم يوافق المتصرف على ذلك . كما ان المادة (26) من القانون نفسه قد منعت افراز الارض الزراعية المفوضة إلى مساحات تقل عن حدود التوزيع المقررة في المنطقة إلا بموافقة خاصة.

 – الشيوع في حق التصرف :

قد يكون حق التصرف شائعاً بان يكون لمنتفعين او اكثر في ارض اميرية . والقاعدة ان احكام الشيوع في الملكية التامة تطبق على الشيوع في حق التصرف ايضاً بالقدر الذي لا تتعارض فيه هذه الاحكام مع نص خاص او مع طبيعة حق التصرف (3) ، فنحيل على تلك الاحكام . أما أحكام الشيوع الخاص بحق التصرف فقد وردت في المواد (1179 – 1182).

1- التصرف في الغابة او المدغل :

فبحسب المادة (1179) لا يجوز لاحد الشركاء الذين يتصرفون في غابة او مدغل في الأرض الاميرية المثقلة بحق التصرف تحويلها كلها او قسما منها إلى مزرعة بدون اذن بقية الشركاء ، وإذا فعل فإن الشركاء الاخرين يشتركون في المزرعة دون عوض مقابل ذلك ، ولهم بالإضافة إلى ذلك أخذ نصيبهم من الاشجار المقطوعة او من قيمتها قائمة. اما غذا كان التحويل إلى مزرعة قد حصل بأذن باقي الشركاء فإنهم يشتركون جميعاً في نفقات هذا التحويل. والحكم الذي تقرره هذه المادة فيه خروج على حكم القواعد العامة في الشيوع في حق الملكية التامة. فقد رأينا ان المادة (1065 ف1) تجيز للشركاء أصحاب القدر الاكبر في الحصص ان يدخلوا ، باذن من المحكمة ، في سبيل تحسين الانتفاع بالمال الشائع من التغييرات الاساسية والتعديل في الرضا الذي أعد له المال . اما بالنسبة للشيوع في حق التصرف فأن التعديل او التغيير يتطلب وفق المادة (1179) موافقة جميع الشركاء وليس في هذه المادة ما يشير إلى أن لأغلبية الشركاء ، ولو بأذن المحكمة فرض التعديل او التغيير على الأقلية المخالفة.

2- تطعيم وتربية الأشجار :

وإذا قام احد الشركاء في حق التصرف بتطعيم الأشجار النابتة من تلقاء نفسها ورباها فإنه يصبح مالكاً لها دون شركائه الاخرين (م 1180). وواضح من حكم هذه المادة انه يشترط ان تكون الاشجار نابتة من تلقاء نفسها ، اما إذا كانت الأشجار مزروعة او مغروسة فإنها لا تكون ملكاً لاحد الشركاء دون سواه ولو قام بتطعيمها وتربيتها. وتملك الاشجار وفق هذه المادة حكم يخالف ما قرره المشرع في المادة (1170) التي اعتبرت ان ما يغرسه المتصرف في الارض الاميرية وما يقيمه عليها من ابنية يتبع الارض في التصرف وفي الانتقال (4). وعلة الحكم الذي تقرره المادة (1180) تكمن في تشجيع اصحاب حق التصرف في الأراضي الاميرية على استغلالها وحسن الانتفاع بها.

3- قسمة الأراضي الاميرية :

تقضي المادة (1182) من القانون المدني بأنه : “1- تكون قسمة الاراضي الاميرية بين المتصرفين فيها على الشيوع قسمة نهائية وافراغها لازالة الشيوع خاضعاً للاحكام التي تسري على الأملاك الشائعة. 2- غير أنه لا تجوز القسمة ، ولو كانت قسمة رضائية في الاراضي الاميرية إلا إذا كانت هذه الاراضي قابلة للقسمة وكان في امكان الشريك ان ينتفع بحصته المفرزة بقدر ما كان ينتفع بحصته الشائعة”. فالفقرة الاولى من هذه المادة تقرر جواز ازالة شيوع الأراضي الاميرية المثقلة بحق التصرف على سبيل الاشتراك بالقسمة أو بالفراغ (البيع) كما لو كانت ملكاً. وقد تقدم بيان هذه الاحكام ، ومن أهمها ، كما رأينا ان للشركاء ان يقتسموا المشاع قسمة رضائية بالطريقة التي يرونها ، وان القسمة الرضائية لا تتم إلا اذا سجلت في دائرة التسجيل العقاري ، وان الشيء الشائع يعتبر قابلاً للقسمة إذا امكنت قسمته دون ان تفوت على أحد الشركاء المنفعة المقصودة منه قبل القسمة . ولكن الفقرة الثانية من المادة انفة الذكر لم تجوز القسمة ، ولو كانت قسمة رضائية ، إلا إذا كانت الاراضي قابلة للقسمة وكان في امكان الشريك ان ينتفع بحصته المفرزة بقدر ما كان ينتفع بحصته الشائعة ، وفي هذا خروج على القاعدة المقررة بشأن القسمة الرضائية وهي امكانية القسمة باتفاق الشركاء سواء كان المال الشائع قابلاً للقسمة أو لم يكن (5).

– حماية حق التصرف :

عالج القانون المدني العراقي حماية حق التصرف في المواد (1175 – 1178). فمنع انتقا الغير من منافع الأرض الأميرية التي يكون فها حق التصرف لاحد ومن الاعتداء عليها بأية صورة. وتناول في المادة (1175) الاعتداء المادي الذي يقع على حق التصرف فلم يجوز لاحد احراز حاصلات الأرض المستنبتة او حاصلاتها الطبيعية كما منع الغير من اتخاذ ممر في هذه الأرض إلا غذا كان له هذا الحق بمقتضى اتفاق أو نص في القانون ، كما لا يجوز للغير ان يجعلها مرعى أو يتخذها بيدراً أو بقلع اشجارها او يحتطب منها. وكل تعد يقع من الغير يلزمه بتعويض صاحب حق التصرف عما اصابه من ضرر بسبب ذلك. وتناول في المادة (1176) موضوع الغصب ، فأعطى للمتصرف في الأراضي الأميرية إذا غصبت منه حق استردادها من غاصبها او مطالبته باجر مثلها عن مدة بقاء الارض بيده . وإذا كان الغاصب قد اقام على الأرض ابنية أو غراسا فأن القانون يعامله الباني او الغارس سيء النية ، فأجاز للمتصرف ان يطلب هدم الابنية وقلع الاشجار ، واذا كان الهدم او القلع مضراً بالأرض فله ان يتملك المنشآت بقيمتها مستحقة للقلع (م 1176 ف2).

وحمت المادة (1177) حيازة للمصرف من اي اعتداء يقع عليها ، فأجازت له استعمال دعاوى الحيازة المعروفة وهي :دعوى استرداد الحيازة ، ودعوى منع التعرض ، ودعوى وقف الاعمال الجديدة. ومنعت المادة (1178) نزع حق التصرف إلا للمنفعة العامة وبالطريقة التي رسمها القانون ، في مقابل تعويض عادل يدفع إليه مقدماً.

___________________

1- في هذا المعنى ايضاً : حسن علي الذنون ، الحقوق العينية الاصلية ، بغداد 1954 ، ص238.

2-راجع: مصطفى مجيد ، شرح قانون التسجيل العقاري ، جـ1 ، بغداد ،1973ص133.

3- انظر المادة 1181 مدني عراقي.

4- انظر في هذا المعنى : عبد الرحمن خضر ، شرح القانون المدني ، بغداد 1953 ، ص43.

5- انظر المادة 1121 من المجلة .

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *