المرأة السعودية و معضلة الأوراق الثبوتية العائلية

بقلم هالة الدوسري
تطور جديد

بدأت إدارة الأحوال المدنية السعودية، في تطور جديد، بإصدار سجلات أسرة للنساء المطلّقات وللأرامل. وتمنح هذه الخطوة الأمهات السعوديات إثباتًا عن علاقتهن بأولادهن عند الضرورة، كما في المدارس والمستشفيات والفنادق. وقد رحّب الإعلام بهذا الخبر كـ”إصلاح” لحقوق المرأة في هذا البلد الذي “يمنع تقدمه رجال الدين ذوي النفوذ الواسع والمجتمع المحافظ جدًا”. ولكن المرأة السعودية تواجه تمييزًا على مستوى أعمق، في القانون والممارسة، يقف عائقًا أمام حصولها على الأوراق الثبوتية.

ما هي المشاكل في القانون الحالي؟

بموجب نظام الأحوال المدنية، الذي ينظم قدرة الحصول على الأوراق الثبوتية الشخصية والعائلية، يُعتبر الأب رب الأسرة وهو يتمتع بالسلطة الحصرية في الشؤون المتعلقة بأولاده وزوجته، بصرف النظام عن أعمراهم. وحتى لو تمكنت الأم من الحصول على سجل الأسرة، لا يحق لها أن تسجّل أو تعدّل المعلومات حول أفراد أسرتها بالطريقة نفسها كما الأب. فعادةً، يتضمن سجل الأسرة صورة رب الأسرة الذكر ومعلومات السجل المدني الخاصة به في الأعلى، ويلي ذلك جدول يتضمن أسماء وأرقام السجل المدني الخاصة بأفراد الأسرة الذين يعيلهم، نساءً وأولادًا، من دون أي صور لهم. ويفرض القانون أيضًا حصول الأبناء الذكور على أوراق ثبوتية عند سنّ معينة، فيما يترك مسألة حصول الفتيات على الأوراق الثبوتية اختيارية وخاصة لموافقة ولي الأمر.

بطاقة هوية سعودية

يعاني نظام الأحوال المدنية، بصورته الحالية، من مشاكل كثيرة في ما يتعلق بالمواطنات. فيمكن للآباء بكل بساطة أن يمتنعوا عن تسجيل أو تحديث المعلومات الشخصية لأولادهم لعدة أسباب، ما يفسر سبب عدم تغطية النظام الوطني للتسجيل مدني سوى لـ73 في المئة من الولادات في المملكة العربية السعودية. ففي هذا البلد، حيث معظم النساء محجبات ويعانين من التمييز، يصبح من الضروري الاعتماد على الرجل للحصول على الأوراق الثبوتية وبالتالي على الخدمات أو الموارد. وبسبب هذا الاعتماد على الرجل، تصبح المرأة عرضة وضحية لسوء استخدام ولي أمرها لمعلوماتها الشخصية.

وفي بعض الحالات، تُستخدم المعلومات حول النساء في سجلات الأسرة للقيام بممارسات بدون موافقتهنّ، أو لارتكاب جرائم أخطر مثل الاتجار بالبشر أو بالمخدرات.

ويعكس نظام الأحوال الشخصية، في جوهره، غياب المساواة بين الزوج والزوجة على عدة مستويات. فالقانون يلقي مسؤولية التبليغ عن الزواج والطلاق أو فسخ الزواج على عاتق الرجل فقط. ولا يمكن إلا للأب، أو من يليه مباشرة من الأقرباء الذكور البالغين 15 عامًا وما فوق، أن يبلغ عن ولادة أو وفاة أحد أفراد الأسرة، حتى إذا كانت الأم هي الراعية للشخص المتوفى. والمثير للاهتمام هو أن الاستثناء الوحيد هو في حالة النساء الأرامل، اللواتي يستطعن تسجيل وتحديث معلومات أولادهن في سجل العائلة. فالقانون يحفظ حق الآب كرب للأسرة إلى حين وفاته، وينتقل هذا الحق بعد ذلك إلى الأم.

