كان من الطبيعي أن يرفض الكثيرون منا مشروع قانون التظاهر كما طرحه مجلس الوزراء علينا‏,‏ بالرغم من احتياجنا الشديد لتنظيم التظاهر السلمي في المرحلة السياسية التي نمر بها الآن‏.‏
كنا نتوقع طرح مشروع أو ادخال تعديلات علي قانون عام1923 تلائم وتنظم آليات التظاهر السلمي الآن, وتتلاءم مع المرحلة الحالية, ثم تناسب المستقبل, أي مرحلة استكمال بناء الدولة الجديدة. وأن تكون علي أقل تقدير متطورة علي قانون عام.1923 لأن المستقبل الذي نعنيه هو الذي نسعي فيه لتأسيس دولة ديمقراطية مدنية حديثة تقبل التعددية بشكلها العام وفي كل المجالات السياسية والنقابية. لذا يصبح هذا المشروع المطروح, من وجهة نظر الكثيرين, غير ملائم لطموحاتنا الحالية وبالتالي المستقبلية.
وإذا كان الكثيرون قد عارضوا مشروع القانون لغلظته ولعدم استجابته لما يمكن أن نسميه بالمسار السمح للديمقراطية فإنني من جانبي الشخصي عارضته كما أعارضه الآن وكما سوف أعارضه في المستقبل إذا استمر يخلط ويجمع بين حق التظاهر السلمي الذي هو حق لكل المواطنين. وحق الإضراب الذي هو حق أصيل لكل العاملين بأجر في مصر.

حق الإضراب حق أصيل لشريحة من المجتمع وليس كل أفراد المجتمع. يخص حق الإضراب المواطنين العاملين بأجر لدي صاحب عمل سواء كان صاحب العمل هذا الدولة أو الأفراد. يمارس هؤلاء العاملون حقهم الأصيل هذا دفاعا عن حقوق اقتصادية في الأساس لدي صاحب العمل هذا. فنحن نسمع دائما عن أحداث إضراب العاملين في شركة كذا أو العاملين في مصنع كذا أو العاملين في مرفق معين وفي أحيان ينظم عاملون إضرابهم في صناعة معينة كما حدث في المملكة المتحدة عندما أضرب عمال المناجم, أي أنه نظم كل العمال البريطانيين في صناعة المناجم البريطانية. فالإضراب يخص مصالح هؤلاء العاملين في الوحدة المعينة أو الصناعة المحددة أو القطاع الانتاجي المعين. ولا تختلف الحالة المصرية عن كل حالات العالم وبلدانه في هذا الشأن.
وفي واقع الأمر كنا جميعا في انتظار صدور قانون الحريات النقابية الذي تمت الموافقة عليه في حكومة الدكتور عصام شرف ثم أجل المجلس العسكري إقراره لحين انعقاد البرلمان. هكذا قيل وقتئذ. وهو ما لم يحدث في مجلس الشعب كما وعدنا. لذا تصورنا أن قانون الحريات النقابية وإن تم إدخال بعض التعديلات عليه في وزارة القوي العاملة الحالية هو القانون الذي ننتظر صدوره ليس فقط لإقراره بمبدأ التعدد النقابي والحريات النقابية بل لأنه القانون الذي يضع أسسا لبناء علاقات بين التنظيم النقابي العمالي وأصحاب الأعمال بحيث تنظم هذه الأسس طرق التفاوض الجماعي وسلسلة الآليات والاجراءات التي يمكن أن تتخذ من جانبي أطراف العملية الانتاجية للمساعدة في إيجاد مناخ سلمي كفء عام تتقدم فيه العملية الانتاجية ذاتها.

فقانون الحريات النقابية كما تعرفنا عليه منذ أكثر من عام لم يوضع من أجل رفع اسم مصر من القائمة السوداء في منظمة العمل الدولية في الأساس. فقد استمرت مصر علي هذه القائمة لعقود زمنية وعاش المصريون ودولتهم اعضاء في المنظمة واستمر العمال المصريون يعملون وينتجون ولم تقم القيامة ولكن دون أن تتمتع مصربسمعة طيبة في الخارج.ولكن مرت هذه العقود دون أن تقوم في مصر حركة نقابية عمالية ديمقراطية يمكن لأعضائها الاعتماد عليها كما يمكن أن تكون سندا لتقدم البلاد ديمقراطيا كما يحدث في البلدان الديمقراطية في الشرق قبل الغرب وفي الجنوب قبل الشمال.. ولكن وضع قانون الحريات النقابية في الاساس لأنه يضع وينظم أسس الحريات التي تسمح بتوحيد صفوف العاملين الأجراء في الوحدة, في نقابة أو أكثر, وحصولهم علي حرية التنظيم والاجتماع والحصول علي المعلومات التي تساعدهم في التفاوض والوصول إلي حلول يرضي عنها طرفا الانتاج وبالتالي يستقر العمل في الوحدة.

