الحدود القانونية لطاعة الرئيس في الاوامر الغير شرعية

د. عادل خير

استقر قضاء النقض علي ان (طاعة الرئيس لاتمتد بأي حال من الأحوال الي ارتكاب الجرائم وانه ليس علي مرؤوس ان يطيع الأمر الصادر له من رئيسه بارتكاب فعل يعلم ان القانون يعاقب عليه نقض (6-1-1966 ـ 13-3-1972 ــ 13-10-1974 ــ 24-3-1983) فإنه وان كان المشرع قد اخذ بنظرية (الطاعة المقيدة) فأوجب من حيث المبدأ علي المرؤوس تنفيذ امر الرئيس إلا انه اخضعه لمجموعة من القيود لحماية المجتمع حيث حظر قانون العقوبات الذي يحمي المصلحة الاجتماعية ـ كما يقول الدكتور عادل محمد خير أستاذ القانون الدولي والمحامي بالنقض ـ علي الموظف العام ان يطيع الرئيس فيما يتضمن ارتكاب فعل يؤثمه القانون فإن أمر الرئيس مرؤوسه بارتكاب تزوير أو اختلاس أو قتل أو تعذيب فإن المرؤوس لايلتزم بإطاعة رئيسه فإن اطاعه كان مسئولا عن الجريمة التي اقترفها تنفيذا لأمر رئيسه غير المشروع.

وانه وان كان استعمال السلطة يعد سببا من اسباب الاباحة التي تبيح عمل الموظف اذا كان مطابقا للقانون وتمنع قيام المسئولية عنه اذا كان مخالفا للقانون ولكن الموظف العام ارتكبه وهو حسن النية وبعد التثبت والتحري علي النحو الوارد في المادة 36 عقوبات التي تنص علي انه: لاجريمة اذا وقع الفعل من موظف عام في الاحوال الآتية: (أولا) اذا ارتكب الفعل تنفيذا لأمر صادر اليه من رئيس وجبت عليه اطاعته او اعتقد انها واجبة عليه. ثانيا: اذا حسنت نيته وارتكب فعلا تنفيذا لما امرت به القوانين أو ما اعتقد ان اجراءه من اختصاصه وعلي كل حال يجب علي الموظف ان يثبت انه لم يرتكب الفعل إلا بعد التثبت والتحري وانه كان يعتقد مشروعيته وان اعتقاده كان مبنيا علي اسباب معقولة فيكون عمل الموظف العام ولا اهمية لنوع العمل الذي يقوم به ولا لمركزه الوظيفي ـ إذا توافرت قانونيا أو مباحا اذا توافرت الشروط الاتية:

أولا: ان تكون هناك سلطة تقديرية يخولها القانون للموظف العام فقانون الاجراءات الجنائية علي سبيل المثال منح سلطات تقديرية واسعة لمأمور الضبط القضائي في اجراء التحريات والقبض علي المتهم الذي توجد دلائل قوية علي اتهامه (م 34 أ.ج) وتفتيش منزله في حالة التلبس اذا اتضح له امارات قوية ان بالمنزل ما يفيد في كشف الحقيقة (م 47 أ.ج) فتقدير الدلائل أو الامارات القوية متروك لمأمور الضبط ومتي كان عمله مطابقا للقانون خاليا من عيب سوء استعمال السلطة فإنه يكون مباحا.

ثانيا: ان يوجد سبب مشروع يدعو الي استعمال السلطة فالعمل الذي يقوم به الموظف العام لايكون مشروعا اذا لم يستند الي سبب مشروع يبرره وقد حكم بأنه اذا كان المتهم متلبسا بجريمتي حمل السلاح بدون رخصة واهانة ضابط بوليس بالقول اثناء تأدية وظيفته فهذه حالة تسوغ قانونا للضابط ان يقبض علي المتهم ويجرده من سلاحه وان يستعمل القوة الضرورية لذلك فإذا ما حاول المتهم الهروب لتفادي القبض عليه كان للضابط ان يعطله فإذا اضطر في سبيل ذلك الي اطلاق النار علي الفرس التي استعان بها المتهم علي الفرار قاصدا تعطيلها عن العدو فقتلها فإنه لايكون متجاوزا حقه والفعل الذي وقع منه لايكون جريمة فالدافع الي القبض هو تلبس المتهم بالجريمة والدافع الي استعمال القوة هو محاولة للهروب ومن ثم يكون مبررا استنادا الي استعمال السلطة اما إذا لم يحول المتهم الهرب ومع ذلك استعمل مأمور الضبط القضائي القوة فإنه يسأل عن الضرب لأنه كان بغير سبب مشروع.