أما الحالة الأكثر إثارة للاهتمام فهي المرأة السعودية المتزوجة من أجنبي. فالقانون يمنع الزوج الأجنبي من الحصول على الأوراق الثبوتية العائلية، ولكن بالرغم من ذلك لا يحق للمرأة المتزوجة من أجنبي أن تستحصل على هذه الأوراق.

تعتمد أهلية المرأة للحصول على الأوراق الثبوتية العائلية على حالتها الاجتماعية. وغني عن القول إن حصول المرأة على سجل الأسرة لا يعطيها السلطة نفسها تجاه أولادها كما الأب، فهي ما زالت تحتاج إلى موافقة الأب على القرارات المتعلقة بالأولاد إلا إذا كانت تمتلك أوراق حضانة من محكمة، تُحدَّد بموجبها القرارات المسموح للمرأة باتخاذها تجاه الأولاد (مثل السفر والتعليم والرعاية الصحية).

في الواقع، تؤدي معظم النساء السعوديات دور رب العائلة، أكان ذلك في وجود الآباء أم في غيابهم. وبالرغم من غياب الإحصائيات حول عدد الأسر التي ترأسها وترعاها نساء، تكشف الإحصائيات حول الطلاق الكثير. فتُسجل في المحاكم 96 حالة طلاق أو فسخ زواج يوميًا، وتتمثل النسبة الأكبر من القضايا المرفوعة في المحاكم بالشكاوى ضد الأباء الذين يرفضون تحمل مسؤولية أولادهم المالية. وفي الواقع، يبلغ عدد هذه القضايا مستوىً هائلًا إلى حد أن وزارة العدل تدرس عمليًا احتمال طرح قانون يفرض سحب جزء من مدخول الأب بهدف دعم أولاده بعد الطلاق. وبالطبع، لم يطرح احتمال نقل حضانة الأولاد إلى الأمهات بدلًا من الآباء المهملين أو الذين يتخلون عن أسرتهم.

لماذا تعد المقاربة الرسمية لإصلاح حقوق المرأة المنصوص عليها في القوانين خاطئة؟

إقرارًا منه بالمواد المقيدة والمثيرة للجدل في نظام الأحوال الشخصية، وافق مجلس الشورى السعودي في العام 2015 على عدة تعديلات للنظام تهدف إلى الحد من سوء استخدام أولياء الأمر لمعلومات النساء بهدف كسب الأموال أو ارتكاب الجرائم. ما زالت هذه التعديلات بحاجة موافقة وزارة الداخلية (غير المرجحة)، ولكن إذا أُقرت، فإنها تسمح للمرأة بالحصول على سجل الأسرة وبتسجيل أولادها وتحديث معلوماتها المدنية من دون الحاجة إلى موافقة زوجها. ولكن التعديلات المقترحة، أو السماح للأمهات بالحصول على سجلات الأسرة، لا يعالجان جوهر المشكلة، ألا وهو أن الدولة لا تنظر بعين المساواة إلى المرأة.

غالبًا ما يدور النقاش بشأن “إصلاح” حقوق المرأة حول دور المرأة في المنزل، ونادرًا ما يتم التطرق إلى الجوانب العملية الأخرى من حياتها. فعلى سبيل المثال، طالبت بعض الأعضاء النساء في مجلس الشورى بتعديل نظام الأحوال المدنية بناءً على حاجات الزوج أو موقعه كرب للأسرة. وطالبت إحدى الأعضاء النساء، هيا المنيع، بإعطاء المزيد من السلطة إلى المرأة عبر تقديم أمثلة عن زوجات الأطباء أو الجنود في الجيش. وعبر اختيارها لهذين النموذجين اللذين يعملان للصالح العام، ركزت المنيع على الواجب العام تجاه أسر هؤلاء الأشخاص. وفيما اعترضت عضو مجلس الشورى نورة العدوان على الإصلاحات، معتبرة أنها تتعارض مع مبدأ الولاية والقوامة للرجل، اقترحت منح المرأة نسخة عن سجل الأسرة الخاص بزوجها من دون أن تُعطى صلاحية تعديل معلومات الأسرة.