فالذي كنا نشاهده ومازلنا نشاهده الآن هو نوع من الاضرابات العشوائية التي لا تنتظم تحت القيادة المنتخبة في الوحدة كما أنها لا تجمع في صفوفها كل أو غالبية العاملين. نجد الاضرابات التي تنشأ وتوجد وتتوحد تحت قياداتها المحلية الفاعلة في أغلب الأحيان تكون من خارج القيادات المنتخبة والتي ترفع المطالب سواء كانت مبالغا فيها أو مقبولة. ونحن نقبل مثل هذه الاضرابات الآن مادام لم يتغير البناء القانوني للحريات النقابية ولم يجد العاملون الأجراء فرص ممارسة, بإرادة حرة, قيام تشكيلاتهم التي تستطيع تمثيلهم والتحدث باسمهم بحيث لا يخرج من صفوفهم مجموعة أو حتي فرد من العاملين لديهم.
وفي هذا المجال لابد من التفرقة بين التفرق والتمزق العمالي وبين التعددية النقابية. فالتمزق والتفرق العمالي هو الفوضي. أما التعددية النقابية فهي الاختيار الحر للعمال للتنظيم النقابي الذي يعبر عنهم ويدافع عن مصالحهم. فمن الملاحظات الأساسية في علاقاتنا بالنقابات ومسئوليها في البلدان الديمقراطية, ومنها الهند ككبري الديمقراطيات في العالم, أن السؤال الذي يطرح دائما عند تعيين أو إنهاء خدمة أحدهم أو قبول استقالته: هل انت نقابي أو خارج التنظيم النقابي؟ فالإجابة بلا أو بنعم تعني الكثير للطرفين, للعامل ولرب العمل.

وهنا تكمن الفروق الأساسية بين حق الإضراب وحق التظاهر السلمي. لأن حق الإضراب يرتبط بالحقوق وبالحريات النقابية ومدي ومتي تستطيع النقابة المنتخبة الوصول إلي الحلول أو العجز عنها. ويأتي أهم عاملين في شأن حق الإضراب, أولا في قدرة النقابة أو النقابات مجتمعة علي المفاوضة الجماعية وثانيا علي قدرة النقابة وسلطتها التي يسمح بها القانون في تكوين صناديق لمساندة الإضراب. فالدارس لحركة الاضرابات في كل البلدان لا يجدها تقوم فجأة في موقع العمل أو في الصناعة الواحدة. فمن البداية إلي النهاية يعلم العمال ومعهم أجراء العمل في المجتمعات التي يسود فيها القطاع الخاص أن انضمامهم إلي الإضراب سيحرمهم من أجرهم اليومي الذي يعتمدون مع اسرهم عليه. لذا يقال دائما إن حق الإضراب هو الحق الذي يستعمله العمال بقيادة نقابتهم كآخر الاجراءات التي يلجأون إليها لتحقيق مطالبهم. تأتي قبله الاتصالات والاجتماعات ثم المفاوضة المبدئية ثم المفاوضة الجماعية وأخيرا وأخيرا جدا يأتي قرار الإضراب بعد استنزاف كل السبل.يحدث هذا في الأوقات والحالات المتطورة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بوضع أسسها التشريعية ومتابعة تطورها ونضجها. ولأن الوصول إلي قرار الاضراب أمر ليس سهلا بالنسبة للمسئولية النقابية فإننا في أحيان كثيرة نسمع ونقرأ عن اعلان نقابة معينة في صناعة كبيرة في بلد متقدم صناعيا بقرارها تنظيم إضراب عن العمل لساعتين أو لثلاث ساعات علي سبيل الانذار للإدارة ومطالبتها الحذر.

في نهاية الأمر يرتبط حق الاضراب وممارسته وتكوين صندوق نقابي لمساندته بقانون الحريات النقابية ولا يرتبط من قريب او من بعيد بقانون حق التظاهر السلمي وإجراءاته المختلفة وكما تتباين عقوباته.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : أمينة شفيق تكتب عن حق الاضراب وحق التظاهر السلمي