ثالثا: مطابقة العمل للقانون فيكون عمل الموظف العام مطابقا للقانون اذا كان داخلا في اختصاص الوظيفة وروعيت فيه الشروط التي يستلزمها القانون من حيث الموضوع والشكل، فالاختصاص في القانون العام يقابل الاهلية في القانون الخاص ويترتب علي عدم توافره عدم مشروعية العمل وسواء كان عدم الاختصاص راجعا الي المكان او النوع أو الشخص، وفي هذا استقرت محكمة النقض علي انه اذا خرج مأمور الضبط القضائي عن دائرة اختصاصه لاتكون له سلطة ما وانما يعتبر فردا عاديا وهذه هي القاعدة العامة لأداء كل وظيفة رسمية في هذه الاحوال اذا استعمل مأمور الضبط العنف في القبض فإنه يسأل عن الضرب واذا اتلف باب المسكن فإنه يسأل عن الاتلاف فضلا عن مساءلته عن انتهاك حرمة المسكن والقبض بغير وجه حق (م 128 و280 عقوبات) واذا كان الموظف العام ينفذ امر رئيسه فإنه لايخول إذا ما ورد في الاذن فالأذن بتفتيش منزل المتهم لاينسحب علي شخصه والاذن بتفتيش متهم لايخول القبض عليه والاذن بالقبض علي المتهم يبرر لمأمور الضبط القضائي باستخدام القليل من العنف ومحظور عليه الالتجاء الي فعل يحدث موتا أو جروحا بالغة وعندئذ يسأل مأمور الضبط عن هذا التجاوز بوصف العمد اذا كان مقصودا وبوصف الاعمال اذا كان نتيجة الرعونة.

رابعا: انصراف ارادة الموظف العام الي تحقيق الغاية المشروعة وهذا هو العنصر المعنوي في العمل القانوني فيكون عمله غير مشروع اذا باشر السلطة لتحقيق اغراض ومآرب اخري بعيدة عن المصلحة العامة كاستهداف مصلحة شخصية أو حزبية فالقانون يخول لرجال البوليس سلطة فض المظاهرات ولو بالقوة بقصد تدارك الاخلال بالأمن أو السكينة العامة ففي حدود هذا الغرض يكون العنف مشروعا اما اذا قصد به مجرد اشباع شهوة الانتقام ان تحقيق مصلحة حزبية أو لإثارة الفتن بين طوائف الشعب لتحقيق اغراض ومآرب بعيدة عن الصالح العام فإنه يكون عملا غير مشروع ويعاقب عليه فاعله.

وطاعة الرءوساء علي حد تعبير محكمة النقض لاتنبغي بأي حال ان تمتد الي الجرائم فليس علي المرؤوس ان يطيع رئيسه في امر محرم وجرم يعلم هو ان القانون يعاقب عليه فالموظف العام يعد مرتكبا تزويرا في جدول الانتخاب ولايشفع له صدور امر من الرئيس بإحداث ذلك التزوير وارتكاب بعض رجال الشرطة اعمال التعذيب والقسوة الشديدة باستخدام الرصاص المطاطي وغيره من انواع الرصاص والقنابل المسيلة للدموع والهراوات الكهربائية ينم عن استخفاف بالأرواح لايجيزة القانون وتكون الشبهة قائمة علي وجود الجناية خالية من العذر المعفي من العقاب المنصوص عليه في المادة 36 من قانون العقوبات لعدم توافر شروط الاعفاء لانتفاء شرط التحري والتثبت وحسن النية.

وتجدر الاشارة الي انه اذا اطاع المرؤوس رئيسه ونفذ ما امره به ووقعت الجريمة بموجب هذا التنفيذ كان الرئيس مسئولا بوصفه شريكا ولا يحول دون مسئولية الرئيس ان يكون المرؤوس حسن النية فلايوجد ما يمنع قانونا من مساءلة الرئيس عن جريمة عمدية رغم مساءلة المرؤوس الذي توافر في حقه حسن النية عن جريمة غير عمدية لأنه يسأل كل المساهمين في الجريمة وفقا لمدي توافر القصد الجنائي لديه.

تكلم هذا المقال عن : الحدود القانونية لطاعة الرئيس في الأوامر غير الشرعية