وبالتالي، جرى النقاش حول أهلية المرأة في الحصول على الأوراق الثبوتية العائلية بناءً على موقع الزوج وامتيازاته، لا على موقع الأم وامتيازاتها هي. تعزز هذه التبريرات هوية المرأة كمقدمة رعاية ثانوية وتابعة للزوج، رب الأسرة، ولا تتخذ القرارات نيابة عن الأسرة إلا في حالات الضرورة.

“المرأة السعودية المثالية”

نظرًا إلى القيود المؤسسية التي تكرس انعدام المساواة في ما يخص حصول المرأة على الأوراق الثبوتية العائلية – أو أي أوراق ثبوتية في المناسبة – لا بد من التساؤل عن سبب تكريس نظام مماثل أساسًا. منذ إنشاء الدولة السعودية، شكلت المرأة صورة رمزية عن هوية الدولة الإسلامية أو القبلية. وتمثل النساء كفئة اجتماعية الصورة “الظاهرة” لنمط الدولة الخاص من الإسلام. فـ”المرأة السعودية المثالية” هي زوجة وأم مطيعة، متعلمة بالقدر الذي تسمح به عائلتها، يُمنع عليها الاختلاط مع الرجال إلا عند الضرورة، ويُلقى على كاهلها واجب صون الأخلاق الإسلامية والقيم التقليدية التي تنشرها الدولة. وبالتالي، يُقدّر للمرأة أن تعتمد على الرجل في الأسرة بدلًا من ترؤس الأسرة. في المقابل، تعزز الأسرة، التي تشكل الوحدة الاجتماعية الأساسية، نظرة الدولة للأدوار والمسؤوليات المختلفة للمواطنين الذين تفرّق بينهم بناءً على نوعهم الاجتماعي.

ويتمثل دور المرأة في العائلة في نقل هذه القيم والتقاليد التي تتبناها الدولة إلى أولادها. ولضمان امتثال النساء، تتخذ الدولة إجراءات لدعم نظرتها إلى المرأة السعودية “المثالية”: فصل قسري بين الجنسين، وشرطة دينية لمراقبة لباس المرأة وسلوكها، والأهم، سياسة وصاية تفرض على المرأة الحصول على موافقة ولي أمرها الذكر للحصول على الخدمات والموارد. فضلًا عن ذلك، لا تتزوج المرأة السعودية المثالية والمطيعة رجلًا أجنبيًا في نظر الدولة، وإذا فعلت، تهدد شراكتها مع الدولة عبر الامتثال إلى قيم وتقاليد بلد زوجها. وبالتالي، تُحرم المرأة السعودية “التابعة” لزوج أجنبي من الحصول على سجل الأسرة وغيره من خدمات الدولة، كما تُحرم من إعطاء الجنسية السعودية إلى زوجها وأولادها.

خاتمة

لا يقع الذنب على رجال الدين ذوي النفوذ الواسع أو على المجتمع المحافظ جدًا في انعدام المساواة بين المرأة والرجل في السعودية. فالدولة، وبفضل سيطرتها على المعلومات والحريات الشخصية، هي من اختارت رجال الدين وعينتهم وسمحت بتحديد المعايير بناءً على نظرتها ومفهومها للمرأة السعودية المثالية، ما أنتج إطارًا قانونيًا منحازًا.

ولا تنظر الدولة إلى المرأة بعين المساواة كمواطنة قادرة على تحمل مسؤولية الأسرة ومخولة باتخاذ القرارات نفسها كما الرجل، كما لا تسمح لها بالتزوج من أجنبي والحفاظ على واجبات وامتيازات الجنسية السعودية في الوقت نفسه. وليست المشاكل التي تواجهها المواطنات في الحصول على الأوراق الثبوتية سوى مظهر هذه الهوية التي تفرضها الدولة، أكان ذلك في نظام الأحوال الشخصية أو نظام جوازات السفر أو أي معاملة للحصول على أوراق ثبوتية من الدولة.

والمقاربة المجدية الوحيدة للتخلص من هذا التمييز القانوني المترسخ في الدولة تمكن في تحول شعبي في هوية المرأة لكي تصبح مواطنة متساوية مع الرجل وتتمتع بالحقوق والواجبات نفسها تجاه الأسرة.